قمة «ناتو» في أنقرة انتهت مخلفة وراءها جدلاً وحكايات لا تنتهي

«ترمب» خطف الاهتمام ورئيسة وزراء آيسلندا «نجمة الشباك»... والمراسم «العثمانية» أزعجت اليونانيين

صورة جماعية للرئيس التركي رجب طيب إردوغان وزوجته مع قادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال استقبالهم على عشاء بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
صورة جماعية للرئيس التركي رجب طيب إردوغان وزوجته مع قادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال استقبالهم على عشاء بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
TT

قمة «ناتو» في أنقرة انتهت مخلفة وراءها جدلاً وحكايات لا تنتهي

صورة جماعية للرئيس التركي رجب طيب إردوغان وزوجته مع قادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال استقبالهم على عشاء بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
صورة جماعية للرئيس التركي رجب طيب إردوغان وزوجته مع قادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال استقبالهم على عشاء بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)

انتهت القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي عُقدت في أنقرة يومَي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، لكن الانشغال بما دار فيها لا يزال مستمراً سواء في الأوساط السياسية، أو على مستوى الشارع التركي، أو في دول أخرى أعضاء في الحلف.

أجرت الرئاسة التركية، الجمعة، تقييماً لحصاد القمة، التي مثَّلت بالنسبة لتركيا حدثاً تاريخياً بعد قمة سابقة استضافتها عام 2004 في إسطنبول، وقال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، برهان الدين دوران، إن التحرُّكات الدبلوماسية المكثفة ضمن القمة، أظهرت مجدداً دور تركيا الفاعل في تعزيز السلام، والأمن والاستقرار الدوليَّين.

جانب من الجلسة الافتتاحية لقمة «ناتو» في أنقرة (الرئاسة التركية)

وأضاف دوران أن اللقاءات التي عقدها الرئيس رجب طيب إردوغان مع قادة القمة، وممثلي الاتحاد الأوروبي، والرئيس السوري أحمد الشرع، الذي دُعي للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تناولت تطوير العلاقات الثنائية، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية، والتجارة والأمن، وهيكل الأمن الأوروبي، فضلاً عن التَّطوُّرات الإقليمية والدولية.

ولفت إلى أنَّ اللقاءات ركَّزت أيضاً على جهود التَّوصُّل إلى وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا عبر الدبلوماسية، والحفاظ على التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، والنهج التركي الراسخ لإرساء الاستقرار في سوريا.

قضية «إف - 35» و«إس 400»

وشكَّل إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، النظر في إعفاء تركيا من العقوبات المفروضة عليها بموجب «قانون مكافحة خصوم تركيا بالعقوبات» (كاتسا) وعودتها إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»، أبرز محاور النقاش على الساحة التركية منذ تناوله هذا الملف في مؤتمر صحافي مع الرئيس رجب طيب إردوغان عقب وصوله أنقرة، الثلاثاء، للمشارَكة في قمة «ناتو».

وترهن واشنطن المسألة بتخلص تركيا من منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» التي تَسبَّب حصولها عليها في صيف عام 2019 في العقوبات التي فرضها ترمب بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020.

منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» (موقع الصناعات الدفاعية التركي)

وقال الكاتب في صحيفة «حرييت»، المقرب من دوائر الحكم في تركيا، عبد القادر سيلفي، في مقال الجمعة، إن تركيا توصَّلت إلى اتفاق لبيع المنظومة الروسية إلى دولة أخرى، وإنَّ هناك اتصالات مكثفة بين أنقرة وواشنطن وموسكو في هذا الشأن، وإن الإعلان عن الصفقة سيتم اليوم (أي الجمعة) وستُحقِّق تركيا مكاسب مالية من ورائها بعدما دفعت 2.5 مليار دولار ثمناً لها في 2017.

ولم يتأخر الرد الروسي على ما كتبه سيلفي كثيراً، فقد أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين)، ديمتري بيسكوف، قائلاً: «إن إمكانية بيع المنظومة الموجودة بحوزة تركيا إلى طرف ثالث مسألة بالغة الحساسية».

وأضاف أن القنوات الدبلوماسية مع تركيا مفتوحة بشأن هذه المسألة، وستستمر في المستقبل، لافتاً إلى أنَّ هناك أموراً تقنية خاصة بالمنظومة، وأنَّ بلاده تثق في وفاء تركيا بتعهداتها في هذا الشأن.

كان إردوغان اكتفى في رده على سؤال خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الأربعاء في ختام قمة «ناتو» بشأن كيفية التخلص من المنظومة الروسية بالقول: «راقبونا».

اهتمام خاص بالرئيس الأميركي

وبعيداً عن القضايا العسكرية والسياسية التي طُرحت على قمة «ناتو» في أنقرة، انشغل الشارع ووسائل الإعلام في تركيا خلال القمة وما بعدها بكثير من الأمور البروتوكولية والمواقف التي حدثت خلال القمة، وكذلك ببعض الأمور الخاصة أو الشخصية المتعلقة بالقادة الذين شاركوا فيها، والهدايا التي قُدِّمت لهم.

انصبَّ الاهتمام بشكل خاص على حضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب القمة، والمراسم التي اختصه بها الرئيس إردوغان، حيث كان هو الرئيس الوحيد الذي استقبله بالمطار، حيث قامت طائرات عسكرية تركية برسم ألوان العلم الأميركي في السماء، واصطحبه إردوغان إلى قصر «بيشتبه» الرئاسي بعد استراحة في مطار أُعد خصيصاً لاستقباله وقادة الدول الآخرين، حيث رافق موكبه 100 من الخيالة بالزي العثماني.

ولم تغفل وسائل الإعلام التركية وأيضاً الشارع التركي أي تفاصيل تتعلق بالرئيس الأميركي وطائرته، وطريقة استقباله، والتدابير المُشدَّدة حول فندق إقامته، وصولاً إلى الطعام الذي تناوله خلال العشاء الذي أقامه إردوغان لقادة دول «ناتو» بالقصر الرئاسي، مساء الثلاثاء، بشكل مغلق أمام الصحافيين.

قائمة الطعام الخاصة بحفل عشاء قادة دول «ناتو» بالقصر الرئاسي في أنقرة (إعلام تركي)

ونشرت صحف تركية قائمة الطعام الذي أُعدَّ بالقصر الرئاسي، والتي تضمَّنت أطباقاً قدِّمت كمشهيات اختيرت فيها أصنافٌ تعكس تنوع المطبخ التركي من منطقة إلى أخرى، ومن ولاية إلى أخرى.

وتضمَّنت الأطباق الرئيسية صنفَين رئيسيَّين أحدهما من الأسماك والآخر من لحم ضلوع البقر المطهوة ببطء، مع إضافات من الخرشوف والمستكة من بلدة أورلا، وأوراق العنب من ولاية توكات.

وأشارت وسائل الإعلام إلى أنَّ ترمب، نظراً لحبه للحم، فضَّل طبقاً من اللحم البقري مع زبدة ولاية طرابزون الساخنة، والباذنجان المشوي، وأرز البرغل مع فطر، وتناول بعده حلوى البقلاوة الباردة بالحليب، ووصف المطبخ التركي بالرائع.

المراسم «العثمانية» تغضب اليونان

استقبل الرئيس التركي وزوجته، أمينة إردوغان، رؤساء الدول والحكومات وزوجاتهم المشاركين في القمة على درج المقر الرئاسي في القصر الرئاسي، ولفت خلال الاستقبال الاحتفال الذي غلب عليه الطابع العثماني سواء في الأعلام المرفوعة، أو استعراض جنود يمثلون الدول التركية الـ16، بالإضافة إلى جنود يرتدون زي الانكشارية (مشاة وفرسان النخبة بالجيش العثماني).

فرقة «مهتار» العثمانية كانت في استقبال ترمب وقادة «ناتو» بالقصر الرئاسي التركي (أ.ب)

كما عزفت «فرقة مهتار» التابعة لوزارة الدفاع التركية مقطوعات موسيقية عسكرية في أثناء وصول القادة، والمعروف عن هذه الفرقة تاريخياً أنَّها كانت تخرج وقت الحروب في زمن الدولة العثمانية لتحفيز الجنود وبث الحماسة في نفوسهم، وأشار لهم ترمب بعلامة الإعجاب بإبهامه.

وأثارت هذه المشاهد وحميمية ترمب مع الرئيس إردوغان غضباً شديداً في اليونان، لا سيما ظهور ملابس الانكشارية وفرقة «مهتار» للموسيقى العسكرية.

وبينما علقت وسائل الإعلام التركية على وجود رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، الذي قالت إنَّه وجد نفسه أمام هذه الثور بعد 200 عام، في إشارة إلى تاريخ الحرب مع الدولة العثمانية، شهدت الأوساط السياسية والإعلامية في اليونان موجةً واسعةً من الغضب والاستياء الشديدَين؛ بسبب ما عُدَّت أنها رسائل دبلوماسية وعسكرية الصادمة واكبت قمة «ناتو»، وأوضحت أنَّ كفة الميزان الاستراتيجي مالت بوضوح لصالح تركيا.

ميتسوتاكيس وزوجته يمران أمام فرقة «مهتار» في طريقهما إلى قاعة عشاء أُقيم بالقصر الرئاسي التركي لقادة دول «ناتو» (إعلام تركي)

وقالت صحف ومواقع يونانية بارزة إن ميتسوتاكيس وزوجته، سارا نحو قاعة الاستقبال على أنغام الموسيقى العسكرية العثمانية، ووسط استعراض لفرقة الانكشارية؛ وعلى وقع النشيد الوطني الحماسي الشهير «أجدادك» الذي يتغنَّى ببطولات الأمة التركية.

ووصفت وسائل الإعلام اليونانية المراسم بـ«الاستفزازية للغاية»، عادّةً أنَّ أنقرة تعمَّدت خلق أجواء مشحونة بالرسائل التحريفية والرموز القومية والغطرسة الإمبراطورية، مستحضرةً إرث فرقة الانكشارية التي «كانت تبث الرعب في قلوب خصومها تاريخياً، وبمَن فيهم اليونانيون».

وبالإضافة إلى المراسم، عكست الصحافة اليونانية القلق من إشادة ترمب بإردوغان، ووعده بحل مشكلة مقاتلات «إف - 35»، قائلة إن «ترمب انحنى أمام السلطان (إردوغان) وأغدق عليه المديح، وفتح الباب أمام طائرات (إف - 35)، ووصف تركيا بأنها (صديق أكثر ولاءً من دول أخرى كثيرة)».

وقالت صحيفة «كاثيميريني» اليونانية، واسعة الانتشار، إنَّ الوعود الأميركية لتركيا دقَّت ناقوس الخطر في الدوائر الدفاعية اليونانية التي كانت تراهن على استمرار حظر السلاح الجوي على أنقرة.

هدية إردوغان تثير الجدل

أما هدية الرئيس إردوغان لرؤساء دول وحكومات «ناتو» فلم تنشغل بها فقط وسائل الإعلام التركية، بل انتقلت إلى نظيرتها العالمية، فقد أهدى جميع القادة مسدسات مطلية بالفضة، حُفر على كل منها اسم صاحبه، وذخيرة حية، مع رسالة من إردوغان تؤكد أنَّها معفاة من الرسوم والقيود الجمركية، وكان الأمر مفاجئاً لكثير من القادة، لا سيما أنَّ هناك قوانين تمنع دخول الأسلحة كما في بريطانيا.

مسدس وذخيرة قدمهما إردوغان هدية لقادة دول «ناتو» أثارا ردود فعل متباينة (رويترز)

وبينما رفض الأمين العام لـ«ناتو»، مارك روته، الهدية مباشرة، بحسب وسائل الإعلام التركية، تباينت ردود فعل قادة دول الحلف حول هذه الهدية، التي وصفها رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بالمفاجئة، وتركها في السفارة البريطانية في أنقرة بمحاولة إنهاء إجراءات شحنها، مصرحاً بأنَّ هناك تشريعات بريطانية صارمة متعلقة بحيازة واستيراد الأسلحة النارية.

أما رئيس وزراء بلجيكا، بارت دي ويفر، فشعر بالدهشة من الهدية وسلمها إلى الشرطة التركية، في حين تركها رئيس وزراء هولندا، روب يتين، في المطار، بينما أعلن بعض القادة ومسؤولي الاتحاد الأوروبي أنَّها ستوضع في متحف الهدايا الرسمية في بلادهم.

«نجمة شباك» القمة

ولم تكن قمة «ناتو» بالنسبة للأتراك، الذين أبدوا اهتماماً واسعاً بها بحكم الإجراءات التي صاحبتها والحديث الرسمي المُتكرِّر عنها على مدى شهور، ساحةً للملفات الأمنية والعسكرية المعقدة فحسب، ولم يخلُ الأمر من مواقف طريفة، أبرزها الإعجاب الشديد، إلى حدِّ الغزل، برئيسة وزراء آيسلندا الشابة، كريسترون فروستادوتير، التي تحوَّلت إلى «نجمة» نالت اهتماماً إعلامياً وشعبياً واسعاً، واكتسحت منصات التواصل الاجتماعي في تركيا، كما حدث ما يشبه الغزو من جانب الأتراك لمتابعة حساباتها على هذه المنصات.

إردوغان وزوجته أمينة خلال استقبال رئيسة وزراء آيسلندا كريسترون فروستادوتير قبل عشاء قادة «ناتو» بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)

ومباشرة بعد انتهاء القمة، أمطر المستخدمون الأتراك الحسابات الرسمية لها بآلاف التعليقات ورسائل الإعجاب، بعد تداول لقطات عفوية لها وهي تنظر بدهشة إلى هندسة وديكورات القصر الرئاسي التركي، فضلاً عن صور من جولتها في أنقرة وزيارة قلعتها، وكتب أحد المغردين الأتراك تعليقاً على الصور: «لقد أحبتكِ تركيا كثيراً. لقد غمر جمالكِ ورقتكِ الشاشات كالإعصار».

وحظيت رسالة الوداع التي أرفقتها فروستادوتير، بصورها في قلعة أنقرة بتفاعل تركي وأوروبي غير مسبوق، ما دفع بعض المعلقين في وسائل الإعلام إلى القول إن الدبلوماسية الآيسلندية الناعمة نجحت في وضع بصمة خاصة خلف كواليس القمة العسكرية الصارمة.

فرق من خيالة الشرطة شاركت في إجراءات تأمين قمة «ناتو» بأنقرة (أ.ف.ب)

أما الإجراءات الأمنية الصارمة التي رافقت القمة، فحملت في ثناياها بعض الحكايات التي تجمع بين الدهشة والفكاهة، منها حكاية الأسرة التي تعرَّضت لمداهمة أمنية بطريق الخطأ، لأن مطلوباً كان يستأجر المنزل الذي تقيم فيه العائلة من قبل ولا يزال عنوانه مُسجلَّاً هناك.

وانتقدت المعارضة التركية بشدة القيود والإجراءات الأمنية الصارمة خلال القمة وما قبلها وما بعدها بأيام، واشتكى كثير من أصحاب المحال التجارية في مناطق حيوية في أنقرة هذه الإجراءات التي تسبَّبت في خسائر كبيرة لهم، فضلاً عن ضيق السكان الذين اضطر بعضهم إلى السير لمسافة كيلومترات للحصول على احتياجاته اليومية.


مقالات ذات صلة

تركيا تتطلع لدور تنسيقي ضمن جهود توحيد المؤسسات الليبية

شمال افريقيا المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)

تركيا تتطلع لدور تنسيقي ضمن جهود توحيد المؤسسات الليبية

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأربعاء، حرص بلاده على «دعم جهود توحيد المؤسسات الليبية»، معرباً عن تطلع أنقرة إلى الاضطلاع بدور في تنسيق الجهود الدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية طيار يؤدي عرضاً جوياً بطائرة «إف-16» خلال معرض في تركيا (أ.ف.ب)

وزارة الدفاع التركية: تحطم مقاتلة «إف-16» خلال رحلة تدريبية

أعلنت ​وزارة الدفاع التركية أن مقاتلة عسكرية من ‌طراز ‌«إف-16» ​تحطمت ‌اليوم ⁠(الأربعاء)، ​في أثناء ⁠رحلة تدريبية في إقليم يلوا شمال ⁠غرب ‌تركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره التركي هاكان فيدان (الشرق الأوسط)

السعودية وتركيا تبحثان جهود خفض التصعيد وأمن الممرات المائية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي في اتصال هاتفي مع نظيره التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية نواب في البرلمان التركي يحتفلون بالانتهاء من إقرار «القانون الإطاري للسلام» عقب جلسة مناقشة وتصويت مطولة عقدت الاثنين (رويترز)

موافقة البرلمان التركي على «قانون السلام» تثير تساؤلات عن المرحلة المقبلة

طرحت موافقة البرلمان التركي على «القانون الإطاري للسلام» تساؤلات بشأن الخطوات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة وطبيعة التحرك لأجل تعزيز الديمقراطية والاندماج...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

اشتعال النيران بميناء إزمايل الأوكراني بعد هجوم روسي

أرشيفية لمجمع تابع لميناء تعرض للقصف خلال غارات روسية بطائرات مسيرة في بلدة إزمايل في منطقة أوديس (رويترز)
أرشيفية لمجمع تابع لميناء تعرض للقصف خلال غارات روسية بطائرات مسيرة في بلدة إزمايل في منطقة أوديس (رويترز)
TT

اشتعال النيران بميناء إزمايل الأوكراني بعد هجوم روسي

أرشيفية لمجمع تابع لميناء تعرض للقصف خلال غارات روسية بطائرات مسيرة في بلدة إزمايل في منطقة أوديس (رويترز)
أرشيفية لمجمع تابع لميناء تعرض للقصف خلال غارات روسية بطائرات مسيرة في بلدة إزمايل في منطقة أوديس (رويترز)

قالت ​السلطات بمنطقة ميناء إزمايل الأوكراني في ‌أوديسا ‌بجنوب ​البلاد، ‌إن ⁠روسيا ​قصفت المنطقة ⁠خلال الليل مما تسبب ⁠في ‌أضرار وحرائق.

وتقع ‌المنطقة ​قرب ‌الحدود ‌مع رومانيا وبها ‌أكبر ميناء أوكراني على نهر ⁠الدانوب، ⁠ويتم من خلاله شحن حبوب وسلع أخرى.


تحرّك أميركي لضبط نيران البحر الأسود

Russian President Vladimir Putin visits the Russian Navy's guided missile cruiser "Varyag" while overseeing the final phase of the Pacific Fleet's naval exercises off Sakhalin Island in the Far East (AFP)
Russian President Vladimir Putin visits the Russian Navy's guided missile cruiser "Varyag" while overseeing the final phase of the Pacific Fleet's naval exercises off Sakhalin Island in the Far East (AFP)
TT

تحرّك أميركي لضبط نيران البحر الأسود

Russian President Vladimir Putin visits the Russian Navy's guided missile cruiser "Varyag" while overseeing the final phase of the Pacific Fleet's naval exercises off Sakhalin Island in the Far East (AFP)
Russian President Vladimir Putin visits the Russian Navy's guided missile cruiser "Varyag" while overseeing the final phase of the Pacific Fleet's naval exercises off Sakhalin Island in the Far East (AFP)

تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى وقف القصف المتبادل بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود. وأوقفت كييف مؤقتاً هجماتها على ناقلات تستخدم ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود، بعدما طلب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ذلك خلال اتصال بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أواخر يوليو (تموز).

ووفق ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز» عن مسؤولين أوكرانيين، وافقت كييف على عدم استهداف منشآت «اتحاد خط أنابيب بحر قزوين» والناقلات غير الروسية، شرط ألا تكون خاضعة لعقوبات أوكرانية أو محمّلة بالنفط والبضائع الروسية. ولم تؤكد الإدارة الأميركية رسمياً تفاصيل التفاهم.

وتنبع حساسية المنشأة من أنها تصدّر النفط الكازاخستاني عبر الأراضي الروسية، وتملك شركتا «شيفرون» و«إكسون موبيل» الأميركيتان مصالح كبيرة في المشاريع التي تغذيها. وكانت هجمات يوليو قد عطّلت ما يصل إلى خُمس عمليات التحميل، وأسهمت في انخفاض إنتاج كازاخستان النفطي 14 في المائة خلال شهر، ما أثار مخاوف من اضطراب الأسعار وإلحاق الضرر بالشركتين.


واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)
سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)
سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)

بينما كانت واشنطن تطلب من كييف تحييد ناقلات النفط المرتبطة بخط بحر قزوين، كانت المسيّرات والصواريخ الأوكرانية تضرب القاعدة البحرية الروسية ومنشآت الحبوب في نوفوروسيسك.

Ukrainian attack on the 'Kiros' ship, part of Russia's shadow fleet, on November 29, 2025 (AFP)

هذا التزامن يلخّص المرحلة الراهنة من الحرب؛ الولايات المتحدة ما زالت قادرة على رسم حدود لبعض العمليات الأوكرانية، لكنها لم توقف حملة استهداف العمق الروسي، فيما يستخدم الطرفان التصعيد لتحسين موقعيهما قبل تحرك دبلوماسي محتمل، يقوده ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير. غير أن انتقال الحرب الجوية إلى الموانئ والمصافي والمدن، وارتفاع الخسائر المدنية، يجعلان أي وساطة جديدة سباقاً بين فتح قناة تفاوضية واتساع دائرة الانتقام.

حدود أميركية للنار

أوقفت أوكرانيا مؤقتاً هجماتها على ناقلات تستخدم ميناء نوفوروسيسك، بعدما طلب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ذلك خلال اتصال بالرئيس فولوديمير زيلينسكي أواخر يوليو (تموز). ووفق ما نقلته «فاينانشال تايمز» عن مسؤولين أوكرانيين، وافقت كييف على عدم استهداف منشآت «اتحاد خط أنابيب بحر قزوين» والناقلات غير الروسية، شرط ألا تكون خاضعة لعقوبات أوكرانية أو محمّلة بالنفط والبضائع الروسية. ولم تؤكد الإدارة الأميركية رسمياً تفاصيل التفاهم، كما قالت «رويترز» إنها لم تتمكن من التحقق منه بصورة مستقلة.

تنبع حساسية المنشأة من أنها تصدّر النفط الكازاخستاني عبر الأراضي الروسية، وتملك شركتا «شيفرون» و«إكسون موبيل» الأميركيتان مصالح كبيرة في المشاريع التي تغذيها. وكانت هجمات يوليو قد عطلت ما يصل إلى خُمس عمليات التحميل، وأسهمت في انخفاض إنتاج كازاخستان النفطي 14 في المائة خلال شهر، ما أثار مخاوف من اضطراب الأسعار وإلحاق الضرر بالشركتين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يزور الطراد الصاروخي الموجه التابع للبحرية الروسية «فارياغ» في أثناء إشرافه على المرحلة النهائية من التدريبات البحرية لأسطول المحيط الهادئ في أقصى شرق جزيرة سخالين (أ.ف.ب)

استجابة كييف تكشف استمرار اعتمادها على واشنطن، ولا سيما الحصول على صواريخ اعتراضية ومزيد من منظومات «باتريوت». لكنها تكشف أيضاً حدود النفوذ الأميركي؛ فقد حيّدت أوكرانيا النفط الكازاخستاني والسفن غير الروسية، من دون التخلي عن ضرب الأهداف الروسية في الميناء نفسه. وبذلك لم تفرض واشنطن وقفاً للحملة، بل رسمت خطاً يفصل بين استهداف موارد موسكو العسكرية وبين الإضرار بمصالح دول وشركات غربية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

الميناء يبقى هدفاً

هذا الفصل ظهر بوضوح في الهجوم الواسع على نوفوروسيسك، ليل الثلاثاء - الأربعاء. فقد قال زيلينسكي إن العملية استخدمت مسيّرات جوية وبحرية وصواريخ مضادة للسفن، واستهدفت القاعدة البحرية والدفاعات الجوية والأرصفة. وكانت روسيا قد نقلت جزءاً من أسطول البحر الأسود إلى هذه القاعدة بعدما أصبحت سفنه في القرم عرضة للهجمات الأوكرانية.

ونقلت «رويترز» عن مصادر في قطاع الحبوب أن محطتين كبيرتين للتصدير توقفتا بعد تعرضهما لأضرار. وتبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 15.6 مليون طن سنوياً، الأمر الذي دفع عقود القمح في شيكاغو إلى الارتفاع بنحو 3 في المائة. في المقابل، لم تظهر مؤشرات إلى إصابة محطة خط بحر قزوين أو ناقلاته، بما يؤكد التزاماً انتقائياً بالطلب الأميركي.

Residents inspect the damage after a Russian shelling of Lviv on July 30 (AFP)

وتتجاوز تداعيات المعركة روسيا وحدها. فموسكو أكبر مصدّر للقمح عالمياً، فيما قالت وزارة الزراعة الأوكرانية إن شحنات بلادها تراجعت 76 في المائة خلال أول أسبوعين من أغسطس (آب) مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة الهجمات الروسية على الملاحة والموانئ. وهكذا يتحول البحر الأسود مجدداً إلى مساحة ضغط على الأمن الغذائي، بعدما أصبح ممراً تتقاطع فيه الحرب البحرية مع مصالح الطاقة والتجارة الدولية.

منقذون يجلون مصابين من مبنى سكني تعرض للقصف في لفيف يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)

بوتين يهدد

وفي سياق متصل، هدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأربعاء، بالاستيلاء على سفن تابعة لدول أوروبية، ردّاً على قيام هذه الدول باعتراض واحتجاز سفن يُشتبه في أنها جزء من «الأسطول الشبح» الروسي. وجاء التهديد الروسي بعدما اعترضت دول أوروبية، ولا سيما السويد وفرنسا، في الأشهر الأخيرة، سفناً يُعتقد أنها تابعة لهذا الأسطول الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة عليها.

وتتيح مجموعة جديدة من العقوبات، أقرّها الاتحاد الأوروبي في نهاية يوليو، وتستهدف هذه العائدات الهامة لروسيا، بيع حمولات هذه السفن من نفط وغيره.

وقال بوتين: «نلاحظ أن سلطات بعض الدول... درست مؤخراً إمكانية مصادرة سفننا وبيع الممتلكات التي ينهبونها منّا»، مندداً بأعمال «قرصنة ولصوصية».

وأضاف متحدثاً على هامش مناورات بحرية في أقصى الشرق الروسي: «إذا ما نُفّذ ذلك، فسنُضطر للردّ بالمثل»، مضيفاً أن روسيا ستتحرك «حيثما نرى نحن ذلك ضرورياً ومناسباً، في أي مكان».

عملية إنقاذ تجري بعد ضربة صاروخية روسية على مدينة لفيف في غرب أوكرانيا يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)

وقرّرت السويد مؤخراً تسليم أوكرانيا سفينة شحن من أسطول الظل الروسي، اعترضتها مطلع مارس (آذار)، وهي تنقل بحسب كييف حمولة من القمح الأوكراني المسروق من الأراضي التي تحتلها موسكو. وأدلى بوتين بتصريحاته على متن الطراد الروسي «فارياغ» قبالة جزيرة سخالين، حيث تقوم البحرية الروسية بمناورات عسكرية. وتجري المناورات قبل أسبوع من مناورات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، تحاكي هجوماً محتملاً من كوريا الشمالية. ويخيم توتر شديد في المنطقة، في وقت تندد فيه كييف وسيول بتكثيف التعاون العسكري بين بيونغ يانغ وموسكو.

العمق الروسي ينكشف

بالتوازي، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها أسقطت 502 مسيّرة خلال الليل، وأكثر من ألف مسيّرة خلال 24 ساعة، وهي أرقام لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، لكنها تعكس الحجم غير المسبوق للهجمات. كما توقفت مصفاة أورسك، التي تبعد نحو 1900 كيلومتر عن الحدود، وتبلغ طاقتها 115 ألف برميل يومياً، إثر حريق نسبته مصادر نفطية إلى ضربة أوكرانية.

وتسمي كييف هذه الحملة «عقوبات بعيدة المدى»، لأنها تستهدف المصافي والموانئ ومستودعات الوقود والمنشآت اللوجستية التي تموّل آلة الحرب الروسية. إلا أن اتساعها أضعف قدرة بوتين على إبقاء المجتمع الروسي بعيداً عن تداعيات الغزو. ففي نيجنكامسك، قتل 13 شخصاً، وأصيب 39 في ضربة استهدفت مصفاة «تانيكو» في تتارستان.

الدخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس (رويترز)

وبحسب بيانات «فريق استخبارات الصراعات»، التي أوردتها «نيويورك تايمز»، قُتل 327 مدنياً داخل روسيا بضربات جوية وقصف خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، مقابل 145 في الفترة نفسها من العام الماضي، وأصيب 2366. لكن التكلفة تبقى أعلى في أوكرانيا، حيث قُتل 1695 مدنياً خلال الفترة ذاتها، فيما تواصل موسكو استخدام الصواريخ الباليستية والمسيّرات بكثافة. وفي أحدث موجة روسية، ضُربت منشآت في أوديسا، واشتعل حريق في مركز تجاري بزابوريجيا، بعد هجوم بصواريخ، قالت كييف إنها كورية شمالية، أوقع قتلى في مصنع للصلب.

مسيرات انتحارية في تايوان خلال تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ)

وساطة ممكنة لا اختراق قريباً

وسط هذا التصعيد، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف سلّمت الجانب الأميركي مقترحات جديدة لإنهاء الحرب، من دون كشف تفاصيلها. كما تتوقع موسكو وكييف زيارة ويتكوف وكوشنير إلى العاصمتين، بعدما تعطلت جهود الوساطة لأشهر بسبب انشغال واشنطن بالحرب والمفاوضات مع إيران. لكن لم يُعلن حتى الآن موعد رسمي للزيارة، في حين أنهما زارا موسكو سابقاً، ولم يزورا كييف بعد.

ويرى مراقبون أن ثمة عناصر تسمح بإعادة تشغيل الوساطة؛ تجاوب كييف مع فانس، وتسليمها مقترحات، واستعداد الكرملين لاستقبال المبعوثين. لكن هذه مؤشرات إلى استئناف «دبلوماسية مكوكية» أكثر منها دليلاً على تسوية وشيكة. فالعقدة الأساسية لم تتغير؛ موسكو تطالب أوكرانيا بالتخلي الكامل عن المناطق الأربع التي أعلنت ضمّها ومعالجة ما تسميه «الأسباب الجذرية»، بينما تتمسك كييف بوقف النار والضمانات الأمنية وترفض الانسحاب من أراضٍ لم تحتلها روسيا.

عملية إنقاذ تجري بعد ضربة صاروخية روسية على مدينة لفيف غرب أوكرانيا 30 يوليو (أ.ف.ب)

وقد يكون الإنجاز الأقرب اتفاقاً محدوداً لتحييد النفط الكازاخستاني والسفن غير الروسية، وربما توسيعه إلى ممرات الحبوب أو بعض منشآت الطاقة. أما التسوية الشاملة فتحتاج إلى ضغط أميركي متوازن على الطرفين، لا إلى ضبط نيران كييف وحدها. لذلك يمكن لزيارة ويتكوف وكوشنير أن تفتح نافذة تفاوض، لكن الهجمات الحالية تبدو، في الوقت نفسه، محاولة من موسكو وكييف لتحديد ما سيدخل عبر تلك النافذة من أوراق قوة وشروط.