«قمة باريس» خطوة متقدمة لتوفير الضمانات الأمنية لأوكرانيا

القادة الأوروبيون الرئيسيون شاركوا فيها إلى جانب ممثلي الولايات المتحدة

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
TT

«قمة باريس» خطوة متقدمة لتوفير الضمانات الأمنية لأوكرانيا

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)

شهدت باريس قمة استثنائية لـ«تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا، شارك فيها 27 رئيس دولة وحكومة، بينهم قادة كبار الدول الأوروبية، إضافة إلى رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية والأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي». والأهم من ذلك مشاركة المستشارين الرئيسيين الأميركيين اللذين كلفهما الرئيس دونالد ترمب الملف الأوكراني، وقد انضم إليهما الجنرال ألكسوس غرينكويتش، القائد الأعلى لقوات الحلف الأطلسي في أوروبا.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يصلان معاً إلى قاعة الاجتماع وتظهر في الصورة أعلام الدول المشاركة فيها في قصر الإليزيه (رويترز)

وجاءت «قمة باريس» تتويجاً لسلسلة من الاجتماعات المتنقلة ما بين ميامي (فلوريدا) وكييف وباريس. ويوم الاثنين، عرف مقر قيادة «قوة الطمأنة»، التي ينوي الأوروبيون نشرها بعيداً عن خطوط القتال في أوكرانيا بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، سلسلة اجتماعات متلاحقة بحضور الجنرال غرينكويتش تركزت على تحديد أشكال الضمانات الأمنية التي ينوي الغربيون تقديمها لأوكرانيا، ومهمتها «ردع» روسيا عن معاودة مهاجمتها بعد التوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين. ومن جانب آخر، تتعين الإشارة إلى أن الحضور الأميركي بالغ الأهمية بالنظر إلى تمسك عدد كبير من الدول الأووربية به وجعله شرطاً للمشاركة في قوة الطمأنة التي كسبت تسمية جديدة وهي «القوة متعددة الجنسيات».

وأكدت الرئاسة الفرنسية أن الهدف الرئيسي للقمة تحقيق نتائج ملموسة بشأن 5 أولويات رئيسية، في حال تم التوصل لوقف لإطلاق النار، وهي: طرق مراقبته، ودعم القوات المسلحة الأوكرانية؛ ونشر قوة متعددة الجنسيات براً وبحراً وجواً؛ وتعيين الالتزامات المتوجبة على الأطراف المساهمة بالقوة في حال حدوث عدوان روسي جديد وأخيراً التعاون الدفاعي طويل الأمد مع أوكرانيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته على مدخل القصر الرئاسي (رويترز)

بيد أن باريس شددت على أمر آخر وعنوانه التوافق الذي توصلت إليه الأطراف الثلاثة (الأوروبيون والولايات المتحدة وأوكرانيا) بالنسبة لمقاربة ملف الحرب وكيفية التعامل مع الطرف الروسي. ويرى الأوروبيون أن مهمة جلب روسيا إلى طاولة المفاوضات تقع على كاهل واشنطن، بينما المطلوب كذلك إقناعها بقبول انتشار قوة أوروبية على الأراضي الأوكرانية.

والحال أن موسكو رفضت حتى اليوم بقوة أي انتشار لقوة تنتمي إلى بلدان أعضاء في الحلف الأطلسي وهو حال الغالبية العظمى للدول الأوروبية. ووفق أكثر من مصدر، فإن ما رفع نسبة التفاؤل عند الأوروبيين قبول الرئيس ترمب تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا. وحتى مساء الثلاثاء، امتنعت الأطراف الأميركية والأوروبية والأوكرانية عن الكشف عن طبيعة هذه الضمانات، التي وصفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنها «صلبة»، بيد أنه نبه، مساء الأحد، إلى أن «تفاصيل مهمة لم تحسم بعد» و أن عمليات نشر محتملة لقوات أوروبية لا تزال تواجه عقبات، مضيفاً أن تفاصيل مهمة «لم تُستكمل بعد»، وإنه «ليس الجميع مستعدين» للالتزام بإرسال قوات لـ«طمأنة» أوكرانيا.

ما قاله زيلينسكي صحيح. والمعروف أن دولاً رئيسية مثل ألمانيا وبولندا وإيطاليا ترفض إرسال وحدات عسكرية إلى أوكرانيا، رغم أن مهمة هذه الوحدات ليست قتالية. وبعد أشهر من الأخذ والرد، يتبين أن هناك تعويلاً على فرنسا وبريطانيا اللتين ترأسان «تحالف الراغبين» في إرسال وحدات عسمكرية إلى أوكرانيا لتشجيع الآخرين. وكان أحد أهداف القمة الحصول على التزامات محددة ونهائية من الأطراف الراغبة في مواصلة توفير الدعم لأوكرانيا، أكان بالرجال أو بوسائل أخرى. وأشار زيلينسكي إلى ذلك بقوله إن الدعم يمكن أن يأتي بأشكال أخرى غير إرسال وحدات عسكرية، مثل توفير الأسلحة والتقنيات والمعلومات الاستخبارية. كذلك قال الأخير إن نشر قوات بريطانية وفرنسية بالغ الأهمية باعتبار الدولتين تمتلكان سلاح الردع النووي وأن حضورهما «سيكون أساسياً».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً المستشار الألماني فريدريتش ميرتس في الإليزيه (د.ب.أ)

لا شك أن ما تم في باريس يعد أساسياً، وهو ثمرة شهور من المشاورات واللقاءات، لكن نتائجه لن تعني نهاية المطاف؛ إذ يتعين معرفة كيفية تعامل روسيا معها، خصوصاً أنها ما زالت تتمسك بتحقيق أهدافها. وأكثر من مرة قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنها لم تتحقق على طاولة المفاوضات، فإنها سوف تتحقق في الميدان. وثمة صعوبات لم تُحل وأولها تمسك روسيا بالسيطرة على كامل منطقة الدونباس بما فيها الأراضي التي تجتاحها قواتها بعد 4 سنوات من القتال. كذلك ثمة إشكالية تتناول مصير محطة زابوريجيا النووية وهي تعد الكبرى في أوروبا. ومن الناحية العسكرية، فإن روسيا تسيطر عليها، لكن الخلاف يدور حول توزيع الكهراباء التي تنتجها بعد إجراء إصلاح الأضرار التي ألمت بها. وحتى اليوم، لن تبرز أية فكرة يمكن أن تتفق عليها موسكو وكييف.

أخيراً، ثمة مجهول رئيسي عنوانه الرئيس ترمب الذي عود الأوروبيين على تأرجح مواقفه. والحال أن ثمة جديداً اليوم وهي العملية العسكرية التي قامت بها وحدات عسكرية مخلطة أميركية أفضت إلى أسر الرئيس الفنزويلي مادورو وقيادته إلى نيويورك، حيث ستتم محاكمته. ويتخوف الأوروبيون من خططه بخصوص جزيرة غرينلاند الراغب بالسيطرة عليها، الأمر الذي يثير هلعهم، ويدفعهم للحذر إزاء ما سترسو عليه سياسة ترمب في أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تختبر أسلحة بعيدة المدى لإرسالها إلى أوكرانيا

أوروبا أرشيفية لجندي بريطاني يمر أمام صاروخ «ستورم شادو» في معرض فارنبورو للطيران بلندن (أ.ف.ب)

بريطانيا تختبر أسلحة بعيدة المدى لإرسالها إلى أوكرانيا

اختبرت بريطانيا أسلحة هجومية جديدة بعيدة المدى تأمل الحكومة أن يتم تسليمها إلى أوكرانيا في غضون شهور في إطار الجهود المبذولة لإنتاج ذخائر أسرع وأرخص من غيرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز) p-circle

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي... ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً و«الاتحاد» يمدد عقوبات روسيا لمدة 12 شهراً بالإجماع منذ خسارة المجَري أوربان

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أثناء قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس الخميس (د.ب.أ)

زيلينسكي: أوكرانيا ستحتاج إلى وقود و300 صاروخ إذا استمرت الحرب للشتاء

قال الرئيس الأوكراني ​فولوديمير زيلينسكي عبر منصة «تيليغرام»، إن أوكرانيا تتطلع إلى ‌إنهاء الحرب ‌مع روسيا ​قبل ‌حلول ⁠فصل ​الشتاء من ⁠خلال…

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)

قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على تمديد عقوبات ضد روسيا لمدة 12 شهراً

اتفق ​قادة الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، على تمديد عقوبات مفروضة ‌على ‌روسيا ​بسبب ‌حربها ⁠ضد أوكرانيا ​لمدة 12 ⁠شهراً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا بناية تعرضت للهجوم الأوكراني بالمسيرات (رويترز) p-circle

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام، وزيلينسكي يهدد بحرق العاصمة الروسية إذا استمرت الهجمات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
TT

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)

بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى «بريكست»، يبدي أكثرية البريطانيين ندماً على خروجهم من الاتحاد الأوروبي، غير أن دول التكتل الـ27 لا تبدو على عجلة من أمرها لفتح أبوابها لهم.

وأظهرت استطلاعات للرأي في الأشهر الأخيرة أن غالبية واضحة من البريطانيين على قناعة بأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، تطبيقاً لنتائج استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، كان خطأ. ودفع هذا التبدل في الرأي العام المعلقين على الخروج بتسميات جديدة من وحي كلمة «بريكست» لوصف هذا التوجه المعاكس، مستخدمين تعابير، مثل: «بريغريت» الذي يستخدم كلمة «ريغريت» أو «ندم»، و«بريتورن» اقتباساً لكلمة «ريتورن» أو «العودة»، و«بريونيون» الذي يتضمن كلمة «ريونيون» بمعنى «لمّ الشمل».

مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماعات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية (أ.ف.ب)

لكن أبعد من المصطلحات، تحتل هذه المسألة موقعاً بارزاً في صلب سجالات سياسية حادة في المملكة المتحدة بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها. ويرى أندي بيرنام، السياسي المخضرم الذي عاد إلى مجلس العموم بعد انتخابه يوم الخميس الماضي، والذي يُعتبر أكبر خصوم رئيس الحكومة، كير ستارمر، في حزب العمال، ومنافسه على زعامة الحزب، أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ، ويبدي أمله في العودة مجدداً إلى الأسرة الأوروبية، من غير أن يقدّم أي التزامات ملموسة، سواء لجهة تقديم طلب محتمل بذلك، أو تحديد جدول زمنيّ. ويستبعد ستارمر هذا الخيار في الوقت الحاضر، مكتفياً بالعمل على تحقيق تقارب في العلاقات مع الدول الـ27.

ستارمر يتوسط فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع الاتفاق (أ.ف.ب)

ومن الجانب الأوروبي، من غير المؤكد أن يستجيب الاتحاد لطلب انضمام جديد من بريطانيا. وأكد نحو ستة دبلوماسيين أوروبيين تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن بلادهم ستكون منفتحة مبدئياً على عودة بريطانيا، لكنهم حذروا جميعاً بأنه سيتحتّم على لندن إبداء التزام تجاه التكتل والوفاء بواجباتها تجاهه، وهو ما شكك فيه معظمهم.

وقال أحد الدبلوماسيين إنه، في ظل الاستقطاب العالمي السائد، من مصلحة أوروبا أن تنضم إليها مجدداً قوة نووية تُعتبر من أقوى الاقتصادات في العالم، وتشغل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي. غير أن دبلوماسياً آخر أبدى تحفظاً، قائلاً: «ليسوا مستعدين في الوقت الحاضر للقبول بالواجبات الملازمة للعضوية».

لا تسرّع

والدول الـ27 ليست على عجلة من أمرها إطلاقاً لفتح هذا النقاش. وترى دول عديدة أن الاتحاد أفضل حالاً منذ «بريكست»، مع طي صفحة السجالات والنقاشات المتواصلة التي رافقت عضوية بريطانيا. وقال أحد الدبلوماسيين: «الأمر أسهل» منذ خروج لندن، موضحاً: «لم نعد مضطرين للتعامل باستمرار مع استثناءات بشأن كل ملف، هناك المزيد من التماسك».

علما الاتحاد الأوروبي (يسار) وبريطانيا (رويترز)

ورغم انتماء لندن لعقود إلى المجموعة الأوروبية ثم إلى الاتحاد الأوروبي، فهي لم تعتمد اليورو، ولم تنخرط في فضاء «شينغن» للتنقل الحر بين الدول الأعضاء، حتى إنها تفاوضت في عهد رئيسة الوزراء، مارغريت ثاتشر، على تخفيض مساهمتها في الميزانية المشتركة.

وهذا ما تعدّه الدول الأعضاء مؤشراً على قلة التزام فاضحة حيال الاتحاد.

غير أن أحد الدبلوماسيين قال ممازحاً إن من العواقب المؤسفة لخروج البريطانيين تراجع مستوى إتقان لغة شكسبير في الوثائق الرسمية الأوروبية، فيما يحتفظ البعض بذكريات طيبة عن العضوية البريطانية.

«الاتحاد الأوروبي تغيّر»

ولفت الخبير في مجموعة «تشاتام هاوس للدراسات»، سيباستيان مايار، إلى أنه مع انفصال بريطانيا خسرت بلدان الاتحاد الداعية إلى نهج اقتصادي ليبرالي، والمؤيدة للحلف الأطلسي، ثقلاً مؤثراً يمكنه موازنة طموحات فرنسا السيادية.

وبعد خروج بريطانيا، انطلق الاتحاد في السنوات الأخيرة في مسار يهدف إلى تحقيق «استقلالية استراتيجية»، مبدياً انحيازاً معلناً لـ«الأفضلية الأوروبية» في بعض القطاعات.

وقال الخبير إن «المملكة المتحدة لا تدرك مدى التغيير الذي طرأ على الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية». وإن كانت أزمة «كوفيد» وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحرب في أوكرانيا ساهمت في هذا التطور، إلا أن خروج البريطانيين أيضاً دفع أوروبا إلى القيام بعملية إصلاح داخلي حتى لا تخسر أعضاء آخرين.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنيه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح؛ إذ لم تعد معظم الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة تدفع اليوم باتجاه خروج بلدانها من الاتحاد، بل تسعى لتغييره من الداخل.

وسيتسنى للأوروبيين والبريطانيين معاينة وضع علاقتهم الجديدة، خلال قمة مقررة في 22 يوليو (تموز) في بروكسل؛ فبعد التوتر الذي ساد في الأشهر الأخيرة بشأن الصناعات الدفاعية ومضاعفة الرسوم الجمركية الأوروبية على الصلب، ودعم شعار «صُنع في أوروبا»، قد يوقع الطرفان عدداً من الاتفاقيات.

لكن من المتوقع أن يقتصر الأمر على خطوات صغيرة، على غرار تدابير لتسهيل تنقل الشباب أو تجارة المنتجات الغذائية، وهو ما يبدو بعيداً كل البعد عن المصالحة الكبرى التي يحلم بها البعض بين بريطانيا والأوروبيين.

وبعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في يناير (كانون الثاني) 2020، كيف بات وضع البلاد بالأرقام على صعيد الهجرة والتجارة والاقتصاد، المواضيع الثلاثة التي كانت محورية في الحملة من أجل «بريكست»؟

ميشال برانيه متحدثاً في 18 ديسمبر 2020 أمام البرلمان الأوروبي (إ.ب.أ)

الهجرة

وعد أنصار «بريكست» باستعادة السيطرة على حدود بريطانيا مع الخروج من نظام حرية التنقل داخل التكتل. وإن كانت الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي تراجعت منذ ذلك الحين، إلا أن الهجرة من خارجه ازدادت بشكل كبير.

فبين 2012 و2016، كان مواطنو دول التكتل يشكلون ما بين 74 و81 في المائة من العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين في المملكة المتحدة، بمعدل 250 ألف مهاجر في السنة خلال تلك الفترة، بحسب المكتب الوطني للإحصاءات.

في المقابل، كان صافي الهجرة الوافدة من خارج الاتحاد ضعيفاً نسبياً، إذ تراوح ما بين 61 و90 ألف مهاجر في السنة.

وبعد الاستفتاء، تراجع صافي عدد المهاجرين الوافدين من الاتحاد من 253 ألفاً عام 2016، إلى 70 ألفاً في 2020.

في المقابل، ازداد صافي الهجرة من خارج التكتل من 90 ألفاً عام 2016 إلى 186 ألفاً عام 2019. قبل أن يتراجع مجدداً إلى 101 ألف في 2020 خلال أزمة وباء «كوفيد».

وتصاعد هذا التوجه اعتباراً من عام 2021، مع دخول قوانين الهجرة الجديدة حيز التنفيذ في المملكة المتحدة، فوصل صافي عدد المهاجرين من خارج الاتحاد إلى مليون شخص عام 2023، فيما بات صافي الهجرة من الاتحاد سلبياً مع تخطي عدد الرعايا الأوروبيين المغادرين عدد الوافدين منهم.

وسجَّلت بريطانيا منذ ذلك الحين تراجعاً في العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين ليصل إلى 308 آلاف عام 2025، جميعهم من خارج الاتحاد الأوروبي. وشكَّل رحيل البولنديين العنصر الرئيسي في تراجع عدد المهاجرين الأوروبيين، وقد دفعهم الازدهار الاقتصادي في بلدهم الأم للعودة.

الاقتصاد

يواجه البريطانيون أسئلة ملحة عن النمو الاقتصادي (إ.ب.أ)

كان أنصار «بريكست» يؤكدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر على وضع الاقتصاد البريطاني، فيما حذر معارضوه من أن الخروج من السوق المشتركة سيتسبب بأزمة.

وتشير أرقام الناتج الداخلي الإجمالي الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية» في الميدان الاقتصادي إلى أن الاقتصاد البريطاني تبع بصورة عامة مسار الاقتصادات المتطورة الأخرى، خلال السنوات الأولى التي تلت الاستفتاء، غير أنه سجل تراجعاً تدريجياً بالنسبة للولايات المتحدة وكندا، اعتباراً من عام 2020.

وكان الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة أدنى بقليل من الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء، وكانت عواقب الوباء أشد عليها من الدول الأوروبية المجاورة. إلا أن التعافي الذي أعقب ذلك كان أقوى في المملكة المتحدة، إذ كان نمو الناتج المحلي الإجمالي أقوى في بريطانيا منه في الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد خروجها من السوق المشتركة عام 2021، لكنها عادت وسجلت تراجعاً طفيفاً بالمقارنة مع أوروبا في 2023 و2024 و2025.

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)

التجارة

كان أنصار الانفصال يؤكدون أن «بريكست» سيسمح للمملكة المتحدة بزيادة مبادلاتها التجارية مع باقي العالم، فيما كان معارضوه يعتبرون أن قطع علاقاتها مع سوقها الرئيسية سيقود إلى كارثة.

والواقع أن صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي تراجعت من 205 مليارات جنيه إسترليني، عام 2016، وفق البيانات المعدّلة بحسب التضخّم، إلى 185 مليار جنيه إسترليني (245 مليار دولار) عام 2025، رغم انتعاشة وجيزة بعد الجائحة. وخلال الفترة نفسها، لم تتراجع واردات السلع الآتية من الاتحاد الأوروبي إلا بشكل طفيف، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري للمملكة المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي على مستوى السلع، ليرتفع من 113 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 140 ملياراً، وفق بيانات «المكتب الوطني للإحصاءات».

ولم تتمكن بريطانيا من التعويض عن هذا العجز بصادراتها من السلع إلى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ بقيت مستقرة بين 2016 و2025.

وفي المقابل، حققت بريطانيا نمواً قوياً على صعيد صادرات الخدمات إلى جميع أنحاء العالم، ونتج عن ذلك ارتفاع في صادراتها الإجمالية من 765 مليار جنيه إسترليني إلى 908 مليارات جنيه إسترليني خلال الفترة ذاتها. غير أن الواردات الإجمالية ازدادت بنسبة أعلى؛ ما رفع العجز في الميزان التجاري البريطاني إلى نحو 65 مليار جنيه إسترليني عام 2025، بزيادة 3 مليارات عن عام 2016.


السياسة الخارجية الأوروبية تحت نيران الحرب بين فون دير لاين وكالاس

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)
TT

السياسة الخارجية الأوروبية تحت نيران الحرب بين فون دير لاين وكالاس

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

يشهد الاتحاد الأوروبي، منذ أشهر، حرباً صامتةً بين رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، ومسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، تدور حول الصلاحيات، وترخي سدولاً كثيفة على الموقف الأوروبي من الأزمات والصراعات الجيوسياسية في أحرج فترة مرَّت بها القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ف.ب)

الدول الأعضاء تراقب بقلق شديد هذا الصراع بين الوجهين الأبرز في المؤسسات الأوروبية، الذي يعزوه البعض إلى خلل هيكلي في نَصِّ المعاهدة التأسيسية، في حين يرى آخرون أنه وليد طموحات شخصية وتنافس على السلطة والنفوذ وتوجيه دفّة السياسة الخارجية الأوروبية. وثمّة مَن يتحدَّث عن خطة ألمانية - فرنسية لإعادة النظر في بنية السلطة التي تدير هذه السياسة، وحصر القرارات والمواقف الكبرى بعواصم الدول الأعضاء، في مرحلة جيوسياسية بالغة الدقة.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

البعض يقرأ في هذه الخطة المشتركة بين باريس وبرلين، والتي لم تخرج بعد من دائرة التسريبات، هجوماً مباشراً على كالاس التي يأخذ عليها منتقدوها استحواذ الملف الروسي على اهتمامها وعدم درايتها الكافية بتعقيدات ملف الشرق الأوسط، بينما يرى فيها آخرون اتجاهاً لوضع جهاز السياسة الخارجية الأوروبية تحت عباءة المفوضية.

أما الذين يدعمون كالاس ويعارضون ما يسمّونها «الشهيّة الجامحة» لدى رئيسة المفوضية لمراكمة السلطة والنفوذ، ويلمّحون إلى دعم ألماني وراء هذا التوجه، فإنَّهم يشدِّدون على ما تحدِّده المعاهدات التأسيسية للاتحاد، التي تنصُّ على أنَّ مسؤولة السياسة الخارجية هي التي ترفع المقترحات بشأنها إلى المجلس وتنفّذ القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء وتشرف على تنسيق هذه السياسة مع الأجهزة والمؤسسات الأخرى.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (أ.ف.ب)

المراقبون المحايدون يعدّون أنَّ الأزمات التي مرَّ بها الاتحاد خلال العشرية الماضية، من جائحة «كوفيد» إلى الحرب في أوكرانيا، ومن الطلاق مع الولايات المتحدة إلى المنافسة الشديدة مع الصين، هي التي دفعت رئيسة المفوضية إلى واجهة الأحداث، لا سيما أنها مع بداية ولايتها الثانية استحدثت مناصب جديدة في إدارتها تتقاطع صلاحياتها مع صلاحيات المسؤولة عن السياسة الخارجية، وأصبحت بمثابة أجهزة موازية تخضع لسلطتها المباشرة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (أ.ب)

ومع احتدام هذا الصراع عمَّمت كالاس، يوم الخميس الماضي، قبيل افتتاح القمة الأخيرة رسالةً على موظفي جهاز السياسة الخارجية، جاء فيها: «إن العلاقة بين الجهاز والمفوضية والدول الأعضاء كانت موضع نقاش منذ استحداث الجهاز، ومن الطبيعي في ظلَّ التحديات الجيوسياسية غير المسبوقة التي نعيشها اليوم، أن يعود هذا النقاش بمزيد من القوة. لكن الجميع يعلم أن النظام يمكن أن يعمل بشكل أفضل، ومن غير تداخل في الصلاحيات».

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وسارعت المفوضية إلى الرد في بيان صدر عن ناطق بلسانها جاء فيه: «إن جهاز السياسة الخارجية هو جزء من المؤسسات الأوروبية التي تنفَِّذ سياسة الاتحاد، وبالتالي فإنَّ رئيسة المفوضية تسانده وتدعم النشاط الذي يقوم به».

اللافت أن هذا الصراع تزامن بلوغه مرحلة علنية متقدمة، مع حدثين يحملان مدلولاً بعيداً بالنسبة للسياسة الخارجية الأوروبية. الأول كان إعلان رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إعادة تفعيل آلية الحوار مع روسيا؛ بهدف رصد احتمالات فتح قنوات مع الكرملين لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وقال كوستا إنَّه تحدَّث شخصياً مع أحد كبار مساعدي الرئيس فلاديمير بوتين، ما يشكَّل أبرز تقارب بين بروكسيل وموسكو منذ بداية الحرب في عام 2022.

مصافحة بين مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية كايا كالاس ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في بروكسل فبراير الماضي (أ.ب)

الحدث الثاني كان إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن حكومته قرَّرت قطع «كل الاتصالات» مع المسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد كايا كالاس؛ بسبب ما نسبته إليها أنباء صحافية عن تصريحات صدرت عنها خلال زيارة لها إلى المكسيك، شبّهت فيها السياسة الإسرائيلية بسياسة الفصل العنصري سابقاً في جنوب أفريقيا. وقال ساعر إن كالاس أصبحت شخصاً غير مرغوب فيه «إلى أن تتراجع عن افترائها على الدولة اليهودية الوحيدة في العالم».

كل هذه التطورات التي تدور حول السياسة الخارجية الأوروبية تكشف قلقاً متزايداً في العواصم الأوروبية، ناجماً عن الشعور بأنَّ مؤسسات الاتحاد التي تمّ انشاؤها لعصر يقوم على التوافق، لم تعد اليوم صالحةً في عالم يحكمه الصراع بين القوى العظمى.


مصرع شخص وإصابة العشرات إثر تصادم قطارين شمال لندن

عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)
عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)
TT

مصرع شخص وإصابة العشرات إثر تصادم قطارين شمال لندن

عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)
عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)

لقي سائق قطار حتفه وأصيب العشرات ​في حادث تصادم قطاري ركاب في منطقة تبعد نحو 100 كيلومتر إلى الشمال من لندن بعد ظهر أمس (الجمعة)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفي بيان اليوم (السبت)، أكدت شركة «إيست ميدلاندز ريلواي»، المشغلة للقطارين المتجهين ‌إلى لندن ‌واللذين وقع بينهما ​الحادث، ‌وفاة سائق أحد ​القطارين.

وأظهر مقطع فيديو نشره أحد الركاب على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يبدو أنها مقدمة قطار مرتطمة بمؤخرة قطار آخر، وعربات كليهما لا تزال على القضبان، على ما يبدو.

عمال خدمات الطوارئ يتجمعون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)

وذكرت هيئة الإسعاف في ‌شرق إنجلترا ‌أنه بالإضافة إلى شخص ​توفي في موقع ‌الحادث، أصيب 11 شخصاً بإصابات ‌شديدة الخطورة، و22 آخرين بإصابات خطيرة، فيما تعرض 56 لإصابات طفيفة.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في ‌بيان: «قلبي مع عائلة الفقيد، ومع أولئك الذين أصيبوا بجروح خطيرة».

ولم يتضح بعد سبب وقوع التصادم، وقالت وزيرة النقل هايدي ألكسندر، إن التحقيق جارٍ في ملابسات الحادث.

وذكر الطبيب بيتر ناب على منصة «بلو سكاي» للتواصل الاجتماعي، أنه كان على متن أحد القطارين، وقال إن «اصطداماً مفاجئاً» أدى إلى خروج إحدى العربات عن القضبان، ​وأشار إلى ​أنه أصيب بجروح طفيفة.