زيلينسكي: هناك حاجة إلى عمل دولي ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية

قال إن موسكو تحاول الآن إنقاذ برنامج طهران النووي ما يدل على أن حلفاء كييف لا يمارسون ضغوطاً كافية عليها

زيلينسكي متحدّثاً خلال إحاطة صحافية في كييف يوم 4 يونيو (إ.ب.أ)
زيلينسكي متحدّثاً خلال إحاطة صحافية في كييف يوم 4 يونيو (إ.ب.أ)
TT

زيلينسكي: هناك حاجة إلى عمل دولي ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية

زيلينسكي متحدّثاً خلال إحاطة صحافية في كييف يوم 4 يونيو (إ.ب.أ)
زيلينسكي متحدّثاً خلال إحاطة صحافية في كييف يوم 4 يونيو (إ.ب.أ)

طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتشديد العقوبات ضد موسكو، التي قال إنها تنشر طائرات مسيّرة من طراز «شاهد» التي صممتها إيران وذخائر من كوريا الشمالية، مما يدل على أن حلفاء كييف لا يمارسون ضغوطاً كافية على موسكو. وقال زيلينسكي في كييف خلال خطابه الليلي عبر الفيديو: «روسيا تحاول الآن إنقاذ برنامج إيران النووي، لا توجد طريقة أخرى لتفسير الإشارات العلنية والأنشطة غير العلنية». وأضاف أنه كلما تعرض أحد شركاء روسيا لضغوط، تحاول موسكو التدخل. ويجب منع انضمام روسيا إلى الدول المتحالفة معها.

زيلينسكي والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (أ.ف.ب)

وعرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا يمكنها ضمان الاستخدام السلمي للطاقة النووية في إيران، حليفة روسيا، لتجنب التسلح النووي المخيف. وقال زيلينسكي: «عندما تقتل الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز (شاهد) التي تم تحديثها بشكل كبير الآن، والصواريخ الباليستية من كوريا الشمالية، التي تم تحديثها أيضاً، شعبنا في أوكرانيا، فهذه علامة واضحة على أن التضامن العالمي والضغط العالمي ليسا كافيين». وتابع: «يجب أن نشدد العقوبات بشكل كبير».

ووقعت روسيا شراكة استراتيجية مع إيران هذا العام. ونددت موسكو بالضربات الإسرائيلية ضد إيران، وعرضت الوساطة. وقال نائب وزير الخارجية الروسي إن موسكو تحث واشنطن على الامتناع عن التدخل المباشر. وقال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، إن الصراع بين إسرائيل وإيران كشف النفاق الروسي؛ إذ تدافع موسكو عن برنامج إيران النووي وتندد بالضربات على طهران بينما تهاجم أوكرانيا «بلا رحمة».

ووضع زيلينسكي يوم الخميس الزهور عند المبنى السكني المدمر في كييف حيث قتل، قبل يومين، 23 شخصاً جراء ضربة صاروخية روسية. وفي المجمل، فقد نحو 30 شخصاً حياتهم في الغارات الجوية على كييف ومدن أخرى. وقال زيلينسكي: «هذا إرهاب متعمد، كما ينفذه الجيش الروسي تحت قيادة بوتين في كل مكان».

كما تعرضت مدينتا أوديسا وخاركيف لهجمات واسعة بطائرات مسيّرة روسية، الخميس ليلاً، فيما تواصل موسكو هجماتها الجوية اليومية ضد أوكرانيا. وقالت قيادة سلاح الجو الأوكراني على تطبيق «تلغرام»، الجمعة، إنه بشكل إجمالي أطلقت القوات الروسية وابلاً من 86 طائرة من دون طيار تمكنت 16 منها من الإفلات من الدفاعات الجوية، حسب وكالة «بلومبيرغ» للأنباء، الجمعة.

زيلينسكي وميرتس خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 28 مايو (أ.ف.ب)

وأسفر الهجوم عن مقتل شخص واحد وإصابة 14 على الأقل في مدينة أوديسا وهي مدينة ساحلية على البحر الأسود، في جنوب أوكرانيا، طبقاً لما قاله مكتب المدعي العام على تطبيق «تلغرام». وألحقت الطائرات المسيرة أضراراً بالعديد من المباني السكنية، بما في ذلك مبنى مكون من 23 طابقاً، تم إخلاء 600 شخص منه بسبب الحريق. وألحقت الطائرات المسيرة أيضاً أضراراً بمحطة القطارات المركزية في أوديسا وبنية تحتية أخرى للسكك الحديد، حسب هيئة السكك الحديد الأوكرانية على تطبيق «تلغرام».

عمليات البحث مستمرة عن أحياء بين الأنقاض (أ.ف.ب)

وبدورها أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، أن أنظمة الدفاع الجوي المناوبة التابعة لها، أسقطت 61 طائرة مسيرة أوكرانية الليلة الماضية. لكن من الصعب التأكد بشكل مستقل حول ادعاءات كل طرف.

من جانب آخر عيّن الرئيس الأوكراني، الخميس، غينادي شابوفالوف قائداً للقوات البرية، بعدما استقال سلفه إثر ضربة روسية على معسكر تدريبي للجيش أوقعت قتلى وجرحى. وسبق أن عمل شابوفالوف منسقاً للمساعدات العسكرية في ألمانيا وتولى قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في مداخلته المسائية إنه يعوّل على «خبرة قتالية حقيقية» لدى شابوفالوف داعياً إلى تغييرات في الجيش الأوكراني الذي يواجه صعوبات في صد القوات الروسية بعد أكثر من ثلاث سنوات على الحرب. وشدّد زيلينسكي في مداخلته المسائية على أن «التغييرات ضرورية» قائلاً إنها «مسألة إلزامية».

تحرز قوات موسكو تقدّماً في الخطوط الأمامية منذ أكثر من عام، وقد حقّقت مكاسب ميدانية في منطقة سومي الأوكرانية التي تسعى لاحتلالها منذ بداية الحرب.

ومحادثات السلام الرامية إلى وضع حد للنزاع متعثّرة منذ أسابيع بعدما أصبح تركيز واشنطن، أكبر حليف لكييف، مُنصباً على الشرق الأوسط. وتقول روسيا إنها منفتحة على حل سلمي لكن كييف تتّهم موسكو بتعمد عرقلة المحادثات لإطالة أمد القتال.

وأخفقت جولتان من محادثات السلام بإسطنبول في التوصل إلى هدنة في المعارك. ورفضت روسيا دعوات لوقف إطلاق نار غير مشروط متعهدة مواصلة هجومها المستمر منذ ثلاث سنوات. وتطالب موسكو كييف بالتنازل عن مزيد من الأراضي والتخلي عن الدعم العسكري الغربي بوصفهما شرطين لهدنة.

وقال جنرال ألماني إن الصراع الإسرائيلي الإيراني ليس له أي تداعيات عسكرية على الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مضيفاً: «لا ندرس تحويل الأسلحة المخصصة لأوكرانيا إلى إسرائيل».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا المزيد من أسرى الحرب، الجمعة، في إطار اتفاق أبرم خلال محادثات بإسطنبول في وقت سابق هذا الشهر. أخفقت تلك المحادثات في إحراز تقدم نحو وقف إطلاق النار لكن الطرفين وافقا على الإفراج عن أسرى حرب، جميعهم جرحى أو مرضى أو دون 25 عاماً.

زيلينسكي يتوسط السيناتورين الجمهوري غراهام والديمقراطي بلومنثال في كييف يوم 30 مايو (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان، إن «مجموعة من الجنود الروس أعيدوا من الأراضي التي يسيطر عليها نظام كييف. في المقابل تم تسليم مجموعة من أسرى الحرب الأوكرانيين». وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عملية التبادل، مرحباً بعودة الجنود الأوكرانيين «أخيراً إلى ديارهم». وأضاف عبر تطبيق «تلغرام»: «معظم الجنود العائدين من الأسر في روسيا اليوم أمضوا أكثر من عامين هناك».

ولم يعلن أي من الجانبين عدد الجنود الذين أفرج عنهم الجمعة.

ونشرت موسكو فيديو يظهر جنوداً روس ببزات عسكرية وهم يهتفون «روسيا، روسيا» وقد اتشحوا بأعلام روسية. ونفذ الجانبان عشرات من عمليات التبادل المماثلة منذ بدء النزاع، في إطار إحدى مجالات الحوار القليلة بين موسكو كييف.


مقالات ذات صلة

مُسيّرات أوكرانيا تُعزز الضغط على الداخل الروسي

أوروبا سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)

مُسيّرات أوكرانيا تُعزز الضغط على الداخل الروسي

وسّعت أوكرانيا حملة الضربات بعيدة المدى لتشمل مصافي النفط والمصانع العسكرية ومراكز الاتصالات والطاقة؛ من موسكو وبطرسبرغ، إلى مناطق أخرى في العمق الروسي...

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملقياً كلمة في موسكو يوم 28 يونيو (أ.ف.ب)

بوتين يتعهد بضمان أمن روسيا في ظل تصاعد الضربات الأوكرانية

تعهّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأحد، بضمان أمن روسيا والتغلب على التحديات التي تواجهها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا طائرة «ميغ 29» تابعة للقوات الجوية الأوكرانية تحلق فوق منطقة دونيتسك في أوكرانيا (د.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يعلن استهداف مصفاتين للنفط في روسيا

استهدفت أوكرانيا مصفاتين للنفط في منطقتَي كراسنودار وياروسلافل بروسيا خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف )
الاقتصاد سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)

أزمة الوقود في روسيا تكشف عن عمق الضغوط على الاقتصاد الكلي

أصبح البنزين سلعة شحيحة في روسيا، وأصبحت طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي في البلاد.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تشن هجوماً على منشأة صناعية في فولغوغراد

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم السبت، شن هجوم على منشأة صناعية رئيسية في مدينة فولغوغراد الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

مُسيّرات أوكرانيا تُعزز الضغط على الداخل الروسي

سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)
سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)
TT

مُسيّرات أوكرانيا تُعزز الضغط على الداخل الروسي

سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)
سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)

لم تَعُد الحرب الروسية - الأوكرانية تُقاس بعدد القوات على جبهة دونباس، بل بقدرة كل طرف على نقل التكلفة السياسية والاقتصادية إلى عمق خصمه. وفي الأسابيع الأخيرة، نجحت كييف في إحداث تحول واضح في هذا الجانب، بعدما وسّعت حملة الضربات بعيدة المدى لتشمل مصافي النفط والمصانع العسكرية ومراكز الاتصالات والطاقة؛ من موسكو وبطرسبرغ، إلى مناطق تقع على مسافات كبيرة من الحدود.

هذه التطورات لا تعني أن أوكرانيا باتت على وشك حسم الحرب. فموسكو ما زالت تملك تفوقاً كبيراً في الصواريخ الباليستية والقدرة على قصف المدن الأوكرانية، كما أن قواتها لا تزال تسيطر على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية. الجديد هو أن كييف باتت تمتلك أداة ضغط لم تكن متاحة لها بهذا الحجم من قبل: جَعلُ الحرب محسوسة داخل روسيا، وإضعاف صورة الكرملين بوصفه قادراً على حماية الداخل، بالتوازي مع رفع التكلفة الاقتصادية لاستمرار القتال.

استهداف العمق الروسي

تُظهر الضربات الأخيرة أن برنامج المسيّرات الأوكراني تجاوز مرحلة العمليات الرمزية. فقد استهدفت الهجمات منشآت نفطية، ومصانع لإنتاج مكونات الصواريخ والذخائر، ومراكز اتصالات قريبة من موسكو، فيما قالت تقارير غربية إن إنتاج البنزين الروسي انخفض بنسبة 25 في المائة خلال أسبوع واحد من يونيو (حزيران) الحالي؛ مما دفع بعشرات المناطق إلى فرض قيود على التوزيع، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

هذه الأرقام مهمة؛ لأنها تعكس انتقال الضربات من التأثير العسكري المحدود، إلى الضغط على الاقتصاد والمجتمع. فاستهداف المصافي لا يقلص فقط إيرادات الدولة وقدرتها على تمويل الحرب، بل يربك أيضاً حركة النقل والإمداد والقطاع الزراعي والأسعار المحلية. وقد أقرت موسكو عملياً بحجم المشكلة عندما بحثت حظر صادرات الديزل، بينما وصف رئيس شركة «روسنفت» الأضرار التي لحقت بالمصافي بأنها «غير مسبوقة». وتزامن ذلك مع اتساع عجز الموازنة الروسية إلى 6 تريليونات روبل حتى نهاية مايو (أيار) الماضي، أي أكبر من ضعف مستواه قبل عام، وفق المعلومات التي أوردتها «واشنطن بوست».

مع ذلك، فإن الهدف الأوكراني يبقى أبعد من إتلاف منشآت بعينها. فكييف تسعى إلى ضرب العقدة النفسية التي قامت عليها استراتيجية بوتين منذ 2022: إبقاء معظم الروس بعيدين عن آثار الحرب اليومية. وأصبح تعليق الرحلات في مطارات موسكو، وتصاعد الدخان فوق المصافي، ونقص الوقود، عناصر تربط المواطن الروسي مباشرة بحرب كان الكرملين يقدمها بوصفها عملية تجري خارج الحدود ولا تهدد سير الحياة الطبيعية.

القرم تتحول عبئاً استراتيجياً

تبدو شبه جزيرة القرم المثال الأوضح على هذا التحول... فالمنطقة التي قدمها بوتين منذ ضمها عام 2014 بوصفها أحد أهم إنجازاته التاريخية، تحولت نقطةَ ضعف عسكرية ولوجستية. وقد دفعت الضربات الأوكرانية السلطات الموالية لروسيا إلى إعلان حالة طوارئ، بعد انقطاع الكهرباء، وتعليق بيع الوقود للمدنيين، واضطراب النقل، وإلغاء مخيمات صيفية، وإجلاء أطفال.

كما تراجعت الحجوزات السياحية، واصطفت آلاف السيارات لمغادرة شبه الجزيرة عبر جسر كيرتش. الرمزية العسكرية للقرم لا تقل عن رمزيتها السياسية. فمنها انطلقت عمليات روسية واسعة في جنوب أوكرانيا، وفيها قواعد وموانئ ومنظومات دفاع جوي، كما تُشكّل حلقة إمداد أساسية للقوات الروسية في خيرسون وزابوريجيا. لذلك، تُركّز كييف على عزلها تدريجياً عبر ضرب الجسور والسكك الحديدية والعبارات ومستودعات الوقود ومحطات الكهرباء، بدلاً من محاولة اقتحامها برياً في عملية باهظة ومعقدة.

هذا الضغط جعل القرم، مجدداً، ساحة متنازعاً عليها تحتاج إلى كميات متصاعدة من الدفاعات والوقود والموارد. ويزداد العبء؛ لأن روسيا مضطرة إلى توزيع منظوماتها الجوية بين موسكو ومقار القيادة وجسر كيرتش ومنشآت النفط والمدن البعيدة. وكلما ركزت الحماية في موقع، ظهرت ثغرات في مواقع أخرى. وبهذا المعنى، لا تحتاج أوكرانيا إلى تدمير كل هدف؛ يكفي أن تجبر موسكو على الدفاع عن مساحة شاسعة لا يمكن تغطيتها بالكامل.

سباق المسيّرات يُبدّل الردع

يعتمد نجاح كييف على الجمع بين كثافة الهجمات وتنوعها. فالموجات تضم مسيّرات هجومية وأخرى خداعية، وأحياناً صواريخ مجنحة، بما يربك الرادارات ويستنزف الذخائر الدفاعية.

وتشير تقديرات نقلتها «وول ستريت جورنال» إلى أن الضربات منذ مارس (آذار) الماضي عطّلت نحو 20 في المائة من قدرة التكرير الروسية، فيما ارتفع عدد المسيّرات التي قالت وزارة الدفاع الروسية إنها اعترضتها من 2504 في مايو 2025 إلى 8849 خلال مايو 2026.

وتمنح هذه الحرب أوكرانيا ميزة اقتصادية أيضاً؛ لأن تكلفة المسيّرة الهجومية قد تكون أقل بكثير من تكلفة الصاروخ المستخدم لاعتراضها، أو الضرر الذي تسببه في منشأة نفطية أو عسكرية. كما أن اتساع روسيا، الذي كان تاريخياً عنصراً دفاعياً، بات عبئاً؛ لأن المصافي والمصانع والمطارات موزعة على آلاف الكيلومترات. ولهذا رأى عسكريون ومحللون أن التكلفة غير المتكافئة للعمليات بدأت تنقلب ضد الطرف المدافع، الذي لا يستطيع حماية كل منشآته في الوقت نفسه.

غير أن تصوير هذه النجاحات على أنها نقطة حسم سيكون مبالَغاً فيه... فروسيا ما زالت تتفوق في الصواريخ الباليستية ذات القدرة التدميرية الأكبر مما لدى أوكرانيا، وقد واصلت قصف المدن وشبكة الطاقة الأوكرانية وإيقاع ضحايا مدنيين. كما يمكن لبوتين أن يرد بتصعيد الضربات بدلاً من تقديم تنازلات، وهو الاحتمال الذي رجحه محللون ومسؤولون روس تحدثت إليهم «واشنطن بوست». وتبقى قدرة كييف على المحافظة على وتيرة الإنتاج والهجمات، وحماية مدنها من الرد الروسي، شرطاً لتحويل التفوق التقني مكسباً سياسياً دائماً.

هل تعود واشنطن إلى الوساطة؟

في هذا السياق، عاد الخلاف بشأن ما جرى في «قمة أنكوريج» - عاصمة ألاسكا - بين ترمب وبوتين في أغسطس (آب) 2025.

فقد قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن ما طُرح في ألاسكا كان مقترحات وليس اتفاقاً، بينما ردّ سيرغي لافروف بأن موافقة روسيا على المقترحات الأميركية تعني وجود تفاهم، وطالب واشنطن بتوضيح موقفها.

ويكشف السجال عن أن موسكو تخشى ابتعاد الإدارة الأميركية عن الصيغة التي اعتقدت أنها تمنحها شروطاً مناسبة للتسوية. إلا إن النبرة الأميركية بدت أقل ميلاً إلى تبني الرواية الروسية. فترمب قال إن أوكرانيا «تؤدي بشكل جيد»، والتقى زيلينسكي خلال «قمة مجموعة السبع».

ووفق «واشنطن بوست»، فقد جاءت هذه الإشارات مع تلويح أميركي بإمكان تشديد العقوبات على موسكو؛ مما أثار قلقاً داخل النخبة الروسية.

مع ذلك، فإن الوساطة الأميركية لا تزال أمام عقبتين؛ الأولى أن بوتين قد يرى التصعيد وسيلة لاستعادة الردع، لا سبباً للتراجع. والثانية أن زيلينسكي، وقد اكتسب ورقة جديدة، فسيحاول تحسين شروط التفاوض بدلاً من قبول تسوية تعكس مكاسب روسيا السابقة. لذلك؛ فإن توازن القوى الجديد لا يضمن اتفاقاً قريباً، لكنه يغير طبيعة النقاش: لم تعد موسكو وحدها قادرة على استخدام الوقت والقوة لفرض شروطها، ولم تعد كييف تدخل أي مفاوضات من موقع الدفاع الكامل.

لذلك؛ يرى المُحلّلون أن حملة المسيّرات الأوكرانية لا تنهي الحرب، لكنها تعيد توزيع الخوف والتكلفة. فقد نقلت جزءاً من المعركة إلى العمق الروسي، وحولت القرم من رمز للانتصار إلى عبء، وأعادت لأوكرانيا مكانة أكبر قوة داخل المعادلة الأوروبية والأميركية. وإذا استمرت أزمة الوقود، والضغط المالي، وتآكل الشعور بالأمان، فقد تصبح الوساطة الأميركية أكبر جدية.


بوتين يتعهد بضمان أمن روسيا في ظل تصاعد الضربات الأوكرانية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملقياً كلمة في موسكو يوم 28 يونيو (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملقياً كلمة في موسكو يوم 28 يونيو (أ.ب)
TT

بوتين يتعهد بضمان أمن روسيا في ظل تصاعد الضربات الأوكرانية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملقياً كلمة في موسكو يوم 28 يونيو (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملقياً كلمة في موسكو يوم 28 يونيو (أ.ب)

تعهّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأحد، بضمان أمن روسيا والتغلب على التحديات التي تواجهها، في وقت كثّفت فيه أوكرانيا ضرباتها داخل الأراضي الروسية.

وتقول كييف إن هذه الهجمات تمثل رداً مشروعاً على القصف الروسي شبه اليومي الذي يستهدف المدنيين الأوكرانيين ومنشآت الطاقة منذ بدء الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022.

وقال بوتين، خلال مؤتمر حزب «روسيا الموحدة»: «نعم، نرى المشكلات وندركها ونتعامل معها، لكننا سنضمن بالتأكيد أمن البلاد والمواطنين، وكذلك حرمة حدود روسيا»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». وأضاف: «سنتغلب بلا شك على جميع التحديات التي نواجهها اليوم، بما في ذلك الهجمات الإرهابية التي تستهدف أراضينا ومنشآت البنية التحتية».

وجاءت تصريحات بوتين بعد ساعات من إعلان السلطات الروسية مقتل شخص في هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية استهدف مصفاة نفط في إقليم كراسنودار بجنوب روسيا، وأدى إلى اندلاع حريق فيها، بحسب حاكم الإقليم فينيامين كوندراتييف.

وأعلنت كييف مسؤوليتها عن الهجوم، بينما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الضربة تندرج ضمن «العمليات التي تُضعف قدرة روسيا على مواصلة هذه الحرب». وأضاف زيلينسكي، في منشور على منصة «إكس»: «استُهدفت مصفاة سلافيانسك في إقليم كراسنودار، على مسافة نحو 300 كيلومتر من خط الجبهة، كما أصبنا مصفاة في إقليم ياروسلافل، على مسافة تقارب 700 كيلومتر من حدودنا».

وكان هجوم أوكراني آخر قد تسبب، الأسبوع الماضي، في اندلاع حريق كبير في مصفاة تقع جنوب شرقي موسكو؛ ما أدى إلى تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود غطّت ضواحي العاصمة.

وفي شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا، أعلنت السلطات الموالية لموسكو، الجمعة، حالة الطوارئ في محاولة للحد من تداعيات تصاعد الهجمات الجوية الأوكرانية على المنطقة. وتعاني القرم نقصاً في الوقود وانقطاعات في الكهرباء نتيجة الضربات الأوكرانية التي استهدفت سلاسل الإمداد والمنشآت النفطية في شبه الجزيرة، وفي مناطق أخرى تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا، إضافة إلى جنوب روسيا.

وكانت روسيا قد سيطرت على شبه جزيرة القرم، وضمّتها عام 2014، إلا أن غالبية دول العالم، بما في ذلك عدد من حلفاء موسكو، لا تعترف بهذه الخطوة.


ما سبب ارتفاع عدد الوفيات بسبب موجة الحر في أوروبا؟

مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)
مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)
TT

ما سبب ارتفاع عدد الوفيات بسبب موجة الحر في أوروبا؟

مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)
مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)

بمجرد انحسار موجة الحر، التي تخطت فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية، ستبدأ أوروبا في حصر ضحاياها.

من المرجح أن تكون درجات الحرارة الاستثنائية التي تجتاح غرب القارة، هذا الأسبوع، قد أودت بحياة المئات، وربما الآلاف، بعد أكثر من عقدين من صيف 2003 القاتل الذي نبه الحكومات إلى مخاطر الحر الشديد.

ومن المرتقب أن يتأثّر 191 مليون شخص على الأقلّ بحرارة أعلى من 35 درجة مئوية في فترة ما من الأحد، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

‌قالت الوكالة الوطنية للصحة العامة في فرنسا، الأحد، إن البلاد سجلت 1000 ​حالة وفاة فوق المعدل الطبيعي خلال موجة الحر الشديد التي تجتاح أوروبا، محذرة من أن العدد الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك.

وبدأت السلطات الفرنسية تحصي الوفيات الإضافية التي من الممكن أن تنسب إلى القيظ التاريخي الذي يخنق البلد منذ 11 يوماً.

يستمتع الناس برش المياه بواسطة مدفع مياه تابع للشرطة عند بوابة براندنبورغ خلال موجة الحر المستمرة في برلين (رويترز)

وأشارت وكالة الصحة العامة في فرنسا إلى أن هذه الظاهرة طالت خصوصاً من هم فوق الخامسة والستين (85 في المائة من الحالات)، لافتة إلى أن الوفيات في المنازل سجلت أعلى زيادة بنسبة 40 في المئة تقريباً، لا سيما في منطقة إيل دو فرانس التي تضم باريس وضواحيها.

ليست المرة الأولى

لا تعد وفاة الأوروبيين من شدة الحر أمراً جديداً، ففي عام 2003، أودى الحر بحياة نحو 70 ألف شخص؛ ما دفع الحكومات إلى وضع خطط عمل عاجلة.

ومع ذلك، وبعد عقدين من الزمن، لا تزال الوفيات الناجمة عن الحر تصل إلى عشرات الآلاف سنوياً. ورغم صعوبة الحصول على بيانات عالمية موثوق بها، تشير التقديرات إلى أن عدد الأوروبيين الذين يموتون بسبب الحر مرتفع بشكل غير متناسب مقارنةً بأجزاء أخرى من العالم.

تغير المناخ... متهم رئيسي

ويُعدّ شيخوخة السكان والتغير المناخي السريع في قارة يندر فيها استخدام مكيفات الهواء من العوامل الرئيسية التي تُسهم في ارتفاع عدد الوفيات في أوروبا. ولكن في جوهر الأمر، فإن الجهود المبذولة لحماية الأوروبيين خلال فصول الصيف التي تزداد حرارةً باستمرار لا تزال متأخرة كثيراً عما ينبغي أن تكون عليه، حسبما أفادت مجلة «بوليتيكو».

تشير مقاييس الحرارة إلى 36 درجة مئوية في وسط وارسو في بولندا (إ.ب.أ)

وفي هذا الصدد، قال هانز كلوج، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، لموقع مجلة «بوليتيكو»: «لا تزال معظم دول أوروبا غير مستعدة بشكل منهجي لما أصبح بالفعل أزمة متكررة. ما زلنا نتعامل مع موجة الحر كظاهرة جوية عابرة بدلاً من كونها تهديداً مزمناً للصحة العامة».

ومع ازدياد تواتر موجات الحر وشدتها نتيجة الاحتباس الحراري، يؤكد الخبراء ضرورة اتخاذ أوروبا إجراءات عاجلة لحماية سكانها.

وتقول فلور موناسو، مسؤولة شؤون أوروبا في مركز المناخ التابع لـ«الصليب الأحمر» و«الهلال الأحمر»: «برزت الحرارة كأخطر وأخطر خطر صحي يهدد أوروبا. إنها مسألة حياة أو موت».

شيخوخة سكان أوروبا

تشكّل موجات الحرّ المتواترة مؤشّراً لا لبس فيه إلى التغيّر المناخي الناجم، خصوصاً عن حرق الوقود الأحفوري. ومن العوامل التي تتسبب في ارتفاع حصيلة الوفيات جراء موجات الحر في أوروبا، شيخوخة سكان القارة. تُشكل الحرارة تهديداً صحياً عالمياً. تُشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن العالم شهد في العقدين الأولين من هذا القرن نحو 489 ألف حالة وفاة سنوياً بسبب الحرارة.

لكن يبدو أن الخسائر في أوروبا فادحة؛ فالقارة تضم أقل من 10 في المائة من سكان العالم، لكنها سجلت أكثر من ثلث وفيات الحرارة المُقدرة من قِبل منظمة الصحة العالمية بين عامي 2000 و2019.

وتُظهر البيانات أن معدل الوفيات المرتبطة بالحرارة قد ارتفع في معظم أنحاء أوروبا منذ عام 2000.

وفقدت أوروبا أكثر من 200 ألف شخص بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأربع الماضية، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وفي عام 2022، توفي أكثر من 60 ألف أوروبي لأسباب مرتبطة بالحرارة.

منازل أشبه بالأفران

تعاني المباني الأوروبية، حيث يقضي سكان القارة نحو 90 في المائة من وقتهم، من ارتفاع درجة الحرارة.

وصُممت مباني شمال أوروبا للاحتفاظ بالحرارة في الشتاء البارد، لا لتبريدها في الصيف. ومع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، يتحول هذا الأمر إلى خطر صحي.

حذرت لجنة تغير المناخ في المملكة المتحدة من أن 92 في المائة من المنازل القائمة قد ترتفع درجة حرارتها بشكل مفرط بحلول عام 2050. وفي باريس، تُحوّل أسطح الزنك الشهيرة في المدينة الشقق إلى أفران.

ندرة مكيفات الهواء

رغم ازدياد استخدام أجهزة التكييف، فإنها لا تزال غير شائعة في أوروبا، فنحو خُمس المنازل الأوروبية فقط مُجهزة بأجهزة تكييف، مقارنةً بـ 90 في المائة في الولايات المتحدة.

يشقّ المجدفون طريقهم على طول نهر التايمز في ميدنهيد بينما لا يزال ساري المفعول تحذير أحمر نادر من موجة حر شديدة في بريطانيا (د.ب.أ)

ويعزو موناسو ارتفاع معدل الوفيات الناجمة عن الحرارة في أوروبا إلى «مجموعة من العوامل، لكن من المؤكد أن التكييف وسيلة لإنقاذ الأرواح». ويضيف: «في أوروبا، التغطية أقل كثيراً، وهذا يُعد مشكلة خطيرة، وسيُحدث تحسين الوضع فرقاً كبيراً».

ولا يقتصر الأمر على المنازل فحسب، بل تفتقر المصانع والمدارس والقطارات وحتى المستشفيات إلى التبريد الكافي.

وارتفعت الوفيات الناجمة عن الحرارة في أماكن العمل بنسبة 42 في المائة في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2000؛ ما دفع الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال إلى دعوة بروكسل إلى تضمين فترات التبريد الإلزامية ودرجات الحرارة القصوى للعمل في تشريعات العمل.

هذا الأسبوع، أُغلقت آلاف المدارس بسبب ارتفاع درجات الحرارة في الفصول الدراسية؛ وأوقفت بلجيكا تشغيل القطارات غير المُكيّفة؛ وأعلنت إحدى العيادات الفرنسية عن وفاة مريض بسبب ارتفاع درجة حرارة غرفته في المستشفى.