ترمب يجدّد دعمه لبوتين وسط خلافات مستمرة مع الحلفاء

انسحابه المبكر من قمة مجموعة السبع يثير الشكوك بمستقبل التحالف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد على متن الطائرة الرئاسية بمطار كالغاري في كندا عائداً إلى الولايات المتحدة بعدما غادر قمة مجموعة السبع مبكراً (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد على متن الطائرة الرئاسية بمطار كالغاري في كندا عائداً إلى الولايات المتحدة بعدما غادر قمة مجموعة السبع مبكراً (أ.ب)
TT

ترمب يجدّد دعمه لبوتين وسط خلافات مستمرة مع الحلفاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد على متن الطائرة الرئاسية بمطار كالغاري في كندا عائداً إلى الولايات المتحدة بعدما غادر قمة مجموعة السبع مبكراً (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد على متن الطائرة الرئاسية بمطار كالغاري في كندا عائداً إلى الولايات المتحدة بعدما غادر قمة مجموعة السبع مبكراً (أ.ب)

يشعر الأوروبيون بالقلق من سعي الولايات المتحدة إلى تعميق علاقتها مع روسيا مع تقليص دعمها لأوكرانيا، في الوقت الذي يحاولون فيه الحصول على دعم الرئيس دونالد ترمب لتشديد العقوبات على روسيا في قمة مجموعة السبع المنعقدة بكندا.

غير أن مغادرة ترمب أعمال القمة بعد يوم واحد من انعقادها، بحجة تطورات الحرب بين إسرائيل وإيران، تسببت بانطباعات مقلقة عن نيات الرئيس الأميركي. وعُدَّت مغادرته للقمة محاولة لإجهاض أي مساعٍ لفرض تلك العقوبات، والتهرب من لقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي وصل إلى كندا الثلاثاء، فضلاً عن إضعافه مجموعة السبع نفسها، بعدما كرَّر انتقادها بسبب طرد روسيا من عضويتها عام 2014، إثر هجومها وضمها لشبه جزيرة القرم.

قادة «السبع» في صورة تذكارية خلال قمة المجموعة بملعب كاناناسكيس الريفي للغولف في كاناناسكيس (إ.ب.أ)

ترمب ينتقد طرد روسيا

وبدلاً من أن يفتتح ترمب كلمته في اجتماع المجموعة بالحديث عن التجارة، أو مناقشة الوضع في الشرق الأوسط أو الحرب المستمرة في أوكرانيا، انتقد قرار طرد روسيا من المجموعة، مكرراً ادعاءاته عن منع الحرب في أوكرانيا، التي قال هو نفسه عنها إنها كانت لزوم حملته الانتخابية ولم تكن واقعية. وقال ترمب: «أود أن أقول إن ذلك كان خطأً؛ لأنني اعتقد أنه ما كانت لتحدث الحرب الآن».

وقال للصحافيين: «كانت مجموعة الدول السبع تُعرف سابقاً بمجموعة الدول الثماني»، في إشارة إلى قرار المجموعة طرد روسيا. ثم ألقى باللوم على الرئيس السابق باراك أوباما ورئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو لطردهما روسيا، وجادل بأن انضمامها إلى المجموعة كان سيُجنّب الحرب في أوكرانيا. غير أن ترمب كان مخطئاً؛ إذ إن رئيس الوزراء الكندي في ذلك الوقت كان ستيفن هاربر وليس ترودو.

لقاء بين مارك كارني وكير ستارمر في أوتاوا قبل ساعات من قمة «السبع» 15 يونيو (د.ب.أ)

وبدت ادعاءات ترمب تكراراً لما جرى في قمة المجموعة عام 2018 في كندا أيضاً، عندما دعا إلى إعادة انضمام روسيا إلى التحالف. وهو ما أثار غضب قادة المجموعة وصدمتهم، متسبباً بخلاف معهم قبل مغادرته المبكرة للقمة. وقال ترمب للصحافيين خلال مغادرته: «يجب أن يسمحوا لروسيا بالعودة. لأنه يجب أن تكون روسيا على طاولة المفاوضات». وفي مقابلة أجريت معه مؤخراً، أعرب ترمب عن انفتاحه لكي يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسيطاً أيضاً في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران. وجاءت تصريحات ترمب قبل يوم واحد من اجتماعه المقرر مع زيلينسكي، الذي لطالما انتقده ترمب، محملاً إياه مسؤولية الحرب واتهامه بعدم الرغبة في إنهائها.

الابتعاد عن الحلفاء

وبدت تعليقاته انحيازاً واضحاً لبوتين، وابتعاداً عن حلفاء أميركا، ليس فقط فيما يتعلق بالموقف من أوكرانيا، بل ومن وحدة هذا الحلف أيضاً، الذي يترافق أيضاً مع تشكيكه الدائم بحلف شمال الأطلسي، الذي يتوقع أن يحضر ترمب قمته المقبلة في لاهاي في 24 من الشهر الحالي، ويحضرها زيلينسكي أيضاً.

وقال ترمب: «تقضون وقتاً طويلاً في الحديث عن روسيا، وهو ليس موجوداً على الطاولة». وأضاف مشيداً بالرئيس الروسي: «بوتين يتحدث معي؛ لا يتحدث إلى أي شخص آخر؛ لأنه شعر بإهانة شديدة عندما طُرد من مجموعة الثماني، كما كنت سأشعر، وكما كان سيشعر أي شخص آخر».

زيلينسكي يتوسط السيناتورين الجمهوري غراهام والديمقراطي بلومنثال في كييف يوم 30 مايو (أ.ف.ب)

وكان ترمب قد تحدث مع بوتين بشكل شبه منتظم، كان آخرها يوم السبت، عندما قال إن الرئيس الروسي اتصل به ليهنئه بعيد ميلاده، وأنهما بحثا مطولاً الصراع الإيراني - الإسرائيلي، أكثر من أوكرانيا.

ومع ذلك، لم يُسهم دفاعه عن بوتين حتى الآن في تهدئة الحرب، التي ادعى خلال حملته الانتخابية أنه قادر على إنهائها في يوم واحد. كما اعترف بأن بوتن ربما يستغله من خلال إطالة أمد الحرب.

وبعد تصعيد روسيا توغلها في أوكرانيا، هدَّد ترمب بفرض رسوم جمركية على روسيا، إلا أنه لم يُنفّذ تهديده أبداً. وقدّم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام مشروع قانون عقوبات على روسيا يفرض رسوماً جمركية بنسبة 500 في المائة على الدول التي تشتري النفط الروسي. وقال إن ذلك سيمنح ترمب نفوذاً أكبر لإنهاء الحرب. لكن ترمب وصف المشروع بأنه «مشروع قانون قاسٍ»، محذراً الجمهوريين بأن إقراره يحتاج إلى موافقته.

مصير العقوبات الأوروبية

وكان من المتوقع أن يستغل قادة مجموعة السبع قمتهم للإعلان عن حزمة عقوبات جديدة على روسيا بحضور ترمب. وأعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في بيان أنه يريد «العمل مع جميع شركائنا في مجموعة السبع للضغط على عائدات الطاقة الروسية وتقليل الأموال التي يمكنهم ضخها في حربهم غير الشرعية».

واقترح الأوروبيون هذا الشهر حزمة عقوبات جديدة تتضمن السعي لخفض سقف سعر النفط الروسي من 60 دولاراً للبرميل إلى 45 دولاراً. ويمنع هذا السقف، الذي تدعمه دول مجموعة السبع، الشركات من تقديم خدمات مالية لشحنات النفط الروسية المنقولة بحراً ما لم يُبع بأقل من هذا المستوى. كما اقترحوا تدابير جديدة تستهدف البنوك الروسية، من شأنها أن تُنهي فعلياً جهود إحياء خط أنابيب «نورد ستريم» الروسي إلى ألمانيا، وفرض حظر على المنتجات المكررة من دول ثالثة التي تعتمد على النفط الروسي. وناقش القادة سقف السعر، والارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال القمة يوم الاثنين. لكن الحرب في الشرق الأوسط قد تعقد اقتراحهم. وأشارت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، في 12 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن الاتحاد قد يمضي قدماً من دون الولايات المتحدة إذا لزم الأمر. لكن تطبيق مثل هذه التدابير من دون مساعدة الولايات المتحدة سيكون صعباً.

اندلعت النيران في منطقة سكنية بأوكرانيا تعرَّضت للهجوم من روسيا (إ.ب.أ)

ترمب يقلل من شأن العقوبات

وعندما سُئل ترمب بعد اجتماعه مع ستارمر يوم الاثنين عما إذا كانت الولايات المتحدة ستنضم إلى أوروبا في فرض المزيد من العقوبات، قلل الرئيس الأميركي من أهمية هذا الإجراء. وقال: «حسناً، أوروبا تقول ذلك، لكنها لم تفعل ذلك بعد. دعونا نرهم يفعلون ذلك أولاً». وقال إنه لا يزال ينتظر ليرى ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، مضيفاً أن العقوبات ستكون مكلفة أيضاً للولايات المتحدة. وقال: «الأمر لا يقتصر على مجرد توقيع وثيقة. أنت تتحدث عن مليارات ومليارات الدولارات. العقوبات ليست بهذه السهولة. إنها ليست مجرد طريق باتجاه واحد».

وكان ترمب قد أشار إلى أنه يريد وقف وساطته في الحرب، بعد أن شعر بالإحباط من عدم إحراز تقدم في التفاوض على اتفاق سلام، قائلاً إن كلا الجانبين قد يحتاج إلى مواصلة القتال قبل أن يكون مستعداً لصنع السلام.


مقالات ذات صلة

أوروبا شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)

احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا احتجاز شخصين في إسبانيا وغرب ألمانيا للاشتباه في أنهما يتجسسان لصالح الاستخبارات الروسية.

«الشرق الأوسط» (برلين - مدريد)
أوروبا خلال لقاء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

اتهامات للمجر بأنها «الطابور الخامس» لموسكو

معلومات صحافية تؤكد أن وزير خارجية المجر بيتير زيجارتو ، المقرّب جداً من رئيس الحكومة فيكتور أوربان، يتواصل مباشرة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا مبنى سكني أُصيب بمسيرة روسية في مدينة دنبرو الأوكرانية الثلاثاء (رويترز)

زيلينسكي يستعد لاستمرار الحرب ثلاث سنوات إضافية

كشفت تقارير أوكرانية عن توجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترة طويلة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

«أو إم في» النمساوية: أزمة الطاقة الحالية تفوق تداعيات الحرب الأوكرانية

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أو إم في» النمساوية ألفريد شتيرن، إن أزمة الطاقة في الشرق الأوسط أكثر خطورة من الأزمة التي نجمت عن الحرب الأوكرانية عام 2022.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة وأعمال العنف في الضفة الغربية.

وقالت كوبر أمام لجنة برلمانية: «أنا قلقة خصوصاً في الوقت الراهن بشأن ما يحدث في الضفة الغربية. ولدي قلق بالغ حيال إبقاء عملية خطة النقاط العشرين الخاصة بغزة على المسار الصحيح، خصوصاً بسبب اتّساع نطاق النزاع في الشرق الأوسط».

وأضافت: «أعتقد أن هناك قلقاً بالغاً وحقيقياً في هذه اللحظة مما يحدث في الضفة الغربية ومستوى عنف المستوطنين».

وتتركز الجهود الدبلوماسية حالياً على جلب إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، لوضع حد لحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، أشعل فتيلها هجوم أميركي - إسرائيلي قُتل فيه المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.

وبينما تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ترد هذه بإطلاق المسيرات والصواريخ على الدولة العبرية ودول الخليج، في نزاع يؤثر بشكل كبير على اقتصاد العالم.

وقالت كوبر: «في ظروف أخرى، لكانت (قضية السلام في غزة والعنف في الضفة الغربية) استحوذت على حيّز كبير من تركيزنا جميعاً على مستوى العالم، لكن في الظروف الراهنة هناك أمور كثيرة تجري»، لافتة إلى أن ذلك ينطوي على خطر «عدم التركيز بمقدار كاف على تلك القضايا».

وتابعت: «سيكون علينا وضع رؤية أوسع نطاقاً للأمن والاستقرار الإقليميين، لا بد أن تشمل إسرائيل وفلسطين ولبنان، وكذلك مقاربة أشمل».


اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

اصطدمت سفينة شحن محمّلة بحاويات بجسر في ميناء بمدينة نويس غرب ألمانيا، ما أدى إلى سقوط حاويتين فارغتين في المياه، بينما مالت حاويات أخرى بشكل خطر، وفقاً لما أعلنته الشرطة.

وبحسب المعلومات الحالية، لم يسفر الحادث عن وقوع إصابات، فيما تم إغلاق الجسر المخصص لقطارات الميناء فقط، أمام حركة المرور لفحص الأضرار التي لحقت به، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضحت السلطات أن السفينة كانت علقت أسفل الجسر، مشيرة إلى أنه نظراً لكونه جسراً متحركاً (يرفع هيدروليكياً)، فقد تم رفعه بأسرع ما يمكن لتحرير السفينة، وهو ما تسبب في سقوط المزيد من الحاويات غير المستقرة في الماء.

وبعد عدة ساعات من العمل، تمكنت الفرق المختصة من تحرير السفينة بنجاح.

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

وهرعت إلى موقع الحادث عدة قوارب تابعة للشرطة وهيئة الإنقاذ المائي والإطفاء. بالإضافة إلى ذلك، قامت قوارب العمل والرافعات التابعة للميناء بتأمين الشحنة المفقودة ومنع انجرافها نحو نهر الراين.

كما استخدمت مروحية تابعة للشرطة لمراقبة ما إذا كانت الحاويات التي سقطت في الماء تسببت في أي تلوث بيئي، وأكدت التقارير أن ذلك لم يحدث. ولا تزال الشرطة تحقق في الأسباب التي أدت إلى اصطدام السفينة بالجسر.


هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».