اجتماع وزاري أوروبي طارئ قبل «قمة ترمب - بوتين»

حلفاء زيلينسكي يدفعون باتجاه مشاركته والضغط على الرئيس الأميركي للتشدد مع نظيره الروسي

الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)
TT

اجتماع وزاري أوروبي طارئ قبل «قمة ترمب - بوتين»

الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)

تتواصل الاتصالات الدبلوماسية الأوروبية قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والروسي في مدينة أنشورانج؛ كبرى مدن ولاية ألاسكا، بحثاً عن موقف موحد قادر على التأثير على مجريات القمة؛ تحديداً على الرئيس دونالد ترمب بشأن ملف الحرب في أوكرانيا. وآخر ما استجد الاجتماعُ الطارئ الذي عقده وزراء خارجية الاتحاد الأوربي من بُعد، الاثنين، بناء على دعوة من كايا كالاس، مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد، علماً بأن أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، وقعت البيان المهم الذي صدر عن رؤساء الدول والحكومات الـ6 الأكبر انخراطاً إلى جانب أوكرانيا في حربها مع روسيا.

خطوط حُمر

ويعدّ البيان رسماً لـ«الخطوط الحمراء» التي ينبغي على الرئيس الأميركي ألا يتجاوزها في بحثه عن «صفقة» لوضع حد للحرب الدائرة بين موسكو وكييف منذ 41 شهراً. وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن قدرة الأوروبيين على التأثير على ترمب «محدودة»، آخذين عليه تخليه عن الشروط التي وضعها بنفسه، مثل وقف إطلاق النار من أجل بدء مفاوضات سلام بين الطرفين. وترى المصادر أيضاً أن الرئيس ترمب، الذي كان أمهل نظيره الروسي حتى يوم الجمعة الماضي لوضع حد للحرب قبل أن يفرض على روسيا وعلى مشتري نفطها عقوبات رئيسية و«ثانوية»، استدار بشكل حاد بموافقته على عقد قمة ثنائية معه، يوم الجمعة المقبل، بعيداً عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعن القادة الأوروبيين بحيث عاد إلى «أحادية» الإمساك بالملف الأوكراني.

من هنا، فإن الهمَّ الأول للأوروبيين الضغطُ على واشنطن ليكون زيلينسكي جزءاً من المفاوضات، وليكون لهم دور من أجل الحفاظ على مصالحهم «الحيوية». وقال المستشار الألماني، فريدريك ميرتس، الأحد، إن ألمانيا لن تقبل بمناقشة أو اتخاذ قرارات بشأن القضايا الإقليمية من قبل روسيا والولايات المتحدة «من فوق رؤوس» الأوروبيين أو الأوكرانيين. وواشنطن لا ترى مانعاً من لقاء ترمب ــ زيلينسكي «بعد» قمة ترمب ــ بوتين. وبعد أن كان الأوروبيون يتوقعون مزيداً من الانخراط الأميركي إلى جانب أوكرانيا، حذرهم جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، الأحد، من أن «الأميركيين سئموا من الاستمرار في إرسال أموالهم؛ أموال ضرائبهم، لدعم هذا الصراع {الأوكراني} تحديداً»، مضيفاً أنه وترمب «يعتقدان أن أميركا أنهت دعم تمويل الحرب، فنحن نريد التوصل لتسوية سلمية». وبرأيه، فإنه إذا رغب الأوروبيون في تمويل شراء الأسلحة الأميركية لكييف، فإن بلاده لن تجد مانعاً يحول دون ذلك. وعملياً، تكون واشنطن قد تركت عبء تمويل الحرب على الأوروبيين وحدهم، وهو ما يسعون إلى تجنبه.

الرئيس الأميركي خلال حديث منفرد مع المستشار الألماني بمناسبة «القمة الأطلسية» في لاهاي يوم 25 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

بدوره، أعلن متحدث باسم المستشار الألماني، الاثنين، أن الرئيس ترمب وقادة أبرز الدول الأوروبية وأوكرانيا، إضافة إلى «حلف شمال الأطلسي» و«الاتحاد الأوروبي»، سيشاركون الأربعاء في «اجتماع افتراضي» يتناول ملف أوكرانيا، قبل يومين من «قمة ألاسكا» بين الرئيسين الأميركي والروسي. وقال المتحدث، شتيفان كورنيليوس، في بيان، إن هذه «المباحثات» التي ستجرى بمبادرة من برلين، ستتناول «التحضير لمفاوضات سلام محتملة» والقضايا «المتصلة بأراضٍ تجري المطالبة بها، وبالضمانات الأمنية»، فضلاً عن «خطوات إضافية» يمكن اتخاذها «لممارسة ضغط على روسيا».

«ميونيخ» مجدداً

في الأيام الأخيرة، لم تتردد جهات أوروبية في المقارنة بين ما قد يحدث من توافقات «ثنائية» بين ترمب وبوتين، وبين «اتفاقيات ميونيخ» عام 1938، التي وُقعت بين ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من جهة؛ وبريطانيا وفرنسا من جهة ثانية، والتي شجعت هتلر وموسوليني على إطلاق الحرب العالمية الثانية في العام التالي للتوقيع. والمقصود بالمقارنة أن يوافق الرئيس الأميركي على مطالب بوتين الخاصة باقتطاع 20 في المائة من أراضي أوكرانيا، أي شبه جزية القرم والمقاطعات الأربع شرق وجنوب البلاد (دونيتسك، ولوغانسك، وزابوريجيا، وخيرسون) التي تحتلها القوات الروسية جزئياً. كذلك تشترط موسكو أن تتوقّف أوكرانيا عن تلقّي أسلحة غربية وتتخلّى عن طموحاتها للانضمام إلى «حلف شمال الأطلسي»، وتخفض عديد جيشها إلى النصف، وتتخلى عن مرابطة قوات أوروبية - «أطلسية» على أراضيها لتوفير «ضمانات أمنية» لكييف ومنع روسيا من استئناف حربها. وباختصار، ترى المصادر الأوروبية أن ترمب، بقبوله القمة من دون توافر شروط مسبقة، أسدى خدمة كبرى إلى بوتين بأن «فَكَّ مجاناً عزلته السياسية والدبلوماسية» وأعاد «تأهيله» على المسرح الدولي، وجعل روسيا صنواً للولايات المتحدة، وتناسى أن بوتين هو من أطلق الحرب وهاجم دولة جارة لبلاده في فبراير (شباط) من عام 2022، كما أنه قبل بالشروط التي وضعها الأخير؛ أي أن تكون القمة ثنائية من غير زيلينسكي أو أي رئيس أوروبي. وثمة من يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يعدّ أن ترمب قد مكّن بوتين «عملياً» من أن يكون «وصياً» على أوروبا لجهة استبعادها عن اجتماعات لها ارتداداتها المباشرة على أمنها ومستقبلها. وقالت كالاس، الأحد، إن «أي اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا يجب أن يضم أوكرانيا والاتحاد الأوروبي؛ لأن الأمر يتعلق بأمن أوكرانيا وأوروبا بأسرها».

دعوة زيلينسكي

بناء على ما سبق، يتركز اهتمام الأوروبيين على الضغط على ترمب ليكون زيلينسكي جزءاً من «قمة ألاسكا». لكن، حتى اليوم، لا مؤشرات تدل على أن تحولاً كهذا يمكن أن يحدث ما دام بوتين معارضاً لقاءه الرئيس الأوكراني إلا وفق شروطه. وقال فانس إن «واحدة من أهم العقبات هي أن فلاديمير بوتين قال إنه لن يجلس إلى طاولة المفاوضات قط مع زيلينسكي. لكن الرئيس (ترمب) غيّر ذلك الآن». بيد أن شيئاً من هذا لم يصدر عن الكرملين. كذلك يتمسك الأوروبيون بشرط توفير ضمانات أمنية صلبة لكييف عن طريق نشر قوات أوروبية على الأراضي الأوكرانية في إطار أي اتفاق لإنهاء النزاع. غير أن هناك صعوبتين رئيسيتين؛ الأولى: رفض موسكو مرابطة قوات أوروبية على حدودها. والثانية: تمسك كييف وكثير من العواصم الأوروبية التي شَكّلت، بقيادة بريطانية - فرنسية، ما سمي «تحالف الراغبين» المستعدين لتوفير وحدات عسكرية لهذه المهمة، بالحصول على ضمانات أميركية لنشر هذه القوة. والحال أن واشنطن لم تقل مطلقاً إنها مستعدة لتوفير هذه الحماية مخافة أن تفضي إلى مواجهة مباشرة مع القوات الروسية.

مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في «الاتحاد الأوروبي» كايا كالاس خلال اجتماع وزاري في بروكسل يوم 14 يوليو 2025 (رويترز)

أوكرانيا الخاسرة

ورغم مجمل هذه التحفظات، فإن أوروبا لا تجرؤ على «الانقطاع» عن واشنطن رغم ما تترهصه من تنازلات ستطلب من زيلينسكي أن يقدمها. فـ«الاتحاد الأوروبي» يعي، كما قالت كالاس يوم الأحد، أن «لدى الولايات المتحدة القدرة على إجبار روسيا على التفاوض بجدية». وكان بإمكانها أن تضيف أنها «الوحيدة القادرة على ذلك». وشددت كالاس على أن «السلام المستدام يعني أيضاً أن العدوان لا يمكن أن يُكافأ»، مضيفة أن «الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً يجب أن تعود لأوكرانيا». لكن ترمب قال لصحافيين في البيت الأبيض، قبل يومين، متحدثاً عن هذه الأراضي: «نحن ندرس هذه المسألة، لكننا نسعى في الواقع إلى استعادة جزء من هذه الأراضي. إنها عملية تبادل. الأمر معقد... لكننا سنستعيد جزءاً من الأراضي، وسنتبادل جزءاً آخر. سيكون هناك تبادل للأراضي يعود بالنفع على الطرفين». ومضمون كلام ترمب لا يطمئن مطلقاً. فالمعروف أن القوات الأوكرانية لا تحتل أي شبر من الأراضي الروسية بعد إخراجها هذا العام من الأراضي التي احتلتها سابقاً في منطقة كورسك قريباً من الحدود المشتركة مع أوكرانيا. وبالتالي، فإن كييف لا تمتلك ما يمكنها المقايضة به. فضلاً عن ذلك، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، قوله لمسؤولين أوروبيين، الجمعة، إن المقترح الروسي ينقسم إلى جزأين؛ الأول: ينص على انسحاب من المناطق الأربع التي ضمتها روسيا في عام 2022، يتبعه تجميد القتال على الخطوط الراهنة. والثاني: التوافق على خطة سلام بين بوتين وترمب يجري التفاوض بعدها مع زيلينسكي.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإن أوكرانيا ستكون الخاسر الأكبر من هذه القمة، علماً بأن زيلينسكي كان قد أكد، خلال الأيام القليلة الماضية، أن بلاده «لن تتخلى أبداً» عن جزء من أراضيها لروسيا، وأن قانوناً صدر عن البرلمان الأوكراني يمنع ذلك.



أوروبا تتوحّد في وجه تهديدات ترمب حيال غرينلاند

أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)
أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتوحّد في وجه تهديدات ترمب حيال غرينلاند

أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)
أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)

أكدت الدول الأوروبية الثماني التي هدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية، بسبب معارضتها طموحاته للاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي، وحدة موقفها الأحد، محذّرة من «تدهور خطير» في العلاقات. وقالت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد في بيان مشترك إن «التهديدات بفرض رسوم جمركية تُقوّض العلاقات عبر الأطلسي، وتنذر بتدهور خطير». وأضافت الدول الثماني: «سنواصل الوقوف صفاً واحداً ومنسقاً في ردنا. ونحن ملتزمون بالحفاظ على سيادتنا». وكان ترمب قد صعّد، السبت، لهجته عقب إرسال عسكريين أوروبيين إلى الجزيرة خلال الأيام الماضية في إطار مناورات دنماركية. وكتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «ذهبت الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا إلى غرينلاند لغاية غير معروفة. (...) هذه الدول، التي تمارس هذه اللعبة الخطيرة للغاية، انتهجت مستوى من المخاطرة لا يمكن تقبّله وغير قابل للاستمرار». وأثار هذا الانتشار حفيظة ترمب؛ إذ هدّد بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول المعنية إلى حين «التوصل إلى اتفاق على الشراء الكامل والشامل لغرينلاند“. وستدخل هذه الرسوم الإضافية، البالغة 10 في المائة، حيز التنفيذ بداية من الأول من فبراير (شباط) المقبل، وقد ترتفع إلى 25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران). وأكدت الدول الثماني في بيانها الأحد: «بوصفنا أعضاءً في حلف شمال الأطلسي، نحن مصممون على تعزيز أمن القطب الشمالي، وهو مصلحة مشتركة عبر الأطلسي». وأضافت أن «المناورات الدنماركية المنسّقة مسبقاً، والتي أجريت مع حلفائنا، تلبّي هذه الحاجة ولا تشكل تهديدا لأي طرف». وتابعت: «نعبّر عن تضامننا الكامل مع مملكة الدنمارك وشعب غرينلاند. واستناداً إلى العملية التي بدأت الأسبوع الماضي، نحن مستعدون للدخول في حوار يستند إلى مبادئ السيادة ووحدة الأراضي التي ندافع عنها بقوة».

جنود ألمان ينتظرون الصعود على متن رحلة من نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلاندا) الأحد (أ.ف.ب)

«خطأ»

وقبيل ذلك، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني على مواجهة تهديدات ترمب. وقال ماكرون إنه يعتزم «تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه» في حال تنفيذ ترمب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية. وتتيح هذه الآلية التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية أو منع استثمارات معينة. ومن جهتها، أكدت ميلوني خلال زيارتها العاصمة الكورية الجنوبية سيول أنها تحدثت إلى ترمب لإبلاغه أن تهديداته بفرض رسوم إضافية تمثل «خطأ»، وهي تهديدات وصفها أيضاً وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان ويل بأنها «غير مفهومة» و«غير ملائمة»، معتبراً أنها «عملية ابتزاز». واعتبرت نظيرته الآيرلندية هيلين ماكينتي أن هذه التهديدات «غير مقبولة بتاتاً ومؤسفة للغاية».

بحّار يعمل على سطح سفينة تابعة للبحرية الملكية الدنماركية في ميناء نوك (غرينلاند) الجمعة (أ.ف.ب)

من جانبه، رد رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور على سؤال بشأن إمكان اتخاذ تدابير مضادة بعد تهديد ترمب، قائلاً: «كلا، هذا الأمر ليس موضع بحث في الوقت الراهن». وصرحت وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «بالنظر إلى السياق، نرى أن هذه الضجة حول الرسوم الجمركية خطأ. نعتقد أنها غير ضرورية إطلاقاً وضارة وغير مجدية». كذلك، أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن اعتقاده أن الخلاف الجمركي الحالي مع الولايات المتحدة لن يؤثر في التماسك العسكري داخل حلف شمال الأطلسي. وصرح فاديفول للقناة الأولى بالتلفزيون الألماني «إيه آر دي»، الأحد: «لا يوجد أدنى شك في أن الولايات المتحدة ملتزمة بالكامل بالتحالف وبحلف (الناتو)، وكذلك بالدفاع عن أوروبا». وأضاف السياسي المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي: «ليس هناك أحد في واشنطن شكك في ذلك حتى الآن». وتابع أنه لا ينبغي في أوروبا إثارة مثل هذه التساؤلات، بل ينبغي العمل بشكل مشترك من أجل تعزيز قوة الحلف. ومنذ عودته إلى السلطة قبل عام، يتحدث الرئيس الأميركي بشكل متكرر عن السيطرة على الجزيرة الشاسعة الواقعة بين أميركا الشمالية وأوروبا، مبرراً ذلك باعتبارات أمن قومي في ظل التقدم الروسي والصيني في القطب الشمالي.

اجتماع طارئ

وأمام هذه التهديدات، عُقد اجتماع طارئ لسفراء دول الاتحاد الأوروبي بعد ظهر الأحد في بروكسل. وهدف الاجتماع إلى بلورة موقف مشترك رغم أن ثمة دولاً أخرى في الاتحاد الأوروبي لم يستهدفها الرئيس الأميركي، خصوصاً إيطاليا.

وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي (يمين) يصافح نظيره الدنماركي لوك راسموسن في أوسلو الأحد (أ.ف.ب)

وبالتوازي، بدأ وزير الخارجية الدنماركي، الأحد، جولة دبلوماسية تشمل النرويج والمملكة المتحدة والسويد، وهي 3 دول حليفة وأعضاء في حلف شمال الأطلسي، لبحث تعزيز دور الحلف في أمن منطقة القطب الشمالي. وزار لارس لوك راسموسن أوسلو الأحد، على أن يتوجه، الاثنين، إلى لندن ثم الخميس إلى استوكهولم. وقال راسموسن في بيان: «في عالم غير مستقر، ولا يمكن توقع (ما يحصل فيه)، تحتاج الدنمارك إلى أصدقاء وحلفاء قريبين (...). يجمع بين بلداننا أننا جميعاً متفقون على ضرورة تعزيز دور (الناتو) في القطب الشمالي. وأتطلع إلى مناقشة كيفية التوصل إلى ذلك». وأوردت «الخارجية الدنماركية» في بيان لك أن الدنمارك، «بالتعاون مع كثير من الدول الأوروبية الحليفة» انضمت أخيراً إلى إعلان مشترك حول غرينلاند، يؤكد أن هذه الجزيرة المترامية تشكل جزءاً من الحلف، وأن ضمان أمنها هو «مسؤولية مشتركة» لأعضائه. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، يستخدم ترمب سلاح القيود التجارية على نطاق واسع في العلاقات الدولية، بما في ذلك مع شركاء واشنطن التقليديين. لكن قراره، السبت، في شأن الرسوم يشكل خطوة غير مسبوقة؛ فالولايات المتحدة، الركن الأساسي في حلف الأطلسي، تهدد حلفاءها بعقوبات من أجل الاستحواذ على إقليم تابع لأحد الشركاء. وتظاهر آلاف الأشخاص، خصوصاً في كوبنهاغن ونوك عاصمة غرينلاند، السبت، تنديداً بهذه الطموحات الإقليمية، وهتفوا «غرينلاند ليست للبيع». وبحسب آخر استطلاع نُشر في يناير (كانون الثاني) 2025، يعارض 85 في المائة من سكان غرينلاند الانضمام إلى الولايات المتحدة، في حين يؤيد ذلك 6 في المائة فقط.


200 ألف منزل من دون كهرباء بعد هجوم في أوكرانيا

شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)
شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)
TT

200 ألف منزل من دون كهرباء بعد هجوم في أوكرانيا

شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)
شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)

تسبب هجوم للجيش الأوكراني في انقطاع الكهرباء عن أكثر من 200 ألف منزل في مناطق تحتلها روسيا بجنوب أوكرانيا، وفق ما أفادت الأحد، السلطات المعيّنة من جانب موسكو، فيما يبحث المفاوضون الأميركيون والأوكرانيون خطة ما بعد الحرب في أحدث جولة من محادثات السلام. وقال يفغيني باليتسكي الذي يحكم مناطق محتلة من جانب روسيا عبر تطبيق «تلغرام»: «إثر هجوم للعدو على بنى تحتية للطاقة في المنطقة، حُرم قسم كبير من منطقة زابوريجيا من الكهرباء».

وأوضح أن التيار الكهربائي لم يعد متوافراً لـ213 ألف مشترك و386 بلدة في منطقة زابوريجيا إثر الهجوم.

وكان فلاديمير سالدو، الحاكم الذي عينته موسكو لإدارة منطقة خيرسون المجاورة، أفاد مساء السبت، عن قصف أوكراني طال محطة كهرباء فرعية وتسبب بانقطاع التيار عن 14 مدينة و450 قرية. وأعلن لاحقاً عودة التيار بعد عمليات إصلاح عاجلة. وكثفت روسيا في الأشهر الأخيرة ضرباتها على شبكة الطاقة الأوكرانية، ما أدى إلى انقطاع واسع النطاق للكهرباء والتدفئة.

وفي ضوء ذلك، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، «حالة الطوارئ» في القطاع، وأمر بزيادة واردات الكهرباء في البلاد. وقال زيلينسكي صباح الأحد، إن «الوضع في قطاع الطاقة لا يزال صعباً، لكننا نبذل ما في وسعنا لإعادة كل الخدمات في أسرع وقت».

وأورد سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت خلال الليل، 201 مسيرة، تم إسقاط 167 منها. وأشار زيلينسكي إلى مقتل شخصين جراء ذلك.

من جهتها، لفتت وزارة الدفاع الروسية إلى إسقاط 63 مسيرة أوكرانية خلال الليل، في هجوم خلف عدداً من الجرحى بحسب السلطات المحلية. وقال الرئيس زيلينسكي من جهة أخرى، الأحد، إن شخصين قتلا وأصيب العشرات في هجوم كبير نفذته روسيا بطائرات مسيّرة على بلاده خلال الليل. وتابع زيلينسكي أن مناطق سومي وخاركيف ودنيبرو وزابوريجيا وخميلنيتسكي وأوديسا استهدفت في هجوم أطلقت فيه موسكو أكثر من 200 مسيرة. وأعلن الجيش عن تسجيل 30 غارة جوية في 15 موقعاً.

وأوضح رئيس بلدية خاركيف إيهور تيريكوف، أن شخصاً قتل في ثانية كبرى مدن المنطقة، وأن منشآت الطاقة المحلية ‍تعرضت خلال الأيام القليلة الماضية، إلى أضرار جسيمة جراء غارات روسية.

وصّعدت موسكو حملتها العسكرية خلال فصل الشتاء من خلال قصف شبكة الطاقة الأوكرانية، بالتزامن مع شنها هجوماً ميدانياً، ‌في ظل الضغوط ‌الأميركية التي تواجهها كييف ‌لإحلال السلام في ‌الحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لوقف الحرب، وعلى أوكرانيا خصوصاً، للقبول بشروط وصفتها كييف بأنها استسلام لروسيا. وما زالت هناك نقاط خلاف رئيسية بين كييف وواشنطن، وتسعى أوكرانيا للحصول على توضيحات من حلفائها بشأن الضمانات الأمنية التي ستحصل عليها بوصفها جزءاً من خطة السلام، وهي ضمانات تعدّها حيوية لردع روسيا عن غزوها من جديد.


«مكافحة الإكراه»... سلاح الاتحاد الأوروبي ضد واشنطن

الرئيس الفرنسي يهدد بتفعيل أداة «مكافحة الإكراه» بعد تهديدات نظيره الأميركي حيال غيرينلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي يهدد بتفعيل أداة «مكافحة الإكراه» بعد تهديدات نظيره الأميركي حيال غيرينلاند (أ.ف.ب)
TT

«مكافحة الإكراه»... سلاح الاتحاد الأوروبي ضد واشنطن

الرئيس الفرنسي يهدد بتفعيل أداة «مكافحة الإكراه» بعد تهديدات نظيره الأميركي حيال غيرينلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي يهدد بتفعيل أداة «مكافحة الإكراه» بعد تهديدات نظيره الأميركي حيال غيرينلاند (أ.ف.ب)

تُعد أداة «مكافحة الإكراه» في الاتحاد الأوروبي، التي تحدّث عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، بعد تهديدات نظيره الأميركي دونالد ترمب المرتبطة بغرينلاند، سلاحاً تجارياً فعالاً أقرّه التكتل عام 2023 لكنه لم يستخدمه حتى الآن.

وشبّه بعضهم هذه الأداة بـ«البازوكا»، وقد صُممت آليةَ ردع لمواجهة أي دولة تستخدم إجراءات تجارية للضغط على إحدى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتتيح هذه الأداة خصوصاً تقييد الواردات الآتية من دولة ما، أو الحد من وصولها إلى بعض المناقصات والأسواق العامة، أو حظر بعض الاستثمارات.

خيارات سيادية

حسب نصوص الاتحاد الأوروبي، تتحقق شروط «الإكراه الاقتصادي» عندما تقوم دولة ثالثة «بتطبيق أو التهديد بتطبيق إجراء يؤثر على التجارة أو الاستثمارات» بهدف التدخل «في الخيارات السيادية المشروعة للاتحاد الأوروبي أو لإحدى الدول الأعضاء». وكان المفوض الأوروبي للتجارة فالديس دومبروفسكيس قال عند اعتماد الأداة في يونيو (حزيران) 2023 إن هذه الآلية «ستسمح لنا بالدفاع بثقة أكبر عن حقوقنا ومصالحنا المشروعة». وفي ذلك الوقت، طُرح احتمال استخدام هذا السلاح الاقتصادي الجديد في الخلاف بين ليتوانيا والصين، إذ اتهمت الدولة الواقعة في منطقة البلطيق، بكين، بحظر صادراتها احتجاجاً على إحداث تمثيل دبلوماسي تايواني في فيلنيوس. وكان ذلك قبل عودة دونالد ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة، جاعلاً من الرسوم الجمركية أداته المفضلة في ولايته الثانية.

سلاح نووي اقتصادي

كان احتمال اللجوء إلى هذه الأداة قد طُرح أيضاً في ربيع عام 2025، رداً على رسوم جمركية أعلنها الرئيس الأميركي، لكن الدول الـ27 لم تُقدم على تفعيلها، ما أثار استياء بعض النواب الأوروبيين ومحللين حذّروا من أن قدرة الردع تبقى ضعيفة إذا لم تُستخدم هذه الأداة يوماً. وأثارت تهديدات أطلقها ترمب السبت برفع الرسوم الجمركية على ثماني دول أوروبية إذا لم تقدم على تسهيل بيع غرينلاند «بشكل كامل» للولايات المتحدة، ردود فعل قوية داخل الاتحاد الأوروبي، وأعادت إحياء النقاش بشأن تفعيل الأداة. وطالبت رئيسة كتلة الوسط في البرلمان الأوروبي (تجدد أوروبا) فاليري هايي، بتفعيل هذه الآلية. وقالت إن «الولايات المتحدة تُجري حساباً خاطئاً ليس خطيراً فحسب، بل قد يكون مؤلماً»، مضيفة أن «أداة مكافحة الإكراه هي سلاحنا النووي الاقتصادي»، ورأت أنه يجب التحضير للجوء إلى هذه الأداة «لأنها صُممت تحديداً للرد على حالات مماثلة من الترهيب الاقتصادي». ويبقى السؤال: كم من الوقت سيستغرق تفعيل هذه الأداة؟ وما مدى نطاقها الفعلي؟ إذ لا تزال تساؤلات كثيرة قائمة، كون هذه الآلية لم تُستخدم قط. عملياً، تستطيع المفوضية الأوروبية إطلاق الإجراء من تلقاء نفسها أو بطلب من دولة عضو. ويجب بعد ذلك أن يوافق مجلس أوروبا على قرار تفعيلها بغالبية مؤهلة، أي بدعم ما لا يقل عن 55 في المائة من الدول الأعضاء التي تمثل 65 في المائة على الأقل من سكان الاتحاد الأوروبي. وفي حال الموافقة، تبدأ مرحلة وساطة بلا مهلة زمنية محددة، تحاول خلالها المفوضية إقناع الدولة المعنية بوقف الإجراءات المطعون بها. وإذا فشلت الوساطة، تقترح المفوضية إجراءات الرد الأنسب من ضمن ترسانتها.