فنزويلا تتأرجح بين امرأتين تتنافسان على الزعامة... وكسب رضا واشنطن

قرار العفو عن المعتقلين السياسيين فاجأ الجميع في الداخل والخارج

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

فنزويلا تتأرجح بين امرأتين تتنافسان على الزعامة... وكسب رضا واشنطن

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز العفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين في البلاد، كانت زعيمة المعارضة ماريَّا كورينا ماتشادو تعلن -من كولومبيا المجاورة- أن الشعب الفنزويلي «بدأ يتنفس نسيم الحرية التي كان محروماً منها طيلة عقود».

قرار العفو هذا الذي جاء مفاجئاً للجميع، في الداخل والخارج، يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين ما تبقَّى من نظام مادورو وخصومه السياسيين بعد 13 عاماً من القمع والتهميش، ويؤرخ لبداية تفكك التيَّار السياسي الذي أسسه هوغو تشافيز مطالع هذا القرن، وتحوَّل إلى الحصن الرئيسي للحركات والأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية. وقد كان ذلك أول مطلب للمعارضة السياسية بعد فوزها في انتخابات عام 2015، ورفضه النظام يومها إلى جانب كل الاقتراحات الأخرى التي تقدمت بها المعارضة، ودخلت فنزويلا في دوَّامة من القمع السياسي الممنهج، وتدهور الأوضاع الاجتماعية الذي دفع ثلث سكان البلاد تقريباً إلى الهجرة.

مادورو لدى نقله إلى المحكمة في نيويورك يوم 5 يناير (رويترز)

ويوم الثلاثاء المقبل، يكون قد انقضى شهر على العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة للمحاكمة، بينما لا يزال المشهد السياسي الفنزويلي متسربلاً بالضباب والغموض، ومتأرجحاً بين رئيسة مؤقتة مشهود لها بالحنكة السياسية والخبرة الطويلة في إدارة الأزمات، وزعيمة للمعارضة معروفة بقدرتها على المناورة وبراعتها في تحيُّن الفرص: ديلسي رودريغيز، من الأركان الأساسية لنظام مادورو، وقد اختارتها واشنطن لإدارة المرحلة، وتنفيذ خطة لم يكشف النقاب عنها بعد، وماريَّا كورينا ماتشادو المتوَّجة بـ«نوبل للسلام» التي قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقصاءها لغاية في نفس يعقوب، فاختارت التريُّث وانتظار الظرف المناسب كي تلعب الدور الذي تستعد له منذ سنوات.

لكن هذه المنافسة بين رودريغيز وماتشادو لا تدور رحاها في فراغ، ولا على ملعب محايد؛ بل هي تخضع لمشيئة الرئيس الأميركي ومصالحه، فهو الذي يحدِّد الآجال ويملي الشروط ويفرض القرارات، دائماً وفقاً لأولوياته.

صورة مركبة لترمب وماتشادو (أ.ف.ب)

الرئيسة المؤقتة وزعيمة المعارضة، يحمل كل منهما مشروعاً سياسياً يناقض الآخر، ولكن الاثنتين تتحركان تحت ضغوط وقيود خارجية قوية. وفي هذا الإطار، لم يعد الصراع بينهما مقصوراً فحسب على السلطة؛ بل يهدف أيضاً إلى «استمالة القيصر وإرضائه»، لتوسيع هامش المناورة في مرحلة انتقالية تدير دفَّتها واشنطن.

تمثِّل رودريغيز المرحلة الثالثة من «الحركة التشافية»، ولكن من غير هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو. وهي تعرف أن المهمة الملقاة اليوم على عاتقها، هي فتح مسار ثالث يحوِّل نظاماً استبدادياً فاشلاً وفاسداً، إلى نظام مقبول في الداخل والخارج، وقادر على معالجة بعض المشكلات الأساسية التي يعاني منها الشعب الفنزويلي، مثل الصحة والتعليم، ويحقق أولى طموحات تشافيز بإعادة توزيع المدخول النفطي على غالبية السكان. وهذا ما يتبدَّى من الحملة الواسعة التي أطلقتها رودريغيز على منصات التواصل الاجتماعي للتعريف ببرنامجها.

ورغم أن الرئيسة المؤقتة تحظى ببركة ترمب الذي اختارها لملء الفراغ بعد إلقاء القبض على مادورو، ومنع الفوضى والانفلات، تواجه رودريغيز تحديات صعبة، ليس أقلها التوفيق بين إرساء الاستقرار الأمني والاجتماعي بعد الضربة القاصمة التي أصابت النظام، وإطالة عمر التيار التشافي والحيلولة دون تفككه، على الأقل داخل الحكومة والمؤسسات العليا.

ويُستفاد من استطلاع أجري مؤخراً، أن شعبية رودريغيز، في انتخابات رئاسية مفترضة، لا تتجاوز 13 في المائة، بينما تصل شعبية ماتشادو إلى 43 في المائة. يضاف إلى ذلك أن إدارة ترمب سلَّطت سيفاً جديداً فوق رقبة رودريغيز، عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية مؤخراً، أن اسمها موجود على قائمة تحقيقات جارية تربطها بجرائم غسل الأموال وتهريب المخدرات والذهب.

ترمب وماتشادو بُعيد تسليمها ميدالية جائزة «نوبل للسلام» له خلال اجتماعهما في واشنطن يوم 15 يناير (البيت الأبيض)

ماريَّا كورينا ماتشادو، من جهتها تتحصَّن بكونها المرشحة الرئاسية التي اختارتها المعارضة لمنافسة مادورو في الانتخابات الأخيرة، رغم أن النظام نزع عنها لاحقاً أهلية الترشُّح، وهي تجسِّد بلا شك المطامح الديمقراطية لغالبية الفنزويليين، فضلاً عن نيلها العام الماضي جائزة «نوبل للسلام» تقديراً لجهودها في الدفاع عن الديمقراطية والحريات.

عرضت ماتشادو في برنامجها السياسي إعادة فتح السوق الفنزويلية على العالم، لاجتذاب الاستثمارات الخارجية في قطاعات النفط والطاقة والتكنولوجيا والسياحة، كما وعدت بإحياء «فنزويلا الكبرى» التي كانت في سبعينيات القرن الماضي، قطباً إقليمياً وعالمياً يجذب الكفاءات. ويمكن القول إن ماتشادو نجحت في رأب الصدع الذي ظهر في علاقاتها مع الإدارة الأميركية، بعد القبض على مادورو وإقصائها عن إدارة المرحلة، عندما استقبلها ترمب في البيت الأبيض وقدَّمت له ميدالية نوبل.

رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز (أ.ف.ب)

ومن الواضح، أن الخصومة بين المرأتين هي أقرب إلى العداء من أي شيء آخر، ولكن الواحدة منهما تدرك جيداً أنها أمام خصم لا يستهان به. رودريغيز تدرَّجت طوال عشرين عاماً في أهم مواقع النظام، وماتشادو تحمل شرعية سياسية ورمزية تصعب مجاراتها، ولكنها لا تملك هامشاً للمناورة يوازي الدعم الشعبي الذي تتمتع به.

النيران المتبادلة في تصريحات رودريغيز وماتشادو كانت على قدر من الكثافة ينذر بمراحل جديدة من التصعيد بين الطرفين. ولكن إذا بقي الصراع مقصوراً على حسم هوية من سيحكم البلد الذي يديره البيت الأبيض، تكون السلطة قد انتقلت من يد إلى أخرى، من غير أن تعود إلى أصحابها الشرعيين، أي إلى الفنزويليين.


مقالات ذات صلة

محكمة أميركية تقضي بسجن رجلين صينيين بعد إدانتهما بالتجسس لصالح بكين

الولايات المتحدة​ مشهد عام يظهر مباني السفارة الأميركية في بكين (أرشيفية - رويترز)

محكمة أميركية تقضي بسجن رجلين صينيين بعد إدانتهما بالتجسس لصالح بكين

قضت محكمة في كاليفورنيا أمس (الجمعة) بسجن رجلين صينيين بعد أن كانا قد أقرا بمحاولة تجنيد أفراد من الجيش الأميركي للتجسس لصالح بكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية امرأة تسير وسط حركة المرور في إحدى ساحات العاصمة طهران (أ.ف.ب) p-circle

قطر تسعى إلى اختراق دبلوماسي بين واشنطن وطهران

أجرى وسطاء قطريون محادثات مكثفة في طهران، يوم الجمعة، استمرَّت أكثر من 12 ساعة، في محاولة للتّوصل إلى اتفاق يمهّد لاستئناف المفاوضات المباشرة بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - الدوحة)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

تحليل إخباري ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

فيتو روسي يسقط مشروع قرار أميركياً لتعديل مهام «المينورسو»، والمغرب يعلن انتهاء البعثة الأممية، ويطالب بسحب ملف الصحراء نهائياً من مجلس الأمن.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع السيناتورة آشلي مودي في دايتونا بيتش بولاية فلوريدا (أ.ب)

ترمب وكلينتون يحشدان الناخبين قبل الاستحقاق الكبير

شارك الرئيس دونالد ترمب، الجمعة، في تجمع انتخابي مع أنصاره الجمهوريين بفلوريدا، بينما ألقى الرئيس الأسبق بيل كلينتون كلمة أمام الديمقراطيين في ميسيسيبي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم منظومة صواريخ «باتريوت» أميركية الصنع في تايبيه خلال تدريب للجيش التايواني (أ.ف.ب)

أميركا توافق على بيع صواريخ باتريوت لأوكرانيا مقابل 2.1 مليار دولار

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، أنها وافقت على بيع أوكرانيا 500 صاروخ «باتريوت باك - 3» مقابل 2.1 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...