فرنسا تكرّم ذكرى ضحايا إرهاب «داعش» في 2015

مقتلة باريس وضاحيتها سان دوني: 132 قتيلاً و350 جريحاً وذكريات أليمة

برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)
برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)
TT

فرنسا تكرّم ذكرى ضحايا إرهاب «داعش» في 2015

برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)
برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)

ليلة 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، كان فرنسوا هولند، رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك، يتابع مباراة كرة القدم الودية بين المنتخبين الفرنسي والألماني في الملعب الفرنسي الكبير «ستاد دو فرنس» في ضاحية سان دوني، على مدخل باريس الشمالي وإلى جانبه وزير الداخلية برنار كازنوف ورئيس الفيدرالية الفرنسية لكرة القدم. ورغم دعوته الرسمية لحضور المباراة، فإن الرئيس الألماني، جواشيم غوك، اعتذر عن تلبية الدعوة لأسباب تتعلق بأجندته. المباراة انطلقت، كالعادة، في الساعة التاسعة بينما الملعب يضج بالمشجعين والحضور وسط أجواء حماسية من الجانبين. وبعد 16 دقيقة سُمع انفجار أول وبعده بدقائق قليلة حصل انفجاران. وجاء أحد مرافقي الرئيس يهمس بأذنه. وحسب شهادات من كانوا إلى جانبه، فإن وجه هولند تغير وبدت عليه علامات القلق والغضب. ولكي لا يثير قلق الجمهور، انتظر هولند فترة الاستراحة الفاصلة بين شطري المباراة لينسل إلى مقر الإدارة الأمنية للملعب ليطلع على التفاصيل. وعلل لاحقاً قراره بمواصلة المباراة بالرغبة في المحافظة على سلامة اللاعبين والحضور، وتجنب التدافع، وبالتالي سقوط ضحايا. وما حصل خارجاً أن ثلاثة إرهابيين تابعين لتنظيم «داعش» قاموا بتفجير أنفسهم خارج الملعب بعد أن منعهم الحرس من الدخول؛ كونهم لم يكونوا يحملون البطاقات المطلوبة. الثلاثة قُتلوا كما قتل سائق حافلة. وبعد أن تبين لرجال الأمن خلو الملعب ومحيطه من الإرهابيين، انتقل هولند إلى قصر الإليزيه ومن هناك تحدث إلى الفرنسيين ليعلمهم بما حصل في محيط الملعب الكبير وفي شوارع العاصمة.

الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولند يشارك في احتفال تكريمي للضحايا خارج ملعب «ستاد دو فرنس» في ضاحية سان دوني الخميس (أ.ف.ب)

مقتلة ملهى الباتاكلان

لم يكن ما حصل في ضاحية سان دوني سوى نقطة البداية لأكبر عملية إرهابية عرفتها فرنسا في زمن السلم. وخلال ثلاث ساعات، كان الموت يحصد الأبرياء متنقلاً بين أحياء وسط باريس وشرقها. ستة إرهابيين مسلحين بمسدسات وبنادق رشاشة زرعوا الرعب بين الناس، فقد هاجموا مجموعة من المقاهي والمطاعم. مقتلة باريس انطلقت عند مقهى «لو بوتي كاريون» ثم «لو بوتي كمبوديا» لتصل بعدها إلى مقهى «لا بون بيار»، ثم إلى مطعم «لو كونتوار فولتير» وتنتهي عند مطعم «لا بيل أيبوك». كثيرون من الضحايا كانوا يجلسون خارج المقاهي والمطاعم، وسقط منهم أربعون قتيلاً والعشرات من الجرحى.

بيد أن المقتلة الكبرى كان مسرحها صالة ملهى «الباتاكلان» الكائن في الدائرة الـ11 الذي كان يستضيف حفلاً موسيقياً للفرقة الأميركية «إيغلز أوف ديث ميتل». ثلاثة من الإرهابيين اقتحموه في الساعة التاسعة و47 دقيقة ودخلوا إلى صالته الكبرى بعد أن قتلوا الحارس، وفي الداخل وخلال دقائق لا تنتهي فتحوا النار على الحضور وكانت الحصيلة 90 قتيلاً وعدداً كبيراً من الجرحى. ولم يتمكن أفراد الأمن من القضاء على الإرهابيين إلا بعد ثلاث ساعات ولم يبق منهم حياً سوى شخص واحد هو صلاح عبد السلام، الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد في عام 2022.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيسة بلدية باريس آن هيدالغو يضعان إكليلاً من الزهور قريباً من مقهى «بون بيير» الذي استهدفه الإرهابيون ليلة 13 نوفمبر 2015 (إ.ب.أ)

في هذه الليلة عرفت باريس وسان دوني أكبر مجزرة، حيث قُتل 130 شخصاً من كل الأعمار ومن الجنسين، وجُرح أكثر من 350 شخصاً، ولاحقاً انتحر شخصان بسبب المقتلة.

عام الرعب

شكلت ليلة الرعب قمة الهجمات الإرهابية التي استهدفت فرنسا. وحتى اليوم، ما زالت السلطات تنبّه من تواصل التهديدات الإرهابية. فبداية عام 2015 شهد مقتلة صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، حيث قُضي على غالبية الفريق التحريري. وبعد أربعة أيام هاجم مسلحون متجراً يهودياً شرق العاصمة وقبله بيوم واحد قُتل شرطي، وشهد شهر أبريل (نيسان) مقتل امرأة في مرأب في العاصمة وجز أحد الموظفين، في يونيو (حزيران) رأس مدير شركة وعلّقه على مدخلها الخارجي، في حين حاول «داعشي» آخر، في أغسطس (آب) مهاجمة ركاب حافلة في القطار السريع في رحلته ما بين أمستردام وباريس. إلا أن جنديين أميركيين، بلباس مدني، نجحا في السيطرة عليه. وتبنى «داعش» الذي كان في أوج تمدده، جميع العمليات المشار إليها التي كانت جميعها بإيحاء وتنظيم خارجي.

فرنسيون في ساحة «لا ريبوبليك» لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الخميس (أ.ب)

كان من الطبيعي أن تحيي فرنسا، إزاء ما يمثله هذا العام وخصوصاً ليلة الرعب، الذكرى العاشرة للاعتداءات الإرهابية وضحاياها بمشاركة أعلى السلطات ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيسة البرلمان والوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين الحاليين والسابقين ومنهم فرنسوا هولند، في حين غاب عنها نيكولا ساركوزي، الرئيس الأسبق، الخارج من السجن حديثاً والكثير من السياسيين نواباً ورؤساء حزبيين. واضطلعت باريس ممثلة ببلديتها ورئيستها، آن هيدالغو، بالدور الأول في تنظيم يوم الذكرى في العاصمة. وحرص المنظمون على حضور الناجين من مقتلة 13 نوفمبر وعائلات الضحايا والجمهور الباريسي والفرنسي. وتصدر يوم الذكرى صفحات الجرائد والوسائل الإعلامية كافة، ومنها البث التلفزيوني المباشر من القنوات العامة والخاصة.

الرئيس ماكرون وعقيلته بريجيت ورئيسة بلدية باريس آن هيدالغو قريباً من مطعمَي «كاريون» و«بوتي كمبوديا» في الدائرة الـ11 من العاصمة حيث سقط قتلى وجرحى ليلية 13 نوفمبر 2015 (إ.ب.أ)

انطلق يوم إحياء ذكرى الضحايا من ملعب فرنسا الكبير في الساعة الحادية عشرة والنصف. واستبق وزير الداخلية، لوران نونيز، الحدث بدعوة المسؤولين الأمنيين إلى مضاعفة الحذر واتخاذ أقصى التدابير؛ بسبب ما سماه «التهديدات الإرهابية التي ما زالت عند مستويات مرتفعة». ورغم تحذيره، أوضح نونيز أن فرنسا «لم تعد في وضع الخشية من هجمات مخطَّط لها (من الخارج) كما كان الحال قبل عشر سنوات» مضيفاً أن «التهديد أصبح أقل حضوراً، لكنه لا يزال قائماً بالفعل». وبنظره، فإن «(داعش) و(القاعدة) لا يزالان يحلمان بمعاودة ما قاما به في السابق»، لكن «لم يتم تحديد أي مشروع معين لهجمات».

زهور وصمت ونشيد وطني

اليوم الاحتفالي الكبير انطلق بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون وآن هيدالغو ومسؤولين آخرين من الملعب الكبير، حيث وقع أول قتيل، وهو السائق مانويل دياز والكثير من الجرحى لينتهي عند ملهى الباتاكلان. وأقيمت المراسم خلال جميع مراحل التطواف عند كل المقاهي والمطاعم التي أصابها إرهاب «داعش» في تلك الليلة. وكانت بداياتها وضع إكليلين من الزهر عند اللوحات التذكارية ووقوف دقيقة صمت ثم الاستماع للنشيد الوطني ومن غير خطابات أو كلمات. وعند الساعة السادسة، كان مقرراً تدشين حديقة «13 نوفمبر 2015» الواقعة قبالة مبنى بلدية العاصمة بمناسبة احتفال رسمي، وهي، وفق بيان صادر عن البلدية، «مهداة لـ132 ضحية وللناجين (من المقتلة) وللعائلات ولجميع من وقف إلى جانبهم». وليلاً، كان مقرراً إضاءة برج إيفل الشهير بألوان العَلم الفرنسي الثلاثة بالتوازي مع قرع أجراس كاتدرائية نوتردام والكنائس الباريسية كافة. ووجَّه كبير مطارنة باريس لوران أورليش رسالة إلى الباريسيين، جاء فيها: «قبل عشر سنوات، فُجِعَت مدينتنا بشكلٍ مروّع بمقتل 132 بريئاً. بالنسبة لكثيرين منا، ما زالت ذكرى 13 نوفمبر 2015 إلى اليوم تمثل ليلة طويلة من القلق والحزن».

ودعت بلدية باريس سكان العاصمة والفرنسيين للتجمع بصمت عند ساحة «لا ريبوبليك» (ساحة لجمهورية) وإحياء الذكرى من خلال «إضاءة شمعة أو وضع وردة أو كلمة» عند التمثال الواقع في وسط الساحة، وهو بشكل امرأة ترمز إلى قيم الجمهورية الثلاث: حرية، مساواة، إخاء.

إكليل ورد وصور ضحايا ولوحة تذكارية قرب مقهى «بون بيير» الذي استهدفه الإرهابيون ليلة 13 نوفمبر 2015 (أ.ف.ب)

كثيرة كانت التصريحات والتعليقات بهذه المناسبة. وقال الرئيس هولند: «إن واجبنا تجاه الضحايا هو ألا ننسى ناسهم وألا ننسى أي شيء» مذكراً بالكلمة التي ألقاها عند انطلاق محاكمات عدد من المتورطين فيها: «أنتم أشخاص ارتكبتم ما لا يمكن إصلاحه، أما نحن، فنحن الديمقراطية، وهي التي ستنتصر في النهاية».

وقال مانويل فالس، رئيس حكومة هولند وقتها، إنه «يتذكر كل دقيقة مما حصل تلك الليلة وكأن الذاكرة لا تريد أنت تمحى منها تلك اللحظات».

أما آن هيدالغو فقد عدَّت أن الإرهابيين «أرادوا مهاجمة ثقافتنا هذه، ثقافة الفرح والاحتفال والتنوع والمشاركة والموسيقى».


مقالات ذات صلة

ليبيا تعلن تحرير رهينتين أوروبيتين تعرضتا للخطف في النيجر

شمال افريقيا الرهينتان بعد وصولهما إلى بنغازي بعد عام ونصف العام من احتجازهما بالنيجر (رويترز)

ليبيا تعلن تحرير رهينتين أوروبيتين تعرضتا للخطف في النيجر

أفادت وسائل إعلام ليبية، الخميس، بأن رهينتين أوروبيتين جرى تحريرهما بعد أكثر من عام ونصف العام على احتجازهما في النيجر، حيث وصلتا إلى مدينة بنغازي بشرق ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا جنود ماليون خلال دورية في منطقة دانسونغو بمالي يوم 23 أغسطس 2021 (رويترز)

مقتل 48 شخصاً في مالي بهجوم شنته جماعة تابعة لتنظيم «داعش»

قُتل 48 شخصاً في منطقة ميناكا شرقي مالي، إثر هجوم شنته جماعة تابعة لتنظيم «داعش»، حسبما قال أحد المشرِّعين لوكالة «أسوشييتد برس».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا صورة لرئيس الأركان الجنرال وايدي شايبو وسط كبار الضباط خلال زيارة تفقدية لمقر قيادة المهام المشتركة في مايدجورا يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

نيجيريا: الجيش يعلن مقتل 103 من مقاتلي «داعش»

قال الجيش النيجيري إنه نفذ سبع ضربات جوية خلال الفترة ما بين 10 و18 أكتوبر استهدفت معاقل التنظيم الإرهابي في ولايتي «بورنو» و«أداماوا».

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا قصر العدل حيث يوجد مقر محكمة نواكشوط الغربية (إعلام محلي)

ملف موقوفي «مدوني الخارج» يفجر جدلاً حقوقياً في موريتانيا

أكدت النيابة العامة في موريتانيا أن الإجراءات ضد موقوفي «مدوني الخارج» تخضع للضمانات الدستورية، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر

ماكرون يحمّل اليسار المتطرف مسؤولية الاضطرابات بهدف «إسقاط الجمهورية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يحمّل اليسار المتطرف مسؤولية الاضطرابات بهدف «إسقاط الجمهورية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، بمسؤولية أعمال الشغب والنهب التي وقعت في مطلع الأسبوع على جماعات اليسار ​المتطرف «التحريضية». ورد جان لوك ميلانشون، المرشح للانتخابات الرئاسية اليساري، الذي انتقدته الحكومة لعدم إدانته أعمال العنف التي تخللت الاحتجاجات، حيث حمّل السلطات مسؤولية الاضطرابات، عادّاً أن ما يحدث «قمع وحشي مستمر». أما مرشحة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف مارين لوبان، التي تتصدر استطلاعات الرأي بفارق كبير، فقد وصفت الحكومة بأنها «عاجزة».

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبعد اجتماع مع رؤساء أجهزة المخابرات وكبار الوزراء، قال ماكرون إن الاحتجاجات والمسيّرات التي سيتم السماح بها هي التي تنظمها جهات مثل النقابات العمالية، لكن يمكن تغيير مساراتها لحماية المتاجر والشركات، مضيفاً: «شهدنا يوم السبت أعمالاً ذات دوافع سياسية وتحريضية من جماعات يسارية متطرفة تهدف إلى إسقاط الجمهورية».

وقال إن «الأولوية هي العودة إلى الهدوء»، مضيفاً أنه سيترأس الجمعة اجتماعاً لمجلس الدفاع يضم وزراء رئيسيين لاتخاذ قرار بشأن «الخطوات التالية» المتعلقة بجولة ثانية من الاحتجاجات في مختلف أنحاء فرنسا، مقررة السبت.

وقررت السلطات الفرنسية المحلية، الخميس، حظر مظاهرات جديدة أو فرض قيود عليها. وقال ماكرون ‌إن الاحتجاجات «غير المشروعة» ستحظر في الأيام المقبلة، وقال إنه سيتم فرض حظر تجول وتدابير أمنية أخرى، من بينها حظر تنظيم احتجاجات من جانب «مجموعات تفتقر إلى الشرعية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

وأعلنت السلطات المحلية حظر جميع الاحتجاجات ​المقررة ‌يوم ⁠السبت في ​ليون، ثاني ⁠أكبر مدن فرنسا. ومع ذلك، بدأت تتشكل بالفعل مظاهرات جديدة ويخشى مسؤولون أن تكون عطلة نهاية أسبوع أخرى يشوبها التوتر.

ودعا الاتحاد الرئيسي للطلاب في فرنسا إلى تنظيم مسيرات يوم السبت، وقدّمت حركة «السترات الصفراء»، وهي قوة مناهضة للمؤسسات الحاكمة ظهرت عام 2018، خططاً لمسيرة عبر وسط باريس.

وفي وسط العاصمة، بدأت المتاجر بتغطية واجهاتها بالألواح الخشبية تحسباً ⁠لأي أعمال عنف. كما أعلنت مجموعة «إيرميس» للسلع ‌الفاخرة أنها عززت التدابير الأمنية في ‌متاجرها بفرنسا. وفي مدينة أورليون في الشمال، تستعد ​السلطات لاحتمال وقوع اضطرابات، تزامناً مع ‌اجتماع سنوي يعتزم حزب «التجمع الوطني» الذي ينتمي لليمين المتطرف ‌عقده، وفي ظل دعوات من نقابات وجماعات يسارية لتنظيم احتجاجات. كما تم حظر احتجاج طلابي كان مقرراً الخميس في باريس، في حين قامت هيئة النقل بإغلاق محطات المترو في وسط العاصمة؛ تحسباً لأي تجمعات غير مرخص لها.

وهزت فرنسا ‌في 17 أكتوبر (تشرين الأول) اضطرابات في المدن، وكانت من بين الأسوأ منذ سنوات، واندلعت على ⁠هامش احتجاجات ⁠في أنحاء البلاد، مما كشف عن حجم الغضب الشعبي، وأثار ذلك تساؤلات بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على حفظ النظام. ومرت ليلة ثالثة على التوالي من حظر التجول المحلي دون حوادث كبيرة في المناطق المتضررة من أعمال العنف، مما منح الحكومة بعض الهدوء قبل عطلة نهاية الأسبوع. وكشفت الاضطرابات عن حالة من الاستياء المتجذر في فرنسا، حيث أدت تكاليف الطاقة والضغط على ميزانيات الأسر والمخاوف بشأن تدهور الخدمات العامة إلى تأجيج الإحباط الكبير بين العمال والشباب.

وانزلقت الطبقة السياسية الفرنسية إلى تبادل مرير للاتهامات، إذ اتهمت الحكومة الجماعات السياسية اليسارية المتطرفة بتأجيج الاضطرابات. وفي ​مؤشر على قلق المستثمرين، ارتفعت ​الخميس عوائد سندات الحكومة الفرنسية لأجل عشر سنوات فوق عوائد سندات الخزانة الأميركية المماثلة للمرة الأولى منذ عام 2013.

ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو سلسلة اجتماعات، بعضها يضم كبار مسؤولي الأحزاب الفرنسية الرئيسية، للاستماع إلى مطالبهم وبحث سبل التعاون. كما يعتزم لوكورنو عقد اجتماع آخر مع رؤساء البلديات، على أن يلتقي الاثنين مجموعات طلابية. وبينما قررت معظم الأحزاب إرسال قادتها لحضور الاجتماع، اختار حزب «التجمع الوطني» بزعامة لوبان إيفاد مسؤول من مستوى أدنى لتمثيله.

وتسعى الحكومة الفرنسية إلى إظهار حزم في ردّها على أعمال العنف، وإن كان ماكرون قد أكد أن الأوضاع لا تستدعي حتى اللحظة الإعلان عن حالة طوارئ. وصرّح وزير العدل جيرالد دارمانان الأربعاء بأن 174 شخصاً، من أصل 2500 تم توقيفهم منذ نهاية الأسبوع الماضي أودعوا السجن، بينما يُلاحق أكثر من 900 آخرين قضائياً.

وفي السياق، أعلن الادعاء العام الخميس توقيف رجل يبلغ 66 عاماً على خلفية إضرام النار في مبنى بلدية ليموج الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، خلال أحداث نهاية الأسبوع الماضي. والثلاثاء أُوقف رجل آخر في الثلاثينات على خلفية الجريمة نفسها.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

وحظرت شرطة باريس احتجاجاً كان مقرراً الخميس لطلاب سبق أن نظموا احتجاجات استمرت أربعة أسابيع قبل مظاهرات 17 أكتوبر. وقالت الناشطة الطلابية كوبيليا مورو إن «السلطات تحاول التمييز بين المحتجين الجيدين والسيئين»، فيما سعى محامون إلى استصدار أمر قضائي ضد قرار الحظر. وصرّحت للصحافيين، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «ما نشهده هو حكومة لا ترغب في رؤية أي مظاهرات على الإطلاق. وهذا يتنافى مع الحق في التظاهر». وقررت السلطات الخميس حظر كل المظاهرات في مدينة ليون بجنوب غربي فرنسا.

وشهدت ليون، على غرار باريس ومدن أخرى، اشتباكات وأعمال نهب نهاية الأسبوع الماضي، مع تعرض ما بين 200 إلى 300 متجر للنهب، فضلاً عن إضرام النار في مكتب للسياحة. وقال رئيس بلديتها إن المدينة عاشت ساعات من «الفوضى». كما حظرت السلطات المظاهرات في وسط مدن أخرى من بينها غرونوبل وروان ولوهافر وتولون.

وفي باريس ذكرت الشرطة، الخميس، أن المظاهرة المقررة السبت يمكن أن تُنظم في شرق المدينة انطلاقاً من ساحة الباستيل، ولكن يُحظر عليها التوجه إلى وسط العاصمة حيث تقع المتاجر والمباني العامة الكبرى.

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)

وأعلنت حركة «السترات الصفراء» التي تنظم بالتعاون مع النقابات الاحتجاجات على غلاء المعيشة، عدم موافقتها على هذا القرار. وقال بنجامين بول الذي يدير خريطة إلكترونية توضح المواقع المقررة لمظاهرات السبت: «لن نوافق على ذلك». وأكد ماكرون أنه لن يُسمح السبت إلا بالمظاهرات التي تنظمها النقابات.

ولا يزال المسؤولون تحت وقع صدمة الاشتباكات وأعمال النهب الواسعة وتخريب المباني العامة التي اندلعت في 17 أكتوبر، على هامش مظاهرات حاشدة شارك فيها أكثر من نصف مليون شخص؛ احتجاجاً على غلاء المعيشة. وأقرت حكومة ماكرون بأن الشرطة قصّرت في توقع حجم الحراك، في حين يرى المرشحون الساعون إلى خلافته في الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ستة أشهر، أن السلطات إما عاجزة عن تهدئة الأوضاع، وإما أنها لا ترغب في ذلك.


وزير العدل الفرنسي يعلن سجن 217 شخصاً على خلفية أعمال العنف

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)
جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)
TT

وزير العدل الفرنسي يعلن سجن 217 شخصاً على خلفية أعمال العنف

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)
جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)

أعلن وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، الخميس، أن 217 شخصاً أودعوا السجن من بين 2700 شخص وضعوا قيد التوقيف الاحتياطي على خلفية أعمال العنف والنهب التي شهدتها فرنسا في عطلة نهاية الأسبوع الماضي.

واعتبر دارمانان أن هذا الإجراء يمثل «رداً حازماً للغاية لا مثيل له»، مشيراً إلى أن نصف من تم سجنهم لا سوابق قضائية لديهم.

وقررت السلطات الفرنسية الخميس حظر مظاهرات جديدة أو فرض قيود عليها إثر احتجاجات في نهاية الأسبوع الماضي تخللتها أعمال عنف واسعة النطاق، فيما اتهم الرئيس إيمانويل ماكرون مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي إلى «إسقاط الجمهورية».

محتجون مقنّعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

وأعلن ماكرون في ختام اجتماع عُقد في مقر الرئاسة وضم وزراء وكل أجهزة الاستخبارات أنه سيتم فرض حظر تجول وتدابير أمنية أخرى، من بينها حظر تنظيم احتجاجات من جانب «مجموعات تفتقر إلى الشرعية».

وقال ماكرون: «لقد شهدنا أعمالاً سياسية، بل تحريضية، نفذتها مجموعات منظمة من اليسار المتطرف تهدف إلى إسقاط الجمهورية».

وقال إن «الأولوية هي العودة إلى الهدوء»، مضيفاً أنه سيترأس الجمعة اجتماعاً لمجلس الدفاع يضم وزراء رئيسيين لاتخاذ قرار بشأن «الخطوات التالية» المتعلقة بجولة ثانية من الاحتجاجات في مختلف أنحاء فرنسا، مقررة السبت.

وأكد ماكرون أنه لن يُسمح السبت إلا بالمظاهرات التي تنظمها النقابات. ولا يزال المسؤولون تحت وقع صدمة الاشتباكات وأعمال النهب الواسعة وتخريب المباني العامة التي اندلعت في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، على هامش مظاهرات حاشدة شارك فيها أكثر من نصف مليون شخص احتجاجاً على غلاء المعيشة.

وأقرت الحكومة بأن الشرطة قصّرت في توقع حجم الحراك، في حين يرى المرشحون الساعون إلى خلافته في الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ستة أشهر، أن السلطات إما عاجزة عن تهدئة الأوضاع وإما أنها لا ترغب في ذلك.


مفوض الهجرة الأوروبي يرحب باتفاق إيطاليا وإسبانيا على إنهاء عمليات التفتيش المتبادلة

مسافرون يصلون إلى مطار مدريد بعد أن أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ستفرض ضوابط حدودية على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا (رويترز)
مسافرون يصلون إلى مطار مدريد بعد أن أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ستفرض ضوابط حدودية على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا (رويترز)
TT

مفوض الهجرة الأوروبي يرحب باتفاق إيطاليا وإسبانيا على إنهاء عمليات التفتيش المتبادلة

مسافرون يصلون إلى مطار مدريد بعد أن أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ستفرض ضوابط حدودية على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا (رويترز)
مسافرون يصلون إلى مطار مدريد بعد أن أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ستفرض ضوابط حدودية على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا (رويترز)

رحّب المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماجنوس برونر بإعلان إيطاليا وإسبانيا، اليوم الخميس، اتفاقهما على عدم تمديد عمليات التفتيش المؤقتة على الحدود، التي جرى تطبيقها في ظل خلاف بشأن الهجرة.

وقال برونر، في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي «إكس»: «شنجن أحد أعظم إنجازات الاتحاد الأوروبي».

وقالت وزارة الداخلية الإيطالية في روما، في وقت سابق، اليوم الخميس، إن الوزيرين الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي والإسباني فيرناندو جراند مارلاسكا توصلا للاتفاق، خلال محادثة هاتفية.

ولم يردْ تأكيد فوري من مدريد.

كان الخلاف بين الدولتين قد بدأ، في أواخر يوليو (تموز) الماضي، في أعقاب وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة الإسباني في شمال أفريقيا.

وأثار تدفق المهاجرين انتقادات واسعة لمدريد من جانب الحكومات والأحزاب السياسية المحافِظة في الاتحاد الأوروبي.

وقامت إيطاليا بعد ذلك بتطبيق عمليات تفتيش في الموانئ والمطارات، مما دفع إسبانيا لتحذو حذوها. ومن المقرر انتهاء العمل بهذه الإجراءات، اليوم.

وأوضحت «الداخلية» الإيطالية أن قرار عدم التمديد جاء بعد تقييم الوضع، مضيفة أن الدولتين اتفقنا على تعزيز مشاركة المعلومات؛ لضمان الأمن داخل منطقة الشنجن.

يُشار إلى أن الحكومة اليمينية لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والإدارة اليسارية لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، طالما اختلفا حول تعاملهما مع قضايا الهجرة.

وبرّرت إيطاليا عمليات التفتيش الحدودية بالإشارة إلى مخاطر على الأمن الداخلي والتهديدات من احتمالات «تسلل إرهابيين».

وأدان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس هذه الخطوة، ووصفها بأنها «مُخزية».

وقالت روما إن الإجراءات كانت ضرورية لحماية حدودها بعد تدفق المهاجرين إلى سبتة، غير أنه لم تكن هناك أدلة على محاولة أي من المهاجرين السفر من ذلك الجيب إلى وجهة أخرى، كما أنه لم يُسمح لهم حتى بدخول البر الإسباني.