ما الذي نعرفه عن محادثات السلام الروسية - الأوكرانية المحتملة في تركيا؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يمين) ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يمين) ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما الذي نعرفه عن محادثات السلام الروسية - الأوكرانية المحتملة في تركيا؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يمين) ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يمين) ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية - أ.ف.ب)

سلَّطت وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء الضوء على محادثات السلام الروسية - الأوكرانية المحتملة المقرر انعقادها، الخميس، في إسطنبول بتركيا، وقالت إن الأنظار تتجه إلى إسطنبول سعياً لإنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا، المستمر منذ ثلاث سنوات.

وذكرت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد اقترح، الخميس، استئناف محادثات السلام المباشرة مع أوكرانيا في المدينة التركية، ومن جانبه طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الروسي بحضور المحادثات شخصياً.

جنود في الجيش الروسي على جبهة الحرب مع أوكرانيا (أرشيفية - أ.ب)

ولفتت الوكالة إلى أنه لا يزال ما سيحدث غير واضح، حيث رفض الكرملين تأكيد هوية الوفد الذي سيتجه إلى تركيا وما إذا كان سيضم بوتين.

من جانبه، صرّح المستشار الرئاسي الأوكراني ميخايلو بودولياك، بأن زيلينسكي سيجلس فقط مع الرئيس الروسي، وقال زيلينسكي، الثلاثاء: «إذا لم يحضر بوتين ويمارس الألاعيب، فهذه هي النقطة الأخيرة في أنه لا يريد إنهاء الحرب».

واستعرضت «أسوشييتد برس» المعلومات المتوفرة عن تلك المحادثات المحتملة:

الرئيس ماكرون (الثاني من اليسار) في كييف وإلى جانبه الرئيس زيلينسكي ثم رئيس الوزراء البريطاني ستارمر ونظيره البولندي تاسك وإلى يمينه المستشار الألماني ميرتس يوم 10 مايو (إ.ب.أ)

كيف جاءت فكرة المحادثات في تركيا؟

يوم السبت، استضاف زيلينسكي كلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدرش ميرتس، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، في مبادرةٍ لإظهار الوحدة، وأصدروا دعوة لوقف إطلاق النار في أوكرانيا لمدة 30 يوماً بدءاً من يوم الاثنين.

وحظيت الخطوة بدعم الاتحاد الأوروبي والرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وعد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب التي دخلت عامها الرابع، بسرعة.

وتعهَّد القادة بفرض عقوباتٍ أشد على روسيا إذا لم يقبل بوتين الاقتراح.

وفي تصريحاتٍ لوسائل الإعلام صباح الأحد، رفض بوتين العرضَ فعلياً، واقترح استئناف المحادثات المباشرة مع أوكرانيا في إسطنبول «دون شروطٍ مسبقة».

ولم يُحدِّد ما إذا كان يتصور أن تشمل المحادثات زيلينسكي وهو شخصياً، أم مسؤولين من مستوى أدنى.

من جانبه، ردَّ زيلينسكي بالإصرار على وقف إطلاق النار، قائلاً إنه سيسافر إلى تركيا، وتحدى بوتين أن يفعل الشيء نفسه: «سأنتظر بوتين في تركيا يوم الخميس، وشخصياً آمل ألا يبحث الروس هذه المرة عن أعذار».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

مَن سيأتي؟ ولماذا؟

رفض المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، الإفصاح عن هوية مَن سيمثل روسيا في إسطنبول، مشدداً على أن بوتين أوضح موقف روسيا بشكل كافٍ.

وبدأت إدارة ترمب محادثات منفصلة مع روسيا وأوكرانيا في السعودية في مارس (آذار) لكن منذ ذلك الحين، أشارت الإدارة إلى أنها قد تنسحب من العملية إذا لم يتم إحراز تقدم ملموس.

وقال ترمب يوم الاثنين، إنه متفائل بشأن المحادثات -في تناقض صارخ مع اجتماعه مع زيلينسكي في 28 فبراير (شباط) بالمكتب البيضاوي الذي أثار جدلاً.

وقال ترمب في واشنطن إن هناك «إمكانية لعقد اجتماع جيد» بين بوتين وزيلينسكي، وأضاف أنه «يفكر في السفر» بعد زيارته لقطر والإمارات، لكنه صرّح لاحقاً بأن وزير الخارجية ماركو روبيو، وآخرين من الولايات المتحدة سيتوجهون إلى تركيا لإجراء المحادثات.

وصرح بودولياك، يوم الثلاثاء، في بث مباشر على «يوتيوب»، لصحافيين روس بارزين في المنفى، بأن الرئيس الأوكراني لن يلتقي أي مسؤولين روسيين في إسطنبول سوى بوتين، وأضاف أن «هناك دائماً أشخاصاً» في محيط زيلينسكي يمكنهم «إجراء مفاوضات معينة على مستويات مماثلة» مع الروس، لكنه شكك في جدوى اجتماع على مستوى أدنى.

وقال: «لا شك أن بوتين وحده هو من يتخذ قرار مواصلة الحرب أو وقفها».

من جانبه، قال زيلينسكي يوم الثلاثاء إنه سيلتقي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في العاصمة أنقرة، وسينتظر هناك.

وأضاف زيلينسكي أنه إذا اختار الرئيس الروسي إسطنبول لعقد الاجتماع، فسيسافر هو وإردوغان إلى هناك.

وذكر أنه إذا لم يحضر بوتين، فيجب على القادة الأوروبيين والأميركيين فرض عقوبات إضافية على روسيا.

زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

ماذا حدث في محادثات إسطنبول عام 2022؟

وصف الكرملين محادثات يوم الخميس بأنها «استئناف» لمفاوضات السلام في إسطنبول عام 2022، في بداية الحرب التي انهارت سريعاً.

وألقت موسكو باللوم على أوكرانيا والغرب لرغبتهما المزعومة في مواصلة القتال، بينما قالت كييف إن مطالب روسيا تُعدّ إنذاراً نهائياً وليست أمراً يمكن للطرفين الاتفاق عليه.

وقال زيلينسكي إن مطالب الوفد الروسي شملت اعتراف أوكرانيا بالسيطرة الروسية على دونباس، وهي منطقة في شرق أوكرانيا تضم ​​منطقتي دونيتسك ولوغانسك؛ وتعديلات دستورية لإعلان الحياد؛ وخفضاً كبيراً في عدد القوات المسلحة الأوكرانية؛ وتسليم الأسلحة بعيدة المدى.

وأضاف في عام 2022: «لم تكن هناك أي مفاوضات قط؛ لقد كان إنذاراً نهائياً من قاتل».

وفي المقابل، اتهم بوتين أوكرانيا بعرقلة اتفاق سلام تم الاتفاق عليه بشكل أساسي، وتضمن بنوداً تتعلق بوضع أوكرانيا المحايد وغير النووي، وتفاصيل حول مقدار تخفيض جيشها.

وقال بوتين عام 2023: «سلطات كييف... تخلّت عن كل شيء. لقد رفضته».

وأكد الكرملين مراراً أن «اتفاقيات إسطنبول» يمكن أن تُشكّل أساساً لإجراء مزيد من محادثات السلام.

وبعد أن ضمت موسكو بشكل غير قانوني مناطق دونيتسك ولوغانسك وخيرسون و زابوريجيا الأوكرانية في سبتمبر (أيلول) 2022، بدأت السلطات الروسية تُصرّ على أن على كييف أيضاً الاعتراف بـ«الواقع على الأرض».

ما مطالب كلا الجانبين لإنهاء الحرب؟

طالب بوتين العام الماضي أوكرانيا بالتنازل عن المناطق الأربع، التي لا تزال لا تسيطر عليها بالكامل، كما يريد من كييف الاعتراف بشبه جزيرة القرم، التي ضمتها موسكو بشكل غير قانوني عام 2014، على أنها أرض روسية؛ وعلى أوكرانيا أيضاً التخلي عن مساعيها إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقليص جيشها بشكل كبير، كما طالب الغرب برفع العقوبات المفروضة على موسكو بعد الغزو.

وفي المقابل، رفضت كييف، بدورها، التنازل عن أي أرض، وتريد ضمانات أمنية قوية ضد أي عدوان روسي مستقبلي.

وقال ترمب، الذي انخرط في جهد دبلوماسي واسع النطاق لإنهاء الحرب منذ توليه منصبه، إن شبه جزيرة القرم «ستبقى مع روسيا»، كما ذكر أنه من غير المرجح أن تنضم كييف إلى حلف الناتو.

ماذا يحدث في ساحة المعركة؟

يستعد الجانبان لشنّ حملة عسكرية في ظلّ أجواء دافئة، حيث أودت حرب استنزاف بحياة عشرات الآلاف من الجنود من كلا الجانبين على خط المواجهة الذي يبلغ طوله نحو 1000 كيلومتر (620 ميلاً).

وأفاد معهد دراسات الحرب، وهو مركز أبحاث في واشنطن، بأن روسيا «تعمل على تجديد وحدات الخطوط الأمامية بسرعة بمجندين جدد للحفاظ على زمام المبادرة في ساحة المعركة».

ومنذ 2024 حققت القوات الروسية مكاسب بطيئة، ولكن ثابتة في عدة قطاعات على طول الجبهة.

وقال بوتين في مارس إن القوات الروسية «اكتسبت زخماً وتحافظ على زمام المبادرة الاستراتيجية على طول خط التماس»، وحذّر زيلينسكي من أن روسيا تؤجل المحادثات استعداداً لهجمات أكبر.

الحرب في أوكرانيا (رويترز)

في الشهر الماضي، أعلنت قوات موسكو أيضاً أنها استعادت بالكامل أجزاءً من منطقة كورسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا، والتي استولت عليها قوات كييف في توغل مفاجئ في أغسطس (آب) 2024.

ونفت كييف هذا الادعاء، لكنها تخسر أرضاً هناك باستمرار، حيث عملت موسكو، بمساعدة جنود كوريين شماليين، على طردهم وترك أوكرانيا دون ورقة تفاوض رئيسية.

وفشلت عدة محاولات للتوصل إلى وقف إطلاق نار جزئي على الأقل.

ورفضت روسيا فعلياً هدنة غير مشروطة لمدة 30 يوماً؛ وأعلن الكرملين بدلاً من ذلك وقفين قصيرين لإطلاق النار من جانب واحد خلال العطلات في الشهرين الماضيين -أحدهما لمدة 30 ساعة في عيد الفصح والآخر لمدة 72 ساعة تزامناً مع احتفالات روسيا بيوم النصر في الحرب العالمية الثانية.

وفي كلتا الحالتين، تبادلت كييف وموسكو الاتهامات بالفشل في وقف القتال، كما تعهدتا في مارس بالالتزام بوقف لمدة 30 يوماً لمهاجمة البنية التحتية للطاقة، والذي توسطت فيه إدارة ترمب.

وتبادل الجانبان الاتهامات مراراً وتكراراً بارتكاب انتهاكات جسيمة حتى انتهاء مدة وقف إطلاق النار.


مقالات ذات صلة

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مجمع لإعادة الشحن بميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود في روسيا (رويترز)

كازاخستان تزيد صادرات النفط عبر «نوفوروسيسك» في أغسطس

زادت كازاخستان شحنات النفط عبر ميناء «نوفوروسيسك» الروسي على البحر الأسود 28 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي، لتصل إلى 460 ألف طن متري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ترافيغورا» عند مدخلها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«ترافيغورا» تطلق شركة ناقلات جديدة وتخطط لإدراجها في بورصة أوسلو

أطلقت «ترافيغورا» لتجارة السلع الأولية، شركة «فولار شيبينغ» للشحن التي ستملك وتدير 14 ناقلة نفط عملاقة، وقالت إنها ستبيع أسهماً في الشركة قبل إدراجها بالبورصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وقال أحدهم إن هجوماً محتملاً قد يقع خلال «أشهر لا سنوات».

«الشرق الأوسط» (لندن)

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
TT

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)

حصل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، على 99.85 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية بجمهورية الشيشان الروسية الواقعة في منطقة شمال القوقاز.

وذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، الاثنين، أن النسبة التي أعلنتها لجنة الانتخابات جاءت أعلى حتى من النسبة المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2021، التي بلغت 99.73 في المائة.

ويحكم قديروف منطقة الشيشان المضطربة بقبضة حديدية منذ أكثر من 20 عاماً، بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ووثق نشطاء في مجال الحقوق المدنية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعمليات قتل استهدفت منتقدي النظام.

في الوقت نفسه، تتردد تقارير تزعم أن قديروف يعاني أمراضاً خطيرة، بينما يسعى علناً إلى تهيئة ابنه آدم، البالغ من العمر 18 عاماً، ليكون خليفة «محتملاً» له.

وجاء صعود قديروف إلى السلطة عقب مقتل والده أحمد قديروف في تفجير عام 2004 نفذه متمردون عدّوه منقلباً عليهم.


«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
TT

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

لم تحمل نتائج الانتخابات العامة في روسيا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية في روسيا. ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال عالية للغاية رغم تأثيرات الحرب وتداعياتها في كل المدن الروسية تقريباً، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي تجديداً كاملاً للولاء وتأييد سياساته بعد مرور عامين على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد للبلاد.

ودلت النتائج الأولية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية، صباح الاثنين، إلى أن الحزب الحاكم وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة الأخرى التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربح تصويتاً شعبياً على خياراته السياسية (أ.ف.ب)

سيطرة مطلقة

بهذه النتائج، التي ينتظر أن تُعلن رسمياً في 25 سبتمبر (أيلول) حصد حزب «روسيا الموحدة» رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأخرى التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

ومن المتوقع، وفقاً للنتائج المعلنة، أن يحصد الحزب الشيوعي الذي حل في المرتبة الثانية 40 مقعداً، يليه الحزب الليبرالي الديمقراطي 25 مقعداً، وحزب «الشعب الجديد» 20 مقعداً، ثم حزبا «روسيا العادلة» 4 مقاعد، و«رودينا» (الوطن) بمقعد واحد. واللافت، أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق؛ ما دل إلى أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار. وقد حصل حزب روسيا الموحدة على 57.8 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف خلال مؤتمر صحافي في موسكو الاثنين (أ.ب)

إقبال قياسي

لكن النسب المعلنة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ اذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها إلى حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خياري: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات. ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

وأكدت ايلا بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات أن الحملة الانتخابية «جرت بأقصى قدر من النزاهة، رغم كل التحديات».

وأشارت إلى مشاركة أكثر من 336 ألف مراقب، من بينهم مراقبون من دول أخرى، في مراكز الاقتراع.

وقالت إنه لم تُسجّل أي حالة إبطال لنتائج التصويت.

علماً بأنه مع غياب المراقبين الغربيين، فقد أشرف على الانتخابات ممثلون عن 12 مؤسسة إقليمية في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

مراسلون وصحافيون يعملون داخل المقر الرئيسي للجنة الانتخابات المركزية بعد إغلاق مراكز الاقتراع في موسكو الأحد (أ.ف.ب)

وقالت بامفيلوفا: «الأمر المثير للدهشة، ورغم كل التحديات والتهديدات والصعوبات والتضحيات، وللأسف، الخسائر البشرية التي تكبدناها، فقد جرت الحملة بأقصى قدر من النزاهة والهدوء».

وأشارت إلى أن التصويت «كان من أصعب الانتخابات بسبب الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة». وشكرت بامفيلوفا أجهزة إنفاذ القانون والخدمات الأمنية على ضمان الأمن. مؤكدة أن مسار هذه الحملة الانتخابية «يُسهم في تعزيز روسيا وتمكينها وتنميتها».

انتخابات تحت النار

وكان اليوم الثالث للانتخابات جرى بشكل متوتر جداً؛ بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات؛ ما أسفر عن مقتل شخصين واندلاع حريق في مصفاة للنفط.

مركز تجاري أصيب بهجوم روسي خلال الليل بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الاثنين (إ.ب.أ)

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق» و«خُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح»، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت أكثر من 1600 مسيّرة، بينها «450 كانت متجهة نحو موسكو».

في المقابل، أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضربات. وقال: «كان لعملياتنا البعيدة المدى تأثير كبير جداً في منطقة موسكو الليلة الماضية»، مؤكداً استخدام نحو عشرة أنواع مختلفة من الأسلحة. وأعلن زيلينسكي أنه اتفق مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على عقد لقاء في نيويورك، وذلك عقب محادثة هاتفية جرت بينهما الأحد.

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت «أكثر من ألف» موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت «البنية التحتية للاتصالات في روسيا عموماً». وقالت بامفيلوفا إن «الهجمات نفذتها مجموعات محترفة للغاية ومنسقة بشكل جيد تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي»، مشيرة إلى محاولات تحمل «مؤشرات إلى تدخل أوكراني».

شرطيان أمام مبنى سكني أصيب بهجوم طائرة مسيَّرة روسية خلال الليل في مدينة زابوريجيا الأوكرانية الاثنين (رويترز)

استعدادات للمفاوضات

وفي أول رسالة سياسية بعد الانتخابات، واستباقاً للقاء ترمب مع زيلينسكي، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أمل موسكو في العودة إلى المفاوضات الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا.

وقال بيسكوف في تصريحات صحافية، الاثنين: «نحن منفتحون على استئناف المفاوضات الثلاثية. صحيح، نحن نواصل العملية العسكرية الخاصة، وعسكريونا يعملون لتحقيق الأهداف المنشودة. لكننا نأمل في أن نتوصل في النهاية إلى استئناف المفاوضات الثلاثية». وأضاف: «سنقوم بمحاولة أخرى لتحقيق أهدافنا بالوسائل السلمية».

لكنه تجنب في الوقت ذاته التعبير عن تفاؤل بنجاح الجهود الأميركية، وعندما سُئل عن الفرص الحقيقية لتحقيق اختراق سياسي قريباً يطلق جولات تفاوض جديدة قال: «لا، لا يوجد أي تقدم (بهذا الشأن حالياً)».

وفي وقت سابق، صرح جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، أن اللقاءات التي أجراها والمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف في موسكو وكييف منحت الولايات المتحدة تصوراً واضحاً للمسار الذي قد يقود إلى تسوية طويلة الأمد للنزاع، مشيراً إلى أن هذه اللقاءات أثمرت أفكاراً جديدة يمكن طرحها خلال لقاء ثلاثي يعقد قريباً.


قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وسط تقديرات بأن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا، في حين حذّر مسؤولون آخرون من المبالغة في الحديث عن هجوم وشيك.

وتأتي التحذيرات بعدما أبلغ رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك البرلمان بأن تقديرات استخباراتية تشير إلى احتمال شن روسيا هجوماً بطائرات مسيّرة أو صواريخ على أراضي «ناتو» خلال الأشهر المقبلة، في محاولة لإثبات أن «المادة الخامسة نظرية أكثر منها عملية». ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه التحذيرات بأنها «سليمة وموثَّقة جيداً».

وفي مقابلات أجرتها صحيفة «الغارديان» مع ثلاثة من قادة أجهزة الاستخبارات الأوروبية، قال ميخال كوديلكا، رئيس جهاز الأمن والمعلومات التشيكي، إن التحركات الروسية المحتملة قد تشمل زيادة نشاط المسيّرات أو توغلاً محدوداً داخل أراضي دولة عضو في «ناتو» تُتاخم روسيا.

وأضاف أن السيناريوهات المحتملة تشمل «توغلاً محدوداً، أو استفزازات تحت راية زائفة، أو حملة تأثير واسعة النطاق»، مشيراً إلى أن ذلك قد يحدث خلال «أشهر لا سنوات».

في المقابل، أبدى مسؤولون في دول البلطيق حذراً أكبر إزاء احتمال وقوع هجوم قريب. وقال نورموندس ميجفيتس، المدير العام لجهاز أمن الدولة في لاتفيا: «لا نرى مؤشرات على هجوم وشيك»، لكنه أقرّ بوجود دلائل على أن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا.

وأوضح أن من غير الواضح ما إذا كانت لدى روسيا خطط مباشرة ومحددة، أم أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لنشر الخوف وعدم اليقين في المجتمعات الغربية.

ويشير التقرير إلى أن المخاوف الأوروبية لا تقتصر على احتمال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ تتهم أجهزة استخبارات غربية موسكو بتنفيذ حملة تخريب في دول داعمة لأوكرانيا، إلى جانب عمليات يُعتقد أنها تهدف إلى اختبار حدود رد فعل «ناتو».

ووصف كوديلكا النهج الروسي بأنه «التصعيد من أجل خفض التصعيد»، عادَّاً أن موسكو تسعى إلى الضغط على نقاط الضعف في المجتمعات الغربية وتقليص دعمها لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، لا ترى أجهزة استخبارات أوروبية مؤشرات على استعداد موسكو للدخول في مفاوضات سلام جدية بشأن أوكرانيا. وقال توماس نيلسون، رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي: «لم أرَ أي مؤشرات على وجود تفكير جدي في موسكو بشأن مفاوضات حقيقية»، مضيفاً أن روسيا لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

واتفق مسؤولو الاستخبارات الذين تحدثت إليهم الصحيفة على أن عمليات التخريب الروسية في أوروبا قد تتصاعد، مع انتقالها من عمليات عشوائية تهدف إلى إثارة الذعر إلى استهداف منشآت مرتبطة بالدعم الغربي لأوكرانيا.

وقال ميجفيتس إن هذه الأهداف تشمل البنية التحتية للسكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بدعم أوكرانيا، مع تحول متزايد نحو الصناعات الدفاعية.

ويرى المسؤولون أن هذه الأنشطة تهدف، إلى جانب إلحاق أضرار مادية، إلى تقليص الدعم لأوكرانيا وإحداث انقسامات داخل «ناتو» وإثارة القلق في المجتمعات الأوروبية، فضلاً عن استنزاف موارد أجهزة الاستخبارات عبر إجبارها على التعامل مع كل حريق أو عطل بوصفه تهديداً محتملاً.