«خطة السلام الأميركية» تمنح دونباس لروسيا وتُبقي أوكرانيا خارج «الناتو»

ترمب وزيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)
ترمب وزيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)
TT

«خطة السلام الأميركية» تمنح دونباس لروسيا وتُبقي أوكرانيا خارج «الناتو»

ترمب وزيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)
ترمب وزيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)

دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، إلى «سلام مشرّف»، في الوقت الذي قدّمت فيه الولايات المتحدة خطة لإنهاء الحرب تنص بشكل خاص، على أن تتنازل كييف عن منطقتي دونيتسك ولوغانسك في شرق البلاد لروسيا.

وبموجب الخطة المقترحة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، سيتم «الاعتراف الفعلي» بهاتين المنطقتين اللتين تطالب بهما موسكو، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، «كأراض روسية»، بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة.

أرشيفية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال زيارته خط الجبهة في دونباس (أ.ف.ب)

وأكد البيت الأبيض أن المناقشات لا تزال جارية بشأن خطة السلام، بينما يكافح الجيش الأوكراني الأصغر حجماً والأقل تجهيزاً لاحتواء التقدم الروسي على الجبهة.

في السياق، قالت أوكرانيا إنها تتوقع أن تحترم الأطراف الأخرى موقفها بينما يستمر العمل مع شركائها الأميركيين على المستوى الفني في كييف، اليوم الجمعة، لدراسة مقترحات السلام التي قدّمتها واشنطن.وقال رستم عميروف الأمين العام لمجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني «ندرس بعناية كل مقترحات شركائنا ونتوقع النهج السليم نفسه تجاه موقف أوكرانيا».

وتنص الخطة الأميركية المكونة من 28 نقطة على تقاسم منطقتين أخريين في الجنوب هما خيرسون وزابوريجيا، وفي حال قبول كييف بالصيغة الحالية، يتوجب عليها أيضاً أن تتخلى عن طموحها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو» وأن تدرج هذا الأمر في دستورها.

كما تنص الخطة أن يقتصر عديد الجيش الأوكراني على 600 ألف جندي، وأن يلتزم حلف شمال الأطلسي بعدم نشر قوات في أوكرانيا، لكن طائرات مقاتلة أوروبية سوف تتمركز في بولندا لحماية كييف.

سلام مشرّف

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي التقى في كييف وفداً من «البنتاغون برئاسة وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول، إن أي اتفاق يرمي إلى وضع حد للغزو الروسي يجب أن يرسي «سلاماً مشرفاً يكفل احترام استقلالنا وسيادتنا».

وقالت الرئاسة الأوكرانية، إن زيلينسكي تلقى رسمياً مشروع خطة من الولايات المتحدة «يمكن، وفقاً للتقييم الأميركي، أن يحيي (المساعي) الدبلوماسية».

وأوضحت أن زيلينسكي يعتزم أن يناقش مع نظيره الأميركي «خلال الأيام المقبلة الإمكانات الدبلوماسية المتاحة وأبرز النقاط الضرورية من أجل السلام».

وكان زيلينسكي أكد في منشور عبر تطبيق «تلغرام»، أنّ «السلام ضروري، ونحن نقدّر جهود الرئيس ترمب وفريقه، لاستعادة الأمن في أوروبا».

وشدد البيت الأبيض الخميس على أن خطة السلام الأميركية المدعومة من الرئيس دونالد ترمب، والتي هي قيد التفاوض مع روسيا وأوكرانيا «جيدة» للطرفين، رافضاً المخاوف من أنها تلبي الكثير من مطالب موسكو.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في إحاطة صحافية: «إنها مستمرة ومتغيّرة، لكن الرئيس يدعم هذه الخطة. إنها خطة جيدة لروسيا وأوكرانيا على السواء، ونعتقد أنها ستكون مقبولة للطرفين».

وأوضحت ليفيت أن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، «عملا بشكل سري منذ شهر على هذا المشروع «لفهم ما يمكن أن يكون هذان البلدان مستعدين (لتقديمه) من أجل التوصل إلى سلام دائم».

من جهته، أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين) دميتري بيسكوف، اليوم الجمعة، أن موسكو لم تتلقى بعد موافقة كييف على التفاوض بشأن خطة ترمب للسلام بشان الأزمة الأوكرانية.ونقل الصحافي الروسي ألكسندر يوناشيف، عن بيسكوف قوله: «موسكو لم يتم إبلاغها بعد باتفاق زيلينسكي للتفاوض بشأن خطة ترمب للسلام»، وفقا لوكالة أنباء سبوتنيك الروسية.ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أوكرانيين، قولهم إن الولايات المتحدة الأميركية تتوقع أن يوقع فلاديمير زيلينسكي، على «خطة السلام»، التي اقترحتها واشنطن لحل الصراع الأوكراني، بحلول 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية.

وأعلن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أن بوتين زار الخميس «أحد مراكز القيادة للقوات المنتشرة غرباً وعقد اجتماعاً مع رئيس هيئة الأركان».

ولم يحدد ما إذا كان مركز القيادة يقع في الأراضي الأوكرانية المحتلة أم في روسيا.

في هذا الوقت، أعلنت روسيا السيطرة على مدينة كوبيانسك في شمال شرق أوكرانيا، وهي واحدة من المدن التي شهدت تقدماً للقوات الروسية في الأسابيع الأخيرة في مواجهة القوات الأوكرانية التي تعاني كثيراً من الصعوبات على الجبهة.

وأعلن رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف بأن القوات الروسية «تتقدم على كل الجبهات تقريباً».

إعادة إعمار وانتخابات

وتدعو خطة السلام التي تدعمها واشنطن إلى توقيع «اتفاقية عدم اعتداء» بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا.

وفي حال غزت روسيا أوكرانيا مرة أخرى، فستواجه، وفقاً للمسودة، رداً عسكريا «منسقاً» وستخضع مرة أخرى لعقوبات دولية.

وتتضمن الخطة «ضمانات أمنية» لأوكرانيا لم تحدد تفاصيلها وخطة لإعادة الإعمار وإجراء انتخابات في غضون 100 يوم.

ومن ضمن المقترحات تمويل جهود إعادة الإعمار بما يصل إلى 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة حاليًا.

وسيتم إعادة تشغيل محطة زابوريجيا للطاقة النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن يُقسم إنتاجها من الكهرباء مناصفة بين أوكرانيا وروسيا.

وأعرب مسؤول كبير في كييف في وقت سابق من اليوم عن أسفه لأن روسيا أملت مقترحات السلام ووافق الأميركيون عليها، مشيراً إلى أنه ليس من الواضح ما الذي يفترض أن تفعله موسكو في المقابل.

ولم يترك المقترح الأميركي انطباعاً أولياً إيجابياً في بروكسل، الخميس، حيث شدّدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أن تحقيق السلام في أوكرانيا غير ممكن إلا بمشاركة الأوروبيين والأوكرانيين.

وقالت رداً على سؤال عن خطة السلام الأميركية «لكي تنجح أي خطة، يجب إشراك الأوكرانيين والأوروبيين، وهذا واضح جداً».

سيارات تسير على طول ساحة الاستقلال أثناء انقطاع التيار الكهربائي في كييف، أوكرانيا 20 نوفمبر 2025، وسط الغزو الروسي للبلاد (أ.ف.ب)

وسيتم مراقبة تنفيذ الخطة في حال موافقة جميع الأطراف عليها من قبل «مجلس سلام» يرأسه دونالد ترمب.

والخميس، أعلن مركز أسرى الحرب التابع للحكومة الأوكرانية عبر تطبيق «تلغرام»: «جرت اليوم إجراءات الإعادة إلى الوطن. أُعيد إلى أوكرانيا ألف جثمان، قال الجانب الروسي إنها لجنود أوكرانيين».

وتعود آخر عملية تسلم جثامين إلى نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وشملت ألف جثمان أيضاً.

من جهة أخرى، أكد مسؤول أميركي، الخميس، بأن مسودة اتفاق السلام بين أوكرانيا وروسيا تتضمن التزاماً من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا على غرار تلك الخاصة بحلف شمال الأطلسي، متعهدين بالرد على أي هجمات مستقبلية ضدها.

وأورد تقرير موقع «أكسيوس»، أن «أي هجوم عسكري (كبير ومتعمد ومستمر) في المستقبل من جانب روسيا على أوكرانيا سيعتبر هجوماً يهدد السلام والأمن في منطقة عبر الأطلسي، وسترد عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها وفقاً لذلك، بما فيه استخدام القوة العسكرية».


مقالات ذات صلة

نيويورك تتأهب استعداداً لحفل زفاف تايلور سويفت المرتقب

الولايات المتحدة​ عمال يستعدون لتفريغ الشاحنات في «ماديسون سكوير غاردن» قبل حفل زفاف مُرتقب للمغنية تايلور سويفت ولاعب دوري كرة القدم الأميركية ترافيس كيلسي في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة يوم 2 يوليو 2026 (رويترز)

نيويورك تتأهب استعداداً لحفل زفاف تايلور سويفت المرتقب

أقيمت حواجز وأُغلقت عدة شوارع، في حين تُشير شواهد إلى استعدادات واسعة لحفل زفاف باهر لنجمَي الفن والرياضة تايلور سويفت وترافيس كيلسي في مدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير للصعود على متن طائرة الرئاسة في أثناء مغادرته مطار بسمارك في الأول من يوليو 2026 في بسمارك بولاية نورث داكوتا (أ.ف.ب)

ترمب يدعو إلى وقف «القتل العبثي» في أوكرانيا

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتوصل إلى اتفاق سلام يُنهي «القتل العبثي» في أوكرانيا، وفق ما قال مسؤول أميركي، الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية إنفانتينو يحضر مباراتين يومياً (رويترز)

الأموال تتدفق بلا توقف... إنفانتينو و«فيفا» تحت مجهر الإنفاق الباذخ

يُثير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ورئيسه جياني إنفانتينو مزيداً من الجدل خلال كأس العالم 2026، ليس بسبب ما يحدث داخل الملاعب، بل نتيجة حجم الإنفاق الضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية لحظة طرد بالغون بالبطاقة الحمراء (أ.ب)

هل يمكن إلغاء البطاقة الحمراء لفولارين بالوغون؟ شرح لقواعد الاستئناف في كأس العالم

شكّلت البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم المنتخب الأميركي فولارين بالوغون النقطة السلبية الوحيدة في ليلة مثالية لمنتخب بلاده، بعدما قاده إلى الفوز على البوسنة.

The Athletic (سانتا كلارا (الولايات المتحدة))
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً (أ.ب)

من الساعات إلى العطور والأحذية... كيف بنى ترمب مصادر دخل بمليارات الدولارات؟

لا تقتصر ثروة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على استثماراته العقارية أو مشاريعه التجارية التقليدية، بل تمتد إلى مصادر دخل غير مألوفة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير: «الناتو» يخطط لإحلال طائرات الاستطلاع «غلوبال آي» محل «أواكس»

طائرة المراقبة والاستطلاع «غلوبال آي» (شركة ساب)
طائرة المراقبة والاستطلاع «غلوبال آي» (شركة ساب)
TT

تقرير: «الناتو» يخطط لإحلال طائرات الاستطلاع «غلوبال آي» محل «أواكس»

طائرة المراقبة والاستطلاع «غلوبال آي» (شركة ساب)
طائرة المراقبة والاستطلاع «غلوبال آي» (شركة ساب)

ذكرت أربعة مصادر لوكالة «رويترز» أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يخطط لاستبدال ​أسطوله القديم من طائرات الاستطلاع «أواكس» المصنعة في الولايات المتحدة واستخدام طائرات سويدية بديلة، في خطوة قد تثير غضب الرئيس دونالد ترمب، الذي حث الحلفاء على شراء المزيد من العتاد ‌الأميركي.

وانتقد ترمب ‌مراراً الحلفاء ​الأوروبيين ‌لاعتمادهم على ​الولايات المتحدة في شؤونهم الأمنية، بينما يضغط عليهم لزيادة الإنفاق الدفاعي وشراء المزيد من العتاد الأميركي. وهدد أيضاً في بعض الأحيان بسحب واشنطن من حلف شمال الأطلسي.

وقالت المصادر إن ‌شراء ‌طائرات المراقبة «غلوبال آي» التي ​تنتجها شركة «ساب» سيُعلن عنه في قمة ‌حلف الأطلسي في أنقرة من السابع إلى الثامن من يوليو (تموز).

وأكد متحدث باسم الحلف أن ‌قراراً بشأن استبدال الطائرات «أواكس» سيعلن خلال القمة، لكنه رفض تقديم تفاصيل. وأحجمت شركة «ساب» عن التعليق.

ويأتي الإعلان المنتظر من حلف الأطلسي بعد أسابيع من إعلان كندا عن خطط لشراء ست طائرات «غلوبال آي»، وهو أكبر طلب شراء لهذه الطائرة حتى الآن، في ظل رغبتها ​في تقليل ​اعتمادها على موردي الدفاع الأميركيين.


برشلونة توزع أساور لمراقبة درجة الحرارة للعاملين في الأماكن المفتوحة

العامل الإسباني أنطونيو ريينا يرتدي سواراً لمراقبة درجة الحرارة في برشلونة (رويترز)
العامل الإسباني أنطونيو ريينا يرتدي سواراً لمراقبة درجة الحرارة في برشلونة (رويترز)
TT

برشلونة توزع أساور لمراقبة درجة الحرارة للعاملين في الأماكن المفتوحة

العامل الإسباني أنطونيو ريينا يرتدي سواراً لمراقبة درجة الحرارة في برشلونة (رويترز)
العامل الإسباني أنطونيو ريينا يرتدي سواراً لمراقبة درجة الحرارة في برشلونة (رويترز)

بدأت مدينة برشلونة في توزيع أساور لمراقبة درجة الحرارة على العاملين في المناطق ​المفتوحة لتكون نظام إنذار مبكراً للمخاطر الصحية، في وقت تشهد فيه إسبانيا بالفعل موجات حر متتالية تسببت في أكثر من ألف حالة وفاة زائدة عن عدد الوفيات المتوقع في الظروف العادية ‌في يونيو (حزيران).

ووزعت المدينة نحو ​1400 ‌سوار على ​الموظفين العاملين في الأماكن المفتوحة، بمن في ذلك عمال نظافة الشوارع وفرق الإضاءة وعمال الحدائق وموظفو إدارة النفايات.

وقال بيب ليمونا، منسق الوقاية في دائرة الحدائق والمتنزهات بالمدينة، إن هذه الخطوة تأتي في إطار ‌جهود التكيف ‌مع تغير المناخ «الحاد بشكل ​متزايد»، وفقاً لوكالة «رويترز».

مدينة برشلونة وزعت أساور لمراقبة درجة الحرارة على العاملين في المناطق المفتوحة لتكون نظام إنذار مبكراً للمخاطر الصحية (رويترز)

ويقيس السوار ‌درجة حرارة جسم العامل ويصدر ‌صوتاً واهتزازاً إذا استشعر أن مرتديه في خطر. وفي هذه الحالة، يتعين على العامل التوقف عن العمل.

وتوفي عدد من ‌عمال الشوارع في السنوات القليلة الماضية في أنحاء إسبانيا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مما أدى إلى تغييرات في أنماط العمل وظروفه.

ومثلها مثل كثير من دول أوروبا، شهدت إسبانيا موجة حر شديدة خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ إذ سجلت هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية ثاني أكثر شهور يونيو حرارة منذ بدء التسجيل. وتستعد البلاد لموجة ​حر ثانية ​تبدأ في مطلع الأسبوع المقبل.


لماذا تعد أوكرانيا عنصراً أساسياً في الواقع الاستراتيجي الجديد لأوروبا؟

الرئيس إيمانويل ماكرون ومرافقوه خلال وصولهم إلى قاعة المؤتمرات الصحافية بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 19 يونيو (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون ومرافقوه خلال وصولهم إلى قاعة المؤتمرات الصحافية بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 19 يونيو (أ.ب)
TT

لماذا تعد أوكرانيا عنصراً أساسياً في الواقع الاستراتيجي الجديد لأوروبا؟

الرئيس إيمانويل ماكرون ومرافقوه خلال وصولهم إلى قاعة المؤتمرات الصحافية بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 19 يونيو (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون ومرافقوه خلال وصولهم إلى قاعة المؤتمرات الصحافية بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 19 يونيو (أ.ب)

مع اقتراب أوكرانيا من الاندماج الأوروبي، تتضح حدود نموذج التوسع التقليدي الذي يعتمده الاتحاد الأوروبي، وذلك وفقاً للمحلل السياسي ماتيو ميكاتشي مدير معهد السياسة الأوروبية في كييف، والذي شغل منصب مدير مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بين عامَي 2020 و2024.

وقال ميكاتشي في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، إنه في عام 2026 لم يعد مستقبل أوكرانيا في أوروبا مجرد مسألة تتعلق باندماجها في الاتحاد الأوروبي، بل أصبحت له أهمية استراتيجية.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وقد أصبحت سلسلة من النقاشات حول دفاع أوروبا واستقلالها واقتصادها، وهي قضايا كانت تبدو في السابق منفصلة عن بعضها، أكثر ترابطاً بشكل متزايد. وتعكس

المناقشات حول تسريع اندماج أوكرانيا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والمقترحات الخاصة بإدراجها التدريجي في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، والاهتمام المتجدد بالتعاون الدفاعي الأوروبي، والمشاورات بين الدول الأوروبية الرئيسية حول مستقبل أوكرانيا؛ تحولاً كبيراً في وجهات النظر الأوروبية.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

ويرى ميكاتشي أنه على مدى عقود كان التوسع إحدى أنجح المبادرات السياسية للاتحاد الأوروبي. ومنذ عام 1951 توسعت عملية التكامل الأوروبي تدريجياً، وأنشأت مجتمعاً أكثر وحدة يتميز بالديمقراطية والازدهار والاستقرار في قارة كانت تخرج من الانقسام والصراع.

وقد نفذت الدول المرشحة إصلاحات وعززت مؤسساتها واندمجت تدريجياً في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتطورة للاتحاد. وقد حدث هذا في سياق استراتيجي بدا فيه أن القضايا الجوهرية للأمن الأوروبي قد تم حلها إلى حد كبير، بفضل إنشاء «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) وتوسعه. ولكن اليوم أصبح العديد من هذه الافتراضات موضع تساؤل.

وفوق كل ذلك، أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا إلى تقويض أسس الإطار الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. وأشار ميكاتشي إلى أنه في الوقت نفسه أدى تزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات عبر «الأطلسي» إلى إحياء تساؤلات ظن الأوروبيون أنها قد حُسمت منذ وقت طويل، مثل: من يتحمل مسؤولية أمن القارة؟ وكيف ينبغي تنظيم هيكل الردع؟ وما الدور الذي يجب أن تلعبه أوروبا في دفاعها عن نفسها؟

ومن جوانب عديدة، تعيد أوروبا النظر في التساؤلات التي طُرحت في بداية المشروع الأوروبي. ولم ينجح مقترح عام 1952 لإنشاء «مجموعة الدفاع الأوروبية»؛ إذ أصبح حلف «الناتو» والضمان الأمني الأميركي الركيزتين الأساسيتين للدفاع الأوروبي خلال الحرب الباردة. ولسنوات كثيرة بعد ذلك، تطور التكامل والأمن الأوروبيان بشكل مستقل إلى حد كبير، إلا أن الحفاظ على هذا الفصل بات يمثل تحدياً متزايداً في ظل حرب أوكرانيا.

قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع قمة الاتحاد في بروكسل يوم 18 يونيو (أ.ب)

وقال ميكاتشي إن أوكرانيا ليست أول دولة من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها أول دولة مرشحة تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وهي تخوض حرباً كبرى على الأراضي الأوروبية، وتنفذ إصلاحات صعبة في ظل ظروف استثنائية، وتلعب دوراً محورياً في النقاشات الدائرة حول مستقبل أمن أوروبا.

ويرى ميكاتشي أن هذا الوضع يبرز أهمية المقترحات الأخيرة لجعل الاندماج تدريجياً بشكل أكبر وأكثر ارتباطاً من الناحية السياسية. وتشمل هذه المقترحات نقاشات قوية حول فكرة المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن مشاركة ممثلين لأوكرانيا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي في وقت مبكر، بالإضافة إلى مقترحات تتيح للدول المرشحة الانضمام إلى أجزاء من السوق الأوروبية الموحدة تدريجياً قبل الحصول على العضوية الكاملة. وتشير هذه النقاشات إلى إدراك أن الفصل التقليدي للاتحاد الأوروبي بين وضع المرشح

والعضوية قد لا يكون ملائماً بعد الآن.

شخص يحتمي بمحطة مترو الأنفاق في أثناء الغارات الروسية على كييف يتابع مباراة بلجيكا والسنغال (أ.ف.ب)

واعتبر ميكاتشي أن المقترحات الأخيرة المتعلقة بالشراكة والمشاركة والاندماج تستحق اهتماماً دقيقاً؛ إذ تعترف بأن الدول التي تنفذ إصلاحات صعبة ينبغي أن تحقق بعض الفوائد من الاندماج حتى قبل الحصول على العضوية الكاملة. وفي حالة أوكرانيا لا تعالج هذه المقترحات سوى جزء من المشكلة. فالمسألة الرئيسية الآن ليست فقط كيفية تسريع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وإنما هي ما إذا كان من الممكن مناقشة اندماج أوكرانيا مع أوروبا بمعزل عن المخاوف الأمنية الأوروبية.

ومنذ بدء الغزو الروسي الشامل، كانت أهمية تقديم ضمانات أمنية موثوقة لأوكرانيا موضوعاً رئيسياً في المناقشات الأوروبية. وما يتطور حالياً لا يقتصر فقط على الاعتراف بهذه الحاجة، ولكن يشمل أيضاً إدراكاً متزايداً بأن أمن أوكرانيا واندماجها الأوروبي أصبحا جانبين مترابطين لنفس الهدف الاستراتيجي.

وفي حين أن عضوية حلف «الناتو» لا تزال هدفاً استراتيجياً لأوكرانيا، فإنها ليست مطروحة في الأفق في الوقت الراهن. وقد زاد هذا من أهمية الإسراع في استكشاف سبل إدماج أوكرانيا ضمن إطار أمني أوروبي أوسع.

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق خلال غارة روسية ليلية على كييف (رويترز)

واعتبر ميكاتشي أن أي مبادرة دبلوماسية مستقبلية تهدف إلى إنهاء الحرب ستتطلب أكثر من مجرد ترتيبات لوقف إطلاق النار أو اتفاقيات سياسية، وأن السلام الدائم سيعتمد على دمج أوكرانيا ضمن إطار يجمع بين الفرص الاقتصادية، والاندماج السياسي، والضمانات الأمنية الموثوقة. ومن دون هذا الإطار، فإن أي تسوية تخاطر بأن تصبح مجرد هدنة قد تتجدد بعدها المواجهة.

وقد بدأت التداعيات في الظهور بالفعل؛ فعلى سبيل المثال، دعا مفوض الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس إلى أن تكون أوكرانيا جزءاً من البنية الدفاعية الأوروبية الناشئة. كما دعا وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو إلى إطار دفاعي أوروبي أوسع نطاقاً يمتد خارج نطاق الاتحاد الأوروبي نفسه. وبغض النظر عن الشكل المؤسسي الذي قد تتخذه هذه

الترتيبات في نهاية المطاف، فإنها تعكس حقيقة أوسع نطاقاً، وهي أن الأمن يعود إلى صميم المشروع الأوروبي.

رجال إطفاء في كييف يكافحون حريقاً بمبنى ضربته مسيّرة روسية (أ.ف.ب)

ويرى ميكاتشي أنه لا ينبغي النظر إلى دور أوكرانيا في هذا النقاش من حيث الضمانات والمساعدات فحسب؛ فبعد أكثر من أربعة أعوام من حرب شاملة، تطورت أوكرانيا لتصبح إحدى أقوى القوى العسكرية في أوروبا. واكتسبت قواتها المسلحة خبرة لا مثيل لها في الحروب التقليدية واسعة النطاق، وأصبحت صناعتها الدفاعية مبتكرة في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل والحرب الإلكترونية. وفي مجالات رئيسية، تتجاوز الخبرة العملياتية الأوكرانية الآن خبرة الكثير من دول الاتحاد الأوروبي.

ويعود الفضل في هذه الإنجازات إلى حد كبير إلى الدعم العسكري والمالي والسياسي المستمر من أوروبا والولايات المتحدة وحلفاء آخرين. ومع ذلك، أظهرت قدرة أوكرانيا على استيعاب هذا الدعم، وتحويله إلى قوة عسكرية فعالة، وتطوير ابتكاراتها الخاصة، مرونة وقدرة على التكيّف لم يتوقعها الكثيرون في بداية الحرب.

ولم تعد أوكرانيا مجرد دولة تتلقى الأمن، بل أصبحت الآن مساهمة فيه. وينبغي أن يؤثر هذا التحول أيضاً على النقاش الدائر حول التوسع. فبينما تركز النقاشات غالباً على ما يمكن أن تقدمه أوروبا لأوكرانيا، أصبح من المهم بشكل متزايد النظر فيما يمكن أن تقدمه أوكرانيا لأوروبا، مثل القوة العسكرية، والتقدم التكنولوجي، والمزايا الاستراتيجية، والالتزام

الواضح بدعم المبادئ الأساسية للمشروع الأوروبي.

وأشار ميكاتشي إلى أن اندماج أوكرانيا الناجح سيمثل علامة فارقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي؛ إذ سيحمي دولة تتعرض حالياً للهجوم، ويبرز قدرة أوروبا على تكييف مؤسساتها وسياساتها مع مشهد استراتيجي تغير بشكل جذري.

رجال إطفاء في موقع استهدفته غارات روسية بالعاصمة كييف (رويترز)

وقد تحول النقاش من مجرد التوسع إلى كيفية تعامل أوروبا مع التحديات الأمنية المتجددة، وما إذا كان بإمكانها وضع إطار عمل تدعم فيه الجهود السياسية والاقتصادية والديمقراطية والأمنية بعضها.

واختتم ميكاتشي تحليله بالقول إن من أهم الدروس المستفادة من التكامل الأوروبي أن الأمن الدائم لا يعتمد فقط على القوة العسكرية والردع، ولكن أيضاً على مؤسسات ديمقراطية قوية، وسيادة القانون، ومجتمعات قادرة على الصمود. وأضاف أن خيارات القادة الأوروبيين، ومن بينهم الأوكرانيون، بشأن دور أوكرانيا في أوروبا، تؤثر تأثيراً مباشراً على جميع هذه المجالات. وقليل من القرارات سيكون له مثل هذا التأثير الحاسم على مستقبل القارة.