مجموعات الضغط: دولة عميقة أم حق دستوري؟

نفوذ متجذر لـ«لوبيات» أميركا على مواقع صنع القرار

مبنى الكونغرس الأميركي (أ.ب)
مبنى الكونغرس الأميركي (أ.ب)
TT

مجموعات الضغط: دولة عميقة أم حق دستوري؟

مبنى الكونغرس الأميركي (أ.ب)
مبنى الكونغرس الأميركي (أ.ب)

مجموعات الضغط، أو «اللوبيات»، تعبير يزرع شكوكاً وتساؤلات في نفوس الكثيرين. فهي مجموعات تعمل في الخفاء، أو هكذا يُقال، منذ أعوام، لتعزيز أجندات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية مختلفة، والضغط في سبيل تطبيقها.

يستعرض «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، عمل مجموعات الضغط الأميركية ونفوذها، ويغوص في عمق هذا النفوذ الذي يقلب في بعض الأحيان موازين القوى ومقاييسها في الولايات المتحدة، ويرجّح كفة الميزان لصالح من تدعمه هذه المجموعات.

مجموعات الضغط الأميركية

كان جايسن ستاينبوم، كبير الموظفين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، وعمل في الكونغرس لأكثر من ثلاثين عامين، وغادره ليؤسس مجموعة «تشيستر بروك». ويعطي ستاينبوم، الذي عمل مع مجموعات الضغط عن قرب خلال فترة عمله في الكونغرس، تعريفاً مبسّطاً لمجموعات الضغط الأميركية، فيقول «إنهم أشخاص يحاولون التأثير على الحكومة الأميركية عبر تأييد اعتماد معتقدات معينة». ويشرح ستاينبوم: «يمكن لعضو في مجموعة ضغط أن يكون أي شخص: يمكن أن يكون يعمل لشركة أو لاتحاد عمال أو لمجموعة مصالح، لكنه أيضاً شخص يعيش في أي ولاية ويملك اهتمامات مختلفة. إذا أردت بناء طرقات أو تحسين الخدمات الصحية، وتريد التحدّث مع نائب المنطقة عن هذا الموضوع، تصبح أنت عضواً في مجموعة ضغط».

شارع «كي ستريت» مركز تجمّع اللوبيات في واشنطن (غيتي)

وبالفعل، يعود تعبير «مجموعة الضغط» أو «اللوبي» إلى القرن التاسع عشر، تحت ولاية الرئيس السابق يوليسيس غرانت حين كان يجلس في «لوبي» فندق ويلارد في العاصمة الأميركية واشنطن، ويأتي الأشخاص للتحدث إليه عن سياسات يدافعون عنها.

ويتحدّث برودي مولينز، المراسل الاستقصائي في صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن أهمية مجموعات الضغط فيقول إنها تمثّل أحد المبادئ التأسيسية للحكومة الأميركية: «الحق بحرية التعبير والحق في التماس الحكومة». ويشير مولينز إلى أن هذا يعني «أنه يمكن لأي أحد، من أفراد أو مؤسسات، المجيء إلى الكونغرس وعرض أي قضية تهمهم».

لكن مولينز سلّط الضوء على مشكلة أساسية تفاقمت مع الوقت، وهي أن معظم الذين يدفعون لمجموعات الضغط أو يستخدمون مجموعات الضغط هم الشركات الكبرى، مضيفاً: «لذلك، حين يزن الكونغرس بين التماس من الجمهور أو من قطاع ما حول سياسة معينة، فإن مجموعات الضغط الخاصة بالشركات ستكون أكثر بكثير من تلك التي تدافع عن مصالح الأفراد».

ويهبّ دايف وينهولد، وهو ناشط في مجموعة الضغط «ميلير وينهولد كابيتال للاستراتيجيات»، للدفاع عن عمل مجموعات الضغط، فيؤكد أنها «أساسية للغاية في السياسة الأميركية، لدرجة أنها تمثّلت في حق التعديل الأول من الدستور، وكانت هذه رغبة الآباء المؤسسين، أي الحرص على أن يكون للجميع الحق في المشاركة في حكومتهم».

ويشير وينهولد إلى أن هناك سوء فهم لعمل مجموعات الضغط، «إذ يفترض البعض أنها منظمة عمل فاسد، لأنهم لا يفهمون طبيعة عملنا». ويشرح وينهولد الذي يعمل بشكل مكثف مع المشرعين: «يقتضي عملنا بأن نكون مؤثرين، نعم، لكن أيضاً بتوفير التوجيه والنصح حول مسائل معينة. فلا يمكن للمشرعين أن يملكوا خبرة معمّقة حول كل مشروع قانون يُعرض أمام الكونغرس. ومهمتنا هي تزويدهم بالفروقات الدقيقة لكل مشروع قانون، فالموظفون في الكونغرس يعتمدون على مجموعات الضغط لتقديم الفروقات الدقيقة والمعلومات المفصلة حول مشاريع قوانين معينة».

نفوذ المال

يدعم ستاينبوم هذه النظرية، مشيراً إلى أهمية مجموعات الضغط في توجيه أعضاء الكونغرس في ملفات معينة، لكنه يتحدث كذلك عن سبب نفوذ هذه المجموعات، رغم القيود التي فرضت عليها في تمويل أعضاء الكونغرس. فيقول: «يرتبط بعض مجموعات الضغط بالمساهمات السياسية للمشرعين، وهنا تبدأ الأمور بالارتباط بالمال في الكونغرس».

جانب من التجمع السنوي للوبي السلاح الأميركي في إنديانا أبريل الماضي (غيتي)

ويغوص مولينز في تفاصيل هذا التأثير، موضحاً: «يحتاج أعضاء الكونغرس هذه الأيام لملايين الدولارات للترشح لإعادة الانتخاب». هنا يأتي دور مجموعات الضغط التي تسهم بشكل كبير في التبرعات لحملات أعضاء الكونغرس الانتخابية، الأمر الذي يفتح أمامها قنوات تواصل مباشر مع المشرعين، على خلاف الأشخاص الآخرين الذين لا يملكون القدر نفسه من الأموال.

القيود التشريعية

يشير وينهولد إلى أن مجموعات الضغط هي «صناعة بقيمة 4 مليارات دولار في واشنطن العاصمة وحدها»، مضيفاً: «هذا مبلغ هائل ويحاول مختلف الصناعات (شراء) الوقت مع المشرّعين. فهم منشغلون للغاية ويبذلون جهدهم للقاء الجميع».

وفي حين وضع الكونغرس قيوداً على عمل مجموعات الضغط في الكونغرس والمساهمات الانتخابية خلال الحملات، يشرح ستاينبوم هذه القيود فيقول: «وضعت قوانين حول المبلغ الذي يمكن أن يسهم به الفرد أو اللجنة الانتخابية المعروفة بـ(باك) فيمكن للجنة PAC أن تسهم بخمسة آلاف دولار لكل دورة انتخابية، بينما يمكن للفرد أن يسهم بـ3300 دولار في كل دورة انتخابية».

ويتحدث ستاينبوم عن الفارق بين القيود على عمل مجموعات الضغط في الحملات الانتخابية وعملها في مبنى الكونغرس، فيقول: «من غير القانوني أن يتم توزيع مساهمات سياسية في مبنى الكابيتول. مثلاً، لا يمكن لأي موظف أن يقبل بفنجان قهوة أو طعام من عضو في مجموعة ضغط. وقد وُضعت هذه القوانين للقضاء على مظهر التأثير غير القانوني. لكن برأيي، هناك حالات قد تصل في بعض القوانين إلى حد بعيد جداً». ويشرح ستاينبوم رأيه، فيعطي مثالاً على بعض الحالات التي تصعّب فيها هذه القيود عمل الموظفين في الكونغرس: «في بعض الأحيان، كموظفين، نذهب إلى مواقع معينة لتقييم الوضع، على سبيل المثال إذا كنا نضع قوانين تخص مجتمعات زراعية أو مشاريع طاقة، نذهب للاطلاع على هذه المشاريع ونلتقي السكان المحليين لطرح بعض الأسئلة (...). وفي بعض الأحيان، مؤخراً كانت تواجهنا مشكلات لأن أعضاء جماعات الضغط لا يمكنهم مرافقة طاقم العمل أو عضو الكونغرس في رحلتهم أو زيارتهم».

ويتحدث مولينز عن الاختلاف الكبير في عمل مجموعات الضغط خلال الأعوام الماضية، إثر سنّ قوانين تضع قيوداً على مساهماتها لأعضاء الكونغرس، فيقول: «منذ 50 عاماً، كانت القوانين قليلة جداً. فنسمع قصصاً عن أعضاء من الكونغرس الذين كان يتسلمون أكياساً من الأموال من جماعات الضغط أو الشركات. هذا لا يحدث حالياً، وهو أمر غير قانوني، كما أن هناك درجة حالياً من الشفافية في نشاطات مجموعات الضغط أعضاء الكونغرس: فكل دولار يدفعه عضو في مجموعات الضغط أو يقدّمه إلى عضو من الكونغرس، يتم التصريح عنه سريعاً ويصبح متاحاً على الإنترنت».

لوبي السلاح الأميركي من أبرز مجموعات الضغط الأميركية (موقع NRA الرسمي)

لوبي السلاح

حسب أرقام رسمية من موقع «أوبن سيكرتس»، فإن أكثر الشركات والمؤسسات المنفِقة على مجموعات الضغط في 2022 هي المؤسسة الوطنية للعقارات التي تنفق قرابة 82 مليون دولار سنوياً على مجموعات الضغط، تتبعها غرفة التجارة الأميركية، ومن ثم مجموعة الأبحاث الدوائية، وشركات كـ«أمازون» و«ميتا». ومن المثير للاهتمام غياب تنظيمات كالاتحاد القومي للسلاح (NRA) عن اللائحة، رغم نفوذها الواسع في الولايات المتحدة. ويشرح ستاينبوم السبب قائلاً إن «NRA، أو لوبي السلاح، يسهم بمبلغ لا بأس به من المال، لكنه لا يقارَن بكبار المتبرّعين و مجموعات الضغط الأخرى، هذا اللوبي يتمتع بنفوذ كبير، ليس بسبب مساهماته لكن بسبب قوة الناخبين الداعمين لحق حمل السلاح».

ويشرح مولينز هذه المقاربة، فيقول: «إن تأثير الاتحاد القومي للسلاح، ينبع من عدد داعميه. فهؤلاء لا يتمتعون بدعم الشركات الكبرى، ولا يتبرعون بمبالغ طائلة للحملات الانتخابية، ولا ينفقون الكثير من المال على جماعات الضغط، لكنهم ينظمون ملايين الأشخاص المهتمين بالصيد والرماية والمحافظة على سلاحهم، وهم يملكون حوافز كثيرة للاحتفاظ بهذه الأسلحة. يتوجه هؤلاء الأشخاص إلى المشرعين أو أعضاء الكونغرس، قائلين لهم: إن لم تدعونا نحتفظ بأسلحتنا، فلن ننتخبكم. وهذا كافٍ للضغط على المشرعين».

شركات التكنولوجيا والدول الأجنبية

ارتفع تأثير شركات التكنولوجيا بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة، مع تزايد المساعي لوضع قيود عليها في الكونغرس. ويشير وينهولد إلى أن شركة مثل «فيسبوك» رفضت المشاركة في «لعبة مجموعات الضغط» في بداياتها. فيقول: «عندما قَدِمت (فيسبوك) للمرة الأولى إلى واشنطن العاصمة، كان القائمون عليها يؤكدون أنهم لن يلعبوا لعبة واشنطن، ولن يشاركوا بمجموعات الضغط». والآن، لديهم أكبر مجموعات الضغط لأنهم أدركوا أن تنظيمات الحكومة هائلة جداً. وتابع: «في عام 2022، أنفق قطاع الإلكترونيات 220 مليون دولار على هذه المجموعات».

وفي ظل الحديث عن مجموعات الضغط المحلية، أشار مولينز إلى نفوذ مجموعات الضغط الخارجية، فقال: «قد يكون الأمر مزعجاً بعض الشيء باعتقادي بالنسبة إلى معظم المواطنين، أن يستطيع بعض الدول الخارجية توظيف مجموعات الضغط، ليكون لديها تأثير أكبر على الحكومة من المواطنين أنفسهم».

القوانين التي تنظّم عمل مجموعات الضغط الخارجية مختلفة تماماً عن «اللوبيات» المحلية، وهي قوانين صارمة جداً وتتطلّب تصاريح أكثر بكثير. ويضيف مولينز: «هناك الكثير من الدول الكبرى التي تنفق أموالاً طائلة، وتوظف مجموعات ضغط للحصول على مساعدات خارجية أو الحرص على أن تتم صفقات بيع الأسلحة. وهذا أمر يحصل منذ فترة. أعتقد أن هذا الشق من قطاع مجموعات الضغط في نمو دائم، وهناك الكثيرون الذين يجدون الأمر مقلقاً».

ويشير وينهولد في هذا الإطار إلى نفوذ دول مثل الصين في مجموعات الضغط، فيقول إنه «في عام 2022، صرّحت الصين عن 62 مليون دولار نفقات لمجموعات الضغط، وهذا يدلّ على أن هناك نسبة عالية من التأثير الخارجي المتجه نحو واشنطن أيضاً».


مقالات ذات صلة

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

الولايات المتحدة​ الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

يعود أعضاء الكونغرس إلى واشنطن لأول مرة منذ إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن بدء عملية «الغضب الملحمي» في ايران، ممهدين لمواجهة ديمقراطية شرسة مع الإدارة.

رنا أبتر (واشنطن)
رياضة عالمية ليونيل ميسي وفريق إنتر ميامي سيزوران البيت الأبيض (أ.ب)

ميسي وإنتر ميامي سيزوران البيت الأبيض

سيزور فريق إنتر ميامي البيت الأبيض في مارس للاحتفال بتتويجه بلقب الدوري الأميركي لكرة القدم لعام 2025، مع توقع حضور النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب خلال خطاب حال الاتحاد 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري انضباط ترمب واحتجاجات الديمقراطيين... «حال الاتحاد» يعكس استقطاباً حزبياً غير مسبوق

أظهر خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الكونغرس هذا الأسبوع، حدّة الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة تُظهر البيت الأبيض بما في ذلك الجناح الغربي وعملية بناء قاعة الاحتفالات الجديدة من مبنى مكتب أيزنهاور التنفيذي القديم في حرم البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 25 فبراير 2026 (أ.ب)

قاضٍ أميركي يردّ طلباً لمنع البيت الأبيض من بناء قاعة احتفالات ﺑ400 مليون دولار

رفض قاضٍ اتحادي في الولايات المتحدة طلباً لمنع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من بناء قاعة للاحتفالات بتكلفة 400 مليون دولار في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب خلال خطاب حال الاتحاد أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يشيد بـ«عصر أميركا الذهبي» وسط دعم جمهوري واحتجاج ديمقراطي

طغت الانقسامات الحزبية الحادّة على خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه الرئيس دونالد ترمب أمام الكونغرس

رنا أبتر (واشنطن)

مسؤولون أميركيون: مطلق النار في أوستن لم يكن معلوماً لدينا قبل الهجوم

عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مسؤولون أميركيون: مطلق النار في أوستن لم يكن معلوماً لدينا قبل الهجوم

عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - أ.ب)

صرح مسؤولون فيدراليون وآخرون في مدينة أوستن الأميركية بأن الرجل الذي أطلق النار خارج حانة في المدينة التي تقع بولاية تكساس مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، لم يكن معلوماً لديهم قبل وقوع الهجوم.

وقال مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) والشرطة في أوستن، اليوم الاثنين، إنه من السابق لأوانه للغاية تحديد الدافع وراء إطلاق النار الجماعي الذي وقع في وقت مبكر أمس الأحد.

وأضاف المكتب أنه يحقق في إطلاق النار باعتباره عملاً إرهابياً محتملاً بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران.


إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)
الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)
TT

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)
الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)

يعود أعضاء الكونغرس الأميركي إلى واشنطن لأول مرة منذ إعلان الرئيس دونالد ترمب بدء عملية «الغضب الملحمي» في إيران، ممهدين لمواجهة ديمقراطية شرسة مع الإدارة.

فقد أثار قرار ترمب شن ضربات عسكرية على إيران حفيظة الديمقراطيين، الذين اتهموه بخرق الدستور وتخطي صلاحياته بشن حرب من دون موافقة الكونغرس، كما أشاروا إلى عدم وضوح الأهداف وغياب خطة واضحة للبيت الأبيض في إيران. وقال السيناتور الديمقراطي تيم كاين: «يبدو أن الرئيس لا يملك خطة واضحة لليوم التالي، ويبدو أن إيران تستعد الآن لاختيار زعيم جديد من داخل النظام الحالي». كما اتهم كبيرُ الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، السيناتور جون وارنر، الإدارةَ بخوض حرب «اختيارية»، نافياً أن يكون قد اطلع على أي معلومات استخباراتية تثبت ادعاءات البيت الأبيض بأن طهران كانت على وشك شن هجمات على الولايات المتحدة.

إحاطات سرية

السيناتور الديمقراطي تيم كاين يتحدث إلى الصحافيين في الكونغرس يوم 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ويتحدث وارنر من موقع معرفة وسلطة، فهو عضو في «عصابة الثمانية» بالكونغرس التي قدمت لها الإدارة إحاطات سرية بشأن عملياتها وأهدافها. وتتألف هذه المجموعة من 8 أعضاء من مجلسَي الشيوخ والنواب، وتتضمن زعماء الغالبية والأقلية في المجلسَين، ورئيسَي لجنتَي الاستخبارات في المجلسَين، وكبيرَي الديمقراطيين. ووفق القانون، فإنه يتعين على الإدارة إطلاع المجموعة على أي نشاط استخباراتي مهم أو أعمال عسكرية كتلك التي تنفذها الولايات المتحدة حالياً.

وقد عقد أعضاء الإدارة، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، عدداً من الإحاطات مع هذه المجموعة؛ كانت الأخيرة بمجرد وصول أفرادها إلى واشنطن بعد ظهر الاثنين، وشملت رئيسَي لجنتي القوات المساحة والعلاقات الخارجية في مجلسَي الشيوخ والنواب، وكبيرَي الديمقراطيين فيهما، وبحضور روبيو ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية (سي إي إيه)» جون راتكليف. وسيحصل كل أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب على إحاطتين منفصلتين بعد ظهر يوم الثلاثاء بمشاركة وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس الأركان المشتركة دان كاين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأحد (رويترز)

تفويض الحرب

وتسعى الإدارة جاهدة إلى تخفيف المخاوف وطمأنة المشرعين، خصوصاً مع اقتراب موعد التصويت على تفويض الحرب في المجلسَين، الذي سيسجل رسمياً مواقف أعضاء الكونغرس من العملية ضد إيران. ويُتوقع أن يصوّت مجلس الشيوخ أولاً على التفويض الذي من شأنه أن يُقيّد تحركات الإدارة الأميركية في إيران في حال إقراره يوم الثلاثاء أو الأربعاء، على أن يصوت عليه مجلس النواب يوم الخميس.

ورغم أن حظوظ إقرار المشروع في مجلس الشيوخ تبدو ضئيلة حتى الآن مع غياب معارضة جمهورية بارزة لتحركات الإدارة، فإن الديمقراطيين يريدون من هذا التصويت أن يكون سجلاً رسمياً يظهر مواقف أعضاء الكونغرس من الحرب، لتسليط الضوء عليها سياسياً في الأيام والأشهر المقبلة، على غرار تصويت الحرب في العراق الذي وُظّف لأعوام طويلة سياسياً بعد الكشف عن المعلومات الاستخباراتية الخاطئة التي وظفتها إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لغزو العراق. وترفض الإدارة هذه المقاربة؛ إذ قال وزير الدفاع، بيت هيغسيث، في مؤتمر صحافي: «هذه ليست العراق. هذه ليست حرباً دون نهاية... على العكس تماماً؛ إنها مهمة واضحة ومدمرة وحاسمة. تدمير الصواريخ وتدمير القوة البحرية ومنع امتلاك سلاح نووي».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في واشنطن الاثنين (أ.ف.ب)

وفي حين يصر الديمقراطيون على أن الرئيس ترمب لا يمكنه شن حرب من دون موافقة الكونغرس، فإن الإدارة ترفض هذه المقاربة. فدستورياً؛ يملك الرئيس الأميركي، الذي يعدّ قائد القوات المسلحة، صلاحية شن ضربات محدودة لفترة 60 يوماً؛ لأسباب متعلقة بالأمن القومي، فيما يتمتع الكونغرس بصلاحية الإعلان الرسمي عن الحرب. لكن هذه الصلاحيات تداخلت بعد تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس إثر هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الذي أعطى البيت الأبيض صلاحيات واسعة استعملها في عمليات كثيرة، منها استهداف قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني.

‏لكن هذا لا يعني أن الكونغرس لا وزن له في هذه المسألة، فورقة الضغط التي يُمكن للمشرعين استعمالها هي «قوة المحفظة»، أي إقرار التمويل، التي تعدّ من صلاحيات الكونغرس الدستورية. فأي طلب من الإدارة الأميركية لتخصيص أموال لعملية «الغضب الملحمي» يحتاج إلى موافقة الكونغرس. ويُتوقع أن يحدث هذا الأمر إذا طال أمد العمليات.

عناصر من «مكتب التحقيقات الفيدرالي» بموقع إطلاق النار في تكساس الأحد (أ.ب)

مخاوف من «الذئاب المنفردة»

في غضون ذلك، حذرت وزارة الأمن القومي من خطر تنامي هجمات «الذئاب المنفردة» في الولايات المتحدة جراء الضربات على إيران، وقالت الوزارة إنه من «شبه المؤكد أن تصعد إيران ووكلاؤها من الإجراءات الانتقامية»، مشيرة إلى احتمال تنفيذ هجمات سيبرانية ضد شبكات في الولايات المتحدة كرد انتقامي. ويحقق «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في صلة «هجوم تكساس»؛ الذي أودى بحياة اثنين وجرح 15 آخرين الأحد، بالحرب على إيران، وذلك بعدما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن المسلح الذي نفذ الهجوم كان يرتدي قميصاً عليه علم إيران. ولعلّ المفارقة هنا هي أن حالة التأهب التي أعلنت عنها وزارة الأمن القومي تتزامن مع غياب لتمويلها بسبب خلافات سياسية في الكونغرس؛ مما يطرح أسئلة كثيرة حيال جاهزيتها.

استطلاعات الرأي و«ماغا»

تأتي هذه التطورات فيما تُظهر استطلاعات الرأي أن ربع الأميركيين فقط يؤيدون الضربات الأميركية على إيران، بينما يعتقد نحو 50 في المائة أن ترمب يميل بشدة إلى استخدام القوة العسكرية. وقال الاستطلاع الذي أجرته «رويترز - إيبسوس» إن نحو 27 في المائة فقط يؤيدون الضربات التي عارضها 43 في المائة.

وتنتقد وجوه في حركة «ماغا» قرار ترمب بشدة، خصوصاً أنه وعد بإنهاء الحروب والتركيز على مبدأ «أميركا أولاً». وتفاقمت هذه الانتقادات مع الإعلان عن مقتل 4 أفراد من القوات الأميركية ضمن العمليات العسكرية، وترجيح ترمب وقوع مزيد من القتلى. وقالت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين: «كان هذا غير ضروري مطلقاً وغير مقبول. ترمب و(نائبه) جي دي فانس و(مديرة الاستخبارات الوطنية) تولسي غابرد، وكلنا خضنا حملاتنا الانتخابية على أساس رفض الحروب الخارجية وتغيير الأنظمة. والآن نشهد مقتل جنود أميركيين...».


رئيس الأركان الأميركي: عمليات سيبرانية عطلت الاتصالات في إيران أثناء الضربات

دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)
دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)
TT

رئيس الأركان الأميركي: عمليات سيبرانية عطلت الاتصالات في إيران أثناء الضربات

دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)
دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)

قال دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، اليوم الاثنين، إن أكثر من 100 طائرة أطلقت في موجة واحدة في هجوم ساحق على إيران.

وأضاف، في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أعطى الموافقة النهائية على مهمة إيران في تمام الساعة 3:38 مساء يوم الجمعة».

وأوضح رئيس الأركان الأميركي أن عمليات فضائية وسيبرانية أدت لتعطيل شبكات الاتصالات في إيران أثناء الضربات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأشار كين إلى أن الحرب على إيران «ليست عملية تنتهي في مجرد يوم، وتحقيق الأهداف العسكرية ​سيتطلب وقتاً»، مضيفاً: «نتوقع المزيد من الخسائر؛ هذه عمليات قتالية كبرى».

وتابع: «القوات اعترضت مئات الصواريخ الباليستية التي كانت تستهدف أميركا وشركاء لها، وسنبقى متيقظين في مواجهة الطائرات المسيّرة».

ولفت إلى استمرار تدفق القوات إلى المنطقة حتى في ظل الحشد العسكري الضخم الموجود حالياً.