الوساطة الأوروبية في حرب إسرائيل - إيران رغم القبول الأميركي غير مضمونة النتائج

التحدي الأكبر أن يوفقوا بين «التنازلات» الإيرانية والمطالب الأميركية - الإسرائيلية

صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

الوساطة الأوروبية في حرب إسرائيل - إيران رغم القبول الأميركي غير مضمونة النتائج

صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

أن يعقد اجتماع في جنيف ضم مسؤولي الدبلوماسية في «الترويكا» الأوروبية الثلاثية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، إضافة إلى نظيرتهم في المفوضية الأوروبية، مع وزير خارجية إيران، وبغض النظر عن النتيجة التي يمكن أن يفضي إليها، يمكن أن يعدّ حدثاً «إيجابياً» كونه الأول من نوعه منذ انطلاق الحرب الإسرائيلية - الإيرانية.

والمهم أيضاً ما أكده وزير الخارجية البريطانية ديفيد لامي، العائد من واشنطن لجهة «وجود نافذة لأسبوعين لتحقيق حل دبلوماسي» للحرب. وهذا التأكيد يجب أن يعطف على ما قاله نظيره الألماني يوهان فاديبول، من أن المسؤولين الأميركيين «لا يعلمون فقط أننا نجري هذه المحادثات؛ بل يدعمون ذلك بشدة، لذا أعتقد أن على إيران أن تدرك الآن أن عليها التعاطي مع هذه المحادثات بجدية ومصداقية جديدة».

وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي قبل انطلاق الاجتماع مع نظيرهم الإيراني بجنيف (إ.ب.أ)

وبالطبع، تجدر الإشارة إلى أن الوزير الفرنسي جان نويل بارو اتصل بدوره بوزير الخارجية مارك روبيو، كذلك فعلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

وما يبرز مما سبق أمران: الأول أن واشنطن منحت الأوروبيين مهلة الأسبوعين لترى ما إذا كان بإمكانهم مخرج سياسي من الحرب، وبالتالي «إنقاذ» الرئيس ترمب من «محنة» الانخراط في حرب لا يريدها، لا بل تدفعه إليها إسرائيل التي لم يتردد رئيس وزرائها من استباق اجتماع تفاوضي في عمان في 15 الحالي لتنقضّ طائراته على طهران وعلى العشرات من المواقع العسكرية والنووية الإيرانية. والأمر الثاني أن الأوروبيين يعون تماماً أن جهداً كالذي يقومون به لا يمكن أن يكون له معنى من غير «مباركة أميركية» وضوء أخضر محدد زمنياً.

علم الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمام مقر الوكالة المعنية بمراقبة استخدام الطاقة النووية في فيينا (رويترز)

غير أن هذه المباركة لا تكفي لضمان تواصل الوساطة الأوروبية. المطلوب من الأوروبيين أن ينجحوا في الحصول من إيران على «تنازلات» في فترة زمنية قصيرة للغاية يمكن أن تكتفي بها الإدارة الأميركية. صحيح أن إيران اليوم غير إيران ما قبل انطلاق العملية العسكرية. فإيران اليوم معزولة: الغرب ضدها، وحلفاؤها التقليديون (روسيا والصين) قدموا لها الدعم السياسي في حده الأدنى. وتجد إيران نفسها اليوم أمام خيارين: إما رفض ما يطلب منها لجهة تصفير تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتحجيم قدراتها الصاروخية وتعديل سياستها الإقليمية، وإما مواصلة الحرب.

وليس ترمب وحده في مأزق: فالمرشد الأعلى علي خامنئي في «ورطة» كبرى. فهو لا يبدو مستعداً لـ«تجرع السم» كما فعل الإمام الخميني في أواخر الحرب مع إيران، وخطابه الأخير دليل على ذلك. كذلك ليس مستعداً للبحث في تأطير القدرات الصاروخية لبلاده، وهو ما أكده وزير الخارجية عباس عراقجي في جنيف مستبقاً الاجتماع مع الأوروبيين. وأهمية هذه الإشارة تكمن في أن «ورقة العمل» التي نصها الرئيس ماكرون وحملها وزير خارجيته إلى جنيف، جاء في بندها الثاني تحديداً البحث في الملف الصاروخي - الباليستي. لذا، فإن مهمة الدبلوماسيين الأوروبيين ليست سهلة لجهة العثور على قاسم مشترك بين ما تقبل طهران التنازل عنه، وما يرضي واشنطن ومن ورائها تل أبيب. كذلك يتعنى البحث في المقابل الذي تريده القيادة الإيرانية لقاء تساهلها في الملفات المطروحة؛ ليس فقط بالنسبة للعقوبات المفروضة عليها، ولكن أيضاً بالنسبة لدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ستعود إليها مهمة التأكد من تنفيذ طهران لالتزاماتها.

ما يفاقم هذه الإشكالية أن الغربيين يريدون استغلال ضعف إيران اليوم، لإلزامها بقبول القيود المتشددة التي رفضتها خلال 5 جولات من المفاوضات مع الجانب الأميركي. وليس من الواضح، من جهة ثانية، كيف ستنجح إيران في المحافظة على ماء الوجه إذا قبلت الشروط الجديدة. وفي أي حال، لا يمكن استبعاد أن تكون مهلة الأسبوعين وسيلة أميركية لزيادة الضغوط على المفاوض الإيراني، كما أنه لا يمكن استبعاد فرضية أن ترمب يحتاجها للتوفيق بين تيارين في إدارته: تيار الصقور الذي يريد «قطف ثمرة» القضاء على الملف النووي الإيراني وتحجيم دور طهران الإقليمي. وفي الطرف المقابل، هناك جناح «الانعزاليين» الرافضين لدخول بلادهم في حرب شرق أوسطية جديدة يمكن أن تكلفهم الكثير، وتعرض قواعدهم ومصالحهم في المنطقة لأضرار كبيرة، وتصيب ما أكده ترمب مراراً من أنه لا يريد حروباً جديدة وأنه رجل سلام.

ممثل إيران في الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني خلال إلقائه كلمة بلاده بمناسبة اجتماع المجلس الجمعة حول الحرب بين إيران وإسرائيل (أ.ف.ب)

ثمة عاملان لا بد من أخذهما بعين الاعتبار: أولهما أن ملفاً معقداً كالملف النووي الإيراني الذي يتم لا يمكن أن يحل بجولة واحدة. وللتذكير، فإن المباحثات الأوروبية - الإيرانية بشأنه بدأت قبل 22 عاماً، ولم تنضم إليها الولايات المتحدة إلا بعد أكثر من 10 سنوات. وبعد أن سحبت الإدارة الأميركية الملف من أيدي الأوروبيين، فإن عودة هؤلاء له مجدداً تعيد التفاوض إلى مساره «الكلاسيكي» ربما البعيد عن المفاجآت. والعامل الثاني يتناول موقف إسرائيل التي عارضت اتفاق 2015، ودفعت إدارة ترمب إلى الخروج منه في عام 2018، ولم تتوقف يوماً عن العمل على الإطاحة به عن طريق اغتيال كثير من علماء الذرة الإيرانيين والقيام بهجمات سيبرانية... ولا شيء يمكن أن يضمن أن تقف إسرائيل مكتوفة اليدين في حال برز بالأفق احتمال أن تنجح الوساطة الأوروبية، وهي التي لم تتردد في نسف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، رغم أن الرئيس ترمب طلب أكثر من مرة من تل أبيب، الامتناع عن استهداف البرنامج النووي الإيراني. وها هو رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يعلن الجمعة، أنه يتعين على إسرائيل الاستعداد «لحملة طويلة» من الحرب مع إيران، وأن بلاده «تنتظرها أيام صعبة، وعلينا أن نستعد لاحتمالات عديدة». واضح أن الأمور ما زالت في بداياتها؛ أكان ذلك عسكرياً أو سياسياً. والعوامل المتداخلة تجعل توقع ما هو آتٍ بالغ الصعوبة.


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بارون ترمب يتابع والده الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية داخلية ضمن مراسم التنصيب في «كابيتال وان أرينا» بواشنطن 20 يناير 2025 (أ.ب) p-circle 01:09

«الخدمة السرية» تحقق في فيديو إيراني يهدد بارون ترمب

أكدت «الخدمة السرية» الأميركية أنها على علم بأن وسائل إعلام حكومية إيرانية بثت مقطع فيديو يبدو أنه يهدد حياة بارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب الليكود بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

نتنياهو يكشف أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء الاثنين، أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)

ترمب يؤكد أنّ روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف شمال الأطلسي

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)
مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)
TT

ترمب يؤكد أنّ روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف شمال الأطلسي

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)
مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا «لن تهاجم» أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، داحضاً تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على خطوة من هذا القبيل ضدّ دولة أوروبية. وقال ترمب إنه أجرى «محادثات جيّدة» مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مضيفاً أنّ الأخير «لن يهاجم أراضي (الناتو)».

ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا - 15 أغسطس 2025 (رويترز)

وزار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جون راتكليف، موسكو هذا الأسبوع، لثنيها عن مهاجمة الحلف الأطلسي. وعلّق الكرملين الخميس على المعلومات الواردة في الصحافة الأميركية عن الهدف من وراء زيارة راتكليف، واصفاً إياها بـ«القصص المفبركة لإثارة الهلع»، ومعتبراً ألا علاقة لها بـ«الواقع».

وكان ترمب قد قال إن زيارة راتكليف لا علاقة لها بتهديدات روسية لـ«الناتو»، ملمّحاً إلى أن هدفها كان مناقشة سبل إنهاء النزاع الأوكراني - الروسي.

وصرّحت مسؤولة أوروبية رفيعة المستوى طلبت عدم الكشف عن هويتها، بأن الاستخبارات الأوروبية لا تملك أدلة على هجوم عسكري روسي محتمل على بلد عضو في «الناتو». وقالت، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، فيما يخصّ «تهديدات محتملة ضدّ أعضاء أوروبيين في (الناتو)، لا نرى أي مؤشّر إلى مخطّط قد يكون قيد التدبير حالياً».

غير أن المسؤولة الأوروبية اعتبرت ألا شكّ في أن موسكو «تعكف على إحداث صعوبات لدولنا»، في ظلّ دعم الاتحاد الأوروبي الراسخ لأوكرانيا منذ اندلاع الغزو الروسي في 2022. وأشارت إلى أن «التصعيد من جانب روسيا قائم بوضوح».

ويندّد الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة بما يعدّه «حرباً هجينة» تشنّها روسيا. ونسب إلى موسكو قائمة تزداد طولاً من الحوادث، من توغّل مسيّرات إلى هجمات سيبرانية مروراً بحملات تضليل إعلامي وتدخّل في السياسات.

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

وقالت المسؤولة الأوروبية: «ما نراه هو هجمات هجينة متواصلة. ونحن ننطلق من مبدأ أنها ستستمرّ». ولطالما نفت روسيا أي نية لها لمهاجمة دول الحلف الأطلسي الذي ترى في تمدّده إلى حدودها تهديداً وجودياً لها.

وضمن هذا السياق، قصفت روسيا مدناً في جميع أنحاء أوكرانيا بالصواريخ والطائرات المسيرة في هجوم ليلي استمر حتى ساعات نهار يوم الخميس، حيث تردد صدى الانفجارات حول كييف طوال الصباح.

وتعاني أوكرانيا من نقص حاد في صواريخ الدفاع الجوي أميركية الصنع من طراز «باتريوت» التي يمكنها التصدي للصواريخ الباليستية الروسية، كما شكلت الطائرات المسيرة الروسية سريعة التحليق والمدفوعة بالمحركات النفاثة، تحدياً آخر منذ بدء الغزو الروسي الشامل قبل 4 أعوام ونصف عام.

الطائرة العسكرية «غلوبماستر» التي نقلت جون راتكليف إلى موسكو (أ.ف.ب)... وفي الإطار مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني الجمعة، إن قوات بلاده قصفت طائرة روسية من طراز «تو-95 إم.إس» حاملة للصواريخ في قاعدة «إنجلز». وأضاف زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «هذه هي الطائرات التي تشن غارات على أوكرانيا»، مشيراً إلى أن وحدة «ألفا» التابعة لجهاز الأمن الأوكراني نفذت الضربة.

ويقول مسؤولون أوكرانيون إن روسيا تبني مخزونات الصواريخ وتطلق هجمات رئيسية كل بضعة أيام، آملاً في إنهاك الدفاعات الأوكرانية من خلال الثقل الخالص للأعداد. ورداً على ذلك، تضرب أوكرانيا أهدافاً بارزة على الأراضي الروسية، حيث يتبادل البلدان إلحاق الدمار.

وقالت السلطات الأوكرانية الجمعة، عبر تطبيق «تلغرام»، إن روسيا قصفت خلال الليل مرافق تخزين لشركة «نوفا بوشتا» للخدمات اللوجستية قرب العاصمة كييف.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها نفذت ضربة «مكثفة» على أهداف في 9 مدن أوكرانية بدأت بعد حلول الليل يوم الأربعاء. ووصفَت الأهداف بأنها ذات صلة بالعسكرية، بما في ذلك المنشآت الصناعية ومصافي النفط ومراكز اللوجستيات والبنية التحتية للموانئ. ولحقت أضرار بالمناطق المدنية، بما في ذلك المباني السكنية.

وقال زيلينسكي على وسائل التواصل الاجتماعي: «تواصل روسيا الاستثمار في الصواريخ وتوسيع حربها، وهذا يعني أن هناك حاجة إلى مزيد من التدابير المضادة»، مشيراً إلى وعود سابقة هذا الأسبوع من دول أوروبية بتقديم مزيد من مساعدات الدفاع الجوي.

وقال: «من المهم أن تنفذ هذه (التدابير) أيضاً باستكمالها بحزم دفاعية إضافية ضد الصواريخ الباليستية» من خلال مشتريات أوروبية للأسلحة من الولايات المتحدة.

ورغم إصرار وزارة الدفاع الروسية على أنه لم يتم استهداف سوى أهداف مرتبطة بالحرب، يبدو أن روسيا مصممة على إلحاق الضرر بالشركات الأوكرانية والتقليل من اقتصاد البلاد من خلال الهجمات على المشاريع الخاصة، بعد أن تسببت ضربات المسيرات الأوكرانية بعيدة المدى في صعوبات مالية لموسكو.

سيارات تقف في طوابير للتزود بالوقود أمام محطة بموسكو يوم 17 أغسطس (رويترز)

وقالت الشركات إن الطائرات المسيرة الروسية ضربت 3 مراكز توزيع رئيسية، مما أدى إلى تدمير مستودعات تابعة لسلسلة متجر ألعاب وشركة حلويات، وإلحاق الضرر بمستودع آخر تديره شركة لبيع الإلكترونيات بالتجزئة.

بالإضافة إلى ذلك، واصلت موسكو جهودها لتدمير شبكة الكهرباء الأوكرانية قبل أشهر الشتاء القارس. وقالت شركة «نافتوغاز» المشغلة إن 4 قنابل انزلاقية قوية دمرت معدات التوليد في محطة الحرارة والكهرباء المشتركة بمنطقة خيرسون الجنوبية، مما أجبرها على الإغلاق.

وحضت سلطات خيرسون، سكان المدينة الواقعة في جنوب أوكرانيا، على مغادرتها بسبب تصاعد الهجمات الروسية التي تنطوي على خطر انقطاع إمدادات الكهرباء والتدفئة لفترة طويلة. وكتب حاكم المنطقة أولكسندر بروكودين على «تلغرام»: «أتوجه مجدداً إلى سكان خيرسون، لا سيما العائلات التي لديها أطفال وكبار السن: إذا كان لديكم الإمكان... الرجاء المغادرة». وأشار إلى أن «العدو يكثف هجماته يوماً بعد يوم على البنية التحتية الحيوية في المنطقة». وتابع: «شنت القوات الروسية الليلة الماضية هجوماً جديداً على محطة التدفئة المركزية في خيرسون باستخدام قنابل انزلاقية... ملحقة أضراراً جسيمة بها».

زعماء أوروبيون يحضرون مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام «كاتدرائية القديسة صوفيا» في كييف (أ.ف.ب)

وحذر من أن «خيرسون قد تجد نفسها بلا كهرباء أو تدفئة، ليس لساعات أو أيام فحسب، بل لفترة طويلة». وقال: «حالياً، لا توجد أي وسيلة على الإطلاق لتدمير هذه الأنواع من الطائرات المسيرة أو القنابل الجوية في أي منطقة من بلادنا».

وفي سياق متصل، تواجه أوكرانيا فجوة مالية متنامية في تمويل جهود التصدي للغزو الروسي لأراضيها، في وقت تكافح فيه للحفاظ على إمكانية الوصول إلى مليارات الدولارات من المساعدات التي تعهد بها المانحون الغربيون. وقالت مصادر مطلعة إن العجز في الميزانية العام المقبل من المرجح أن يكون أعلى مما جرى توقعه سابقاً، مما يستلزم تمويلاً إضافياً من الاتحاد الأوروبي، بحسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء. وأضافت المصادر مشترطة عدم الكشف عن هويتها، أن المحادثات مع صندوق النقد الدولي واجهت أيضاً صعوبات بسبب المطالب الحساسة سياسياً من ثاني أكبر مقرض للبلاد.

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام والرئيس الأوكراني زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)

وأظهرت أحدث تقديرات من مراجعة صندوق النقد الدولي في يونيو (حزيران)، أن الفجوة سوف تصل إلى 17.8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2027، بتراجع 3.3 نقطة مئوية من العام الحالي، فيما كان «النقد الدولي» قد افترض أن الحرب سوف تنتهي في أواخر 2026.

وقال أحد المصادر، الذي اشترط عدم الإفصاح عن هويته، إنه مع استمرار الحرب، من المتوقع أن تتم مراجعة هذا الرقم صعوداً. وأضاف المصدر أنه لم يتم تحديد حجم العجز الإضافي، وكذلك مصادر التمويل لتغطيتها، مضيفاً أن التأثير على برنامج صندوق النقد لا يزال غير واضح.

عمال إطفاء في موقع أُصيب بالقصف الروسي للعاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)

ويتعين أن تظل ديون البلاد قابلة للسداد لإبقاء المساعدة على المسار الصحيح. وتأتي التحديات المتصاعدة فيما تستعد روسيا لتكثيف هجماتها على أوكرانيا بعد القول إن المفاوضات من أجل اتفاق سلام وصلت إلى طريق مسدود، بحسب مصادر مقربة من الكرملين.

وتتجه أوكرانيا صوب شتاء صعب آخر في ظل نقص منظومة باتريوت لاعتراض الصوراريخ، مما يترك مناطقها السكنية وبنيتها التحتية معرضة لقصف جوي روسي.


حكم 35 عاماً وكان أكبر ملوك أوروبا سناً... وفاة ملك النرويج

ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)
ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)
TT

حكم 35 عاماً وكان أكبر ملوك أوروبا سناً... وفاة ملك النرويج

ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)
ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)

أعلن القصر الملكي في ‌النرويج، اليوم الجمعة، ​وفاة ‌الملك ⁠هارالد ​ الخامس عن عمر ⁠ناهز 89 ⁠عاماً، ‌وهو ‌إصلاحي تولى ​العرش ‌قبل أكثر ‌من ثلاثة ‌عقود خلفاً لوالده الذي ⁠كان ⁠يحظى بشعبية كبيرة.

وكان القصر الملكي قد أعلن مطلع هذا الأسبوع تدهور الحالة الصحية للملك هارالد أثناء تلقيه العلاج في المستشفى، مؤكداً في السياق ذاته أنه يستجيب للعلاج.

الملك هارالد خلال حفل افتتاح الدورة الـ169 للبرلمان النرويجي (ستورتينغ) في أوسلو بالنرويج (رويترز)

وكان الملك قد أُدخل إلى مستشفى جامعة أوسلو منذ أسبوعين بسبب احتباس السوائل الناجم عن علاج بالكورتيزون، وحصل على إجازة مرضية لمدة أسبوعين.

واعتلى هارالد الخامس عرش النرويج عام 1991، وكان أكبر ملوك أوروبا سناً. وعانى مشكلات صحية متعددة خلال السنوات الأخيرة.

صورة رسمية التُقطت في 21 فبراير 1987 للملك هارالد في القصر الملكي بأوسلو وهو يحتفل بعيد ميلاده الخمسين (أ.ف.ب)

وفي عام 2024، أعلن أنه سيقلّص الأنشطة الرسمية التي يشارك فيها مراعاة لتقدمه في السن، لكنه استبعد التنحي ​عن العرش، قائلاً إن ​القَسَم الذي أداه ملكاً هو التزامٌ مدى الحياة.

وعُرف هارالد بملكية أكثر انفتاحاً وقرباً من المجتمع، وحرص على تقديم المؤسسة الملكية باعتبارها جزءاً من الحياة النرويجية الحديثة، مع احتفاظه بدور دستوري يغلب عليه الطابع التمثيلي والاحتفالي.

طفل في المنفى خلال الحرب العالمية الثانية

وُلد الأمير هارالد في 21 فبراير (شباط) 1937 في قصر «سكوغوم» بالقرب من أوسلو، وكان الابن الوحيد لولي العهد آنذاك أولاف والأميرة مارتا، وحفيد الملك هاكون السابع.

وكان أول أمير يولد في النرويج منذ 567 عاماً، في وقت كانت فيه الدستورية النرويجية لا تزال تحصر وراثة العرش في الذكور.

لكن طفولته تغيرت جذرياً مع الغزو الألماني للنرويج في أبريل (نيسان) 1940. فرّت العائلة المالكة من البلاد، وانتقل هارالد مع والدته وشقيقتيه إلى السويد، ثم إلى الولايات المتحدة، حيث أمضوا سنوات الحرب في المنفى.

عاد الأمير إلى النرويج في يونيو (حزيران) 1945، بعد استسلام ألمانيا، وبدأ تعليمه في مدارس عامة في أوسلو، في إطار حرص العائلة على أن ينشأ بصورة قريبة من أبناء جيله.

الملك هارالد الخامس ملك النرويج يقف في غرفة الطيور بالقصر الملكي في أوسلو (إ.ب.أ)

من ضابط عسكري إلى ولي للعهد

بعد إكمال دراسته الثانوية، التحق هارالد بمدرسة تدريب ضباط سلاح الفرسان ثم بالأكاديمية العسكرية النرويجية، قبل أن يتوجه إلى جامعة أكسفورد بين عامي 1960 و1962 لدراسة العلوم الاجتماعية والتاريخ والاقتصاد.

وأصبح ولياً للعهد عام 1957 بعد وفاة جده الملك هاكون السابع، وبدأ منذ ذلك الحين تولي مزيد من المهام الرسمية.

زواج من عامة الشعب أثار جدلاً

في عام 1968، تزوج ولي العهد هارالد من سونيا هارالدسن، وهي امرأة من عامة الشعب، بعد علاقة استمرت تسع سنوات.

وكان الزواج خروجاً عن تقاليد ملكية راسخة، إذ كان متوقعاً أن يتزوج وريث العرش من فرد ينتمي إلى أسرة ملكية أوروبية أو طبقة النبلاء، لكنه رفض ذلك من أجل الزواج من صديقته منذ أيام الدراسة.

وأثار اختياره جدلاً واسعاً في ذلك الوقت، حتى إن بعض المنتقدين توقعوا أن يؤدي الزواج إلى إضعاف النظام الملكي.

يظهر ولي عهد النرويج الأمير هارالد وزوجته سونيا هارالدسن بعد زواجهما في أوسلو (رويترز)

لكن الملك أولاف وافق في النهاية على الزواج بعد مشاورات مع البرلمان والحكومة، وأقيم حفل الزفاف في كاتدرائية أوسلو في أغسطس (آب) 1968. وأصبحت سونيا ملكة للنرويج بعد اعتلاء هارالد العرش.

وأنجب هارالد وسونيا طفلين: الأميرة مارتا لويز، التي وُلدت في 22 سبتمبر (أيلول) 1971، وولي العهد هاكون، الذي وُلد في 20 يوليو (تموز) 1973 وأصبح وريث العرش النرويجي.

ومع توسع الأسرة المالكة، أصبح هارالد وسونيا جدّين لخمسة أحفاد. فهاكون وزوجته ميتّه-ماريت لديهما الأميرة إنغريد ألكسندرا، التي وُلدت عام 2004، والأمير سفيري ماغنوس، المولود عام 2005.

أما الأميرة مارتا لويز، فلها ثلاث بنات من زواجها السابق من الكاتب آري بيهن: مود أنجليكا، المولودة عام 2003، وليا إيسادورا، عام 2005، وإيما تالولا، عام 2008. وفي عام 2024، تزوجت مارتا لويز الأميركي دوريك فيريت.

صورة عائلية التُقطت في 17 أكتوبر 2016 في القصر الملكي تُظهر الملك هارالد والملكة سونيا محاطين بأحفادهما بمناسبة بلوغهما الثمانين من العمر (أ.ف.ب)

ملك قريب من النرويجيين

خلال عهده الطويل، سعى هارالد إلى جعل الملكية أكثر قرباً من المجتمع، وبرز دوره خصوصاً خلال الأزمات الوطنية.

وبحسب الموقع الرسمي للعائلة المالكة، كان هارالد حاضراً في الاحتفالات الوطنية وفي لحظات الحزن العميق، وأصبح ظهوره في المناسبات العامة جزءاً من صورة الملكية النرويجية الحديثة.

كما عُرف بمواقف أكثر انفتاحاً بشأن قضايا اجتماعية، بينها التسامح الديني وحقوق الأقليات، ما عزز صورته كملك إصلاحي مقارنة بصورة الملكية التقليدية.

شغف بالبحر والرياضة

لم يكن هارالد ملكاً تقليدياً بعيداً عن الرياضة. فقد كان شغوفاً بالإبحار، ومثّل النرويج في منافسات دولية عدة.

وفي أولمبياد طوكيو عام 1964، حمل العلم النرويجي خلال حفل الافتتاح. وفي عام 1987 أصبح مع طاقمه بطلاً للعالم في الإبحار، ثم أحرز لقب بطولة أوروبا عام 2005.

واستمر في المشاركة في السباقات الوطنية والدولية حتى أعلن في عام 2022 انتهاء مسيرته التنافسية في الإبحار. كما كان مهتماً بالطبيعة والصيد والحياة البرية، وشغل في مرحلة من حياته منصب رئيس الفرع النرويجي للصندوق العالمي للطبيعة.

شارك ملك النرويج هارالد الخامس في بطولة العالم للإبحار للسفن التي تزن طناً واحداً على متن يخت «FRAM XI» في كوبنهاغن بالدنمارك... في 1 يوليو 1992 (إ.ب.أ)

ملك رفض التنحي

وشهدت السنوات الأخيرة من حياة هارالد تدهوراً صحياً متكرراً. فقد خضع لعملية لعلاج سرطان المثانة عام 2003، كما زُرع له جهاز لتنظيم ضربات القلب عام 2024، وتعرض في السنوات الأخيرة لعدة مشكلات صحية استدعت دخوله المستشفى.

ومع ذلك، رفض هارالد مراراً فكرة التنازل عن العرش، مؤكداً أن القسم الذي أداه أمام البرلمان التزام مدى الحياة.

وقبل وفاته، كان يتلقى العلاج في مستشفى جامعة أوسلو منذ 17 أغسطس (آب) بسبب فقر الدم الانحلالي، وهي حالة تحدث عندما تتدمر خلايا الدم الحمراء بوتيرة أسرع من قدرة الجسم على إنتاجها.

نهاية عهد طويل

وأنهت وفاة هارالد عهداً استمر أكثر من ثلاثة عقود، ترك خلاله بصمة واضحة على الملكية النرويجية، من خلال الجمع بين التقاليد والانفتاح على المجتمع.

وقال رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره إن البلاد فقدت ملكاً ارتبط بالنرويجيين وكان مصدر استقرار ووحدة في أوقات الأزمات.

وبعد وفاة هارالد الخامس، سوف يصبح نجله هو الملك هاكون الثامن تلقائياً.


حالة ملك النرويج الصحية «حرجة للغاية»... والمئات يتجمعون خارج قصره

رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)
رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)
TT

حالة ملك النرويج الصحية «حرجة للغاية»... والمئات يتجمعون خارج قصره

رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)
رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)

أعلن البلاط الملكي في النرويج، اليوم الخميس، أن الحالة الصحية للملك هارالد (89 عاماً) «حرجة للغاية»، وأن أفراد أسرته التفّوا حوله ​لساعاتٍ في المستشفى. وتجمّع مئات الأشخاص خارج القصر الملكي في أوسلو وفي وسط مدن نرويجية رئيسية أخرى، ووضع كثيرون منهم الزهور بانتظار أخبار أخرى عن صحة الملك.

وذكر القصر، في بيان ثان أصدره في وقت لاحق من اليوم، أن حالة الملك الصحية لا تزال كما هي، ‌وأن ولي ‌العهد الأمير هاكون، وزوجة الملك الملكة ​سونيا، ‌ألغيا ⁠عدة ​رحلات كانت ⁠مقررة.

ويتولى الملك هارالد الخامس، أكبر ملوك أوروبا سناً حالياً، منصب رئيس الدولة الرمزي في النرويج منذ عام 1991. ونُقل إلى المستشفى، في 17 أغسطس (آب) الحالي. وقال القصر الملكي إنه يتلقى العلاج من عدوى بكتيرية في الدم. وأفادت وسائل إعلام نرويجية ⁠بأن أفراداً من أسرة الملك، وبينهم ‌ولي العهد والملكة، شوهدوا ‌لدى وصولهم إلى مستشفى جامعة ​أوسلو حيث يتلقى الملك العلاج. ‌وشُوهد معظمهم بعد ذلك وهم يغادرون المكان.

نرويجيون وضعوا زهوراً خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)

وألغى ‌رئيس الوزراء يوناس جار ستوره زيارة لألمانيا بسبب حالة الملك، وقال، في بيان: «الأمة بأَسرها تقف معنا ونحن نبعث تعاطفنا الدافئ إلى الملك وبقية أفراد العائلة الملكية».

وقطع رئيس ‌البرلمان النرويجي مسعود قره خاني زيارة رسمية إلى آيسلندا وعاد إلى البلاد. ⁠وقالت ⁠لجنة العلاقات الخارجية والدفاع إن أعضاءها سيعودون إلى النرويج من كوريا الجنوبية.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن النرويجيين، على نطاق واسع، يؤيدون الملكية. وعبَّر ما يقرب من ثلثي المشاركين، في استطلاعٍ أُجري في مايو (أيار) 2026، عن تأييدهم إياها. ويُعد هارالد أكثر أفراد العائلة المالكة شعبية، كما أوردت وكالة «رويترز».

وأعلن الملك، في عام 2024، أنه سيقلّص الأنشطة الرسمية التي يشارك فيها مراعاة لتقدمه في السن، لكنه استبعد التنحي ​عن العرش، قائلاً إن ​القَسَم الذي أداه ملكاً هو التزامٌ مدى الحياة.