وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدة رسائل داخلية وخارجية خلال مشاركته، الخميس، في منتدى الشرق الأقصى الاقتصادي في مدينة فلاديفوستوك الروسية، بحضور زعماء وممثلين عن عشرات الدول التي تربط بعضها بروسيا علاقات تحالف وتعاون وثيق.
ورغم أن الرئيس الروسي أكد مواقفه السابقة التي أعلنها قبل يومين خلال قمة منظمة «شنغهاي» في شأن شروط التسوية مع أوكرانيا والعلاقات المتوترة مع أوروبا، وآفاق تطوير الحوار مع الولايات المتحدة، فإن الجديد تمثل في الرسائل الاقتصادية التي أطلقها في المنتدى، وخصوصاً ما يتعلق باستثمار القطب الشمالي، وترسيخ التعاون مع الصين في مجالات النقل والإمدادات عبر الطريق الشمالي، وهي ملفات تشكل في حد ذاتها تحدياً متجدداً للغرب، وخصوصاً البلدان التي تتنافس على النفوذ في هذه المنطقة.

فرصة للمفاوضات
على الرغم من أن المنتدى الاقتصادي يُعنى بالدرجة الأولى بالاقتصاد، فإن الجغرافيا السياسية تصدرت المشهد مجدداً. وقد أجاب بوتين عن سؤال وجَّهه مدير الجلسة العامة، حول آفاق التوصل إلى تسوية في أوكرانيا: «هل هناك أي فرص؟ فقال: «في رأيي، نعم».
لكن بوتين حدد رؤيته لإمكانية إطلاق حوار السلام، مستبعداً أي دور لأوروبا في العملية التفاوضية، على الأقل خلال المرحلة الأولى. وقال: «ينبغي على موسكو وكييف التفاوض أولاً، ثم بإمكان دول أخرى المساهمة». وبدا أن الرئيس الروسي بلور شروطه لإشراك الأوروبيين في أي حوارات مستقبلية، بوقف المساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا، وإعلان موقف محدد حيال الهجمات داخل العمق الروسي.

وكان بوتين قد حمل بقوة على ألمانيا وبريطانيا أخيراً، واتهمهما، إلى جانب عدد من البلدان الغربية، بالانخراط بشكل مباشر في العمليات القتالية، مع التلويح برد قاس ومباشر عليها. وهو ما أوضحه مجدداً في فلاديفوستوك عندما تحدث عن «الوضع المعقد». وأشار إلى «تهديدات نظام كييف ضد الطيران المدني وهجماته على السفن المدنية»، متهماً أوكرانيا مجدداً بممارسة «إرهاب دولة». ثم أضاف مباشرة: «في الوقت نفسه، يتجاهل شركاء أوكرانيا الغربيون هذه التصريحات (الأوكرانية بإغلاق المجال الجوي الروسي)، ما يجعلهم متواطئين تماماً».
وفي تهديد مباشر جديد بتوسيع نطاق الضربات الروسية على البنى التحتية الأوكرانية وبعض الأصول الغربية التي تساعد أوكرانيا، اتهم بوتين كييف ومن يدعمها بأنهم «يستهدفون أهدافاً مدنية بحتة، ما اضطر موسكو للرد بالمثل (...) ردنا، بشكل عام، كان حاسماً بالنسبة لمن فتحوا صندوق باندورا».

تعزيز المنظومة الدفاعية
في الوقت نفسه، أكد بوتين أن بلاده تواصل باستمرار تعزيز منظومة دفاعها الجوي، لا سيما لحماية مصافي النفط. ومع ذلك، نفى وجود أي نية لتأميم البنى التحتية الحيوية. وأوضح أن مرسومه الأخير حول وضع منشآت حيوية تحت حراسة الدولة في حال فشل مالكيها في تطوير آليات حمايتها من هجمات المسيرات لا يشكل مقدمة للتأميم، بل يهدف إلى دفع الإدارات المالكة لهذه المنشآت إلى تحفيز الاستثمار في الدفاع الذاتي.
ومع إقراره بالصعوبات التي سببتها الهجمات الأوكرانية على المصافي ومنشآت الطاقة، تحدث عن عمل سريع لتجاوز الأزمة القائمة في قطاع الوقود، وقال إن أعمال إصلاح مصافي النفط متسارعة، و«لم يتبق سوى عشرة في المائة من المنشآت لإعادة تأهيلها».

إنتاج صواريخ «باتريوت»
وتناقش الولايات المتحدة فكرة منح أوكرانيا ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت» الاعتراضية التي تحتاج إليها كييف بشدّة لصدّ الهجمات الروسية، لكنه «ليس بالحلّ الفوري»، على ما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقابلة بثّت، الأربعاء. وردّاً على سؤال لمعرفة إن كان يعارض فكرة أن تمنح الولايات المتحدة ترخيصاً من هذا القبيل، قال: «هذا موضع نقاشات راهنا لكنه ليس بالحلّ الفوري».
وصرّح عبر برنامج «براين كيلميد» على «فوكس نيوز» بأن «زيادة الإنتاج، حتّى لو كنا نملك ترخيصاً، هو مسار يستغرق سنوات طويلة بغية تشييد مصانع؛ إذ إنها أسلحة شديدة التطوّر».

وخلال زيارة إلى واشنطن في يوليو (تموز)، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه ناقش مع دونالد ترمب مسألة «التراخيص لإنتاج صواريخ اعتراضية من طراز باتريوت».
وفي الفترة الأخيرة، يكثّف كلّ من كييف وموسكو ضرباتهما المتبادلة، ما يودي بعدد متزايد من المدنيين بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا.
وتعدّ الدفاعات الجوية، لا سيما في وجه الصواريخ الباليستية التي يصعب صدّها، أولوية مطلقة لكييف. ولفت روبيو في المقابلة إلى أن «العالم أجمع يطلب مزيداً من الصواريخ الاعتراضية». وقال: «باتت الحاجة القصوى في مجال الدفاع على الصعيد العالمي، ليس في أوكرانيا فحسب بل في العالم أجمع»، وخصوصاً في الشرق الأوسط في ظلّ الحرب على إيران.
التعبئة العامة
كما أكد بوتين أيضاً أنه لا يوجد أي سيناريو يستدعي إعلان التعبئة العامة. ورأى أن «هذه الإنذارات الكاذبة ما هي إلا عملية نفسية من العدو؛ فالقوات الروسية لديها وفرة من المتطوعين. القوات المسلحة تتقدم، ووتيرة الهجوم تتسارع. خسائر العدو تتزايد شهرياً. ويبلغ عدد الضحايا ما بين 8 و12 ألف شخص شهرياً».
مع ذلك، لفت الأنظار تأكيد بوتين أن موسكو «تحافظ على اتصالاتها مع كييف، بما في ذلك عبر أجهزة استخباراتها، وتواصل الحوار مع واشنطن». وقال إن بلاده تدعو إلى استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة «بكامل طاقتها».
ورأى خبراء تحدثوا إلى وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن بوتين عملياً كرر نفس رسائله السابقة حيال شكل التسوية المقبولة بالنسبة إليه، عبر ضرورة وقف كل أشكال الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، وإطلاق عمليات مفاوضات تنطلق من «الوقائع على الأرض»، واستبعاد أي دور حالياً لأوروبا مع المحافظة على دور الوساطة الأميركية. وأشار بوتين أيضاً إلى دور دول أخرى، وعلى رأسها الصين، التي، وفقاً له، دعت باستمرار إلى تسوية عادلة.
رسائل اقتصادية
مع ذلك، كان الموضوع الرئيسي للجلسة العامة هو الاقتصاد والاستثمار، وتحديد الأولويات. في هذا الإطار بدا واضحاً من حديث بوتين ثقته باستقرار اقتصاد بلاده، وقدرته على مواصلة الصمود في وجه الضغوطات الغربية. وزاد أنه لا حديث عن خفض الإنفاق، وعجز الموازنة الفيدرالية «ليس حرجاً»، والدين العام من بين الأدنى في العالم.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن رواد الأعمال الروس يُسهمون إسهاماً كبيراً في المالية العامة، موضحاً: «لا نفرض أي رسوم؛ فهذه مساهمات طوعية». وتوجه الحكومة في المقام الأول الأموال التي تخصصها الشركات لتلبية الاحتياجات الاجتماعية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية.
لكن الجديد والأبرز في الملف الاقتصادي كان الإعلان عن إطلاق استثمار واسع في منطقة القطب الشمالي التي تشكل ملفاً خلافياً حساساً مع البلدان المحيطة التي تتنافس على الثروات فيها. وحمل تدشين صادرات النفط من المنطقة رسالة مهمة على هذا الصعيد، فضلاً عن إطلاق استراتيجية للاستثمار والتطوير في مشاريع المنطقة لمدة 10 سنوات بالتعاون مع الصين. وأكد أن الممر يمثل أولوية استراتيجية لتعزيز القدرات اللوجستية الروسية.
وأشار بوتين إلى أن هذا الممر يهدف إلى ضمان مرونة وأمن الإمدادات الدولية، وقال: «سأتحدث بشكل منفصل عن تطوير ممر النقل العابر للقطب الشمالي، الذي يمتد من سان بطرسبورغ ومورمانسك عبر طريق الشمال البحري إلى فلاديفوستوك، ومن ثم إلى دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي ظل المخاطر التي تهدد الملاحة العالمية والتجارة، فإن هذا الممر مصمم لضمان مرونة وأمن الإمدادات الدولية».
وشدد بوتين على أن روسيا ستواصل بالتعاون مع شركائها الصينيين تطوير حركة الشحن باستخدام ممر الملاحة الشمالي، وقال: «في الآونة الأخيرة، تحديداً في شهر أغسطس (آب) الماضي، عبرت أول سفينة حاويات قادمة من الصين إلى مورمانسك عبر منطقة القطب الشمالي الروسية. ونحن نخطط مع شركاء آخرين لمواصلة هذا العمل في القريب العاجل».

ويعدُّ ممر الملاحة الشمالي الممر الملاحي الرئيسي في منطقة القطب الشمالي الروسية، ويمتد على طول السواحل الشمالية لروسيا عبر بحار المحيط المتجمد الشمالي، ويختصر الممر المسافة بين أوروبا وآسيا بنسبة 40 في المائة، مقارنة بالطرق التقليدية عبر قناة السويس، مما يقلل التكاليف التشغيلية واستهلاك الوقود، ويحد من الانبعاثات الكربونية.
والشهر الماضي، أطلقت شركة «سيلجيند شيبينغ» الصينية خطاً ملاحياً منتظماً لنقل الحاويات من الصين إلى أوروبا عبر الطريق البحري الشمالي.
يذكر أن أول رحلة تجريبية لنقل الحاويات من الصين إلى أوروبا عبر ممر الملاحة الشمالي جرى اختبارها في 2025، عندما وصلت سفينة حاويات صينية إلى ميناء فيليكسستو البريطاني، مما مهد الطريق لانطلاق هذا المشروع الملاحي المنتظم.
وبلغ إجمالي الشحن عبر الطريق البحري الشمالي عام 2025 نحو 37 مليون طن، بانخفاض طفيف عن الرقم القياسي المسجل عام 2024 بواقع 37.9 مليون طن.
وتشكل صادرات الغاز الروسي المسال والنفط الجزء الأكبر من الشحنات حتى الآن، فيما لا تزال الأرقام المنشودة بعيدة عن الأهداف الطموحة البالغة 200 مليون طن حتى عام 2030.
الشرق الأقصى: التركيز على التسريع
وعموماً، يُعدُّ الشرق الأقصى إحدى مناطق النمو الاقتصادي. وقد وُضعت بالفعل أسس التنمية: فخلال 11 عاماً، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة أكثر من ثلاث مرات، وجذب استثمارات تُقدَّر بنحو 25 تريليون روبل، وانخفضت البطالة أربعة أضعاف لتصل إلى 2.2 في المائة، وفقاً لرئيس الدولة.
وتنص المرحلة التالية، ابتداءً من عام 2027، على تطبيق نظام تفضيلي موحد للشركات في الشرق الأقصى والقطب الشمالي. في الوقت نفسه، يجري العمل على خطط لتوسيع نطاق معالجة النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة مباشرةً في المنطقة، بهدف إنشاء سلاسل قيمة، وخلق فرص عمل، وزيادة إيرادات الميزانية.



