جماعة «الإخوان المسلمين» في مرمى السلطات الفرنسية

باريس تأخذ عليها ممارستها «التسلل الإسلاموي من الأسفل» وتخطط لاستصدار قانون لمحاربتها

وزير الداخلية بورنو روتايو (يمين) في حديث مع رئيس الحكومة فرنسوا بايرو الثلاثاء (أ.ف.ب)
وزير الداخلية بورنو روتايو (يمين) في حديث مع رئيس الحكومة فرنسوا بايرو الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

جماعة «الإخوان المسلمين» في مرمى السلطات الفرنسية

وزير الداخلية بورنو روتايو (يمين) في حديث مع رئيس الحكومة فرنسوا بايرو الثلاثاء (أ.ف.ب)
وزير الداخلية بورنو روتايو (يمين) في حديث مع رئيس الحكومة فرنسوا بايرو الثلاثاء (أ.ف.ب)

ما زالت جماعة «الإخوان المسلمين» في مرمى السلطات الفرنسية التي تنظر إليها على أنها تشكل خطرا على المجتمع الفرنسي وتسعى للتملص من القوانين الجمهورية لفرض رؤى وقوانين وممارسات مختلفة عنها تماما. وبعد أن سن البرلمان الفرنسي «قانون تعزيز الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب» في عام 2017، أي في العام الذي وصل فيه إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه واستكمل في عام 2021 بقانون «مكافحة الانفصالية الإسلاموية»، ها هي الحكومة تتأهب لتقديم مشروع قانون ثالث لمواجهة ما تسميه «التسلل الإسلاموي» الذي تنفذه جماعة «الإخوان المسلمين».

والاثنين، ترأس ماكرون اجتماعا لمجلس الدفاع والأمن الوطني في قصر الإليزيه خصص لكيفية التعامل مع هذه الجماعة والتدابير والإجراءات الواجب السير بها من أجل منعها من تحقيق أهدافها. واجتماع المجلس المذكور هو الثاني من نوعه المخصص لـ«الإخوان المسلمين» بعد اجتماع أول التأم في شهر مايو (أيار) الماضي والذي أعقب صدور تقرير بعنوان «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي» أعده موظفان رفيعا المستوى بطلب من وزارة الداخلية التي يشغل حقيبتها برونو روتايو المعروف بتشدده في مسائل الهجرات غير المشروعة والنزعات الإسلاموية.

تقرير يدين «الإخوان المسلمين»

كان يراد لهذا التقرير الذي أثار صدوره في مايو الماضي جدلا واسعا في فرنسا أن يرسم استراتيجية لمكافحة الإسلام الراديكالي. بيد أن ماكرون جزم وقتها بأن الإجراءات التي تقترحها «ليست بمستوى التحدي» فطلب من وزارة الداخلية أن تعد تدابير إضافية كانت موضع تمحيص في اجتماع الاثنين.

واللافت أن مستشاري ماكرون كانوا يتولون عادة إطلاع الوسائل الإعلامية على ما جرى خلال الاجتماع. بيد أن ماكرون فضل أن يقوم بذلك بنفسه، ما يمكن تفسيره على أنه اهتمام خاص بهذه المسألة ذات الأبعاد السياسية الداخلية المهمة والتي عادة ما يتم استغلالها لأغراض تعبوية ــ شعبوية ومحض سياسية.

وزمن نشر التقرير في 21 مايو الماضي، اعتبر وزير الداخلية أن «الإخوان المسلمين»، «يسعون لفرض الشريعة (الإسلامية) على مختلف الأراضي الفرنسية». بيد أن مصادر عدة اعتبرت وقتها أن تحذير روتايو «لا يعكس بأمانة فحوى التقرير» الذي يشير إلى أن «خطر تسلل (الإخوان) حقيقي ويتعين تقييمه بموضوعية خصوصا على المستوى الوطني (الفرنسي العام)».

ووفق معدي التقرير، فإن الخطر يأتي من المستوى «المتدني» أي البلدي، وهو ما يسمونه «الإسلاموية البلدية» التي يعدونها تمثل «خطرا حقيقيا».

ومن أجل تحضير التقرير قام المولجان به وهما سفير فرنسي سابق شغل مناصب في الخليج والجزائر وتركيا وأكاديمي (لم تكشف هويتهما من أجل حمايتهما) بعشرات المقابلات مع أهل الاختصاص.

وإذ يعتبر التقرير أن رأس الهرم الإخواني في أوروبا يمثله «مجلس المسلمين الأوروبيين» فإن «جمعية مسلمي فرنسا» التي ورثت «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا» تعد حاملة راية «الإخوان»، وهي تدير 139 مكان صلاة وعبادة ما يشكل 7 في المائة من مجمل هذه الأماكن. بيد أن التقرير يقدر أن «جمعية مسلمي فرنسا» تتراجع شعبيتها، والدليل على ذلك أن الحدث الرئيس الذي كانت تحييه سنويا في ضاحية لوبورجيه (شمال باريس)، والذي كان يستقطب سنويا ما بين 100 إلى 150 ألف شخص للقاءات تشمل محاضرات وقراءات وأنشطة ثقافية ودينية قد ضمر إلى درجة أنه لم يعد يقام. كذلك، فإن مؤسسات «الإخوان» المدرسية والاجتماعية والأكاديمية تم التضييق عليها في السنوات الأخيرة في فرنسا، كذلك تم طرد عدة أشخاص من المؤثرين فيها، وكل ذلك ساهم في إضعافها. من هنا، فإن تشخيص الوزير روتايو يبدو مبالغا فيه حين يؤكد أن «الإخوان المسلمين» يعملون على فرض الشريعة الإسلامية في فرنسا.

تدابير وإجراءات

الرئيس إيمانويل ماكرون (في الصورة إلى جانب الملك تشارلز الثالث والملكة كاميليا) ترأس اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي لمواجهة «التسلل الإسلامي» لـ«الإخوان المسلمين» في فرنسا (رويترز)

رغم ما سبق، ترى الدولة الفرنسية أن هناك حاجة للوقوف بوجه الإسلام السياسي الذي تمثله حاليا جماعة «الإخوان المسلمين» وسعيها الدؤوب لانتهاج «سياسة التسلل» من الأسفل إلى الأعلى، إن من خلال الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والرياضية والتربوية التي تمكنها من بث آيديولوجيتها.

وما تتخوف منه السلطات الفرنسية أن هذه الآيديولوجية بعيدة كل البعد عن القيم الجمهورية. من هنا، اعتمادها ما تسميه «إجراءات العرقلة» أي الحؤول دون تمكين هذه الجمعيات من خلال تشديد إجراءات المراقبة وفرض عقوبات على كل جمعية تعتبرها بعيدة عن «القوس الجمهوري» أي ذات توجهات طوائفية أو إسلاموية.

وترى هذه السلطات أن نقطة الضعف لهذه الجمعيات تكمن في قدراتها التمويلية. من هنا، فقد تم تبني قرارات تقوم على توسيع نطاق تجميد الأصول المالية والنقدية التي كانت مقصورة سابقا على المسائل الإرهابية بحيث أنها ستنفذ بحق أي جمعية يشتم من أنشطتها أنها تمارس «التسلل الإسلاموي» ولا تحترم «عقد الالتزام الجمهوري».

وينطبق هذا العقد على كافة الجمعيات مهما كانت وجهة أنشطتها والتي تسعى للحصول على دعم مالي من البلديات أو من الدولة. وتعطى للمحافظين الذين يمثلون الدولة في المحافظات سلطة فرض غرامات على الجمعيات المخالفة وحرمانها من المساعدات، لا بل حل الجمعيات المخالفة ومصادرة أصولها.

ليس سرا أن هناك جوا سياسيا هستيريا في أوروبا يلف موضوع الحضور الإسلامي. وفي فرنسا، ثمة من يروج لنظرية «الاستبدال»، أي استبدال القيم الفرنسية بالقيم الإسلامية في ما خص أساليب العيش والقيم، وهو ما سعى قانون الانفصالية الإسلاموية إلى محاربته.

أما القانون الذي تريد الحكومة السير به فغرضه محاربة الإسلام السياسي ومنعه من التسلل إلى البنى التعليمية والتربوية والاجتماعية... ويكفي أن تعد جمعية ما خارج إطار «القوس الجمهوري»، أي لا تحترم القيم السائدة في فرنسا حتى يفتح الباب لحلها. وبحسب ما أشار إليه الرئيس ماكرون، فإن بعض هذه التدابير يحتاج لقانون جديد يأمل أن يتم الحصول عليه قبل نهاية العام الجاري. غير أن التوقعات تشير إلى أن التصويت على قانون «مكافحة التسلل الإسلاموي» سوف يثير معركة حامية في برلمان متشظ لا تمتلك فيه الحكومة الحالية الأكثرية المطلقة.


مقالات ذات صلة

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

المشرق العربي من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

صوتت الهيئة العامة لحزب «جبهة العمل الإسلامي» على تغيير اسمه التاريخيّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992، واختيار اسم «حزب الأمة»، وذلك في فعاليات الجلسة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي إدارة الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام لـ«جبهة العمل الإسلامي» سابقاً في الأردن السبت لمناقشة التعديلات على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

الأردن: «العمل الإسلامي» يخلع اسمه التاريخي ويتحوّل إلى «حزب الأمة»

غادر أقدمُ الأحزاب الأردنية؛ حزبُ «جبهة العمل الإسلامي»، اسمَه التاريخيَّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

ضربات تتواصل لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة بعدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

يتسع الحظر الدولي ضد «الإخوان» بعد قرار هولندا تصنيفها «إرهابية» مما يُزيد الضغوط على الجماعة في مصر بعد أكثر من 13 عاماً على حظرها بها.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
TT

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام والماء، ما أثار الغضب في أنحاء البلاد.

ونشرت امرأة يعتقد أنها زوجة أحد الجنود التابعين لهذه الوحدة، صورا تظهر ثلاثة جنود بلحى طويلة وقد فقدوا الكثير من وزنهم وبرزت أضلاعهم.

وكانت الوحدة متمركزة بمنطقة خاركيف في شمال شرق البلاد منذ 25 أغسطس (آب)، حيث كانت الإمدادات تصل، كما كتبت أناستاسيا سيلتشوك على مواقع التواصل الاجتماعي، «بمشيئة الله»، مضيفة «وكل 10 إلى 15 يوما تقريبا من دون ماء أو طعام».

وكشفت أن الجنود كانوا يشربون مياه الأمطار ويذيبون الثلوج خلال فصل الشتاء.

واستقبل صحفيون عسكريون وشخصيات أوكرانية عامة الخبر بغضب شديد.

وكتبت المراسلة آنا كاليوجنا على مواقع التواصل الاجتماعي «لم أتخيل يوما أن تصل قيادتنا العسكرية بجيشنا إلى هذا الحد من العار. جنودنا يبدون كأنهم عائدون من الأسر الروس».

وأعلنت هيئة الأركان العامة الأوكرانية الجمعة، إقالة قائد الوحدة واتهمته بـ«إخفاء حقيقة الوضع».

أضافت في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي «خسرنا عددا من المواقع ووقعت سلسلة من الأخطاء في تقدير إمدادات الجنود»، مشيرة إلى «رصد مشكلة في إمدادات الأغذية لأحد المواقع».

وتخوض الوحدة معارك حول نهر أوسكيل في منطقة كوبيانسك في شمال شرق أوكرانيا.

وأوضحت أوكرانيا أن الإمدادات تُنقل إلى القوات على تلك الجبهة باستخدام طائرات مسيرة وقوارب لعبور المجرى المائي الذي يتعرض لنيران روسية.

وأفاد الجيش الأوكراني الجمعة، بتزويد الوحدة بالمواد الغذائية، مضيفا «إذا سمحت الظروف، سيتم إجلاء القوات فورا».

وأجرى القائد الجديد للوحدة، تاراس ماكسيموف، اتصالا عبر الإنترنت مع الجنود بعد تعيينه، متعهدا بإراحتهم من الخدمة حالما يسمح الطقس بذلك.

وقال له أحد الجنود في المكالمة التي نشرتها وسائل الإعلام الأوكرانية «ساعدنا بسحبنا من هنا، وسيكون كل شيء على ما يرام».


محكمة ألمانية تقضي بسجن مؤيد لـ«حزب الله» نشر فيديوهات تُظهر أسلحة

ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)
ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)
TT

محكمة ألمانية تقضي بسجن مؤيد لـ«حزب الله» نشر فيديوهات تُظهر أسلحة

ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)
ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)

قضت محكمة ألمانية، الجمعة، بالسجن لأكثر من ثلاث سنوات بحق أحد مؤيدي «حزب الله» اللبناني بتهمة «حيازة أسلحة بطريقة غير قانونية» ونشْر تعليقات ومَقاطع مصوَّرة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعم الحزب.

وقبل ذلك، برّأت المحكمة المتهم البالغ (30 عاماً)، من تهمة القتال فعلياً في صفوف «حزب الله» والانتماء إليه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وحكمت عليه المحكمة في برلين بالسجن ثلاث سنوات وتسعة أشهر بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت مقاطع فيديو صُوِّرت خلال زيارة إلى لبنان في عام 2023.

وظهر في المقاطع المصوّرة المتهم وهو يحمل بنادق وصواريخ مضادة للدبابات، ويشارك في تدريب على الرماية. وخلصت المحكمة إلى أنه نشر أيضاً مقاطع فيديو دعائية، وعرض رموزاً لـ«حزب الله» كالأعلام والأوشحة.

إلا أن المحكمة أشارت إلى أن مقاطع الفيديو المذكورة تُظهر أن المتهم لم يتلقّ أي تدريب على استخدام الأسلحة، وأنه تصرَّف بطريقة «غير احترافية إلى حد ما».

ورأت المحكمة أن ادعاءاته السابقة بالقتال في صفوف «حزب الله» كانت مختلَقة بهدف إثارة إعجاب أصدقائه.

وتُصنف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا الجناح العسكري لـ«حزب الله» على قوائم الإرهاب. وتَعدّ ألمانيا «حزب الله» «منظمة إرهابية»، وحظرت في 2020 أيَّ نشاط له على أراضيها.


سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)
TT

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)

أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الجمعة، أنه لا يشعر بأي «قلق» بشأن احتمال تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي لمعارضتها الحرب ضد إيران كإجراء انتقامي من قبل واشنطن. وقال سانشيز إن حكومته ستواصل التعاون الطبيعي مع حلفائها في التكتل العسكري (الناتو)، وتجاهل تقريراً يفيد بأن مسؤولين أميركيين يدرسون معاقبة بلاده بسبب مواقفها من الحرب.

مقاتِلة بريطانية من طراز «تايفون» في قاعدة أكروتيري بقبرص قبل إقلاعها لضرب أهداف للحوثيين يناير 2024 (أ.ب)

قال مسؤول أميركي لـ«رويترز» إن رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف يعتقد أنها لم تدعم العمليات الأميركية في الحرب على إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بالسيادة على جزر فوكلاند.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (د.ب.أ)

وقال سانشيز للصحافيين في قمة القادة الأوروبيين في قبرص، الجمعة، رداً على سؤال عن التقرير: «إن مواقفنا واضحة، وهي التعاون المطلق مع الحلفاء». ولفت رئيس الوزراء إلى أن التعاون ينبغي أن يكون «في إطار عمل القانون الدولي»، مضيفاً: «نحن لا نعمل على أساس رسائل إلكترونية»، مضيفاً: «نحن نعمل على أساس وثائق رسمية ومواقف يعلن عنها رسمياً من قبل حكومة الولايات المتحدة». وتابع: «موقف الحكومة الإسبانية واضح: تعاون كامل مع حلفائنا، ولكن دائماً في إطار الشرعية الدولية».

وبحسب تقرير إعلامي، غير مؤكد، نشرته صحيفة «إل باييس» الإسبانية، يتم تداول مذكرة في البنتاغون تطرح إجراءات ضد الأعضاء في الناتو الذين لم يدعموا الجيش الأميركي في الحرب ضد إيران.

وأضافت «إل باييس» أنه في حالة إسبانيا، تم ذكر تعليق العضوية في الحلف الدفاعي. ومع ذلك، استبعد مسؤول في الناتو مثل هذا السيناريو، وقال: «إن المعاهدة التأسيسية للحلف لا تنص على أي أحكام لتعليق العضوية أو طرد أي عضو». وذكر مسؤول البنتاغون أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق تولي الدول «الصعبة المراس» مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة(أ.ف.ب)

وذكر المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، في التحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز العسكري وعبور الأجواء في إطار حرب إيران.

وأشار إلى أن الرسالة وصفت حقوق الوصول والتمركز العسكري وعبور الأجواء «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

ولا ينص أيّ من بنود المعاهدة التأسيسية لحلف شمال الأطلسي الموقعة في عام 1949، على تعليق أو استبعاد أحد أعضاء الحلف الأطلسي، الذي وجد نفسه في صلب انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل أكثر من عام.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مع نظيره الفنلندي (رويترز)

ومنذ نهاية فبراير (شباط)، يعارض بيدرو سانشيز الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وأثار هذا الموقف استياء شديداً لدى ترمب، الذي انتقد مدريد لرفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية لتنفيذ هجمات جوية، وصولاً إلى حد تهديده بـ«وقف أي تبادل تجاري» بين البلدين.

دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الجمعة، الأعضاء إلى التماسك. وقالت ميلوني للصحافيين خلال مشاركتها في قمة الاتحاد الأوروبي في العاصمة القبرصية نيقوسيا: «على الناتو أن يحافظ على وحدته. أعتقد أن هذا مصدر قوة». وشددت ميلوني على أن حلف الأطلسي سيظل ركيزة في الدفاع عن أوروبا، لكن الدول الأوروبية بحاجة للاضطلاع بدور أكبر في ضمان أمنها. وأضافت: «يجب أن نعمل على تعزيز الركيزة الأوروبية لحلف الناتو التي يجب أن تُكمّل الركيزة الأميركية».

دول قمة قبرص(ا.ف.ب)

ولم يسمح بعض أعضاء الناتو، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، للطائرات العسكرية الأميركية المشاركة في الحرب بالتحليق فوق أراضيهم أو استخدام قواعدهم.

ورفضت بريطانيا في البداية السماح للطائرات الأميركية بالإقلاع من قواعدها في مهام «دفاعية» خلال النزاع، لكنها أذنت بذلك في وقت لاحق.

كما حاول ترمب دون جدوى، حثّ الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف على إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز المغلق بفعل التهديدات الإيرانية والهجمات العسكرية.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي ذكرت تقارير أن بلاده مستهدفة بشكل خاص بتعليق العضوية، الجمعة، إنه «غير قلق»، مؤكداً أن بلاده «عضو موثوق» في الحلف الأطلسي.

رئيس الوزراء الأسباني يتوسط رئيسي البرازيل وكولومبيا (إ.ب.أ)

وفيما يثير ترمب مزيداً من التساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسهم في الدفاع عن حلفائها في الناتو، يستعد الاتحاد الأوروبي لوضع «خطة» لكيفية تفعيل بند المساعدة المتبادلة لديه في حال تعرّض أي دولة لهجوم.

وهدد ترمب في مناسبات عدة بالانسحاب من الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع «رويترز» في أول أبريل (نيسان)، قائلاً: «ألن تفعلوا ذلك لو كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

لكن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. ولا تحتوي أيضاً على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. لكن المسؤول رفض الإفصاح عمّا إذا كانت الخيارات تتضمن سحب الولايات المتحدة لبعض قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، فعلى الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة للحلفاء داخل في حلف شمال الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا». وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن يكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يضطلعوا بأدوارهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

وتتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقُتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير». وأساء ترمب مراراً إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، واصفاً إياه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بمن في ذلك المواطنون البريطانيون، وسط الرد الإيراني.

British «Akrotiri» base in Cyprus (AP)

وفي تعليقات للصحافيين في البنتاغون في وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران البعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة ولكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا. وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».