كيسنجر في عامه الـ100... لا يزال «أستاذاً فريداً» في العلاقات الدولية

أكاديميون ودبلوماسيون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن إنجازاته… وإخفاقاته

هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)
هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)
TT

كيسنجر في عامه الـ100... لا يزال «أستاذاً فريداً» في العلاقات الدولية

هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)
هنري كيسنجر متحدثاً في المنتدى الاقتصادي ببكين نوفمبر 2019 (رويترز)

«عقبى للمائة؟»، لا، بل أكثر، لأن هناك الكثير مما لم يُقَل بعد عن هنري كيسنجر، الذي بلغ عمره 100 عام.

طَبَع اسمه في السياسة الخارجية الأميركية، وربما الغربية عموماً، منذ أكثر من نصف قرن، راسماً دبلوماسية أميركية عابرة للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتاركاً أثراً عميقاً لا يزال حيّاً حتى اليوم في السياسات الداخلية للولايات المتحدة.

بمناسبة بلوغ هنري كيسنجر عمر 100 عام للرجل المولود في 27 مايو (أيار) 1923، تنظر «الشرق الأوسط» مع عدد من الأكاديميين والدبلوماسيين في هذه المناسبة، إلى جوانب مما يعتبره البعض اختراقات استثنائية في نهج أدى، ضمن أمور أخرى، إلى إنشاء العلاقة مع الصين، وكذلك إلى ابتعاد الأخيرة عن المنظومة الشيوعية التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، مؤسِّساً مع ذلك لعقيدة التوازن بين القوى الدولية.

ثمة من يرى أن صاحب كتاب «الدبلوماسية» وضع بصمته الأهم، وإن بأشكال جدالية، في النزاع العربي - الإسرائيلي، انطلاقاً من محادثات السلام التي أجراها خصوصاً عام 1973 بين كل من إسرائيل من جهة ومصر وسوريا من الجهة الأخرى، تاركاً لبنان لتنهشه وحوش الحرب الأهلية من جهة، وتحت رحمة كل من إسرائيل وسوريا من جهتين أخريين. الندوب الباقية على هذا البلد الصغير منذ عام 1975، تعكس ارتباط اسم هنري كيسنجر بإخفاقات توصف بأنها «مدمّرة» ظهرت في بلدان أخرى مثل تشيلي وفيتنام وقبرص وغيرها. لذلك اتهمه بعض اليسار الأميركي بأنه «مجرم حرب».

كما في عمله الأكاديمي من جامعة هارفارد التي تخرج فيها عام 1954 بشهادة الدكتوراه، اعتنق كيسنجر مذهب «السياسة الواقعية» الذي ابتكره الكاتب الألماني لودفيك فون روشو في القرن التاسع عشر لتقديم الاعتبارات والظروف المعينة في العمل السياسي والدبلوماسي، مقدماً إياه على اتباع نهج آيديولوجي ومفاهيم أخلاقية. واستطاع كيسنجر، المولود يهودياً في ألمانيا، قبل أن يلجأ مع عائلته إلى الولايات المتحدة عام 1938 هرباً من حكم النازيين بقيادة أدولف هتلر، ليس فقط أن يدخل عالم السياسة الأميركية، بل أيضاً أن يصير أولاً مستشاراً للأمن القومي عام 1969 ثم وزيراً للخارجية عام 1973 في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وبقي في منصبه الأخير حتى مطلع عام 1977، في عهد الرئيس جيرالد فورد الذي خلف نيكسون عام 1974 على أثر فضيحة «ووترغيت».

على الرغم من كل المآخذ، تقدم هنري كيسنجر إلى صفوف أنصار «السياسة الواقعية» البارزين خلال القرن العشرين، مثل مهندس الحرب الباردة جورج كينان ومهندس إعادة توحيد ألمانيا هانس ديتريش غينشر، بالإضافة إلى سياسيين مثل الرئيس الفرنسي شارل ديغول.

لديه الآن الكثير ليحتفل به في عيد ميلاده الـ100

كيسنجر عند حضوره المنتدى الاقتصادي في بكين 2019 (رويترز)

إذا كان كتاب «الدبلوماسية» الذي نشره هنري كيسنجر عام 1994 لا يزال مرجعاً رئيسياً في العلاقات الدولية، فهناك عدد كبير من الكتب التي نشرت خلال العقود الماضية حول شخصية الدبلوماسي الذي أحدث عام 1973 زلزالاً جيوبوليتيكياً في العلاقات الدولية عندما نجحت جهوده لعقد قمة بين الرئيس نيكسون والزعيم الصيني ماو تسي دونغ وأسّس العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، معيداً تعريف عقيدة التوازن النووي مع الاتحاد السوفياتي. وكذلك أحدث تحوّلاً رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط عندما قاد الوساطة الأميركية لوقف النار بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من الجهة الأخرى، مما أتاح لاحقاً عقد اتفاقات كامب ديفيد للسلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.

رداً على سؤال من «الشرق الأوسط»، أجاب أستاذ التاريخ في جامعة فاندربيلت البروفسور توماس شوارتز في كتابه «هنري كيسنجر وقوة أميركا... سيرة ذاتية سياسية»، بأن «كيسنجر كان مؤثراً بشكل غير عادي على السياسة الخارجية الأميركية»؛ إذ إن كثيرين ممن عملوا معه أو رافقوه، مثل برنت سكوكروفت الذي عمل مستشاراً للأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب، ووزير الخارجية سابقاً لورانس إيغلبرغر (في عهد جورج بوش الأب أيضاً)، ووزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس (خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن)، وغيرهم ممن «صاغوا مكانة أميركا في العالم بعد فترة طويلة من تولي (كيسنجر) منصب وزير الخارجية».

ولا يزال من اللافت أن كيسنجر بمقاربته الواقعية أو السياسية الواقعية التي «لا تحظى دائماً بشعبية»، دفع حتى الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى الادعاء بأنه تعامل مع القضايا الدولية على هذا المنوال.

أوباما «كيسنجري بالممارسة»

سجل هذه الملاحظة أيضاً المؤرخ الأسكوتلندي والأستاذ في جامعة هارفارد البروفسور نيال فيرغسون، الذي ألّف كتاب «كيسنجر 1923 - 1963: المثالي»، بطريقة مختلفة، اعتبر أن أوباما كان «كيسنجرياً بالممارسة» مع أنه «لم يطلب نصيحة كيسنجر بشكل دوري»، على غرار ما يفعله العديد من زعماء العالم، وبينهم الرئيس الصيني شي جينبينغ.

ورداً على مسألة وماهية «الكيسنجرية»، يوضح نيال أن «الإجابة التقليدية تساوي كيسنجر بالواقعية»، في إشارة إلى من يحدد السياسة الخارجية لدولة ما في ضوء مصلحتها الوطنية. وهذا ما دفع زميلاً سابقاً لكيسنجر في جامعة هارفارد إلى اعتباره ميكافيلياً صاغ نفسه على غرار بَطَليه المفترضين: رجل الدولة النمساوي كليمنس فون مترنيخ والزعيم البروسي أوتو فون بسمارك، اللذين حملا لواء السياسة الواقعية الأوروبية الكلاسيكية.

«الرقم واحد» عالمياً

تيري لورد لارسن (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، رأى الموفد الخاص للأمم المتحدة إلى لبنان سابقاً تيري رود لارسن أن كيسنجر شخصية «فريدة تماماً في عالم الدبلوماسية المعاصرة» لأنه يعد «أحد أبرز الباحثين عالمياً في العلاقات الدولية والدبلوماسية»، مضيفاً أن «أعماله في هذا المجال بوصفه أكاديمياً رائعة للغاية»، فضلاً عن أنه «الرقم واحد بصفته دبلوماسياً عاملاً في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية».

وقال لارسن لـ«الشرق الأوسط» إن كيسنجر «حقق إنجازاً هائلاً»، مشيراً أولاً إلى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وثانياً إلى دبلوماسيته في الشرق الأوسط. وأكد أن «أوراق اعتماد (كيسنجر) الأكاديمية، وأوراق اعتماده بصفته دبلوماسياً عاملاً» جعلته «يجمع مزيجاً لا يوجد عند أي شخص آخر كونه الأفضل في المجالين». واغتنم مناسبة بلوغ كيسنجر 100 عام لـ«يشيد به وبخدمته طوال حياته من أجل السلام والأمن الدوليين».

يتفق رود لارسن، الذي كان الوسيط الرئيسي في اتفاقات أوسلو لعام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تماماً مع وكيل وزارة الخارجية الأميركية سابقاً مارتن إنديك الذي عمل مبعوثاً أميركياً للسلام في الشرق الأوسط، وألّف أخيراً كتاباً بعنوان «هنري كيسنجر، سيد اللعبة وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، واصفاً الكتاب بأنه «رائع».

«الإنجاز الحاسم» عربياً

مارتن إنديك (غيتي)

يعرض إنديك في كتابه بشكل شامل ومفصل لما يعتبره البعض «الإنجاز الأكثر حسماً وأهمية» لكيسنجر، الذي انخرط في «دبلوماسية مكوكية»، إثر «حرب تشرين» (حرب يوم الغفران إسرائيلياً) عام 1973، فتوصل إلى ترتيب 3 اتفاقيات لفك ارتباط بين إسرائيل ومصر من جهة، وإسرائيل وسوريا من جهة ثانية. كما ساعد ثالثاً في وضع الأساس لـ«السلام في الشرق الأوسط».

كرّس إنديك كتابه لدور كيسنجر الحاسم في الشرق الأوسط، واصفاً إياه بأنه «مفاوض لامع لا يكلّ»، كان «هدفه إقامة توازن ثابت للقوى» في الشرق الأوسط من خلال «التلاعب الماهر بخصومات القوى المتنافسة». غير أن السرديات التأريخية التي اعتمدها مارتن إنديك اعتمدت إلى حد كبير على الأرشيفين الأميركي والإسرائيلي، بالإضافة إلى المقابلات المباشرة له مع كيسنجر وآخرين من أصحاب الشأن. لم تتح له فرصة الوصول إلى الأرشيفين المصري والسوري وغيرهما في المنطقة العربية.

وعلى الرغم من أنه عمل مع الرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما وكان ينتقد سياسة الرئيس السابق دونالد ترمب في الشرق الأوسط، قارن إنديك «اتفاقات إبراهيم للتطبيع» بين عدد من الدول العربية وإسرائيل بنجاح كيسنجر في التعامل مع الرئيس السوري حافظ الأسد، مقابل فشل إدارة كلينتون في التوصل إلى معاهدة سلام سورية - إسرائيلية، وكذلك إنجاز كيسنجر في مفاوضات سيناء الثانية، التي أدت إلى أول انسحاب إسرائيلي كبير من الأراضي العربية المحتلة، وعزز ذلك العلاقات الجديدة للولايات المتحدة مع مصر، مقابل إخفاق إدارة أوباما في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على أساس حل الدولتين.

يؤكد البروفسور شوارتز لـ«الشرق الأوسط» أن «دور كيسنجر في الشرق الأوسط كان حاسماً للغاية»، معتبراً أن «أحد أهم موروثاته (يتمثل) في وضع الأساس» لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، مما «أزال التهديد الأكبر لوجود إسرائيل وأقام تحالفاً أقوى بكثير (للولايات المتحدة) مع إسرائيل». وذهب أيضاً إلى اعتبار أن «اتفاقات إبراهيم هي أيضاً إرث من نهج كيسنجر».

ومع ذلك، يعتقد إنديك أن كيسنجر أضاع فرصة في أوائل عام 1974 لمشاركة العاهل الأردني الملك حسين في عملية السلام، بطريقة تسمح للأردن (بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية) بتمثيل الفلسطينيين. وهو انتقد تردد كيسنجر، إلى حد سمح لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بالحصول على «دعم عربي رئيسي تمثل بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً» للشعب الفلسطيني، خلال قمة الرباط لعام 1974.

«الواقعية تتلاشى»

مع الرئيس الروسي الراحل ميخائيل غورباتشوف مايو 1992 (أ.ف.ب)

يبدو مدير الأمم المتحدة لدى معهد الأزمات الدولية ريتشارد غاون أكثر تشكيكاً بما صنعه كيسنجر، معتبراً أن «العالم الذي حاول صوغه في السبعينات من القرن الماضي ينهار». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مشاريع الاستراتيجية الكبرى لكيسنجر كانت الانفراجة مع روسيا والانفتاح على الصين»، مضيفاً أن «الولايات المتحدة عالقة الآن في مواجهة مع القوتين». وقال إنه «بمعنى ما، كان هدف كيسنجر هو انتهاج سياسة واقعية بين القوى العظمى بدلاً من المواجهة الآيديولوجية» لأنه «رأى أن السياسة الواقعية أكثر استقراراً». لكن «نحن الآن في عالم تتلاشى فيه روح الواقعية». واعتبر أيضاً أن «العديد من منتقدي كيسنجر سيتذكرون دوره في أزمات مثل حرب بنغلاديش، عندما غضت واشنطن الطرف عن الفظائع» التي ارتكبت هناك. ومع ذلك عبر غاون عن اعتقاده بأنه «لا يزال في إمكاننا التعلم من إحساسه بالواقعية».

كان أستاذ التاريخ والسياسة الدوليين لدى المعهد العالي للسياسات الدولية في سويسرا البروفسور جوسي هانيماكي، أول مَن كتب إعادة تقييم أكاديمية رئيسية لهنري كيسنجر؛ إذ سرد وقائع حقيقية للسياسة الخارجية الأميركية انطلاقاً من نظرة كيسنجر الشخصية للعالم. وصف أولاً تأثير تصورات كيسنجر العلمية للعلاقات الدولية بصفته أستاذاً في جامعة هارفارد، ومنها مفهومه لتوازن القوى بين الدول النووية، فيما يعرف أيضاً بـ«دبلوماسيته الثلاثية» التي تقوم على بناء جسر للسلام مع الصين، ولتقليل خطر الحرب النووية بين القوى العظمى من خلال مفاوضات الحد من هذه الأسلحة مع الاتحاد السوفياتي. وخلص إلى أن انشغال كيسنجر بـ«الدبلوماسية الثلاثية» أضر بالسياسة الخارجية في العالم الثالث، وشوّه سمعة كيسنجر الذي وصفه البعض بأنه «مجرم حرب».

حتى القضايا المعاصرة

توماس شوارتز (أرشيفية من جامعة فاندربيلت)

يعتقد البعض أنه ما كان لهنري كيسنجر أن يمنح جائزة نوبل للسلام عام 1973، إلا لأنه أراد استخدام ما يسمى «بطاقة الصين» أو «ورقة الصين»، لموازنة قوة الاتحاد السوفياتي، وفقاً لما قاله شوارتز، الذي لاحظ أيضاً أن ذلك حصل «في وقت كانت فيه القوة النسبية لكل منهما مختلفة تماماً عما هي اليوم»، مضيفاً أن «كيسنجر أدرك أن الصين ستضطلع بدور مهم في النظام الدولي».

وعلى الرغم من أن كثيرين اعتقدوا أن «التكامل الاقتصادي للصين سيؤدي إلى ديمقراطية سياسية»، رأى أن كيسنجر «ظل مقتنعاً بأن الولايات المتحدة والصين يمكنهما الوصول إلى نوع من التوازن» بين قوتيهما.

وعلى الرغم من بلوغه المائة، بقي كيسنجر موضع المشورة في أخطر النزاعات الدولية. وهو ندد أخيراً بغزو روسيا لأوكرانيا، علماً بأنه قبل الغزو، لم يكن يعتقد أن أوكرانيا يجب أن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبراً في حينه أن «الموقف المحايد سيكون الأفضل لأوكرانيا». وها هو «يعتقد الآن أنه بينما لا يزال الحل التفاوضي مرغوباً فيه، فإن أوكرانيا تستحق أن يدافع عنها (الناتو) وأن تنضم في نهاية المطاف إلى الحلف»، كما لاحظ شوارتز.

بالإضافة إلى ملف أوكرانيا، دخل كيسنجر في مئويته على السجال الدائر حالياً ليحذر من خطر الذكاء الاصطناعي.

باختصار، لا أحد على قيد الحياة لديه خبرة أكبر من هنري كيسنجر في الشؤون الدولية، أولاً باعتباره باحثاً في دبلوماسية القرن التاسع عشر، وثانياً بصفته دبلوماسياً من الطراز الأول في القرن العشرين، وثالثاً بصفته مستشاراً لزعماء العالم في أخطر قضايا القرن الحادي والعشرين.



بين الحفاوة والمنافسة... ترمب وشي يختبران حدود التهدئة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)
TT

بين الحفاوة والمنافسة... ترمب وشي يختبران حدود التهدئة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)

يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً نظيره الصيني شي جينبينغ في قاعدة أندروز المشتركة، مساء الأربعاء، لتتجه الأنظار صباح الخميس إلى البيت الأبيض، حيث تُقام للرئيس الصيني مراسم عسكرية استثنائية وحفاوة بروتوكولية لافتة، في أول زيارة دولة يقوم بها رئيس صيني إلى واشنطن منذ أكثر من عقد.

وتبدو الزيارة، في ظاهرها، احتفالاً بتحسن العلاقات بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، لكنها تخفي وراء الأعلام والعروض العسكرية ومأدبة الدولة اختباراً أكثر صعوبة. هل يستطيع ترمب وشي تحويل الهدنة الهشة التي أوقفت تصعيد حربهما التجارية إلى صيغة أكثر استقراراً، أم أن الخلافات حول المعادن النادرة وتايوان والذكاء الاصطناعي وإيران ستكشف سريعاً حدود العلاقة الشخصية التي يراهن عليها كلاهما؟

وكان ترمب قد خرج عن التقليد البروتوكولي المعتاد بتوجهه شخصياً، الأربعاء، إلى قاعدة أندروز لاستقبال شي وزوجته بينغ لي يوان. ويبدأ البرنامج الرسمي، الخميس، بمراسم استقبال في البيت الأبيض يشارك فيها 479 عسكرياً من مختلف أفرع القوات المسلحة، وتتضمن عزف النشيدين وكلمتين للزعيمين واستعراضاً عسكرياً، قبل عرض جوي تشارك فيه قاذفة «بي-2» وأربع مقاتلات «إف-22».

وتعقب المراسم محادثات رسمية بين الزعيمين، بينما يقيم ترمب مأدبة دولة لضيفه مساء الخميس، على أن يُختتم البرنامج الجمعة بلقاء آخر وزيارة مشتركة إلى الأرشيف الوطني.

استقرار وتهدئة التصعيد

لكن خلف الحفاوة، يدخل الزعيمان غرفة المفاوضات بأهداف مختلفة. فالرئيس ترمب يريد تمديد الهدنة التجارية، وضمان تدفّق المعادن النادرة، وزيادة المشتريات الصينية من المنتجات الزراعية الأميركية والطائرات، والحصول على تعاون بكين بشأن إيران. أما الرئيس الصيني شي، فيريد هدنة تجارية أطول، وتخفيف بعض القيود الأميركية على التكنولوجيا والاستثمار، وضمان عدم استخدام واشنطن الرسوم بصورة متكررة للضغط على الاقتصاد الصيني، إضافة إلى إحراز تقدم في القضية الأكثر حساسية لبكين وهي تايوان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ يوم 14 مايو في بكين (رويترز)

ولهذا، يُخفّض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) سقف التوقعات. ويرى إدغارد كاغان، السفير الأميركي السابق لدى ماليزيا والمستشار لدى المركز، أن الزيارة ستكون على الأرجح ثقيلة في المظاهر والرمزية وخفيفة في التقدم الجوهري، وأن الزعيمين باتا ينظران إلى لقاءاتهما المباشرة باعتبارها أداة ضرورية للحفاظ على استقرار العلاقة. وتحتاج الصين إلى هذا الهدوء للتركيز على تحديات اقتصادها، بينما يريد ترمب تجنب إشعال مواجهة تجارية جديدة في وقت تخوض فيه واشنطن مواجهة ممتدة مع إيران وتقترب الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني).

المعادن تُغيّر ميزان الضغط

تختلف القمة عن بداية ولاية ترمب الثانية في نقطة جوهرية. فقد أثبتت بكين أنها تمتلك بدورها أدوات اقتصادية قادرة على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة. فالصين تسيطر على نحو 70 في المائة من تعدين المعادن النادرة عالمياً، وأكثر من 85 في المائة من قدرات تكريرها، ونحو 90 في المائة من إنتاج السبائك والمغناطيسات المرتبطة بها. وعندما فرضت قيوداً على صادرات بعضها، ظهرت تداعياتها على صناعات أميركية تمتد من السيارات والرقائق إلى الصناعات الدفاعية.

عناصر حرس الشرف الصيني يستعدون لمراسم استقبال شي لترمب في بكين يوم 14 مايو (رويترز)

وهكذا، تغيرت معادلة التفاوض من سؤال حول كيفية استخدام ترمب الرسوم والسوق الأميركية للضغط على الصين، إلى سؤال أكثر تعقيداً: إلى أي مدى يستطيع كل طرف الضغط على الآخر قبل أن تبدأ التكلفة في إصابة مصالحه الاقتصادية؟

وتريد واشنطن، في الجانب التجاري، تسريع المشتريات الصينية لفول الصويا والقمح واللحوم، وإحراز تقدم في التزام شراء 200 طائرة من طائرات «بوينغ»، إضافة إلى ضمان تدفق المعادن الحيوية. أما الخلاف الأهم فيدور حول مدة الهدنة التجارية، إذ تريد بكين تمديدها لعامين، بينما عرض الجانب الأميركي ستة أشهر فقط، في إشارة إلى أن واشنطن لا تريد التخلي عن ورقة الرسوم لفترة طويلة.

وفي المقابل، تريد بكين تخفيف الرسوم على بعض صادراتها، وتقليص القيود على التكنولوجيا المتقدمة، وفتح مساحة أكبر للاستثمارات الصينية في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة.

إيران وتايوان

وتحتل إيران مساحة قوية على جدول الأعمال. فالصين تمتلك علاقات اقتصادية واسعة مع طهران، بينما يريد ترمب زيادة الضغط الاقتصادي على إيران ودفعها إلى اتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة.

ومن المتوقع أن يطلب من شي استخدام النفوذ الاقتصادي الصيني للمساعدة في هذا الاتجاه. وتدرك بكين أن قدرتها على التأثير في طهران تمنحها ورقة إضافية في مفاوضاتها مع واشنطن. ويتساءل مراقبون عن ماذا تستطيع الصين تقديمه لترمب في إيران، وما الذي ستطلبه في المقابل في التجارة أو التكنولوجيا أو تايوان؟

وتظل تايوان القضية الأكثر قدرة على كشف حدود التقارب، فبكين تريد موقفاً أميركياً أكثر مراعاة لمطالبها، وتضغط بشأن وقف مبيعات الأسلحة للجزيرة، بينما تراقب تايبيه وحلفاء واشنطن في آسيا بحذر أي تغيير في اللغة الأميركية. فالصين تريد من واشنطن الانتقال من القول إنها «لا تدعم» استقلال تايوان إلى موقف أكثر وضوحاً في «معارضة» الاستقلال، وهو فارق لغوي محدود ظاهرياً لكنه يحمل دلالات استراتيجية كبيرة. ولهذا لن ينصب الاهتمام بعد القمة على الصفقات التجارية وحدها، وإنما على الكلمات المستخدمة في أي بيان مشترك، وعلى ما إذا كان شي استطاع انتزاع أي تحول في الموقف الأميركي من تايوان.

«خط ساخن» للذكاء الاصطناعي

وقد يأتي أحد التطورات الأكثر ابتكاراً من ملف الذكاء الاصطناعي. فقد ناقش وزير الخزانة سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ إنشاء آلية لإخطار الطرف الآخر بالحوادث الخطيرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تمس الأمن القومي، وهي فكرة تشبه «الخط الساخن» المستخدم لمنع سوء التقدير بين القوى الكبرى.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (يسار) يتحدث إلى جانب الممثل التجاري جاميسون غرير خلال مؤتمر صحافي في نيويورك في 20 سبتمبر (أ.ف.ب)

ولا تعني المبادرة نهاية المنافسة التكنولوجية. فالولايات المتحدة والصين تتسابقان على الرقائق والنماذج المتقدمة والاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي، لكن وجود قناة لإدارة الأزمات قد يشكل إحدى النتائج القليلة الملموسة التي يستطيع الزعيمان إعلانها.

وبالنسبة إلى شي، فإن مشهد الزيارة نفسه يمثل جزءاً من المكسب. فالاستقبال الشخصي في قاعدة أندروز، والمراسم العسكرية، ومأدبة الدولة، واللقاءات الممتدة على ثلاثة أيام تمنح بكين صورة قوة تستقبلها واشنطن باعتبارها نداً استراتيجياً لا مجرد منافس تجاري. أما ترمب، فيراهن على أن علاقته الشخصية مع شي يمكن أن تنتج ما لم تستطع الرسوم وحدها تحقيقه. ولذلك، قد لا تكون النتيجة الأهم «صفقة كبرى»، وإنما تثبيت معادلة منافسة بلا انفجار، وضغوط بلا قطيعة، وصفقات محدودة تمنع الحرب التجارية من الاشتعال مجدداً.


روبيو: الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً... وترمب يملك خيارات عسكرية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال ندوة صحافية بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال ندوة صحافية بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

روبيو: الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً... وترمب يملك خيارات عسكرية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال ندوة صحافية بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال ندوة صحافية بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، إن التوصل إلى اتفاق مع إيران سيتطلب جهداً شاقاً لفترة من الوقت، مضيفاً أن الرئيس دونالد ترمب يمتلك أيضاً خيارات عسكرية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأوضح روبيو، في تصريحات للصحافيين بالأمم المتحدة، أن المحادثات بشأن إيران، أمس، كانت إلى حد كبير تبادلاً للأفكار والرسائل.

وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، قال وزير الخارجية الأميركي إنه لن يكون هناك أي تقدّم في معالجة الصراع ما لم تكن الجهات الخارجية، التي قال إنها تقف وراء تأجيج الحرب، مستعدة لاستخدام نفوذها.

وأشار إلى أنه في حال التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار في السودان، سيكون من الممكن البناء عليه.

وعن التوترات في الضفة الغربية، حذّر روبيو من أن آخر ما تحتاج إليه إسرائيل أو منطقة الشرق الأوسط هو تحوّل الضفة الغربية المحتلة إلى «أزمة» جديدة، في ظل ما تشهده من تصاعد في عنف المستوطنين حيال الفلسطينيين.

وقال روبيو إن «آخر ما تحتاج إليه إسرائيل أو ما تحتاج إليه المنطقة هو أزمة إضافية أو بؤرة توتر إضافية، ونحن ندرك أن هذا هو الواقع وهذا ما يحدث».


واشنطن تسعى لوقف هجمات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا... وتدعو بوتين إلى «قمة الـ20»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

واشنطن تسعى لوقف هجمات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا... وتدعو بوتين إلى «قمة الـ20»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأربعاء، إن واشنطن تضغط على روسيا وأوكرانيا لوقف الهجمات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة في البلدين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وصرّح لصحافيين في الأمم المتحدة: «أعتقد أن الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي سيؤكد أن القدرة على حماية شبكة الكهرباء تقع في صميم مصالح بلاده، وهو أمر يمكننا المساعدة في تحقيقه من خلال اتفاق». وأضاف: «من الواضح أن الجانب الروسي يتعرّض لضربات غير مسبوقة في عمق أراضيه تستهدف قطاعات حيوية؛ مما يجعل إبرام اتفاق على هذا النطاق المحدود أمراً صعباً، لكن هذا التحدي ذاته هو مما يجعل محاولتنا التوصل إلى اتفاق أمراً بالغ الأهمية». وتابع: «سنحاول، وأعتقد أننا مستعدون للقيام بدور إيجابي إذا أمكننا ذلك، لتحقيق هذا الأمر».

وقال روبيو إن الولايات المتحدة دعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في قمة «مجموعة الـ20» المقرر عقدها بمدينة ميامي الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وأوضح: «من أجل حل المشكلات، فلا بد من الاجتماع مع الأشخاص الذين نختلف معهم أو الذين قد تكون لدينا اختلافات معهم؛ ولذلك دَعَوْنا الرئيس بوتين إلى قمة (مجموعة الـ20)».