مودي في واشنطن: اتجاه جديد للشراكة الهندية - الأميركية

بايدن وزوجته جيل يستقبلان مودي لدى وصوله لحضور العشاء الرسمي على شرفه في البيت الأبيض، الخميس (أ.ب)
بايدن وزوجته جيل يستقبلان مودي لدى وصوله لحضور العشاء الرسمي على شرفه في البيت الأبيض، الخميس (أ.ب)
TT

مودي في واشنطن: اتجاه جديد للشراكة الهندية - الأميركية

بايدن وزوجته جيل يستقبلان مودي لدى وصوله لحضور العشاء الرسمي على شرفه في البيت الأبيض، الخميس (أ.ب)
بايدن وزوجته جيل يستقبلان مودي لدى وصوله لحضور العشاء الرسمي على شرفه في البيت الأبيض، الخميس (أ.ب)

بعد 5 أيام من الاجتماعات المكثفة السياسية والاقتصادية وإبرام اتفاقات دفاعية واقتصادية، يعود رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى بلاده بعد زيارة دولة اتسمت بكثير من مظاهر الحفاوة الأميركية، وحقق فيها كثيراً من الإنجازات التي ستعزز موقفه داخلياً وعلى الساحة الدولية.

ووصف مسؤولون هنود الزيارة بأنها «رسمت اتجاهاً جديداً للشراكة مع الولايات المتحدة».

وتبدو إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن سعيدة بما حققته من استدراج للهند إلى أحضان الولايات المتحدة بعيداً عن النفوذ والهيمنة الروسية، وفي إظهار قوة التحالفات الإقليمية التي تبرمها الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في مواجهة الصين.

وتتطلع واشنطن إلى إيجاد ثقل موازن للصين في آسيا، وتتجاهل الاتهامات للحكومة الهندية بممارسة انتهاكات لحقوق الأقليات في الهند. وحرصت إدارتا باراك أوباما ودونالد ترمب على جذب الهند كحليف في مواجهة الصين، فيما نجحت إدارة بايدن في إدخال الهند في الاتفاقية الأمنية الرباعية (الكواد) التي تضمن الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا. وبدا واضحاً أن الجانبين حققا كثيراً من الأجندة الخاصة لكل طرف، على الرغم من الانتقادات التي واجهت إدارة بايدن، بغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان في الهند، وإصرار رئيس الوزراء الهندي أنه لا توجد تمييز عنصري وديني في بلاده.

على المستوى السياسي، التقى بايدن مع مودي 4 مرات في عشاء خاص، مساء الأربعاء، ثم في المحادثات الرسمية صباح الخميس.

وبرزت السياسة الأمنية لبايدن وتهديدات الصين كأبرز أولويات القضايا، حيث انضم مودي وبايدن لتناول عشاء خاص مع مستشاري الأمن القومي، مساء الخميس.

واستعانت السيدة الأولى جيل بايدن في تجهيزات العشاء بطبّاخ نباتي شهير من كاليفورنيا لطهي الطعام لرئيس الوزراء الذي يتّبع حمية نباتية.

واحتلت القضايا التجارية والاستثمارية مساحة أيضاً كبيرة، ظهرت في اللقاءات ظهر الجمعة، وفي اجتماع بين بايدن ومودي مع كبار المسؤولين والرؤساء التنفيذيين للشركات الأميركية والهندية.

مودي وبايدن في مستهل العشاء الرسمي بالبيت الأبيض، مساء الخميس (إ.ب.أ)

طموحات مشتركة

نجحت الولايات المتحدة في اجتذاب الهند لاتخاذ موقف مساند لأوكرانيا. وأعرب مودي وبايدن، في بيان مشترك، عن دعم «وحدة أراضي» أوكرانيا. وقد تغاضت إدارة بايدن عن رفض الهند الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا وشرائها النفط الروسي بسعر مخفّض، وفضّلت التركيز على تحالفها مع نيودلهي لمواجهة تحدي الصين. وفي كل اللقاءات، حرص الجانبان على تأكيد العلاقات المتنامية والطموحات المشتركة لأكبر ديمقراطيتين في العالم.

وظهرت الحفاوة الأميركية بوضوح في الاستقبال الرسمي في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض وعرض الموسيقى العسكرية وفي حفل العشاء الرسمي الذي يعد شرفاً وتكريماً لأقرب حلفاء الولايات المتحدة، إضافة إلى إلقاء مودي خطاباً أمام الكونغرس بمجلسيه. ولقي مودي ترحيباً حاراً في الكونغرس، وقوبل بالتصفيق عدة مرات خلال خطابه الذي تحدث فيه عن التحديات وفرص الشراكة الحاسمة والمهمة بين الهند والولايات المتحدة خلال القرن الحادي والعشرين، محذراً من التهديد الذي تشكله الصين في المحيطين الهندي والهادئ.

وقال إن الهند لديها رؤية شاملة لأمن المحيطين، لتكون المنطقة «حرة ومفتوحة وشاملة»، وهي عبارة تستعملها باستمرار الولايات المتحدة. وبدا حرص مودي على العزف على الأوتار التي يعزف عليها المشرّعون في الكونغرس، والتنفيذيون في الإدارة الأميركية. وقال: «رؤيتنا لا تسعى إلى الاحتواء أو الاستبعاد»، مشيراً إلى أن نمو الصين لن يتأثر إذا التزمت بالقواعد التي وضعها مودي على أنها «بحار آمنة، كما يحددها القانون الدولي، وخالية من الهيمنة، وراسخة في رابطة دول جنوب شرق آسيا».

وتلمّح إشارة مودي للقانون الدولي إلى مطالبات الصين ببحر الصين الجنوبي خارج الحدود الإقليمية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ورفضها الأحكام القانونية الدولية ضدها. وأضاف: «من هنا، ظهرت الرباعية قوةً رئيسيةً مفيدة للمنطقة».

مودي يلقي كلمة في الكونغرس الأميركي، الخميس (أ.ف.ب)

وقد عزّزت الهند والولايات المتحدة شراكتهما بشكل كبير استجابة لظهور الصين قوةً عالميةً، مع التنافس التاريخي الطويل بين الهند وبكين، الذي تعدّه الولايات المتحدة ثقلًا موازناً أساسياً. وتجادل الهند حالياً في مطالبات الصين بإقليمين؛ أكساي تشين في الشمال الغربي، وأروناتشال براديش في شمال شرقيها، وغالباً ما تحولت المناوشات الحدودية بين القوات من البلدين إلى أعمال عنف.

وأثار خطاب مودي أيضاً موضوع المشتريات الدفاعية، حيث تعد الهند مستورداً كبيراً للمعدات العسكرية الأميركية، وتستهدف الهند تعزيز ترسانتها العسكرية لتكون قوة موازنة لجيش التحرير الشعبي الصيني. وقد أعلن بايدن ومودي عن صفقات دفاعية جديدة في مؤتمرهما الصحافي المشترك، يوم الخميس.

صفقات دفاعية وتكنولوجية

وفي المجال الدفاعي والاقتصادي، توصل البلدان إلى عدة اتفاقات مهمة بشأن محركات طائرات مقاتلة، والاستثمار في أشباه الموصلات، والتعاون في مجال الفضاء. ووافقت الولايات المتحدة على نقل تكنولوجيا إلى الهند، مع بدئها إنتاج طائرات مقاتلة محلية، وهو الاتفاق الذي أشاد به مودي باعتباره «علامة فارقة».

وحصلت شركة «جنرال إلكتريك» على الضوء الأخضر لإنتاج محرّكاتها من طراز «إف 414» بشكل مشترك مع شركة «هندوستان إيرونوتيكس» للصناعات الجوية التابعة للدولة الهندية.

وذكر مسؤول أميركي أن الهند ستشتري أيضاً مسيّرات مسلحة عالية الدقة من طراز «إم كيو - 9 بي سي غارديانز»، ما أثار أيضاً تساؤلات حول أهداف الهند من الحصول على هذه المسيّرات المسلحة، علماً بأنها نفذت عام 2019 ضربة جوية غير مسبوقة في الأراضي الباكستانية، استهدفت ما قال إنه معسكر لمجموعات متطرفة. لكن هدف واشنطن من تمرير هذه الصفقة بدا واضحاً في التخفيف من اعتماد الهند على روسيا، أهم مزوّد معدات عسكرية لنيودلهي. وتأمل واشنطن أن تساعد هذه الصفقات في تعزيز العلاقة الدفاعية بشكل أوسع بين البلدين.

وتم الاتفاق على شراكات استثمارية، تتضمن شراكة بين شركة تصنيع أشباه الموصلات الأميركية العملاقة (ميكرون)، التي ستدفع 800 مليون دولار لبناء محطة لتجميع واختبار أشباه الموصلات في الهند، ويُتوقع أن تصل قيمتها إلى 2.75 مليار دولار. وهو هدف آخر للولايات المتحدة التي تتطلّع إلى وقف تدفق الرقائق الأكثر تطوراً إلى الصين، خشية أن تهيمن الدولة الشيوعية على الجيل التالي من التكنولوجيا، على الرغم من أن «ميكرون» أعلنت مؤخراً استثمارات بقيمة 600 مليون دولار في الصين.

كما اتفقت الولايات المتحدة والهند على إنهاء 6 نزاعات أمام منظمة التجارة العالمية، وتوسيع التعاون في مجال الفضاء، مع انضمام الهند إلى مبادرة تقودها الولايات المتحدة لإجراء رحلة أخرى مأهولة إلى القمر بحلول عام 2025.



تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

TT

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن الرئيس دونالد ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران.

وأضاف التقرير أن المقترح يتضمن سحب القوات الأميركية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران، ونشرها في دول قدمت دعماً أكبر للحملة العسكرية الأميركية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض، الأربعاء، إن الرئيس الأميركي يعتقد أن حلف شمال الأطلسي «تعرض للاختبار وفشل» خلال حرب إيران، إذ نقلت عنه تصريحاً مباشراً قبل اجتماعه مع الأمين العام للحلف مارك روته في البيت الأبيض.

ويستقبل ترمب أمين عام الحلف في وقت دفعت فيه حرب إيران علاقات الولايات المتحدة مع دول أخرى في الحلف إلى مرحلة الأزمة.

وهدد الرئيس الجمهوري بالانسحاب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، وانتقد حلفاءه الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، معتبراً أن دعمهم للحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران غير كاف.

وأدى الخلاف المتعلق بحرب إيران إلى تفاقم القلق على جانبي الأطلسي بشأن ملفات أخرى مثل أوكرانيا وغرينلاند والإنفاق العسكري.

وقال أحد المسؤولين الأوروبيين اللذين شاركا في محادثات تتعلق بالأمر إن مسؤولين أميركيين كباراً أكدوا في أحاديث خاصة للحكومات الأوروبية على أن الإدارة الأميركية لا تزال ملتزمة بالحلف.

وقالت أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم الحلف، وحالياً مع معهد «رويال يونايتد سيرفيس»، وهو مجموعة بحثية مقرها لندن: «هذه مرحلة حرجة للتحالف عبر الأطلسي».

وقال دبلوماسيون إن من المرجح أن يحاول روته إقناع ترمب بتخفيف انتقاداته العلنية للحلف مع إبراز الخطوات التي اتخذتها الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي.


قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».


هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تردّدت أصداء وقف إطلاق النار مع إيران في أروقة الكونغرس الأميركي، بين تشكيك ديمقراطي بطبيعة الاتفاق وجدوى الحرب من جهة، وترحيب جمهوري بـ«النصر» الأميركي ومهارة ترمب في التفاوض من جهة أخرى.

وأتى أبرز ردّ ديمقراطي على لسان كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جين شاهين، التي اعتبرت أن خفض التصعيد هو «خطوة طال انتظارها بعد أكثر من شهر من حرب بلا هدف واضح، ومع تكلفة متصاعدة يتحمّلها الشعب الأميركي». ودعت شاهين، في بيان صادر عن مكتبها، إلى «إجراء تقييم حقيقيّ لما حقّقته حرب الرئيس دونالد ترمب» على حدّ وصفها، مضيفة أنه «بعد أسابيع من القتال، ومقتل 13 عسكرياً أميركياً، واضطرابٍ كبيرٍ في الاقتصاد العالمي، يبدو أن الرئيس ترمب قد أسهم، عملياً، في استبدال المرشد الأعلى لإيران بابنه المتشدّد، ومسؤولين في (الحرس الثوري) لا يقلّون خطورة. وفي الوقت نفسه، ما زلتُ أشعر بقلقٍ بالغٍ من أن تكون الإجراءات الأميركية قد حفّزت إيران على السعي لامتلاك سلاحٍ نووي».

وركّزت شاهين، كغيرها من الديمقراطيين، على تأثير الحرب على أسعار الطاقة ومعيشة الأميركيين، مُعتبرة أنها «لم تجعل الأميركيين أكثر أماناً، ولم تُحسّن أوضاعهم»، على عكس ما تقوله إدارة ترمب.

حذر جمهوري

وفيما رحّبت وجوه جمهورية لا تنتمي إلى القيادات بالاتفاق، وأشادت بالرئيس، التزمت القيادات الجمهورية الصمت حتى الساعة، باستثناء السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي انطوى تصريحه على تحذيرات مبطنة. فقد قال غراهام، الذي كان من أبرز الداعمين للحرب، إنه «يفضل المسار الدبلوماسي إذا كان سيقود إلى النتيجة الصحيحة فيما يتعلّق بالنظام الإيراني الإرهابي»، على حد تعبيره. وأضاف أنه، في هذه المرحلة المبكرة، يتعامل بحذرٍ شديد «حيال ما هو حقيقة، وما قد يكون تضليلاً أو تحريفاً» في تفاصيل الاتفاق.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وذكر غراهام نقطة من شأنها أن تُحدث جدلاً واسعاً في واشنطن، وهي آلية مراجعة الاتفاق في الكونغرس «للمضي قدماً»، مُشيراً إلى أن مجلس الشيوخ اعتمد الآلية المذكورة في الاتفاق النووي الإيراني، الذي توصلت له إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

فرغم أن الاتفاق النووي السابق مع إيران لم يُطرح بشكل معاهدة على مجلس الشيوخ للتصويت عليه، فإن المجلس سعى إلى إبطال الاتفاق عبر التصويت لوقفه، وهي آلية يمكن للمشرعين اعتمادها. لكن في عهد أوباما، لم يتمكن المعارضون من حشد الأصوات الكافية لتخطي الأصوات الستين اللازمة في مجلس الشيوخ.

باختصار، يمكن للكونغرس التصويت بهدف وقف الاتفاق، وليس الموافقة عليه، وذلك ضمن صلاحيات أقرّها عام 2015 في قانون «إينارا» لمراجعة الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُلزم الإدارة بعرض أي اتفاق نووي مع إيران على الكونغرس، ويمنح المجلس التشريعي فترة 30 إلى 60 يوماً لمراجعته، لا يمكن خلالها أن يرفع الرئيس العقوبات عن طهران.

جهود عزل الرئيس

وفي ظل هذه الأجواء، تنفس الجمهوريون الصعداء لدى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أتى قبل أقل من 7 أشهر على الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). فهم أمضوا ساعات عصيبة يوم الثلاثاء، بعد تصريحات مثيرة للجدل للرئيس الأميركي حول «تدمير حضارة بأكملها»، ما وضعهم في موقف دفاعي محرج. وفيما تجنبت قياداتهم التعليق، سارع عدد منهم لانتقاد تصريحات ترمب، في تغيير لافت للهجة الداعمة للحرب. وأدان النائب الجمهوري نثانيال موران التهديدات، قائلاً: «لا أؤيد تدمير حضارة بأكملها. هذا ليس ما نُمثّله، ولا يتماشى مع المبادئ التي وجّهت أميركا على مدى عقود طويلة».

ترمب في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 6 أبريل 2026 (أ.ب)

من جهتها، شدّدت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي على ضرورة عدم «تبرير تهديدات ترمب على أنها محاولة للضغط على النظام الإيراني خلال سير المفاوضات»، كما قال بعض زملائها. وقالت محذرة: «هذا النوع من الخطاب يُعدّ إساءة إلى القيم التي سعت بلادنا إلى ترسيخها وتعزيزها حول العالم على مدى ما يقارب 250 عاماً».

لكن مواقف الديمقراطيين لم تقتصر على الانتقاد، بل صعّد الحزب لدرجة طرح بنود العزل بحق الرئيس، ودعوا الجمهوريين إلى التصدي له مشككين بصحته العقلية. واعتبر أكثر من 70 مشرعاً ديمقراطياً أن «ترمب يجب أن يُجرّد من صلاحياته الرئاسية بسبب ترويجه لتدمير حضارة بأكملها» في منشوره، على حد وصفهم. وفيما من المتوقع أن تصطدم جهود الديمقراطيين سريعاً بحائط مسدود بسبب الأغلبية الجمهورية، إلا أن المسعى الذي كان من المُرجّح أن يُبصر النور في حال عدم التوصل إلى اتفاق هو إقرار مشروع يُقيّد صلاحيات الرئيس في حرب إيران، بعد إسقاطه أكثر من مرة في الكونغرس. وأعرب بعض الجمهوريين عن استعدادهم للتصويت لصالحه. ولعلّ هذا يُعدّ من الأسباب التي دفعت بترمب والبيت الأبيض إلى السعي لاحتواء التداعيات السياسية والتوصل إلى تسوية للتهدئة.

النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين في مؤتمر بالكونغرس 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)

كما واجه ترمب «نيراناً صديقة»، بعد أن دعت حليفته السابقة مارجوري تايلور غرين، إلى جانب الناشط اليميني ألكس جونز، إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور. وهو نص دستوري يتيح لنائب الرئيس، بموافقة أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه، ما يؤدي إلى نقل صلاحيات الحكم إليه. ويُفعَّل هذا الإجراء في حال رأت الإدارة أن الحالة الذهنية أو الجسدية للرئيس تحول دون قيامه بواجباته.

ورغم أن هذا السيناريو يبقى مستبعداً، في ظل دعم غالبية أعضاء حكومة ترمب له، فإنه يُلقي بظلاله على المشهد السياسي المضطرب في واشنطن، مع اقتراب الحزبين من انتخابات حاسمة في نوفمبر. ويتزامن ذلك مع تسريبات لصحيفة «نيويورك تايمز» تفيد بأن نائب ترمب، جاي دي فانس، كان من المعارضين لشنّ الحرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصدعات داخل الإدارة، في وقت تسعى فيه إلى احتواء التداعيات الداخلية للصراع.