ترجيحات أميركية بالتركيز على توسيع عضوية «بريكس»

لصعوبة المواجهة مع هيمنة الدولار على التعاملات الدولية

رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا (الثاني يساراً) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (وسط) ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو (الثاني يميناً) ورئيسة «بنك التنمية الجديدة» رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف (يمين) يحضرون بداية القمة الخامسة عشرة لدول «بريكس» في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا في 22 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)
رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا (الثاني يساراً) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (وسط) ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو (الثاني يميناً) ورئيسة «بنك التنمية الجديدة» رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف (يمين) يحضرون بداية القمة الخامسة عشرة لدول «بريكس» في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا في 22 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)
TT

ترجيحات أميركية بالتركيز على توسيع عضوية «بريكس»

رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا (الثاني يساراً) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (وسط) ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو (الثاني يميناً) ورئيسة «بنك التنمية الجديدة» رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف (يمين) يحضرون بداية القمة الخامسة عشرة لدول «بريكس» في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا في 22 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)
رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا (الثاني يساراً) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (وسط) ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو (الثاني يميناً) ورئيسة «بنك التنمية الجديدة» رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف (يمين) يحضرون بداية القمة الخامسة عشرة لدول «بريكس» في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا في 22 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)

مع انعقاد قمة دول «بريكس» للاقتصادات الناشئة في منطقة ساندتون المالية بجوهانسبورغ بجنوب أفريقيا، تجددت التكهنات حول قدرة التكتل الذي يضم نحو 40 في المائة من سكان العالم، ويحظى بأكثر من 30 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي، على تحدي الاقتصادات الغربية الكبرى، وأكبرها الولايات المتحدة، ولا سيما مواجهة الهيمنة المتواصلة منذ عقود للدولار الأميركي على التعاملات الدولية.

ويعتقد على نطاق واسع في الولايات المتحدة أن الاجتماع الذي يستمر ثلاثة أيام بمشاركة شخصية من الرؤساء الصيني شي جينبينغ، والبرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، ولكن افتراضياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الأرجح بسبب مذكرة التوقيف التي أصدرتها ضده محكمة الجنايات الدولية قبل أشهر على خلفية الحرب في أوكرانيا؛ سيركز على درس النظر في ضم دول أخرى إلى التكتل، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران، علماً أن أكثر من 20 دولة طلبت الانضمام. ويتوقع أن يحضر القمة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وكذلك الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي.

وعلى الرغم من الأحاديث المتزايدة عن سعي المجموعة، التي تشكلت عام 2009 من البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل إضافة جنوب أفريقيا إليها عام 2010، إلى مناقشة إنشاء عملة جديدة تنافس الدولار الأميركي؛ فإن إحراز تقدم في هذا المجال يبدو مستبعداً في الوقت الراهن، بسبب إدراك الدول الأعضاء أن الدولار الأميركي يمثل حالياً نحو 90 في المائة من إجمالي تداول العملات ونحو 100 في المائة من تداول النفط. وهناك خشية من أنه إذا أنشأت دول «بريكس» عملة احتياطية جديدة، فمن المحتمل أن يؤثر ذلك بشكل كبير على الدولار، مما سيؤدي إلى انخفاض الطلب عليه، وبالتالي ستكون لهذه الخطوة تداعيات على الاقتصاد الأميركي والعالمي.

وعلى غرار ما يتردد حالياً، شهدت القمة التي عُقدت في أبريل (نيسان) الماضي مطالبة الرئيس البرازيلي بمعرفة سبب استمرار العالم في بناء كل تجارته تقريباً على الدولار. وسأل وسط تصفيق مدوٍّ: «لماذا لا يمكننا التداول على أساس عملاتنا؟ من الذي قرر أن يكون الدولار هو العملة بعد اختفاء معيار الذهب؟».

وردد خطاب لولا صدى جانب واحد من الجدل الذي احتدم في السنوات الأخيرة حول مستقبل الدولار الأميركي باعتباره العملة العالمية المهيمنة. ويعتقد البعض أن الدولار في حال تراجع لأنه على مدار الأعوام الـ600 الماضية، ارتفعت العملات الاحتياطية وانخفضت جنباً إلى جنب مع اقتصاداتهم المحلية. وهم يزعمون أنه مع تقلص حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي، فإن دور الدولار سوف يتضاءل أيضاً، لكن الحقيقة هي أنه لم تكن هناك عملات احتياطية عالمية مهيمنة قبل الدولار، الذي لا يزال العملة الوحيدة التي لعبت مثل هذا الدور المحوري في التجارة الدولية.

وفي القمة التي عُقدت في منتصف عام 2022، قال الرئيس الروسي إن دول «بريكس» تخطط لإصدار «عملة احتياطي عالمية جديدة»، ومستعدة للعمل بشكل مفتوح مع جميع الشركاء المنصفين.

وينطلق سيلفا وبوتين في ذلك من أن هناك جانباً سلبياً للدولار المهيمن. وفي حال النجاح المفترض في إنشاء عملة جديدة بديلة، يجب على الولايات المتحدة السماح لرأس المال بالتدفق بحرية عبر حدودها وامتصاص المدخرات واختلالات الطلب في البلدان الأخرى؛ أي إنه يجب عليها معالجة العجز لتعويض فوائض الآخرين والسماح لهم بذلك، فضلاً عن تحويل فائض إنتاجهم ومدخراتهم إلى أصول جديدة عن طريق شراء العقارات أو المصانع أو الأسهم أو السندات. وسيؤدي هذا إلى انخفاض الطلب العالمي، مما يجبر الولايات المتحدة على التعويض. ويمكن للولايات المتحدة والعالم بأسره الإفادة من دولار أميركي أقل هيمنة، ولكن على عكس توقعات لولا، فإن تبني عملة احتياطي عالمية بديلة لن يفيد بالضرورة البلدان ذات الفائض مثل البرازيل نفسها. بدلاً من ذلك، ستجبر هذه الدول على مواجهة أسباب فوائضها ومعالجتها من خلال تقليص الإنتاج وإعادة توزيع الدخل.

لهذه الأسباب، يجب على المستثمرين أن يراقبوا عن كثب التقدم في عملة «بريكس» المحتملة. وإذا قامت الكتلة في نهاية المطاف بإنشاء واحدة، فسيكون من المهم مراقبة تأثير العملة على اقتصادات الدول الأعضاء والسوق العالمية الأوسع.

وخلال السنوات الأخيرة، خفت سيطرة الدولار على التجارة العالمية إلى حد ما؛ إذ تحولت البنوك والشركات والمستثمرون إلى اليورو واليوان الصيني، لكن بعد مضي 24 عاماً على طرح اليورو، لا تزال العملة الثانية في العالم لا تنافس الدولار في الجاذبية الدولية. وقال الخبير الاقتصادي بجامعة هارفرد، جيفري فرانكل، إن «الدولار يستخدم في ثلاثة أضعاف عدد معاملات الصرف الأجنبي مثل اليورو».

واليوان مقيد برفض بكين السماح بتداول العملة بحرية في الأسواق العالمية.

وقال الزميل الأول في كلية فليتشر للشؤون العالمية بجامعة تافتس ميهايلا بابا: «لم ينجح أي من بدائل الدولار في الوصول إلى مستوى الهيمنة»، مضيفاً: «لذا؛ فإن فكرة أنه سيكون لديك الآن، بين عشية وضحاها، عملة (بريكس) جديدة من شأنها (أن تسبب) اضطراباً كبيراً - يستغرق الأمر وقتاً، ويستغرق الثقة... أرى أن هذا المسار طويل جداً».


مقالات ذات صلة

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا حكومة جنوب أفريقيا تحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشاركة بالصراع بين روسيا وأوكرانيا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا تحقق في انضمام 17 من مواطنيها للمرتزقة بصراع روسيا وأوكرانيا

قالت حكومة جنوب أفريقيا، اليوم (الخميس)، إنها ستحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشارِكة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب) p-circle

لولا يعدّ الانتشار العسكري الأميركي في الكاريبي «عامل توتر»

عدّ الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال اجتماع عبر الفيديو لمجموعة «بريكس»، الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي «عاملَ توتر».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد الزعيمان الصيني والهندي خلال لقائهما على هامش أحد مؤتمرات «بريكس» في روسيا (رويترز)

بكين ونيودلهي لإعادة بناء علاقاتهما التجارية بسبب الرسوم الأميركية على الهند

تعمل الهند والصين على استعادة الصلات الاقتصادية التي توترت إثر اشتباك حدودي مميت عام 2020، وذلك في أحدث علامة على اقتراب رئيس الوزراء الهندي من دول «بريكس».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

ر

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.


إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
TT

إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)

كشف رئيس منظمة «أفغان إيفاك» الإنسانية شون فاندايفر أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجري محادثات لترحيل مئات اللاجئين الأفغان ممن ساعدوا الولايات المتحدة في حربها ضد «طالبان» في أفغانستان، إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وكانت إدارة ترمب اتخذت خلال الأشهر الماضية إجراءات لرفع الحماية عن هؤلاء اللاجئين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة مع - أو بعيد - انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان في صيف 2021، وأوقفت إعادة توطينهم.

وأفاد فاندايفر أنه تلقى إحاطة من مسؤولين مطلعين يعملون في وزارة الخارجية أو بالتنسيق الوثيق معها أن خطة إدارة ترمب تشير إلى احتمال ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. واتهم إدارة ترمب بتقديم خيار سيء للغاية للاجئين الأفغان، يدفعهم إلى اختيار العودة إلى أفغانستان حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بحياتهم.

آلاف الأفغان في مطار كابول ينتظرون نقلهم خلال انسحاب القوات الأميركية (غيتي)

وقال عبر شبكة «إن بي سي» إن «هذا جنون» لأنه لا حل لأزمة اللاجئين في الولايات المتحدة بإلقائهم في دولة تعاني أصلاً أزمة لاجئين. وأوضح أن جمهورية الكونغو عاجزة عن إعالة اللاجئين الموجودين لديها حالياً، ومعظمهم من رواندا وجمهورية أفريقيا الوسطى المجاورتين. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان هناك أي حماية للأفغان من الترحيل. وأضاف: «لا توجد وظائف. إنهم يعيشون في خضم حرب أهلية. هذا ليس مكاناً مناسباً للأفغان. سينتهي بهم المطاف بالترحيل إلى أفغانستان من حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية».

«حل إيجابي»؟

وفي إطار حملته المتشددة على الهجرة، أغلق ترمب فعلاً كل السبل المؤدية إلى الولايات المتحدة أمام الحلفاء الأفغان، الذين أعيد توطين أكثر من 190 ألفاً منهم في الولايات المتحدة بين أغسطس (آب) 2021 ومنتصف عام 2025. وقد احتجز مسؤولو الهجرة الأميركيون الحلفاء الأفغان وأفراد أسرهم، وتوفي أحدهم، وهو رحمن الله لكانوال (41 عاماً)، خلال الشهر الماضي بعد أقل من 24 ساعة من احتجازه.

وكان الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت أعلن أن إدارة ترمب لا تعتزم إجبار أي شخص على العودة إلى أفغانستان، وأن نقل اللاجئين إلى دول ثالثة يُعد «حلاً إيجابياً». وقال: «دفع الشعب الأميركي ثمن الطريقة غير المسؤولة التي جلب فيها مئات الآلاف من الأفغان إلى الولايات المتحدة. وينصب تركيزنا الآن على استعادة المسألة من خلال تعزيز خيارات إعادة التوطين المسؤولة والطوعية».

مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)

ويقول المدافعون عن اللاجئين الأفغان في مخيم السيلية الذي أنشئ في قطر كونه محطة لنقلهم إلى الولايات المتحدة، ومن المقرر إغلاقه قريباً، إن إدارة ترمب تحاول الضغط عليهم للعودة إلى أفغانستان، حيث يواجهون خطر الاضطهاد أو السجن أو الموت.

ويوجد في المخيم نحو 1100 أفغاني، بينهم أفراد سابقون في القوات الخاصة الأفغانية، ومترجمون عملوا مع الجيش الأميركي، وغيرهم ممن يعرضهم عملهم لخطر الاضطهاد من «طالبان».

حصل معظم سكان المخيم على موافقة لإعادة التوطين في الولايات المتحدة بعد خضوعهم لفحص أمني دقيق، وأكثر من 400 بينهم أطفال. وينتظر الكثيرون منذ أشهر أو سنوات لم شملهم مع عائلاتهم في الولايات المتحدة، وبينهم أقارب أفراد الخدمة العسكرية الأميركية وقدامى المحاربين.

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان بولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

موعد لم يتحقق

وكانت وزارة الخارجية أعلنت هذا العام أنها تخطط لإخلاء المخيم بحلول شهر مارس (آذار) الماضي. غير أن الموعد انقضى من دون أي تحديثات. وقال فاندايفر إن إدارة ترمب تجري مفاوضات مع عشرات الدول، معظمها في أفريقيا، لاستقبال الأفغان الموجودين حالياً في قطر. وأضاف أن المحادثات ربما تعقدت بسبب إجراءات أخرى اتخذتها الإدارة، التي شملت العديد من الدول نفسها في حظر السفر أو اشترطت على مواطنيها دفع آلاف الدولارات على أنها ضمانات تأشيرة قبل السفر إلى الولايات المتحدة.

وتختلف هذه المفاوضات عن تلك التي تجريها إدارة ترمب مع دول مختلفة، ومنها جمهورية الكونغو الديمقراطية، لاستقبال مهاجرين من دول أخرى يواجهون الترحيل من الولايات المتحدة.

وفي المقابل، تدفع الولايات المتحدة ملايين الدولارات لحكومات هذه الدول. ويقول منتقدو معاملة إدارة ترمب لحلفاء أفغانستان إنها قد تضر بالأمن القومي الأميركي بجعل السكان المحليين أقل استعداداً للتعاون مع القوات الأميركية في النزاعات المستقبلية.