بعد 10 سنوات على استقبال اللاجئين السوريين... ألمانيا تواجه أشباح الماضي

قرار ميركل «الجريء» في ميزان الاقتصاد والسياسة

لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا فيما اعتبر أكبر موجة لجوء في التاريخ الحديث (أ.ب.إ)
لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا فيما اعتبر أكبر موجة لجوء في التاريخ الحديث (أ.ب.إ)
TT

بعد 10 سنوات على استقبال اللاجئين السوريين... ألمانيا تواجه أشباح الماضي

لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا فيما اعتبر أكبر موجة لجوء في التاريخ الحديث (أ.ب.إ)
لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا فيما اعتبر أكبر موجة لجوء في التاريخ الحديث (أ.ب.إ)

قبل 10 سنوات، في صيف عام 2015، وقف الألمان يشاهدون بصدمة وصول مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى بلادهم، عبر محطات القطارات وعشرات الحافلات التي كانت تقلهم من دول أوروبية مجاورة وصلوا إليها مشياً على الأقدام. الكثير من الألمان آنذاك خرجوا يرحبون بالواصلين الجدد الذين كانت تبدو عليهم آثار الحروب والويلات، حاملين الورود وفاتحين أبواب منازلهم لهم.

ولكن كثيرين أيضاً وقفوا مصدومين ومتفاجئين أمام جرأة مستشارتهم في ذلك الوقت أنجيلا ميركل التي أعلنت بشكل أحادي، من دون موافقة حكومتها، فتح أبواب ألمانيا أمام مئات الآلاف من السوريين. حاولت ميركل حينها أن تقلل من مخاوف المشككين من قرارها، ودافعت عن نفسها بجملتها الشهيرة «فير شافن داس» أي «يمكننا القيام بذلك».

شرحت في مؤتمر صحافي حينها بأن «ألمانيا دولة قوية» وبأنها «حققت الكثير ويمكنها القيام بذلك» ومواجهة التحدي أمامها.

تبين بعد فترة قليلة أن قرار ميركل ذاك كلفها نهاية مسيرتها السياسية وتسبب في صعود غير مسبوق لحزب يميني متطرف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي عام 2017، دخل حزب «البديل لألمانيا» إلى البرلمان الفيدرالي (البوندتساغ) للمرة الأولى، راكباً حملة تجييش ضد اللاجئين والمسلمين ومستفيداً من امتعاض جزء كبير من الألمان من قرار ميركل. وفي النهاية، يمكن القول أيضاً إن القرار كلف المستشارة الألمانية حياتها السياسية، فقد وجدت نفسها بعد 3 أعوام، أي في عام 2018 تعلن تقاعدها بعد نهاية عهدها عام 2021 أمام تراجع غير مسبوق لحزبها، المسيحي الديمقراطي، في استطلاعات الرأي.

اليوم ومع مرور 10 سنوات على جملة ميركل الشهيرة «فير شافن داس»، يتساءل الألمان عما إذا كانوا فعلاً نجحوا بتحدي أنفسهم و«القيام بذلك»، فيما يتساءل قرابة مليون سوري صنعوا لأنفسهم وطناً جديداً عما إذا كانوا حقاً باتوا يشعرون أنهم في وطنهم.

لافتات ترحب بوصول اللاجئين السوريين إلى ألمانيا في 2015 (أ.ب.إ)

أطول 90 ثانية

بعد ليلة هادئة وممتعة قضاها طارق الأوس مع أصدقائه في برلين، قرر أن يستقل القطار عائداً إلى المنزل عوضاً عن ركوب دراجته، مصحوباً برفاقه. كان القطار هادئاً أيضاً. ولكن ليس لفترة طويلة. دقائق مرت قبل أن يقترب منه رجل ألماني ويبدأ بالصراخ وكيل الشتائم له. وقف طارق مصعوقاً ممسكاً بدراجته مستخدما إياها حاجزاً بينه وبين الرجل الذي راح يزداد غضباً وعنفاً مع كل ثانية.

تسعون ثانية مرت قبل أن يتوقف القطار في المحطة التالية ويخرج طارق ورفاقه بسرعة. يقول إنها كانت أطول تسعين ثانية في حياته.

طارق الأوس لاجئ سوري وصل إلى ألمانيا عام 2015 وترشح للبرلمان عام 2021 (الشرق الأوسط)

يبدو أن الرجل تعرف عليه. فطارق كان قد أعلن ترشيحه قبل شهرين للانتخابات العامة عن حزب الخضر. وكان يستقطب اهتماماً إعلامياً واسعاً من وسائل الإعلام الألمانية، لكونه أول لاجئ سوري وصل عام 2015 عبر البحر والبر، ونجح خلال فترة قصيرة بالحصول على جواز سفر ألماني والترشح للانتخابات. الرجل الألماني الذي كان على الأرجح يحمل أفكاراً يمينية متطرفة، اتهمه بأنه جاء إلى ألمانيا «لتطبيق الشريعة» وكان يكيل له شتائم مرتبطة بأصوله.

الحادث رغم أنه انتهى بسرعة ومن دون أذى جسدي، ترك أثراً عميقاً على طارق ودفعه لإعلان سحب ترشيحه من الانتخابات. برر قراره المفاجئ الذي أثار استغراب الكثيرين حينها، بالتهديدات التي كان يتلقاها من دون أن يشرح تفاصيلها أو حجمها. ولكنه هو نفسه تفاجأ بحجمها. كان يعرف أن رسائل تهديد كانت تصل إلى البريد الالكتروني المخصص للصحافيين، ولكن لم يكن يطلع عليها. يروي لـ«الشرق الأوسط» أنه طلب من مساعديه الذين كانوا يجيبون عن الرسائل الالكترونية إطلاعه عليها؛ فهم كانوا يخزنونها من دون أن يطلعوه عليها تفادياً للتسبب في قلقه. حجم التهديدات فاجأه. فقد كانت التهديدات يومية وبدت ممنهجة وحجم العنف فيها صادم. وما أصابه بأسىً إضافي، كان عدم قدرة الشرطة على القيام بالكثير لمساعدته. لم يتمكنوا من تأمين حماية له، فالحماية تمنح فقط للسياسيين الذين ينجحون بالدخول إلى البرلمان لا المرشحين. وحتى حزبه، حزب الخضر، بدا غير متفهم لحجم التهديدات التي يتلقاها والمخاوف التي يعيشها. فكان قراره بسحب ترشحه.

لافتات انتخابية لحزب البديل الألماني كتب عليها «رحلوهم بدل أن تستقبلوهم» و«ابقوا على الوعد» في سبتمبر 2025 (رويترز)

مزاج شعبي متغيّر

التهديدات التي تلقاها طارق عام 2021 لم تكن قد تحولت إلى نمط سياسي بعد آنذاك ولكنها كانت قد بدأت تعكس مزاجاً شعبياً متغيراً داخل ألمانيا.

فاللاجئون الذين استُقبلوا بالورود قبل سنوات، بدأوا يتحولون إلى ضيوف غير مرغوب فيهم يستخدمهم السياسيون من الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة ورقةً لاستقطاب ناخبين إضافيين. وكان لدخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البوندتساغ عام 2017 وتحوله إلى لاعب أساسي في الحياة السياسية، أثر مباشر في المساهمة بتغيير الخطاب السياسي ودفعه نحو اليمين ومعاداة المهاجرين.

وبدت الأحزاب الرئيسية وكأنها في سباق مع الحزب اليميني المتطرف، إما لمواجهة خطابه كما فعلت الأحزاب اليسارية، أو موازاته بطرح خطط متشددة من الهجرة كما فعل الحزب المسيحي الديمقراطي، حزب ميركل، الذي راح يبعد نفسه عن سياسات زعيمته السابقة فور تقاعدها.

وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة التي أعادت حزب ميركل إلى السلطة بعد أن عاقبه الناخبون في عام 2021، طرح زعيم المستشار الحالي فريدريتش ميرتس، خططاً لتقليص عدد اللاجئين وتبنت حكومته قرارات لمنع لم الشمل الذي يسمح للاجئ بجلب عائلته. ورغم أن القرار أثار انتقادات منظمات إنسانية، فقد لاقى تأييداً حتى من الحزب الاشتراكي اليساري المشارك بالحكومة الائتلافية. وميرتس نفسه اتهم خلال الحملة الانتخابية بالسير خلف حزب «البديل من أجل ألمانيا» وباستخدام خطاب مؤجج للكراهية وأحياناً عنصري. فقد وصف مرة أطفال المدارس من أصول عربية بأنهم «باشاوات صغار»، وأثار لاحقاً غضباً سياسياً بعد تحالف حزبه مع «البديل من أجل ألمانيا» داخل البرلمان لتمرير قانون للحد من الهجرة، ما عدّته الأحزاب الأخرى خرقاً لاتفاق غير مكتوب برفض التعاون مع اليمين المتطرف.

القياديان في حزب البديل الألماني أليس ويديل وتينو تشروبالا في مؤتمر صحافي في 9 سبتمبر 2025 (أ.ب.إ)

وهكذا خلال السنوات التي تلت تقاعد ميركل، لم يعد حزبها اليوم يشبهها ولا يعكس صورة التسامح التي أرادتها، بل تحول إلى اليمين، في محاولة لإنقاذ قادتها الشعبية التي خسرها بسبب قرار ميركل إدخال ملايين اللاجئين السوريين.

تهديد بالمطرقة و«أفران الغاز»

ويبدو أن تغير الخطاب السياسي خلال السنوات التي تلت وصول ما يقارب المليون لاجئ سوري، ساهم في زيادة جرأة قاعدة اليمين المتطرف. فما كان محظوراً قبل سنوات بات واسع الانتشار، مثل التهديدات التي تصل للمرشحين السياسيين من أصول مهاجرة أو من مؤيدين لسياسات هجرة منفتحة. فالتهديدات تحولت إلى اعتداءات جسدية، إذ تعرض عدد من سياسيي الحزب الاشتراكي وحزب الخضر إلى الضرب والتهديد بالضرب في انتخابات محلية عام 2023، خاصة في الولايات الشرقية التي تعدّ معقل اليمين المتطرف.

وكان جيان عمر، النائب من أصل سوري عن حزب الخضر في برلمان برلين المحلي، أحد ضحايا هذا العنف السياسي.

جيان عمر نائب عن حزب الخضر في برلمان برلين (الشرق الأوسط)

يروي جيان لـ«الشرق الأوسط» كيف تحول مكتبه في منطقة ميتة وسط برلين إلى مكان يتعرض لتهديدات يومياً بعد ترشحه للبرلمان لولاية ثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023. بدأ الأمر مع سيدة مقيمة في الحي كانت تمر بشكل يومي وتكيل له الشتائم، إلى أن جاءت يوماً حاملة مطرقة محاولة كسر الباب. كان جيان وفريقه داخل المكتب والظلمة حلت باكراً في خريف ألمانيا القاسي. سمع جيان صوت المطرقة على الباب وركض مذعوراً ليرى السيدة وبيدها المطرقة وهي تصرخ وتشتم وتقول له: «كنا نضع أمثالك في أفران الغاز»، في إشارة إلى المحرقة (هولوكوست). عادت في اليوم التالي لتبصق في وجهه وتكيل شتائم عنصرية من جديد وتبدأ حملة بعد ذلك برمي براز أمام مدخل المكتب يومياً.

الشرطة لا تقوم بالكثير

يقول جيان إن الشرطة لم تتمكن من القيام بالكثير بسبب تحجج المرأة بأنها مريضة نفسياً. ولكن الصحافة الألمانية كتبت بشكل مكثف عن الهجمات التي كان يتعرض لها جيان، ونشرت عنوان مكتبه، ما فتح باباً أوسع لتهديدات بدأ يتلقاها من أشخاص آخرين يتركون رسائل تهديد بالقتل بخط اليد ويرسلونها في البريد الإلكتروني. كانت الرسائل تتهم جيان بأنه إرهابي وإسلامي متطرف، واستمرت أشهراً طويلة اضطرت الشرطة خلالها لتأمين حماية دائمة له.

وعلى عكس طارق، كان جيان نائباً أصلاً ويترشح لولاية ثانية، ما جعله أهلاً لحماية الشرطة. ورغم التهديدات تلك، بقي جيان مصراً على استئناف عمله السياسي وفاز بولاية جديدة في البرلمان، حيث يتخصص بقضايا اللجوء والهجرة. ويقول إنه لن ينسحب استجابة لرغبة من يرسل التهديدات، ولكنه يخشى أن الطبقة السياسة في ألمانيا لا تقوم بالكثير لمواجهة خطر اليمين المتطرف. فبالنسبة إليه، ورغم أن نسبة تأييد «البديل من أجل ألمانيا» ليست أكثر من دول أوروبية أخرى، فهي من دون شك الأكثر خطراً.

لاجئون يقطعون غابات أوروبا سيراً باتباع سكك الحديد وخطوط القطارات للوصول إلى ألمانيا (أ.ب.إ)

«الحل الأخير»... وتنصّل أوروبي

يحظى الحزب بنحو 26 في المائة من نسبة التأييد على الصعيد الوطني وفق آخر استطلاع، وهي نسبة ترتفع بشكل مستمر، ولكنها ما تزال أدنى مثلاً من نسبة التأييد التي تحظى بها أحزاب يمينية متطرفة في إيطاليا وفرنسا. ومع ذلك، يرى جيان، أنها تدعو لقلق أكبر، ويقول: «أفعال اليمين المتطرف في ألمانيا مخيفة لأن الصورة النمطية بعقلهم مخيفة، ومثلهم الأعلى هتلر، مع العنف الذي مارسه، وهذا لا يحصل في اليمين المتطرف في دول أخرى لديها نسبة تأييد اليمين المتطرف نفسها».

وبالفعل، فحتى الأحزاب اليمينية الأوروبية الأخرى ترى أن «البديل من أجل ألمانيا» متطرف لدرجة رفْض التحالف معه في الكتلة البرلمان الأوروبية. وتردّدَ أن مارين لوبن، زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي، رفضت قبل أشهر لقاء أليس فيدل، زعيمة «البديل من أجل ألمانيا»، بشكل علني خوفاً على سمعتها وربطها بها بشكل علني. وقد أدين في الماضي أحد أكثر زعماء «البديل من أجل ألمانيا» تطرفاً، بيورن هوكيه (زعيم الحزب في ولاية تورنغن الشرقية)، باستخدام شعارات نازية محظورة وترديد عبارات كان يستخدمها هتلر. وتورط عدد من السياسيين المنتمين للحزب، بينهم أحد مستشاري فيدل، بفضيحة كشفت عنها الصحافة الألمانية لاجتماع سري عقد في مدينة براندبورغ المحاذية لبرلين، ناقش ترحيل ملايين المهاجرين من ضمنهم حملة الجوازات الألمانية. وتسبب الكشف عن الاجتماع في صدمة بألمانيا بسبب الأصداء التاريخية التي حملها لناحية موقع انعقاده ومضمونه، وذكّر باجتماع النازيين الذي انعقد في مكان قريب وناقش «الحل الأخير» أيام الحرب العالمية الثانية وشكل أساساً لبداية المحرقة.

ورغم أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» أبعد نفسه عن الاجتماع، فإن خطابه لا يبتعد كثيراً عن مضمونه. فقد تبنى شعار «ريميغراسيون» أو «إعادة الترحيل» خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، وهي الفكرة الأساسية لاجتماع براندبورغ. وهو يقصد بذلك ترحيل كل من هو مهاجر، أي ما يقارب 14 مليون شخص يعيشون في ألمانيا.

أحد اللاجئين السوريين يلتقط صورة «سلفي» مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (أ.ب.إ)

تبعات اقتصادية كارثية

في حال طبقت هذه الفكرة رغم استحالتها، فإن آثارها الاقتصادية ستكون كارثية. وقد دفع هذا الخطاب بأصحاب العمال والنقابات، خاصة النقابات الطبية، إلى التحذير من خطط كهذه. فالعاملون من أصول مهاجرين يساهمون بشكل أساسي في الاقتصاد، وقد اندمج 64 في المائة من السوريين الذين قدموا إلى البلاد منذ عام 2015، بسوق العمل والحياة التعليمية في ألمانيا. ويشغل مستشفيات وعيادات ألمانيا نحو 6500 طبيب سوري باتوا يشكلون أساساً لا غنى عنه في النظام الصحي الذي يعاني من نقص كبير في عدد الأطباء والعاملين الصحيين.

ومن دون شك، فإن أصحاب الأعمال في ألمانيا يستفيدون من اليد العاملة السورية في الكثير من المجالات التي تعاني نقصاً في العمالة، مثل المحاسبين مثلاً، وهي مهنة بحاجة إلى 3 سنوات تدريب يتعين على من يريد العمل بها أن يخضع لها. ومع ذلك، يروي كثير من السوريين تعرضهم للتمييز بسبب خلفيتهم. آلاء محرز مثلاً، سيدة سورية محجبة وناشطة اجتماعية، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن التمييز من دون شك موجود في سوق العمل، وتروي تجربتها في مقابلات عمل كان تسأل فيها عن حجابها: «في إحدى المقابلات لوظيفة في مصرف، سُئلت عن الحجاب وقيل لي إن حجابي لا يناسب صورة المصرف وإنه عليّ البحث عن عمل لدى الشركات الصغيرة».

ومع ذلك ترفض آلاء أن تضع حجابها عائقاً أمام تقدمها في المجتمع، وتقول: «كثير من النساء المحجبات يقلن إن الحجاب السبب في عدم تقدمهن بالمجتمع بينما الحقيقة مختلفة، والمنافسة والشهادات واللغة أحياناً كثيرة تكون هي السبب». وتضيف آلاء: «من دون شك هناك عنصرية لا أنكرها ولكن مهارات العمل مختلفة تماماً في ألمانيا عن دولنا، وهذا بحاجة إلى دراسة جديدة».

آلاء محرز لاجئة سورية في برلين (الشرق الأوسط)

في السنوات العشر التي تلت دخول مئات الآلاف من السوريين إلى ألمانيا، استفادت ألمانيا من دون شك منهم، ولكنها وجدت نفسها من جديد في مواجهة مع شياطينها وأشباحها التي عادت تطاردها من الماضي. وهي اليوم أمام تحدي قمع شياطينها تلك قبل أن تحكم قبضتها عليها.

أما السوريون أنفسهم، ورغم أنهم لا ينكرون صعوبة التحدي في الكثير من الأحيان، فهم يجدون في الديمقراطية متنفساً غائباً في بلدهم.

وحتى طارق الأوس الذي اضطر لإنهاء حلمه بأن يصبح أول نائب وصل لاجئاً ضمن موجة اللجوء عام 2015، يقول إن ترشحه بحد ذاته كان آنذاك «انتصاراً للديمقراطية». ويرى أنه رغم خيبته بسبب أن النظام الديمقراطي لم يقدر على حمايته، فقد سمح له بالترشح وإكمال عمله السياسي اليوم ضمن منظمة «برو أزيل» التي تدافع عن اللاجئين.


مقالات ذات صلة

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

أوروبا عائلة أفغانية رُحّلت من إيران تستريح بجانب أمتعتها في مخيم للمهاجرين العائدين قرب معبر إسلام قلعة الحدودي بولاية هرات الأفغانية يوم 20 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

بدأت فرنسا محادثات مع حكومة «طالبان» لتسهيل ترحيل أفغان يقيمون بصورة غير نظامية إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي تجهيز النازحين ببعض المستلزمات الضرورية قبل إعادتهم إلى مناطقهم التي نزحوا عنها في ريف حلب (وزارة الطوارئ)

خطة «سوريا بلا مخيمات»… عودة 10 آلاف أسرة وإغلاق 157 مخيماً

مع اقتراب فصل الشتاء تشهد خطة الحكومة السورية لتحقيق رؤية «سوريا بلا مخيمات» تسارعاً ملحوظاً وخلال الأسبوع الماضي عادت أكثر 500 عائلة نازحة إلى مناطقها الأصلية.

سعاد جرَوس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ما حجم الدعم الذي تطالب به مصر نظير استضافتها 10.5 مليون وافد؟

تكرِّر الحكومة المصرية مناشدتها المجتمع الدولي المساهمة في تحمُّل أعباء الوافدين، ضمن مبدأ «تقاسم الأعباء»، في ظلِّ أوضاع إقليمية تزداد صعوبة.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: خفض التمويل يهدد المساعدات الحيوية لـ 8.3 مليون لاجئ

حذَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء، من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً، قد يفقدون مساعدات حيوية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)

إشادة أممية بالدور الإنساني للسعودية وجهودها في دعم اللاجئين

أشاد برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالجهود الإنسانية السعودية في تقديم المساعدات الإغاثية والطارئة للاجئين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا


جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
TT

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا


جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)

توسّعت موجة الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح فرنسا لتصل إلى دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، في حين تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد، ونقص فرص العمل، وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث يوم السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمحتجين، في حين أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو.

وفي مدينة ليموج، أضرم محتجون النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية، الذي احترق بدرجة كبيرة.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «لا شيء يبرر» أعمال العنف التي تخللتها الاحتجاجات، مبدياً «الغضب والعار» حيال ما حصل، وتوعد من «دمروا ونهبوا» بالمحاسبة.


ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
TT

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الأحد، معلقاً على تظاهرات الأمس وما رافقها من أعمال تخريب ونهب: «نشعر جميعاً هذا المساء بالغضب والعار»، داعياً إلى التمييز بين المتظاهرين الذين يعبّرون عن «مطالب مشروعة» ومرتكبي «أعمال النهب والتحطيم».

وقال ماكرون في كلمة تلفزيونية خاطب فيها الفرنسيين إن «رؤية تخريب شوارع مدننا أمر لا يحتمل»، مؤكداً «دعمه» لأصحاب المتاجر والمحلات التي تعرضت للنهب.

وأوردت حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم اعتقال نحو 2400 شخص، أمس، في فرنسا، خلال يوم من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة تخللته أعمال عنف، فضلاً عن إصابة نحو 1000 من عناصر الشرطة والدرك جروح سبعة منهم خطيرة.


«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.