كيسنجر في عامه الـ100... لا يزال «أستاذاً فريداً» في العلاقات الدولية

أكاديميون ودبلوماسيون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن إنجازاته… وإخفاقاته

هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)
هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)
TT

كيسنجر في عامه الـ100... لا يزال «أستاذاً فريداً» في العلاقات الدولية

هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)
هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)

«عقبى للمائة؟»، لا، بل أكثر، لأن هناك الكثير مما لم يُقَل بعد عن هنري كيسنجر، الذي بلغ عمره 100 عام.

طَبَع اسمه في السياسة الخارجية الأميركية، وربما الغربية عموماً، منذ أكثر من نصف قرن، راسماً دبلوماسية أميركية عابرة للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتاركاً أثراً عميقاً لا يزال حيّاً حتى اليوم في السياسات الداخلية للولايات المتحدة.

بمناسبة بلوغ هنري كيسنجر عمر 100 عام للرجل المولود في 27 مايو (أيار) 1923، تنظر «الشرق الأوسط» مع عدد من الأكاديميين والدبلوماسيين في هذه المناسبة، إلى جوانب مما يعتبره البعض اختراقات استثنائية في نهج أدى، ضمن أمور أخرى، إلى إنشاء العلاقة مع الصين، وكذلك إلى ابتعاد الأخيرة عن المنظومة الشيوعية التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، مؤسِّساً مع ذلك لعقيدة التوازن بين القوى الدولية.

ثمة من يرى أن صاحب كتاب «الدبلوماسية» وضع بصمته الأهم، وإن بأشكال جدالية، في النزاع العربي - الإسرائيلي، انطلاقاً من محادثات السلام التي أجراها خصوصاً عام 1973 بين كل من إسرائيل من جهة ومصر وسوريا من الجهة الأخرى، تاركاً لبنان لتنهشه وحوش الحرب الأهلية من جهة، وتحت رحمة كل من إسرائيل وسوريا من جهتين أخريين. الندوب الباقية على هذا البلد الصغير منذ عام 1975، تعكس ارتباط اسم هنري كيسنجر بإخفاقات توصف بأنها «مدمّرة» ظهرت في بلدان أخرى مثل تشيلي وفيتنام وقبرص وغيرها. لذلك اتهمه بعض اليسار الأميركي بأنه «مجرم حرب».

كما في عمله الأكاديمي من جامعة هارفارد التي تخرج فيها عام 1954 بشهادة الدكتوراه، اعتنق كيسنجر مذهب «السياسة الواقعية» الذي ابتكره الكاتب الألماني لودفيك فون روشو في القرن التاسع عشر لتقديم الاعتبارات والظروف المعينة في العمل السياسي والدبلوماسي، مقدماً إياه على اتباع نهج آيديولوجي ومفاهيم أخلاقية. واستطاع كيسنجر، المولود يهودياً في ألمانيا، قبل أن يلجأ مع عائلته إلى الولايات المتحدة عام 1938 هرباً من حكم النازيين بقيادة أدولف هتلر، ليس فقط أن يدخل عالم السياسة الأميركية، بل أيضاً أن يصير أولاً مستشاراً للأمن القومي عام 1969 ثم وزيراً للخارجية عام 1973 في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وبقي في منصبه الأخير حتى مطلع عام 1977، في عهد الرئيس جيرالد فورد الذي خلف نيكسون عام 1974 على أثر فضيحة «ووترغيت».

على الرغم من كل المآخذ، تقدم هنري كيسنجر إلى صفوف أنصار «السياسة الواقعية» البارزين خلال القرن العشرين، مثل مهندس الحرب الباردة جورج كينان ومهندس إعادة توحيد ألمانيا هانس ديتريش غينشر، بالإضافة إلى سياسيين مثل الرئيس الفرنسي شارل ديغول.

لديه الآن الكثير ليحتفل به في عيد ميلاده الـ100

كيسنجر عند حضوره المنتدى الاقتصادي في بكين 2019 (رويترز)

إذا كان كتاب «الدبلوماسية» الذي نشره هنري كيسنجر عام 1994 لا يزال مرجعاً رئيسياً في العلاقات الدولية، فهناك عدد كبير من الكتب التي نشرت خلال العقود الماضية حول شخصية الدبلوماسي الذي أحدث عام 1973 زلزالاً جيوبوليتيكياً في العلاقات الدولية عندما نجحت جهوده لعقد قمة بين الرئيس نيكسون والزعيم الصيني ماو تسي دونغ وأسّس العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، معيداً تعريف عقيدة التوازن النووي مع الاتحاد السوفياتي. وكذلك أحدث تحوّلاً رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط عندما قاد الوساطة الأميركية لوقف النار بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من الجهة الأخرى، مما أتاح لاحقاً عقد اتفاقات كامب ديفيد للسلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.

رداً على سؤال من «الشرق الأوسط»، أجاب أستاذ التاريخ في جامعة فاندربيلت البروفسور توماس شوارتز في كتابه «هنري كيسنجر وقوة أميركا... سيرة ذاتية سياسية»، بأن «كيسنجر كان مؤثراً بشكل غير عادي على السياسة الخارجية الأميركية»؛ إذ إن كثيرين ممن عملوا معه أو رافقوه، مثل برنت سكوكروفت الذي عمل مستشاراً للأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب، ووزير الخارجية سابقاً لورانس إيغلبرغر (في عهد جورج بوش الأب أيضاً)، ووزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس (خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن)، وغيرهم ممن «صاغوا مكانة أميركا في العالم بعد فترة طويلة من تولي (كيسنجر) منصب وزير الخارجية».

ولا يزال من اللافت أن كيسنجر بمقاربته الواقعية أو السياسية الواقعية التي «لا تحظى دائماً بشعبية»، دفع حتى الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى الادعاء بأنه تعامل مع القضايا الدولية على هذا المنوال.

أوباما «كيسنجري بالممارسة»

سجل هذه الملاحظة أيضاً المؤرخ الأسكوتلندي والأستاذ في جامعة هارفارد البروفسور نيال فيرغسون، الذي ألّف كتاب «كيسنجر 1923 - 1963: المثالي»، بطريقة مختلفة، اعتبر أن أوباما كان «كيسنجرياً بالممارسة» مع أنه «لم يطلب نصيحة كيسنجر بشكل دوري»، على غرار ما يفعله العديد من زعماء العالم، وبينهم الرئيس الصيني شي جينبينغ.

ورداً على مسألة وماهية «الكيسنجرية»، يوضح نيال أن «الإجابة التقليدية تساوي كيسنجر بالواقعية»، في إشارة إلى من يحدد السياسة الخارجية لدولة ما في ضوء مصلحتها الوطنية. وهذا ما دفع زميلاً سابقاً لكيسنجر في جامعة هارفارد إلى اعتباره ميكافيلياً صاغ نفسه على غرار بَطَليه المفترضين: رجل الدولة النمساوي كليمنس فون مترنيخ والزعيم البروسي أوتو فون بسمارك، اللذين حملا لواء السياسة الواقعية الأوروبية الكلاسيكية.

«الرقم واحد» عالمياً

تيري لورد لارسن (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، رأى الموفد الخاص للأمم المتحدة إلى لبنان سابقاً تيري رود لارسن أن كيسنجر شخصية «فريدة تماماً في عالم الدبلوماسية المعاصرة» لأنه يعد «أحد أبرز الباحثين عالمياً في العلاقات الدولية والدبلوماسية»، مضيفاً أن «أعماله في هذا المجال بوصفه أكاديمياً رائعة للغاية»، فضلاً عن أنه «الرقم واحد بصفته دبلوماسياً عاملاً في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية».

وقال لارسن لـ«الشرق الأوسط» إن كيسنجر «حقق إنجازاً هائلاً»، مشيراً أولاً إلى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وثانياً إلى دبلوماسيته في الشرق الأوسط. وأكد أن «أوراق اعتماد (كيسنجر) الأكاديمية، وأوراق اعتماده بصفته دبلوماسياً عاملاً» جعلته «يجمع مزيجاً لا يوجد عند أي شخص آخر كونه الأفضل في المجالين». واغتنم مناسبة بلوغ كيسنجر 100 عام لـ«يشيد به وبخدمته طوال حياته من أجل السلام والأمن الدوليين».

يتفق رود لارسن، الذي كان الوسيط الرئيسي في اتفاقات أوسلو لعام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تماماً مع وكيل وزارة الخارجية الأميركية سابقاً مارتن إنديك الذي عمل مبعوثاً أميركياً للسلام في الشرق الأوسط، وألّف أخيراً كتاباً بعنوان «هنري كيسنجر، سيد اللعبة وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، واصفاً الكتاب بأنه «رائع».

«الإنجاز الحاسم» عربياً

مارتن إنديك (غيتي)

يعرض إنديك في كتابه بشكل شامل ومفصل لما يعتبره البعض «الإنجاز الأكثر حسماً وأهمية» لكيسنجر، الذي انخرط في «دبلوماسية مكوكية»، إثر «حرب تشرين» (حرب يوم الغفران إسرائيلياً) عام 1973، فتوصل إلى ترتيب 3 اتفاقيات لفك ارتباط بين إسرائيل ومصر من جهة، وإسرائيل وسوريا من جهة ثانية. كما ساعد ثالثاً في وضع الأساس لـ«السلام في الشرق الأوسط».

كرّس إنديك كتابه لدور كيسنجر الحاسم في الشرق الأوسط، واصفاً إياه بأنه «مفاوض لامع لا يكلّ»، كان «هدفه إقامة توازن ثابت للقوى» في الشرق الأوسط من خلال «التلاعب الماهر بخصومات القوى المتنافسة». غير أن السرديات التأريخية التي اعتمدها مارتن إنديك اعتمدت إلى حد كبير على الأرشيفين الأميركي والإسرائيلي، بالإضافة إلى المقابلات المباشرة له مع كيسنجر وآخرين من أصحاب الشأن. لم تتح له فرصة الوصول إلى الأرشيفين المصري والسوري وغيرهما في المنطقة العربية.

وعلى الرغم من أنه عمل مع الرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما وكان ينتقد سياسة الرئيس السابق دونالد ترمب في الشرق الأوسط، قارن إنديك «اتفاقات إبراهيم للتطبيع» بين عدد من الدول العربية وإسرائيل بنجاح كيسنجر في التعامل مع الرئيس السوري حافظ الأسد، مقابل فشل إدارة كلينتون في التوصل إلى معاهدة سلام سورية - إسرائيلية، وكذلك إنجاز كيسنجر في مفاوضات سيناء الثانية، التي أدت إلى أول انسحاب إسرائيلي كبير من الأراضي العربية المحتلة، وعزز ذلك العلاقات الجديدة للولايات المتحدة مع مصر، مقابل إخفاق إدارة أوباما في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على أساس حل الدولتين.

يؤكد البروفسور شوارتز لـ«الشرق الأوسط» أن «دور كيسنجر في الشرق الأوسط كان حاسماً للغاية»، معتبراً أن «أحد أهم موروثاته (يتمثل) في وضع الأساس» لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، مما «أزال التهديد الأكبر لوجود إسرائيل وأقام تحالفاً أقوى بكثير (للولايات المتحدة) مع إسرائيل». وذهب أيضاً إلى اعتبار أن «اتفاقات إبراهيم هي أيضاً إرث من نهج كيسنجر».

ومع ذلك، يعتقد إنديك أن كيسنجر أضاع فرصة في أوائل عام 1974 لمشاركة العاهل الأردني الملك حسين في عملية السلام، بطريقة تسمح للأردن (بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية) بتمثيل الفلسطينيين. وهو انتقد تردد كيسنجر، إلى حد سمح لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بالحصول على «دعم عربي رئيسي تمثل بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً» للشعب الفلسطيني، خلال قمة الرباط لعام 1974.

«الواقعية تتلاشى»

مع الرئيس الروسي الراحل ميخائيل غورباتشوف مايو 1992 (أ.ف.ب)

يبدو مدير الأمم المتحدة لدى معهد الأزمات الدولية ريتشارد غاون أكثر تشكيكاً بما صنعه كيسنجر، معتبراً أن «العالم الذي حاول صوغه في السبعينات من القرن الماضي ينهار». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مشاريع الاستراتيجية الكبرى لكيسنجر كانت الانفراجة مع روسيا والانفتاح على الصين»، مضيفاً أن «الولايات المتحدة عالقة الآن في مواجهة مع القوتين». وقال إنه «بمعنى ما، كان هدف كيسنجر هو انتهاج سياسة واقعية بين القوى العظمى بدلاً من المواجهة الآيديولوجية» لأنه «رأى أن السياسة الواقعية أكثر استقراراً». لكن «نحن الآن في عالم تتلاشى فيه روح الواقعية». واعتبر أيضاً أن «العديد من منتقدي كيسنجر سيتذكرون دوره في أزمات مثل حرب بنغلاديش، عندما غضت واشنطن الطرف عن الفظائع» التي ارتكبت هناك. ومع ذلك عبر غاون عن اعتقاده بأنه «لا يزال في إمكاننا التعلم من إحساسه بالواقعية».

كان أستاذ التاريخ والسياسة الدوليين لدى المعهد العالي للسياسات الدولية في سويسرا البروفسور جوسي هانيماكي، أول مَن كتب إعادة تقييم أكاديمية رئيسية لهنري كيسنجر؛ إذ سرد وقائع حقيقية للسياسة الخارجية الأميركية انطلاقاً من نظرة كيسنجر الشخصية للعالم. وصف أولاً تأثير تصورات كيسنجر العلمية للعلاقات الدولية بصفته أستاذاً في جامعة هارفارد، ومنها مفهومه لتوازن القوى بين الدول النووية، فيما يعرف أيضاً بـ«دبلوماسيته الثلاثية» التي تقوم على بناء جسر للسلام مع الصين، ولتقليل خطر الحرب النووية بين القوى العظمى من خلال مفاوضات الحد من هذه الأسلحة مع الاتحاد السوفياتي. وخلص إلى أن انشغال كيسنجر بـ«الدبلوماسية الثلاثية» أضر بالسياسة الخارجية في العالم الثالث، وشوّه سمعة كيسنجر الذي وصفه البعض بأنه «مجرم حرب».

حتى القضايا المعاصرة

توماس شوارتز (أرشيفية من جامعة فاندربيلت)

يعتقد البعض أنه ما كان لهنري كيسنجر أن يمنح جائزة نوبل للسلام عام 1973، إلا لأنه أراد استخدام ما يسمى «بطاقة الصين» أو «ورقة الصين»، لموازنة قوة الاتحاد السوفياتي، وفقاً لما قاله شوارتز، الذي لاحظ أيضاً أن ذلك حصل «في وقت كانت فيه القوة النسبية لكل منهما مختلفة تماماً عما هي اليوم»، مضيفاً أن «كيسنجر أدرك أن الصين ستضطلع بدور مهم في النظام الدولي».

وعلى الرغم من أن كثيرين اعتقدوا أن «التكامل الاقتصادي للصين سيؤدي إلى ديمقراطية سياسية»، رأى أن كيسنجر «ظل مقتنعاً بأن الولايات المتحدة والصين يمكنهما الوصول إلى نوع من التوازن» بين قوتيهما.

وعلى الرغم من بلوغه المائة، بقي كيسنجر موضع المشورة في أخطر النزاعات الدولية. وهو ندد أخيراً بغزو روسيا لأوكرانيا، علماً بأنه قبل الغزو، لم يكن يعتقد أن أوكرانيا يجب أن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبراً في حينه أن «الموقف المحايد سيكون الأفضل لأوكرانيا». وها هو «يعتقد الآن أنه بينما لا يزال الحل التفاوضي مرغوباً فيه، فإن أوكرانيا تستحق أن يدافع عنها (الناتو) وأن تنضم في نهاية المطاف إلى الحلف»، كما لاحظ شوارتز.

بالإضافة إلى ملف أوكرانيا، دخل كيسنجر في مئويته على السجال الدائر حالياً ليحذر من خطر الذكاء الاصطناعي.

باختصار، لا أحد على قيد الحياة لديه خبرة أكبر من هنري كيسنجر في الشؤون الدولية، أولاً باعتباره باحثاً في دبلوماسية القرن التاسع عشر، وثانياً بصفته دبلوماسياً من الطراز الأول في القرن العشرين، وثالثاً بصفته مستشاراً لزعماء العالم في أخطر قضايا القرن الحادي والعشرين.



ترمب يختار ميلر لقيادة البيت الأبيض وسط أزمة جمهورية

ميلر (يمين) برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب في ماريلاند يوم 6 نوفمبر (رويترز)
ميلر (يمين) برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب في ماريلاند يوم 6 نوفمبر (رويترز)
TT

ترمب يختار ميلر لقيادة البيت الأبيض وسط أزمة جمهورية

ميلر (يمين) برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب في ماريلاند يوم 6 نوفمبر (رويترز)
ميلر (يمين) برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب في ماريلاند يوم 6 نوفمبر (رويترز)

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستشاره المقرّب ستيفن ميلر، أحد أبرز وجوه اليمين المتشدد، مديراً لمكتب البيت الأبيض، في خطوة عدّها منتقدو الرئيس مؤشّراً إلى اعتزامه مواصلة المواجهة السياسية بعد الهزيمة التي مُني بها حزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس.

يأتي القرار في وقت يواجه فيه الجمهوريون أزمة بشأن مستقبل الحزب ودور ترمب في رسم توجهاته. فقد أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن الهزيمة الانتخابية فجّرت خلافات داخل الحزب بشأن المسار الذي ينبغي اتباعه، بين العودة إلى المحافظة التقليدية القائمة على الانضباط المالي والأمن القومي، كما جسّدها الرئيس الأسبق رونالد ريغان، ومواصلة تبنّي النهج السياسي الذي أرساه ترمب تحت شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».

ميلر يتابع حفل توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي في أبريل 2025 (رويترز)

ويواجه الجمهوريون معضلة تتمثّل في أن العودة إلى نهج ريغان قد تنفّر القاعدة المحافظة المتشددة التي استقطبها ترمب، فيما قد يؤدي التمسك بسياساته إلى مزيد من النفور بين الناخبين، بحسب الوكالة. وقال أليكس لاتشام، المدير التنفيذي لصندوق قيادة مجلس الشيوخ، الذي أنفق 810 ملايين دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، في تصريحات للوكالة: «علينا أن نراجع أنفسنا. يجب أولاً أن نفهم ونعترف بصدق بأسباب الهزيمة بهذا الحجم، ثم أن نعيد تنظيم صفوفنا ونتفق على مسار للمضي قدماً».

وفي مؤشر إلى تمسّكه بنهج المواجهة، نشر ترمب، مساء الجمعة، على منصته «تروث سوشيال» صورة لنفسه تحمل عبارة «السيد فيتو»، في رسالة إلى الأغلبية الديمقراطية التي ستسيطر على الكونغرس اعتباراً من يناير (كانون الثاني) المقبل. أما ميلر، الذي سيتولى منصبه الجديد الاثنين، فكتب على منصة «إكس»: «المهمة أوضح من أي وقت مضى: أن نناضل بكل ما أوتينا من قوة لدعم الرئيس والدفاع عن هذه الجمهورية العظيمة».

أول تعديل كبير بعد الهزيمة

أعلن ترمب ترقية ميلر (41 عاماً) ليحل محل مديرة مكتبه الحالية سوزي وايلز (69 عاماً)، في أول تعديل كبير داخل إدارته منذ الفوز الكاسح للديمقراطيين في الانتخابات البرلمانية الثلاثاء. وقال ترمب للصحافيين عن مستشاره الجديد: «إنه مقاتل حقيقي. لقد كان معي منذ البداية (...) وهو شديد الولاء وذكي».

سوزي وايلز غادرت منصبها مديرة لمكتب الرئيس الأميركي (رويترز)

وأشاد الرئيس بوايلز، التي أدارت حملته الانتخابية عام 2024، قائلاً إنها «قامت بعمل ممتاز»، لكنه أوضح أنه أراد «إجراء تغيير». وتأتي مغادرتها بعدما فسّرت نتائج الانتخابات على نطاق واسع بأنها رفض لسياسات العامين الأولين من ولاية ترمب الثانية، بما فيها حملته المشددة على الهجرة، التي كان ميلر أحد أبرز مهندسيها.

ولم يستبعد الرئيس إجراء تغييرات إضافية في إدارته. ففي مقتطف من مقابلة مع شبكة «سي بي إس» يُفترض بثها الأحد، قال: «أحب حكومتي (...) لكن ربما أجري بعض التغييرات».

وعندما سُئل عن وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي تضررت مكانته بسبب دوره في الحرب غير الشعبية مع إيران، أكد ترمب استمرار ثقته به.

منصب استراتيجي

وكتبت وايلز على منصة «إكس» إن «التزامي تجاه الرئيس ومهمته لن يتغير أبداً». وكانت وايلز أول امرأة تتولى منصب مدير مكتب البيت الأبيض، كما أنها من بين آخر النساء اللواتي غادرن مناصب رفيعة في إدارة ترمب، بعدما أقال الرئيس وزيرة العدل بام بوندي، ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد.

وكانت وايلز قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) تعافيها من سرطان الثدي. وحسب مصدر في البيت الأبيض، قدّمت استقالتها مساء الخميس، فيما ذكرت وسائل إعلام أميركية أن موقعها داخل الإدارة كان هشاً منذ فترة. ويُعد منصب مدير مكتب البيت الأبيض من أكثر المناصب نفوذاً في الإدارة الأميركية، إذ يتولى شاغله تنسيق العمل الحكومي والتحكم في وصول الأشخاص والمعلومات إلى الرئيس.

ورحّب بعض أعضاء الإدارة بتعيين ميلر، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، الذي كتب على منصة «إكس» أن «ستيفن ميلر وطني رائع، وسيقوم بأشياء عظيمة». وظهر ميلر مساء الجمعة في مقر إقامة ترمب بمنتجع مارالاغو في فلوريدا أمام حشد من أنصار الحزب الجمهوري.

وقال في مقطع مصوّر نشره الرئيس على «تروث سوشيال»: «إنه شرف حياتي أن أكون مدير مكتب الرئيس ترمب»، وأضاف متوجهاً إليه: «أقسم لك وأعدك، سيدي الرئيس، بأن أقدم لك ولائي المطلق والتزامي الراسخ وتفانيّ الكامل في نجاحك ونجاح هذا البلد».

انتقادات ديمقراطية وتحذيرات جمهورية

ويُعدّ ميلر أحد أبرز المدافعين داخل البيت الأبيض عن سياسات الهجرة المتشددة، والمتحدثين باسم التيار القومي الذي يصوّر الهجرة بوصفها تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، انطلاقاً من رؤية للبلاد باعتبارها أمة مسيحية بيضاء، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

وأثار تعيينه انتقادات حادّة من الديمقراطيين الذين اعتبروا أن الانتخابات النصفية شكّلت أيضاً رفضاً لأساليب وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، التي تنفّذ حملة ترحيل جماعية.

وقال حكيم جيفريز، المرشح الأبرز لرئاسة مجلس النواب المقبل، إن «ستيفن ميلر كاره خطير للأجانب ومتطرف مجنون، ويداه ملطختان بدماء أميركيين».

ترمب وميلر في البيت الأبيض يوم 6 أغسطس (أ.ف.ب)

لكن الانتقادات لا تقتصر على المعسكر الديمقراطي، إذ تتصاعد داخل الحزب الجمهوري نفسه الدعوات إلى مراجعة علاقته بترمب ونهجه السياسي. ونقلت «أسوشييتد برس» عن حاكم فلوريدا رون ديسانتيس وصفه نتائج الانتخابات بأنها «حدث يهدد بانقراض» الحزب الجمهوري، فيما شبّهها السيناتور تيد كروز برفض شعبي بحجم فضيحة «ووترغيت»، واعتبر نائب الرئيس السابق مايك بنس أنها لحظة «حساب».

كما أعلن المعلّق المحافظ تاكر كارلسون أن الانتخابات النصفية مثّلت «نهاية حقبة ترمب»، فيما حمّل المرشح الجمهوري الخاسر في نيوهامبشير، جون سنونو، الرئيس مسؤولية نفور الناخبين من الحزب.

وفي المقابل، يرى جمهوريون آخرون أن ترمب لا يزال قادراً على توجيه النقاش داخل الحزب، خصوصاً بشأن الهجرة، رغم الهزيمة.


روبيو يفرض ضوابط في الخارجية مع تأهب الجمهوريين لانتخابات 2028

وزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)
وزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)
TT

روبيو يفرض ضوابط في الخارجية مع تأهب الجمهوريين لانتخابات 2028

وزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)
وزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

قالت أربعة مصادر إن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتخذ خطوات لتشديد الرقابة على وزارة الخارجية؛ إذ أبلغ كبار المسؤولين في اجتماع عُقد في الآونة الأخيرة بضرورة التزام الموظفين بحدود اختصاصاتهم وتجنب أي تحركات قد تثير تضارباً في المصالح.

وجاءت رسالة روبيو، التي وجهها الأسبوع الماضي قبل الخسائر التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات يوم الثلاثاء، في وقت يحاول فيه عدد من أبرز قيادات الحزب النأي بأنفسهم عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تتراجع شعبيتها.

وعقد الاجتماع عقب استقالة سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان كيمبرلي جيلفويل في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن تلقيها أموالاً وهدايا ومزايا مقابل إتاحة الوصول إلى مسؤولين في إدارة ترمب.

ووصفت جيلفويل تلك التقارير بأنها كاذبة، وقالت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إنها ستدافع عن سمعتها.

وقال أحد المصادر إن روبيو أكد خلال الاجتماع، الذي ضم عدداً كبيراً من مساعدي وزير الخارجية البالغ عددهم نحو 24، إن أي سلوك غير أخلاقي سيؤدي إلى الفصل من العمل بغض النظر عن نفوذ المسؤول أو علاقاته.

وأضاف، حسب المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها، أن عدداً كبيراً من المسؤولين كانوا يتخذون قرارات أو يدفعون بأجندات سياسية دون تنسيق كافٍ، مشيراً إلى أن القرارات المهمة تستلزم موافقته أو موافقة نائبه كريستوفر لاندو.

وقالت ثلاثة مصادر إن جيريمي لوين، المسؤول عن السياسات في الوزارة، أجبر على مغادرة منصبه بعد الاجتماع بفترة وجيزة، ومن أسباب ذلك وجود مخاوف من أنه كان يعمل على ملفات خارج نطاق اختصاصه من دون تنسيق مناسب، فيما لا تزال التفاصيل الدقيقة لهذه المخاوف غير واضحة.

ولم يُشر أي من المتحدثين إلى رويترز إلى أن مغادرة لوين ارتبطت بأي مخالفات أخلاقية. وانضم لوين إلى الحكومة من خلال إدارة الكفاءة الحكومية التابعة لإيلون ماسك، وساهم في تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية التي كانت تشرف على المساعدات الخارجية.

وقال أحد المصادر إن روبيو وعدداً من كبار مسؤولي الوزارة كانوا يشعرون بالإحباط من «تحركاته المنفردة» ومخالفته «بعض توجيهات الوزير»، من دون تقديم أمثلة محددة.

وقال لوين، الذي تولى منصبه الرفيع قبل أكثر من شهرين بقليل، الشهر الماضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه استقال للعودة إلى القطاع الخاص.

ورداً على طلب للتعليق، قال مسؤول بوزارة الخارجية: «جرى الاتفاق بشكل متبادل على أن الوقت قد حان لمغادرة لوين لمنصبه».

لكن لوين قال في بيان لـ«رويترز» إن مغادرته كان مخططاً لها قبل أسابيع من الإعلان عنها، نافياً إقالته.

وأوضح: «القول إنني أُقلت غير صحيح. وكما كان مخططاً له منذ أسابيع مع الوزير وفريقه، وبعد بقائي لفترة أطول من المتوقع لاستكمال مشروعات رئيسية، استقلت من منصبي قبل انتخابات التجديد النصفي لتولي وظيفة في القطاع الخاص والتخطيط لحفل زفافي».

وتابع: «لم يكن للأمر صلة بأي اجتماع أو بسياسات إدارة الوزارة».

وذكر أحد المصادر أن من بين أسباب استياء روبيو أيضاً كثرة الرحلات الخارجية التي يجريها موظفون سياسيون، ما دفع الوزارة إلى اشتراط موافقة مكتبه على جميع الرحلات السياسية الخارجية.

وبدأت التحركات المرتبطة بانتخابات الرئاسة لعام 2028 تتسارع مباشرة بعد أن أسفرت انتخابات التجديد النصفي يوم الثلاثاء الماضي عن انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين.

وقدم جي دي فانس، نائب الرئيس، والسيناتور الجمهوري تيد كروز تقييمات لنتائج الانتخابات عبر منصة «إكس»، رأى فيها كثير من المحللين السياسيين ملامح لرؤى سياسية مبكرة مع بدء موسم السباق الرئاسي.

وسعى روبيو إلى عدم التعامل بجدية مع التقارير حول احتمال ترشحه للرئاسة، لكنه لم يستبعد ذلك علناً. وفي حال قرر خوض السباق، فقد تصبح إدارته لوزارة الخارجية موضوعاً للنقاش خلال الحملة الانتخابية.

وواجهت إدارة ترمب اتهامات متكررة بتضارب المصالح وتحقيق مكاسب خاصة، فيما قال الديمقراطيون إنهم سيدققون في تعاملات مساعدي ترمب مع مسؤولين أجانب عندما يتولون السيطرة على الكونغرس في يناير (كانون الثاني) ويمضون في تحقيقات رسمية.

وبعد فترة وجيزة من مغادرة جيلفويل للإدارة في أكتوبر، بعث روبيو مذكرة إلى جميع موظفي الوزارة لتذكيرهم بضرورة «تجنب تضارب المصالح»، وفقاً لعدة وسائل إعلام.

ونفى لاحقاً أن تكون المذكرة صدرت نتيجة مغادرة جيلفويل، قائلاً للصحافيين إنه كان ينوي إرسالها قبل ذلك بأسابيع لكنها تأخرت لأسباب إدارية.

ومثل جهات أخرى في إدارة ترمب، شهدت وزارة الخارجية مغادرة عدد من المسؤولين في الآونة الأخيرة.

ففي أكتوبر، أقيل الممثل الأميركي الخاص للشراكات العالمية باولو زامبولي بعد أن كشف موقع «بوليتيكو» عن سلسلة رسائل بالبريد الإلكتروني بينه وبين لاندو، اتهمه فيها الأخير بالعمل خارج نطاق اختصاصه في مجال الدبلوماسية الثقافية، قائلاً إن زامبولي واصل التدخل في ملفات لا تندرج ضمن مهامه رغم تعليمات لاندو.

وبعد وقت قصير من مغادرته، كتب زامبولي على منصة «إكس» أن التعيينات في منصب المبعوث الخاص تستمر عاماً واحداً بموجب القانون، وأن ترمب مدد تعيينه لأكثر من ستة أشهر إضافية.


طموحات فانس الرئاسية... هل يرسم مساره الخاص استعداداً لسباق 2028؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)
TT

طموحات فانس الرئاسية... هل يرسم مساره الخاص استعداداً لسباق 2028؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)

في حملته المكثفة لإنقاذ حظوظ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، غيّر جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي استراتيجيته، فقلل من حديثه عن الرئيس دونالد ترمب، وزاد من حديثه عن القضايا التي ترسم هويته السياسية.

وخلصت مراجعة أجرتها وكالة «رويترز» للأنباء لنحو 12 من خطاباته منذ مؤتمر «الحزب الجمهوري» في سبتمبر (أيلول)، دافع فانس من منظور سياساته الخاصة فقط تقريباً عن الجمهوريين، الذين فقدوا الأغلبية في الكونغرس في انتخابات يوم الثلاثاء الماضي.

وتجنب سياسات ترمب الرئيسة، مثل الحرب على إيران، وعمليات الترحيل، مع إظهار استطلاعات الرأي تدني شعبية الرئيس، مما أدى إلى تراجع فرص المرشحين الجمهوريين في الانتخابات.

وقال مصدران مطلعان على الاستراتيجية إن التغيير متعمد. فقد رأى فانس ومستشاروه أن القضايا التي دافع عنها -وهي القومية الاقتصادية، ونهج متحفظ في السياسة الخارجية، والأمن العام- مواضيع ذات تأثير سياسي قوي يمكنه معالجتها بثقة. وأضاف المصدران أنه في حين تبنى ترمب هذه القضايا ضمن حركة «فلنجعل أميركا عظيمة مجدداً» أو (ماغا)، برز فانس قائداً لها.

وأتاح هذا التحول لمحة مبكرة عن الكيفية التي يمكن بها لفانس (42 عاماً) رسم مساره الخاص مع بدء الجمهوريين في النظر إلى ما بعد عهد ترمب.

لم يعلن فانس بعد ما إذا كان سيترشح للرئاسة عام 2028، ولم يعلن ترمب تأييده له، أو لأي شخص آخر. لكن ينظر إلى فانس على أنه أحد أبرز المرشحين المحتملين، والذي يقول بعض المسؤولين الجمهوريين إنه سيحتاج إلى استمالة جزء كبير من كتلة ترمب، مع النأي بنفسه عن إرث رئيسه.

اتخذ فانس خطوة أكثر علنية يوم الأربعاء لتعزيز صورته السياسية من خلال منشور على وسائل التواصل الاجتماعي اتسم بصراحة غير معتادة حول نتائج الانتخابات. فقد ألقى باللائمة على حرب إيران في هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وعرض برنامجاً لدفع حظوظ الجمهوريين في الساحة السياسية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

ودعا إلى إنهاء سريع للصراع، وحث الجمهوريين على التركيز على أزمة تكاليف المعيشة، وإعادة تقييم العلاقات الخارجية، وإجراء تعديلات على علاقة الولايات المتحدة مع إسرائيل.

وكان ترمب قد وصف مخاوف الأميركيين حيال القدرة على تحمل التكاليف بأنها «خدعة» من جانب الديمقراطيين. وشن الحرب على إيران بعد ضغوط متواصلة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ثم أعلن ترمب تأييده لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية.

فانس قلق من الحرب

وضع هذا المنشور فانس لأول مرة في صف إنهاء الحرب بشكل صريح. وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على شؤون البيت الأبيض واتصالات فانس لوكالة «رويترز» للأنباء إن نائب الرئيس لم يكن يخالف ترمب، وقالوا إن رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز كانت على علم مسبق بمنشور فانس.

وأجرى ترمب أمس تعديلاً في قيادة البيت الأبيض العليا، إذ عين ستيفن ميلر مكان وايلز في خطوة تشير إلى أن البيت الأبيض يخطط للمضي في بعض سياسات ترمب الأكثر صرامة. وأقر ترمب بأن حرب إيران ساهمت في هزيمة الجمهوريين بسبب ما نجم عنها من ارتفاع أسعار الوقود، لكنه واصل الدفاع عن قرار الحرب. وقال للصحافيين يوم الأربعاء: «لم أكن لأفعل شيئاً مختلفاً».

وأيد دونالد ترمب الابن -الابن الأكبر للرئيس- ما كتبه فانس على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب بعض الحلفاء المحافظين.

وقال مايكل ريتشي، المحلل الجمهوري، والمستشار السابق لرئيس مجلس النواب جون بينر، وبول رايان إن الحوار زاد من مكانة فانس كمرشح محتمل لحمل لواء المحافظين في مرحلة ما بعد ترمب.

صلاحيات نائب الرئيس

قال ريتشي إن رسالة فانس أجبرت المحافظين على مناقشة جدوى الحرب بشكل أوسع، وتحديد المبادئ الأساسية التي يتعين على المرشحين الجمهوريين للرئاسة تبنيها في عام 2028.

وأضاف: «من التبسيط المفرط القول إنه يبحث عن طرق لجعل نفسه مختلفاً عن ترمب... الأمر يتعلق باستخدامه لمنصبه نائباً للرئيس لتحديد شروط النقاش».

وأحجم ممثلو فانس عن التعليق. وأشار ممثلو البيت الأبيض إلى تصريحات ترمب التي أدلى بها يوم الأربعاء، حين قال للصحافيين إنه يتفهم وجهة نظر فانس إزاء نتائج الانتخابات.

ويتأهب الديمقراطيون لربط فانس -أو أي مرشح جمهوري- بترمب في عام 2028، خاصة إذا اضطلع الرئيس الحالي بدور كبير في اختيار المرشحين المحافظين.

وقال المحلل الديمقراطي إيغور فولسكي: «هناك تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية وضع نفسك لتكون قابلاً للاستمرار في الانتخابات العامة مع الفوز في الانتخابات التمهيدية التي لا تزال تتطلب منك الانحناء، وإظهار الولاء».

لم تخرج سمعة فانس من انتخابات التجديد النصفي سالمة. فقد خسر الجمهوريون في الولايات حيث شارك في حملات انتخابية. وربما ساهمت في خسائر الجمهوريين بعض الاستراتيجيات التي أيدها، مثل الإعلان الذي بثته حملة المرشح لمنصب حاكم ولاية أوهايو، فيفيك راماسوامي، حيث شكك في تعرض الديمقراطية الفائزة بالمنصب إيمي أكتون للاعتداء الجنسي.

وقدم مرشحون محتملون آخرون للرئاسة في 2028 تحليلاتهم لأسباب الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي. وقال السيناتور تيد كروز من تكساس إن الجمهوريين لم يبذلوا ما يكفي من جهد لمعالجة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة. وقال حاكم فلوريدا رون ديسانتيس إن المرشحين الخاسرين ركزوا بشكل مفرط على قضايا المتحولين جنسياً، وتجاهلوا مخاوف الناخبين حيال مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي. في حين التزم وزير الخارجية ماركو روبيو الصمت.

وتجلى بوضوح سعي فانس لتشكيل النقاش خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، فقد حث الناخبين في خطاباته على دعم الجمهوريين، لأنهم سيحققون في عمليات الاحتيال في برامج الرعاية الصحية الاتحادية، ومكافحة الفقر، رابطاً ذلك بأجندة البيت الأبيض بشأن الهجرة، وبتكاليف المعيشة. وتجاهل تماماً تقريباً حرب إيران، وأسعار الوقود، ونادراً ما ذكر اسم ترمب صراحة.

وقال فانس في أحد التجمعات الانتخابية في ختام الحملة بولاية نورث كارولاينا: «أريد لأبنائي أن يكونوا أسرة في بلد نابض بالحياة، ومزدهر، وحر، ويتمتع بالرفاهية. أريد الأشياء البسيطة. ولأنني أريد ذلك لنفسي، فأنا أريده لكم أيضاً».