سقوط حكومة بايرو يُدخِل فرنسا في نفق أزمات متشابكة

الأزمات السياسية والاجتماعية تضعِف ماكرون في الداخل وتهدّد نفوذ باريس في الخارج

فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)
فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)
TT

سقوط حكومة بايرو يُدخِل فرنسا في نفق أزمات متشابكة

فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)
فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)

كمن يصعد درجات المقصلة، تسلق فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسية، في الثالثة من بعد ظهر الاثنين، متمهلاً الدرجات الأربع لبلوغ منصة الجمعية الوطنية وإلقاء كلمته «التاريخية» التي طلب بموجبها من النواب منحه ثقة البرلمان؛ بناءً على خطته في مواجهة مديونية البلاد التي ولجت منزلقاً خطيراً. ولأنه كان يعرف سلفاً ومنذ أن فشل، خلال الأسبوعين الماضيين، في إقناع نواب المعارضة، يميناً ويساراً، بإعطائه فرصة إضافية للسير بمشروع الموازنة الذي حبكه وأعلن عنه في شهر يوليو (تموز) الماضي، فإنه أراد أن يكون خطابه للتاريخ. وبرأيه، فإن المسألة التي دعي البرلمان لحسمها «ليست مسألة سياسية وليست تناحراً بين الأحزاب، بل هي موضوع تاريخي يهم مصير الشعوب والأمم والأجيال القادمة».

خلال 45 دقيقة، عرض بايرو سريعاً الوضع العام لفرنسا وللتحديات التي تواجهها ليركز كلمته على المديونية التي بلغت 3415 مليار يورو والتي سترتب على فرنسا فوائد تزيد على 67 مليار يورو في العام الحالي، ويمكن أن تصل إلى 107 مليارات يورو مع نهاية العقد الحالي. ولمزيد من الإيضاح، أشار بايرو إلى أن 60 في المائة من المديونية من الدائنين هم من الأجانب، وأن تفاقم الأزمة سيفقد فرنسا سيادتها وتأثيرها في العالم، ويضعف القيم التي تدافع عنها. وبنظره، فإن «الخضوع للمديونية يشبه الإخضاع بقوة السلاح».

صورة عامة للجمعية الوطنية الفرنسية خلال إلقاء فرنسوا بايرو كلمة أمام النواب الاثنين (رويترز)

ولم يتردد رئيس الحكومة في مهاجمة اليمين المتطرف واليسار، مشيراً إلى أن مصير الحكومة كان معروفاً منذ اليوم الأول لولادتها قبل (تسعة أشهر)؛ كونها لا تمتلك الأكثرية لا المطلقة ولا النسبية في البرلمان، وأن بقاءها كان مرهوناً بتساهل المعارضة معها. وحرص بايرو على التذكير بما يعرفه كل الفرنسيين، وهو أن اليمين المتطرف وأحزاب اليسار والبيئويين يختلفون حول كل شيء إلا أنهم اتفقوا على إسقاط حكومته.

الحراك في الشارع

مع فشله في الحصول على ثقة البرلمان، يكون بايرو أول رئيس حكومة منذ قيام الجمهورية الخامسة يلقى هذا المصير البائس، حيث رفض نواب الأمة منحه الثقة التي لم يطلبها عند تشكيل حكومته. بيد أن الفشل ليس مسؤوليته وحده. فقرار الرئيس إيمانيول ماكرون، بداية صيف العام الماضي، بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة هو السبب الرئيسي؛ لأن الانتخابات جاءت ببرلمان مُشظَّى مكون من ثلاث مجموعات، اثنتان على طرفي الخريطة (اليمين المتطرف واليسار) وكتلة «مركزية» مشكَّلة من الأحزاب الداعمة لماكرون ومن اليمين التقليدي. والحال، أن حكومتين قامتا على «الكتلة المركزية» لم تعمرا طويلاً: الأولى برئاسة ميشال بارنيه، الوزير والمفوض الأوروبي السابق التي عاشت أقل من ثلاثة أشهر والأخرى حكومة بايرو. ومنذ بدء ولايته الثانية في عام 2022، استهلك ماكرون أربعة رؤساء حكومات. والصعوبة التي يواجهها اليوم تكمن في العثور على الشخصية التي يستطيع تكليفها تشكيل الحكومة الخامسة، وأن تكون قادرة على الاستدامة.

مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف ورئيسة المجموعة النيابية لحزبها «التجمع الوطني» تلقي بدورها كلمة في البرلمان (أ.ف.ب)

ما يزيد الوضع حراجة، ترافق الأزمة السياسية بتعبئة احتجاجية شعبية واجتماعية باكورتها الأربعاء، حيث دعت مجموعات «مدنية» تحظى بدعم بعض اليسار والنقابات المرتبطة به إلى «شل البلاد» في القطاعات كافة؛ احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. والاستحقاق الثاني سيحل يوم 18 الحالي، حيث دعت مجموعة كبيرة من النقابات إلى حراك واسع يشمل المظاهرات والإضرابات التي قد تتواصل وهي تستهدف سياسة حكومة بايرو الاقتصادية والاجتماعية. والتخوف الكبير في فرنسا أن تتوسع التعبئة، على غرار ما عرفته البلاد قبل عام 2020، بحيث تسير على خطى حراك «السترات الصفراء» التي شهدت صدامات ومناوشات وحرائق وعمليات كر وفر بين المتظاهرين وبينهم «مشاغبون» وبين قوات الأمن.

خيارات ماكرون

تنتهي ولاية ماكرون الثانية في ربيع عام 2027. ويرى المراقبون في فرنسا أن مسألة المديونية وما يرافقها من أزمات مالية واهتزاز سياسي وحراك اجتماعي من شأنها أن «تفسد» ما تبقى من عهده في الداخل وتضعفه على المسرحين الأوروبي والدولي. ويحل هذا الوهن بينما الرئيس الفرنسي يحاول أن يلعب دوراً مؤثراً أكان في حرب روسيا في أوكرانيا أو حرب إسرائيل في غزة، فضلاً عن عملية لي أذرع بين الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية أو داخل الاتحاد الأوروبي... ولا شك أن مديونية فرنسا، التي تحولت «التلميذ الفاشل» داخل «الاتحاد»؛ إذ إنه لا يحترم معاييره بالنسبة لعجز الميزانية أو نسبة المديونية إلى الناتج الإجمالي الخام، يضربان صورة باريس وصدقية سياستها الاقتصادية ونجاعتها، خصوصاً إزاء شريكتها الأولى ألمانيا. ولذا؛ فإن مصلحة ماكرون ومصلحة بلاده تكمنان في الإسراع، قدر الإمكان، في الخروج من الأزمة السياسية بالعثور سريعاً على رئيس للحكومة الجديدة تكون مهمته الأولى الاتفاق مع «الكتلة المركزية». وللتذكير، فإن هذه «الكتلة» تتكون من الأحزاب الثلاثة الداعمة لماكرون (النهضة والحركة الديموقراطية وهورايزون وحزب الجمهوريون اليميني التقليدي)، ولكل منها حساباته السياسية ومحاذيره وخطوطه الحمراء.

أوليفيه فور أمين عام الحزب الاشتراكي من الخيارات لدى ماكرون لتشكيل الحكومة الجديدة (رويترز)

لعل الحل الجذري المتوفر لماكرون أن يعمد إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة. لكن ثمة عقبتين تمنعانه من السير به: الأولى، أن استطلاعات الرأي المتوافرة تبين أن الفائز الأكبر من هذه الانتخابات سيكون اليمين المتطرف على حاسب الأحزاب الداعمة له، وهو السبب الذي يدفع الحزب المذكور إلى مطالبته بحل سريع للبرلمان. والعقبة الأخرى، تعد الأكثر خطورة بالنسبة إليه؛ إذ إن تواصل الأزمة السياسية بعد الانتخابات سيفضي إلى وضع، حيث لا يستطيع ماكرون البقاء في السلطة. ومنذ اليوم، يطالب حزب «فرنسا الأبية» وزعيمه جان لوك ميلونشون باستقالة ماكرون والذهاب مباشرة إلى انتخابات رئاسية لن يستطيع الرئيس الحالي المشاركة فيها بسبب المانع الدستوري. وتصور ميلونشون أن انتخابات كهذه ستضعه في مواجهة مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف وأن حظوظ فوزه جدية.

أسماء قيد التداول

حقيقة الأمر أن ماكرون يجد نفسه في موقف حرج. صحيح أن هناك مجموعة من الأسماء، منها اسم وزير الدفاع (سيباستيان لوكورنو) أو العدل (جيرالد دارمانان) أو الاقتصاد (إريك لومبار) أو برنار كازنوف، رئيس آخر حكومة في عهد فرنسوا هولند، الرئيس الاشتراكي السابق. كذلك من بين الأسماء المطروحة أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي.

فرنسوا بايرو بعد إلقاء خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)

وآخر الحلول قد يكون تسمية شخصية «مدنية» تعمد إلى تشكيل حكومة غير سياسية من «التكنوقراط»، أي من كبار الموظفين أو الخبراء. والاسم المطروح لهذه المهمة هو تيري بوديه الذي سبق لماكرون أن لوَّح به قبل قيام حكومة بايرو. ومشكلة ماكرون مزدوجة: فمن جهة، لا يستطيع أن يجرب المجرب، بمعنى أن يسمي شخصية من «الكتلة المركزية»؛ لأنها ستواجه الصعوبات نفسها التي واجهها قبله بارنيه وبايرو بسبب غياب الأكثرية البرلمانية واحتمال السقوط بدوره. ومن جهة ثانية، لا يرغب رئيس الجمهورية في تسمية شخصية يسارية مثل أوليفيه فور أو غيره ينفذ سياسة مختلفة تماماً عن سياسة ماكرون التي سار عليها منذ ثمانية أعوام، خصوصاً في ملفي الاقتصاد والضرائب. وأعلن أوليفيه فور الأسبوع الماضي أنه جاهز لترؤس الحكومة، شرط ألا ينضم اليمين إليها، وأن تنفذ البرنامج الاقتصادي الذي أقره الحزب الاشتراكي، ومن بنوده فرض ضريبة على الثروات التي تزيد على 100 مليون يورو، وعلى الرواتب المرتفعة جداً، فضلاً عن أرباح الشركات الكبرى.

إزاء ما سبق، يبدو وضع ماكرون كمن يسعى إلى تربيع الدائرة؛ لأن عليه أن يضع هذه العوامل كافة في الحسبان، وأن يوفق ما بينها وما بين حسابات الأحزاب المتضاربة. هل سيخرج أرنباً من قبعته كما يقول المثل الفرنسي؟ ثمة شكوك جدية إزاء هذا الاحتمال والجواب في القادم القريب من الأيام.


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت أمس (الاثنين) سفينة «يُشتبه في أنها تبحر تحت علم مزيف» و«متورطة» في عمليات «نقل وقود» روسي.

«الشرق الأوسط» (باريس )
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا عناصر من الشرطة البلدية الفرنسية ينفذون دورية أمام مدرسة «جوزيف لاكانال» الإعدادية في أوباني جنوب فرنسا بعد إصابة مديرها بطلق ناري من بندقية صيد وتوقيف مراهق اليوم (أ.ف.ب)

طالب يطلق النار على مدرّسين ببندقية صيد في الجنوب الفرنسي

قال مسؤول محلي فرنسي إن طالباً في المرحلة الإعدادية أطلق النار باستخدام بندقية صيد فأصاب مدير مدرسة ومعلمة بمدرسة قرب مرسيليا، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغمز بعينه خلال فعالية في مدينة سبليت الكرواتية يوم 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إلى ضبط النفس مع استمرار احتجاجات المدارس في فرنسا

دعا ماكرون لضبط النفس مع استمرار الاحتجاجات الطلابية وإغلاق 528 مدرسة كلياً أو جزئياً، بينما علّقت السلطات استخدام القنابل الصوتية ودعت النقابات لمظاهرات جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم «الكرملين» (د.ب.أ)

روسيا تدين «عسكرة» الاتحاد الأوروبي بعد اختبار صاروخي فرنسي

ندّدت روسيا، الأربعاء، بـ«عسكرة» الاتحاد الأوروبي، غداة اختبار فرنسا صاروخاً جديداً عابراً للقارات قادراً على حمل رأس نووي ويطلق من غواصة

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

شنّت القوات الروسية هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في العاصمة الأوكرانية ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى، فيما بدا تجاهلاً لـ«هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، ولم تؤكد موسكو التزامها بها.

ووجّهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، إذ اتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال. وانعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال.

وكرّر زيلينسكي، أمس (الأربعاء)، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف». وكتب: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن هويته، واشنطن، بمساعدة روسيا ضد أوكرانيا، مؤكداً أنها لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية، كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك». وأضاف المسؤول الأوكراني: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة».


زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.