فرنسا تكرّم ذكرى ضحايا إرهاب «داعش» في 2015

مقتلة باريس وضاحيتها سان دوني: 132 قتيلاً و350 جريحاً وذكريات أليمة

برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)
برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)
TT

فرنسا تكرّم ذكرى ضحايا إرهاب «داعش» في 2015

برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)
برج إيفل مضاء بألوان العلم الفرنسي تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الأربعاء (د.ب.أ)

ليلة 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، كان فرنسوا هولند، رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك، يتابع مباراة كرة القدم الودية بين المنتخبين الفرنسي والألماني في الملعب الفرنسي الكبير «ستاد دو فرنس» في ضاحية سان دوني، على مدخل باريس الشمالي وإلى جانبه وزير الداخلية برنار كازنوف ورئيس الفيدرالية الفرنسية لكرة القدم. ورغم دعوته الرسمية لحضور المباراة، فإن الرئيس الألماني، جواشيم غوك، اعتذر عن تلبية الدعوة لأسباب تتعلق بأجندته. المباراة انطلقت، كالعادة، في الساعة التاسعة بينما الملعب يضج بالمشجعين والحضور وسط أجواء حماسية من الجانبين. وبعد 16 دقيقة سُمع انفجار أول وبعده بدقائق قليلة حصل انفجاران. وجاء أحد مرافقي الرئيس يهمس بأذنه. وحسب شهادات من كانوا إلى جانبه، فإن وجه هولند تغير وبدت عليه علامات القلق والغضب. ولكي لا يثير قلق الجمهور، انتظر هولند فترة الاستراحة الفاصلة بين شطري المباراة لينسل إلى مقر الإدارة الأمنية للملعب ليطلع على التفاصيل. وعلل لاحقاً قراره بمواصلة المباراة بالرغبة في المحافظة على سلامة اللاعبين والحضور، وتجنب التدافع، وبالتالي سقوط ضحايا. وما حصل خارجاً أن ثلاثة إرهابيين تابعين لتنظيم «داعش» قاموا بتفجير أنفسهم خارج الملعب بعد أن منعهم الحرس من الدخول؛ كونهم لم يكونوا يحملون البطاقات المطلوبة. الثلاثة قُتلوا كما قتل سائق حافلة. وبعد أن تبين لرجال الأمن خلو الملعب ومحيطه من الإرهابيين، انتقل هولند إلى قصر الإليزيه ومن هناك تحدث إلى الفرنسيين ليعلمهم بما حصل في محيط الملعب الكبير وفي شوارع العاصمة.

الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولند يشارك في احتفال تكريمي للضحايا خارج ملعب «ستاد دو فرنس» في ضاحية سان دوني الخميس (أ.ف.ب)

مقتلة ملهى الباتاكلان

لم يكن ما حصل في ضاحية سان دوني سوى نقطة البداية لأكبر عملية إرهابية عرفتها فرنسا في زمن السلم. وخلال ثلاث ساعات، كان الموت يحصد الأبرياء متنقلاً بين أحياء وسط باريس وشرقها. ستة إرهابيين مسلحين بمسدسات وبنادق رشاشة زرعوا الرعب بين الناس، فقد هاجموا مجموعة من المقاهي والمطاعم. مقتلة باريس انطلقت عند مقهى «لو بوتي كاريون» ثم «لو بوتي كمبوديا» لتصل بعدها إلى مقهى «لا بون بيار»، ثم إلى مطعم «لو كونتوار فولتير» وتنتهي عند مطعم «لا بيل أيبوك». كثيرون من الضحايا كانوا يجلسون خارج المقاهي والمطاعم، وسقط منهم أربعون قتيلاً والعشرات من الجرحى.

بيد أن المقتلة الكبرى كان مسرحها صالة ملهى «الباتاكلان» الكائن في الدائرة الـ11 الذي كان يستضيف حفلاً موسيقياً للفرقة الأميركية «إيغلز أوف ديث ميتل». ثلاثة من الإرهابيين اقتحموه في الساعة التاسعة و47 دقيقة ودخلوا إلى صالته الكبرى بعد أن قتلوا الحارس، وفي الداخل وخلال دقائق لا تنتهي فتحوا النار على الحضور وكانت الحصيلة 90 قتيلاً وعدداً كبيراً من الجرحى. ولم يتمكن أفراد الأمن من القضاء على الإرهابيين إلا بعد ثلاث ساعات ولم يبق منهم حياً سوى شخص واحد هو صلاح عبد السلام، الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد في عام 2022.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيسة بلدية باريس آن هيدالغو يضعان إكليلاً من الزهور قريباً من مقهى «بون بيير» الذي استهدفه الإرهابيون ليلة 13 نوفمبر 2015 (إ.ب.أ)

في هذه الليلة عرفت باريس وسان دوني أكبر مجزرة، حيث قُتل 130 شخصاً من كل الأعمار ومن الجنسين، وجُرح أكثر من 350 شخصاً، ولاحقاً انتحر شخصان بسبب المقتلة.

عام الرعب

شكلت ليلة الرعب قمة الهجمات الإرهابية التي استهدفت فرنسا. وحتى اليوم، ما زالت السلطات تنبّه من تواصل التهديدات الإرهابية. فبداية عام 2015 شهد مقتلة صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، حيث قُضي على غالبية الفريق التحريري. وبعد أربعة أيام هاجم مسلحون متجراً يهودياً شرق العاصمة وقبله بيوم واحد قُتل شرطي، وشهد شهر أبريل (نيسان) مقتل امرأة في مرأب في العاصمة وجز أحد الموظفين، في يونيو (حزيران) رأس مدير شركة وعلّقه على مدخلها الخارجي، في حين حاول «داعشي» آخر، في أغسطس (آب) مهاجمة ركاب حافلة في القطار السريع في رحلته ما بين أمستردام وباريس. إلا أن جنديين أميركيين، بلباس مدني، نجحا في السيطرة عليه. وتبنى «داعش» الذي كان في أوج تمدده، جميع العمليات المشار إليها التي كانت جميعها بإيحاء وتنظيم خارجي.

فرنسيون في ساحة «لا ريبوبليك» لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الإرهابية بباريس الخميس (أ.ب)

كان من الطبيعي أن تحيي فرنسا، إزاء ما يمثله هذا العام وخصوصاً ليلة الرعب، الذكرى العاشرة للاعتداءات الإرهابية وضحاياها بمشاركة أعلى السلطات ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيسة البرلمان والوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين الحاليين والسابقين ومنهم فرنسوا هولند، في حين غاب عنها نيكولا ساركوزي، الرئيس الأسبق، الخارج من السجن حديثاً والكثير من السياسيين نواباً ورؤساء حزبيين. واضطلعت باريس ممثلة ببلديتها ورئيستها، آن هيدالغو، بالدور الأول في تنظيم يوم الذكرى في العاصمة. وحرص المنظمون على حضور الناجين من مقتلة 13 نوفمبر وعائلات الضحايا والجمهور الباريسي والفرنسي. وتصدر يوم الذكرى صفحات الجرائد والوسائل الإعلامية كافة، ومنها البث التلفزيوني المباشر من القنوات العامة والخاصة.

الرئيس ماكرون وعقيلته بريجيت ورئيسة بلدية باريس آن هيدالغو قريباً من مطعمَي «كاريون» و«بوتي كمبوديا» في الدائرة الـ11 من العاصمة حيث سقط قتلى وجرحى ليلية 13 نوفمبر 2015 (إ.ب.أ)

انطلق يوم إحياء ذكرى الضحايا من ملعب فرنسا الكبير في الساعة الحادية عشرة والنصف. واستبق وزير الداخلية، لوران نونيز، الحدث بدعوة المسؤولين الأمنيين إلى مضاعفة الحذر واتخاذ أقصى التدابير؛ بسبب ما سماه «التهديدات الإرهابية التي ما زالت عند مستويات مرتفعة». ورغم تحذيره، أوضح نونيز أن فرنسا «لم تعد في وضع الخشية من هجمات مخطَّط لها (من الخارج) كما كان الحال قبل عشر سنوات» مضيفاً أن «التهديد أصبح أقل حضوراً، لكنه لا يزال قائماً بالفعل». وبنظره، فإن «(داعش) و(القاعدة) لا يزالان يحلمان بمعاودة ما قاما به في السابق»، لكن «لم يتم تحديد أي مشروع معين لهجمات».

زهور وصمت ونشيد وطني

اليوم الاحتفالي الكبير انطلق بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون وآن هيدالغو ومسؤولين آخرين من الملعب الكبير، حيث وقع أول قتيل، وهو السائق مانويل دياز والكثير من الجرحى لينتهي عند ملهى الباتاكلان. وأقيمت المراسم خلال جميع مراحل التطواف عند كل المقاهي والمطاعم التي أصابها إرهاب «داعش» في تلك الليلة. وكانت بداياتها وضع إكليلين من الزهر عند اللوحات التذكارية ووقوف دقيقة صمت ثم الاستماع للنشيد الوطني ومن غير خطابات أو كلمات. وعند الساعة السادسة، كان مقرراً تدشين حديقة «13 نوفمبر 2015» الواقعة قبالة مبنى بلدية العاصمة بمناسبة احتفال رسمي، وهي، وفق بيان صادر عن البلدية، «مهداة لـ132 ضحية وللناجين (من المقتلة) وللعائلات ولجميع من وقف إلى جانبهم». وليلاً، كان مقرراً إضاءة برج إيفل الشهير بألوان العَلم الفرنسي الثلاثة بالتوازي مع قرع أجراس كاتدرائية نوتردام والكنائس الباريسية كافة. ووجَّه كبير مطارنة باريس لوران أورليش رسالة إلى الباريسيين، جاء فيها: «قبل عشر سنوات، فُجِعَت مدينتنا بشكلٍ مروّع بمقتل 132 بريئاً. بالنسبة لكثيرين منا، ما زالت ذكرى 13 نوفمبر 2015 إلى اليوم تمثل ليلة طويلة من القلق والحزن».

ودعت بلدية باريس سكان العاصمة والفرنسيين للتجمع بصمت عند ساحة «لا ريبوبليك» (ساحة لجمهورية) وإحياء الذكرى من خلال «إضاءة شمعة أو وضع وردة أو كلمة» عند التمثال الواقع في وسط الساحة، وهو بشكل امرأة ترمز إلى قيم الجمهورية الثلاث: حرية، مساواة، إخاء.

إكليل ورد وصور ضحايا ولوحة تذكارية قرب مقهى «بون بيير» الذي استهدفه الإرهابيون ليلة 13 نوفمبر 2015 (أ.ف.ب)

كثيرة كانت التصريحات والتعليقات بهذه المناسبة. وقال الرئيس هولند: «إن واجبنا تجاه الضحايا هو ألا ننسى ناسهم وألا ننسى أي شيء» مذكراً بالكلمة التي ألقاها عند انطلاق محاكمات عدد من المتورطين فيها: «أنتم أشخاص ارتكبتم ما لا يمكن إصلاحه، أما نحن، فنحن الديمقراطية، وهي التي ستنتصر في النهاية».

وقال مانويل فالس، رئيس حكومة هولند وقتها، إنه «يتذكر كل دقيقة مما حصل تلك الليلة وكأن الذاكرة لا تريد أنت تمحى منها تلك اللحظات».

أما آن هيدالغو فقد عدَّت أن الإرهابيين «أرادوا مهاجمة ثقافتنا هذه، ثقافة الفرح والاحتفال والتنوع والمشاركة والموسيقى».


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».


لندن وباريس تبديان تفاؤلاً بإحراز «تقدم حقيقي» في «خطة هرمز»

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
TT

لندن وباريس تبديان تفاؤلاً بإحراز «تقدم حقيقي» في «خطة هرمز»

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)

أعربت بريطانيا وفرنسا، الخميس، عن أملهما في قرب تبلور خطة عسكرية لحماية مضيق «هرمز»، وفي أن تنجح في إعادة تدفقات التجارة عبر هذا الممر الحيوي. وخلال اجتماع استمرَّ يومين في لندن، قدَّم فريق مخصص للتخطيط العملياتي، الأربعاء، عرضاً إلى مُخطِّطي العمليات العسكرية، بشأن مهمة متعددة الجنسيات تقودها المملكة المتحدة وفرنسا لحماية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤولين دفاعيين كبار.

فرص «تقدم حقيقي»

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، ونظيرته الفرنسية وزيرة القوات المسلحة كاثرين فوتران، في بيان مشترك، الخميس: «نحن واثقون من إمكانية تحقيق تقدم حقيقي». وأضافاً أنه «من خلال البناء على هدفنا المشترك، وتعزيز التنسيق متعدد الجنسيات، وتهيئة الظروف لعمل جماعي فعّال، يمكننا المساعدة في إعادة فتح المضيق، واستقرار الاقتصاد العالمي، وحماية شعوبنا».

وعُقد المؤتمر في مقر القيادة المشتركة الدائمة شمال غربي لندن، وهي مركز القيادة البريطاني للإشراف على العمليات العسكرية المشتركة وإدارتها. وأكد الوزيران ضرورة «تحويل الزخم الدبلوماسي إلى عمل يتطلب تخطيطاً دقيقاً، ونقاشاً صريحاً، والتزامات واضحة من الدول الحليفة والشريكة». وأشارا إلى «العواقب الاقتصادية الخطيرة» لإغلاق المضيق خارج منطقة الخليج، مُحذَّرين من أنَّه «يضرب العاملين، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً في مجتمعاتنا».

غواصون وكاسحات ألغام

وفي سياق الاستعدادات الميدانية، أفادت وزارة الدفاع البريطانية بأنَّ غواصين عسكريين يستعدون لإجراء عمليات إزالة ألغام في حال دعت الحاجة في مضيق «هرمز»، بينما يتم تجهيز خبراء البحرية الملكية المُدرَّبين على تحييد الألغام وتفكيكها لتوفير خيارات إضافية إلى جانب الأنظمة غير المأهولة، وفق ما أورد موقع «بوليتيكو».

ومع مشاركة المخططين العسكريين في اليوم الثاني من المحادثات في لندن، أكّدت بريطانيا أيضاً أنها ستعرض نشر كاسحات ألغام ذاتية التشغيل ضمن مهمة متعددة الجنسيات مقترحة لحماية المضيق، بحسب المصدر نفسه.

وكانت إيران قد تعهَّدت، الأربعاء، بعدم إعادة فتح مضيق «هرمز» ما دامت الولايات المتحدة تواصل فرض حصار على موانئها. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد ترأسا، الأسبوع الماضي، محادثات دولية في باريس حول المضيق الاستراتيجي، بمشاركة أكثر من 50 دولة.

وقال ستارمر إنَّ أكثر من 12 دولة وافقت على المشارَكة في المهمة الرامية إلى تحرير الملاحة في «هرمز». وقد هيمن التوتر في هذا الممر المائي على وقف إطلاق النار في حرب الشرق الأوسط.

ومع اقتراب انتهاء الهدنة في وقت سابق هذا الأسبوع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اللحظة الأخيرة تمديدها إلى أجل غير مسمى، لإتاحة مزيد من الوقت لمحادثات السلام التي تتوسط فيها باكستان.

وقالت إيران إنها ترحِّب بجهود باكستان، لكنها لم تعلّق على إعلان ترمب. ورغم أنَّ الضربات في أنحاء المنطقة توقفت إلى حد كبير منذ بدء الهدنة، فإنَّ الضغوط لم تتراجع حول هذا المسار التجاري الحيوي، إذ يستخدم الطرفان أدواتهما الاقتصادية في محاولة من كل طرف لإجبار الآخر على التراجع. وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس النفط العالمي يُنقَل عبر مضيق «هرمز».