ترمب يطمئن الأوروبيين ويؤكد مطالبته بوتين بوقف إطلاق النار

وهم يربطون تنازلات أوكرانية بضمانات أمنية من شأنها المحافظة على السلام

زيلينسكي مع ميرتس خلال اللقاء عن بعد مع قادة أوروبا (أ.ب)
زيلينسكي مع ميرتس خلال اللقاء عن بعد مع قادة أوروبا (أ.ب)
TT

ترمب يطمئن الأوروبيين ويؤكد مطالبته بوتين بوقف إطلاق النار

زيلينسكي مع ميرتس خلال اللقاء عن بعد مع قادة أوروبا (أ.ب)
زيلينسكي مع ميرتس خلال اللقاء عن بعد مع قادة أوروبا (أ.ب)

يبدو واضحاً من خلال تصريحات المسؤولين الأوروبيين والتسريبات التي تم تداولها في الساعات القليلة الماضية أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعى، خلال اجتماع موسع وعن بعد، بعد ظهر الأربعاء، مع قادة ست دول أوروبية رئيسية، ورئيس المجلس الأوروبي، وأمين عام الحلف الأطلسي، وبمشاركة الرئيس الأوكراني، إلى «طمأنة» الأوروبيين حول مطلب رئيسي لهم؛ وهو إصرارهم على أن يكونوا جزءاً من المسار الذي اختطه ترمب للقائه نظيره الروسي يوم الجمعة المقبل.

ميرتس يستقبل زيلينسكي في برلين قبل قمة أوروبية تستضيفها برلين عن بعد(رويترز)

ومن جهة ثانية، التأكيد على أن أول ما يريد المطالبة به من فلاديمير بوتين هو وقف إطلاق النار الذي جعلته كييف والعواصم الأوروبية المعنية شرطاً لا بد منه من أجل انطلاق مفاوضات «جدية».

وما يجعل هذا الطلب حيوياً، أن القوات الروسية آخذة في السيطرة على مناطق إضافية في منطقة الدونباس، حيث استطاعت السيطرة على قرى ومساحات جديدة، كما أنها نجحت في اختراق خط الدفاع الثاني للقوات الأوكرانية. وقال ترمب: «إذا سار الاجتماع الأول مع بوتين بشكل جيد فسنعقد اجتماعاً آخر ثلاثياً مع زيلينسكي»، مضيفاً أن روسيا ستواجه عواقب إن لم تنه الحرب.

وبذلك يكون دونالد ترمب قد استجاب لما يشدد عليه الجانب الأوروبي في بياناته وبمناسبة الاتصالات العالية المستوى التي حصلت في الأيام الأخيرة. وقالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن الاجتماع «عن بعد» مع ترمب دام نحو الساعة، فيما تبدو أنها فترة زمنية قصيرة؛ نظراً لتعدد المشاركين ولأهمية المواضيع المطروحة، ومن بينها مصير أوكرانيا وأمن أوروبا.

وكان الاجتماع الذي شارك فيه ترمب الأهم من بين ثلاثة اجتماعات؛ أولها انحصر في الأوروبيين، وثالثها جاء في إطار «تحالف الراغبين» الذي يضم الدول المستعدة للمشاركة بقوة عسكرية تنتشر على الأراضي الأوكرانية بعد التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا.

الرئيس الفرنسي ورئيس المجلس الأوروبي ووزير الخارجية الفرنسي ووزير القوات المسلحة الفرنسية (رويترز)

رئيس المجلس الأوربي: ترمب يريد وقفاً لإطلاق النار

وفي مؤتمر صحافي مرتجل مع الرئيس إيمانويل ماكرون عقب الاجتماع مع ترمب، قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، وهو إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن الرئيس الأميركي «أطلعنا على ثلاثة أهداف مهمة للغاية: أولاً، وقف إطلاق النار؛ وثانياً، لا أحد سوى أوكرانيا يمكنه التفاوض بشأن شؤون أوكرانيا؛ وثالثاً، استعداد الولايات المتحدة للتعاون مع أوروبا في تعزيز الأمن عند التوصل إلى سلام دائم وعادل لأوكرانيا».

وكان قد أشاد الرئيس ترمب، الأربعاء، بقادة الدول الأوروبية، واصفاً إياهم بأنهم «أشخاص رائعون» قبيل محادثات برلين. وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «سأتحدث إلى قادة أوروبيين بعد فترة وجيزة. إنهم أشخاص رائعون ويرغبون في التوصل إلى اتفاق».

ميرتس يستقبل زيلينسكي في برلين قبل قمة أوروبية تستضيفها برلين عن بعد (رويترز)

وبعكس الانتقادات التي انتشرت في الأيام الأخيرة ضد ترمب و«انفراده» بالملف الأوكراني وإبعاد زيلينسكي والقادة الغربيين عنه، فقد أكد كوستا أن الاجتماع المرتقب بين ترمب وبوتين يوم الجمعة في ألاسكا، لتحقيق وقف إطلاق النار وفتح الطريق للسلام في أوكرانيا، يعد نجاحاً كبيراً. وأكد ذلك المستشار الألماني فريدريتش ميرتس.

ومن جانبه، أثنى الرئيس الفرنسي على كلام كوستا عادًّا أنه «من المهم جداً أن يسمع صوت أوروبا قبل هذه القمة ومن الطبيعي تماماً أن تلتقي الولايات المتحدة مع روسيا، فهذا أمر جيد لتهدئة الأجواء». ويفهم من هذا الإطراء أيضاً أن ترمب وعد الأوروبيين وبينهم فولوديمير زيلينسكي بإطلاعهم سريعاً على النتائج التي يمكن أن تفضي إليها قمة ألاسكا.

واستعاد ماكرون ما سبق أن أشار إليه كوستا، لجهة إشادته بأهمية الاجتماع مع ترمب، مشدداً على أمرين: الأول، «إعادة التأكيد على أنه حتى يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار ثم إلى سلام دائم، علينا أن نواصل دعم أوكرانيا، وأعني بذلك جميع الأوروبيين والأميركيين».

أما الأمر الثاني فيتناول وعد ترمب بأن «يكون هدفه خلال لقائه مع الرئيس بوتين في ألاسكا المطالبة بوقف إطلاق النار، وبنظري، فإن هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الأمر». أما أمين عام الحلف الأطلسي، مارك روته، الذي شارك في الاجتماع مع ترمب، والذي دأب على الإشادة بكل ما يقوله الأخير أو يفعله، فقد وصف التواصل مع ترمب بأنه جاء «رائعاً». وكتب في تغريدة على منصة «إكس»: «نحن متحدون في السعي لإنهاء هذه الحرب المروعة على أوكرانيا، وتحقيق سلام عادل ودائم»، عادّاً أن «الكرة الآن في ملعب بوتين» لإنهاء الحرب.

ولم تشذ أورسولا فون دير لاين عن ردود الفعل الإيجابية؛ إذ رأت أن المحادثات مع الرئيس الأميركي كانت «جيدة للغاية». وقالت، ما حرفيته: «اليوم، عززت أوروبا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الموقف المشترك بشأن أوكرانيا»، مؤكدة تواصل التنسيق بين الغربيين جميعاً (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والحلف الأطلسي). ونوهت إلى أن «لا أحد يريد السلام أكثر منا، سلاماً عادلاً ودائماً».

ميرتس وزيلينسكي في برلين قبل المباحثات بين قادة أوروبا والرئيس ترمب عن بعد (رويترز)

ماكرون: الضمانات الأمنية هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على السلام

برزت في الأسابيع الماضية مخاوف أوروبية من أن يتجاوب ترمب مع المطالب الروسية لجهة الرغبة في ضم ما لا يقل عن 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها راهناً القوات الروسية. وما فاقم المخاوف الأوروبية أن الرئيس الأميركي تحدث شخصياً عن «تبادل أراضٍ»، وأنه أبدى «انزعاجه» مما رآه رفضاً أوكرانياً لما يعدّه العنصر الأساسي في أي تسوية بين كييف وموسكو. من هنا، كان هذا الملف رئيسياً في قمة الأربعاء.

وبهذا الخصوص، سعى الأوروبيون إلى جعل التنازل عن بعض الأراضي الأوكرانية جزءاً من صفقة واسعة ترتبط بتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا. من هنا عدّ ماكرون أن «قضايا الأراضي المحتلة ستكون عناصر حاسمة في مفاوضات السلام، فهي لا تنفصل عن الضمانات الأمنية التي ستقدم إلى بقية الأراضي الأوكرانية وأوروبا، ولا يمكن مناقشتها دون حضور الرئيس الأوكراني إلى طاولة المفاوضات، ولا توجد اليوم مخططات جادة لتبادل الأراضي على طاولة المفاوضات».

يرى ماكرون، أن الضمانات الأمنية تشكل «الوسيلة الوحيدة للمحافظة على السلام» بعد انتهاء الحرب. وليس سراً أن الأوروبيين، يسعون في إطار ما يسمى «تحالف الراغبين» الذي تقوده فرنسا وبريطانيا، إلى تشكيل قوة ذات وزن، عصبها العناصر الفرنسية والبريطانية، يتم نشرها على الأراضي الأوكرانية بعيداً عن خط وقف إطلاق النار، بحيث لا تكون على تماس مع القوات الروسية ولكنها، بالمقابل، تشكل «رادعاً» لموسكو عن إعادة إشعال الحرب مع أوكرانيا، حيث إن الأوروبيين يرون في حرب أوكرانيا تعبيراً صريحاً عن «الطموحات الإمبريالية الروسية بقضم أراضي دول أخرى».

وقال ماكرون إن أوكرانيا «تشكل خط الدفاع الأول» في وجه توسع هذه الإمبريالية. أما إذا أخفقت الجهود التي يقودها ترمب، فإن الأوروبيين يدعون لتشديد العقوبات على موسكو، الأوروبية منها والأميركية، بعدّها الوسيلة المتبقية لإضعاف روسيا وإعادتها إلى طاولة المفاوضات.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ترمب: البحث عن رؤية أوضح

ما جاء على لسان ماكرون وكوستا، أكدته المصادر الأميركية التي نقل عنها موقع «أكسيوس» أن ترمب أبلغ زيلينسكي والقادة الأوروبيين أنه يسعى من خلال قمة ألاسكا مع بوتين إلى «التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، والحصول على فهم أفضل بشأن إمكانية التوصل لاتفاق سلام كامل»، وفق «أكسيوس». كذلك، طمأن ترمب محادثيه بأنه لا يمكنه اتخاذ قرارات نهائية بالنسبة لتخلي أوكرانيا عن بعض أراضيها، لكنه يعدّ أن أمراً كهذا «سيكون ضرورياً بوصفه جزءاً من اتفاق سلام مع روسيا».

ووفق ترمب، فإن بوتين وزيلينسكي «هما من يتوجب عليهما مناقشة مسألة الأراضي، وليس هو». وقال مصدر أوروبي في باريس إن الأوروبيين أخذوا يعدّون أن خسارة أوكرانيا لبعض أراضيها بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب المدمرة «أمر لا بد منه»، خصوصاً أن القوات الأوكرانية تتراجع على الجبهات وتفتقد العنصر البشري لتغذية الآلة الحربية، وأن استعادة أراضيها بالقوة «يبدو أمراً غير واقعي بالنظر لميزان القوى» بين الطرفين المتقاتلين. كذلك أبلغ ترمب الأوروبيين أن أهدافه من لقاء بوتين الوصول إلى رؤية «أكثر وضوحاً» بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل في أوكرانيا.

وسبق للرئيس الأميركي في مؤتمره الصحافي، الاثنين الماضي، أن وصف اجتماعه بنظيره الروسي بـ«الاستشرافي». ما سبق يرهّص برغبة أميركية تصالحية إزاء الأوروبيين من جهة، وباستعداد أوروبي لتقبل المقاربة الأميركية مع محاولة «تليينها» للتقارب مع الأهداف الأوروبية. ولا يريد الأوروبيون القطيعة مع ترمب لأن ثمنها سيكون باهظاً. وسبق لنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الذي شارك في اللقاء، أن أبلغ الأوروبيين أن دافع الضرائب الأميركي سيتوقف عن تمويل مشتريات السلاح لأوكرانيا، ما يعني عملياً أن الدعم الأميركي العسكري والمالي لكييف سيتوقف، ومن ثمّ سيكون على الأوروبيين، وحدهم، تحمل هذا العبء الثقيل وهم غير راغبين بتحمله.


مقالات ذات صلة

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

قال مصدر أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد ​كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت برسوّ سفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا...

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.