جريمة مسجد «خديجة» تثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في فرنسا

القاتل يدعى أوليفيه... وطعن أبو بكر سيسيه عشرات المرات في «بثّ مباشر»

جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
TT

جريمة مسجد «خديجة» تثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في فرنسا

جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)

صبيحة يوم 25 أبريل (نيسان)، ارتكب شاب فرنسي اسمه الأول أوليفيه، وعمره 20 عاماً، وهو ابن لعائلة لها 11 ولداً، مقيمة في مدينة بيزييه بجنوب فرنسا، جريمة مروّعة. دخل أوليفيه باكراً إلى مسجد بلدة لا غران كومب الواقعة في قضاء لو غارد جنوب البلاد؛ حيث وجد في المسجد مصلياً منفرداً، اسمه أبو بكر سيسيه، مالي الجنسية، يقوم عادة بأعمال التنظيف.

وبعد حوار معه حول رغبته في اعتناق الإسلام، طلب منه أن يُظهِر له كيف يصلي. وعندما ركع أبو بكر، استل أوليفيه سكينه ذات النصل البالغ 10 سنتيمترات، وانهال عليه بـ20 طعنة مستهدفاً بداية رقبته. ثم ابتعد عنه ورجع إليه ليطعنه مجدداً 37 مرة، وتركه ينزف أمام عينيه، وعمد، في الوقت نفسه، إلى تصوير فعلته، ووضع ذلك على منصة «إنستغرام». وغاب القاتل عن الأنظار، من يوم الجمعة وحتى يوم الأحد؛ حيث سلم نفسه للشرطة الإيطالية في توسكانا. وسارعت فرنسا إلى تقديم طلب تسليمه، ويُنتظر أن يتم ذلك منتصف الشهر الحالي.

الجريمة «ليست عملاً إرهابياً»

بانتظار أن تتسلمه العدالة الفرنسية، فإن الشرطة الإيطالية أخضعته للاستجواب. ويوم الجمعة، عقدت سيسيل جنساك، المدعية العامة الفرنسية، في مدينة نيم، التي تتبع بلدة غران كومب لولايتها، مؤتمراً صحافياً شرحت فيه مجموعة من الملابسات، ومنها الأسباب التي جعلت النيابة العامة المتخصصة بمسائل الإرهاب «تمتنع» عن الاستحواذ على هذا الملف. وحجتها الرئيسية أن ما حصل في المسجد عملية قتل لم تُظهِر، حتى اليوم، أن هناك دوافع إرهابية حرّكت القاتل الذي اعترف بفعلته.

ووفق المدعية العامة، فإن أوليفيه هـ. كان «مدفوعاً بـرغبة مهووسة في قتل شخص ما». والمقصود من هذا القول أنه لم يستهدف ويخطط لقتل المصلي الشاب المسلم الذي لم يكن يعرفه، وبالتالي كان يمكن أن يقتل أي شخص آخر. وباختصار، فإن قتله حصل «صدفة»، لأنه الشخص الذي وقع عليه ذاك الصباح.

المدعية العامة لمدينة نيم سيسيل جنساك خلال مؤتمرها الصحافي يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وقالت المدعية العامة إن القاتل تصرف «في سياق منعزل، دون أي ادعاء آيديولوجي أو صلة بمنظمة تنشر ادعاءً آيديولوجياً تنوي تنفيذه من خلال الترهيب أو الإرهاب». وأضافت سيسيل جنساك أن المتهم كان يعاني من «افتتان مرضي»، وتعتمل داخله «رغبة في القتل أياً كان الهدف»، مؤكدة أنه لا ينبغي النظر إلى الامتناع عن إحالة القضية إلى النيابة العامة المتخصصة بالإرهاب على أنه «تهوين للوقائع». فمن وجهة نظرها، لم يكن هناك سبب ما يمكن أن يفسر «دخول» القاتل «إلى هذا المسجد»، ومهاجمة هذا الشخص بالذات.

متظاهر يحمل صوراً لأبو بكر سيسيه في مظاهرة بباريس في 1 مايو (أ.ف.ب)

لكن ما حصل حقيقة أنه لم يعمد إلى مهاجمة شخص التقاه صدفة في الشارع، بل تعمّد الدخول إلى المسجد المتواضع في وقت يكون فيه فارغاً، وأرفق الفيديو الذي صوره بهاتفه الجوال بسباب بحق الإسلام. وبالطبع، لم ترُق رواية الادّعاء لعائلة القتيل، فأعلن محاميان مكلفان الدفاع عن مصالحها عن عزمهما تقديم شكوى لإعادة توصيف القتل بأنه «جريمة إرهابية»، وليس عملية قتل «عادية». وأشار المحاميان، ياسين بوزروع ومراد بطيخ، أن الشكوى «ستوفر أن يتولى قضاة مستقلون توصيف ما حصل بأنه جريمة إرهابية، لأنه، حتى اليوم، وحدها المدعية العامة التابعة لوزارة الداخلية قامت بالتوصيف».

وختم المحاميان، في تصريح لصحيفة «ليبراسيون»، الجمعة، بالقول: «إنها لفضيحة أن تستبعد النيابة العامة المختصة بشؤون الإرهاب حصول هجوم (إرهابي) داخل مسجد».

جدل سياسي وقانوني

منذ حصول الجريمة يوم الجمعة ما قبل الماضي، لم يتوقف الجدل ليس فقط القانوني، ولكن أيضاً وخصوصاً السياسي، إلى حد أن أصواتاً كثيرة نددت بطريقة تعاطي الدولة، ومعها الطبقة السياسية، مع هذه الجريمة.

والجدل الأول كان لفظياً؛ إذ إن مجموعة من السياسيين رفضت اعتبار الجريمة «معادية للإسلام»، بالتركيز على أنها جاءت فردية، وليس ثمة دافع ديني وراءها. وحجة الرافضين أن التعبير من إبداع «الإخوان المسلمين» الذين يعملون لمشروع سياسي في فرنسا. ومباشرة بعد الجريمة، حصل جدل داخل البرلمان الفرنسي؛ إذ، بداية، رفضت رئيسته يائيل براون - بيفيه، قبول طلب مجموعات نيابية، بينها الاشتراكيون والخضر والشيوعيون، الوقوف دقيقة صمت إكراماً لذكرى القتيل، بحجة أن البرلمان اتخذ قراراً بالامتناع عن بادرة كهذه إذا كانت الضحية فرداً.

صورة لمسجد «خديجة» في بلدة لا غران كومب جنوب فرنسا حيث قتل الشاب المالي واجتمع كثيرون لأداء صلاة الميت (أ.ف.ب)

بيد أن المجموعات المذكورة أصرّت على طلبها، ما دفع يائيل ــ بيفه إلى الرضوخ. وقالت في كلمة تأبينية: «صدمنا جميعاً بعملية قتل أبو بكر سيسيه الجبانة داخل المسجد. أريد أن أتوجه إلى عائلته وأقربائه، باسمي وباسمكم، لأعبر لهم عن أصدق التعازي، وأريد أن أعبِّر لجميع مواطنينا من المسلمين عن تضامننا معهم. إن (الالتزام) بتكريم ذكرى رجل واحترام أسى عائلته يعنيان أن نرفض الاستغلال السياسي لهذه المأساة، وما نحتاج إليه إعادة التأكيد بقوة وكرامة على وحدة الأمة».

بيد أن جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه اليمين، أعلن رفضه الاقتداء بما حصل في البرلمان.

الشعور العام الذي طغى أنه يوجد في فرنسا، حكومة وطبقة سياسية، «ازدواجية معايير» في التعامل مع الأحداث وفق هوية الضحية. ومن الأمثلة على ذلك أن برونو روتايو، وزير الداخلية، لم يبادر إلى زيارة البلدة التي حصلت فيها الجريمة، بل انتظر 3 أيام قبل أن يتوجه، ليس إلى بلدة غران كومب، بل إلى مدينة أليس القريبة منها.

عبد الرحمن ماكالو أحد أفراد الجالية المالية ، يتحدث إلى وسائل الإعلام يوم 29 أبريل محاطاً باثنين من أقارب أبو بكر سيسيه (أ.ب)

كذلك، فإن المظاهرة التي حصلت في باريس بعد الجريمة غاب عنها اليمين الفرنسي على المستوى الحزبي الرسمي، بالتوازي مع طبيعة تعاطي الإعلام معها. صحيح أن الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسوا بايرو نددا بالجريمة، لكن ذلك لم يكن كافياً، ولم يُبدّد شعوراً بالحسرة لدى جانب من المجتمع الفرنسي الذي يشعر بأنه «مهمش»، حتى عندما يُستهدف، وأنه لو كانت الضحية من غير المسلمين لكانت الصورة مختلفة للغاية من حيث حجم الاحتجاج والتنديد. ويبدو أن روتايو وعى قصوره، فقرّر استقبال عائلة القتيل الاثنين في وزارة الداخلية.

سيناريو الجريمة

لعل ما كشفت عنه سيسيل جنساك يثير سؤالاً بالغ الأهمية، ويتناول غياب الأجهزة الأمنية عن متابعة وتوقيف رجل كتب وأكّد مراراً رغبته في ارتكاب جريمة، رغم أن شخصين كانا جزءاً من مجموعة تواصل على منصة «ديسكورد» عمدا إلى تحذير هذه الأجهزة. كذلك، عمدا إلى إرسال إشارة إلى جهاز «فاروس» المتخصص بتتبع النيات الإجرامية.

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو متحدثاً في البرلمان يوم الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

وقالت المدعية العامة إن أوليفيه كان قد حدد «مسبقاً أنه سيعتدي جسدياً على شخص ما، دون أن يحدد مَن هو أو أين، ودون أن يشير إلى جماعة عرقية أو دين، مدفوعاً برغبة شديدة في قتل شخص ما، وفي حال عدم القيام بذلك سينتحر، وكل ذلك من باب التخلص من هذا العبء». وأضافت أن القاتل قال: «سأرتكب الجريمة اليوم، سوف أفعلها في الشارع». ولما سأله أحد المتابعين على المنصة عما إذا كان يعرف ضحيته، أجابه: «أنا ذاهب لمهاجمة المسجد». ثم، وبمجرد وصوله إلى هناك، أمام مسجد «خديجة» أعلن، بلا تردد: «إنه أسود (في إشارة إلى ضحيته المستقبلية)، سأفعلها».

في مؤتمرها الصحافي، قالت سيسيل جنساك إنه يتعين إخضاع «أوليفيه» إلى «فحص معمق لشخصيته». وسارع والده، في تصريح إلى الشبكة الإخبارية «بي إف إم» إلى الإعلان عن أن ابنه «مجنون مائة في المائة»، فيما يبدو أنه رغبة في تخفيف مسؤوليته، باعتباره فاقداً صوابه. وبانتظار تسلمه، فإن جثة أبو بكر سيسيه ستنقل إلى مسجد باريس، الأحد، ومن هناك إلى قريته في مالي حيث سيتم دفنه.


مقالات ذات صلة

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

يوميات الشرق مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

أقر مهندس معماري أميركي، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة جرائم لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري تصل إلى موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في أنغوان روكوبا بولاية بلاتو... نيجيريا 30 مارس 2026 (رويترز)

إطلاق نار في حفل زفاف بشمال نيجيريا يخلّف 13 قتيلاً

أطلق مسلحون النار على حفل ما قبل الزفاف في ولاية كادونا شمال نيجيريا، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
شمال افريقيا صورة عامة لكورنيش محافظة الإسكندرية (شمال مصر) (مجلس الوزراء - «فيسبوك»)

مصر: فاجعة في الإسكندرية بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم

أثارت حادثة مفجعة فى حي كرموز بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر) حالة من الصدمة والفزع، بعد أن قتل شاب والدته وأشقاءه الخمسة وحاول قتل نفسه، لكنه فشل وتم إنقاذه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يحرر عدداً من مقاتليه المختطفين بعد عملية على حدود النيجر

تمكن «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من تحرير عدد من جنوده الذين تعرضوا للاختطاف في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)

أقر رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان بالهزيمة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، وذلك خلال خطاب مقتضب ألقاه في مقر حملته الانتخابية.

وقال الزعيم القومي إن «نتائج الانتخابات، وإن لم تكن نهائية بعد، واضحة بالنسبة لنا، هي مؤلمة لكنها لا لبس فيها. لم تُمنح لنا المسؤولية أو الفرصة للحكم»، مضيفا أنه «هنأ الحزب الفائز».

وكان الناخبون المجريون توجهوا بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».


انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

توجّه الناخبون المجريون بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

ويختار 7.5 ملايين ناخب داخل المجر، إضافة إلى أكثر من 500 ألف مسجّلين في الخارج، بين خمسة أحزاب، وفقاً لنظام انتخابي أكثري مختلط يصبّ بدرجة كبيرة في مصلحة حزب «فيديش» الحاكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات مستوى قياسياً ظهر الأحد، إذ وصلت إلى 54.14 في المائة بين فتح مكاتب الاقتراع عند السادسة صباحاً (04.00 ت غ) والأولى من بعد الظهر بالتوقيت المحلي (11.00 ت غ)، في مقابل 40.1 في المائة عام 2022، وفقاً لمكتب الانتخابات الوطني.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

بيتر ماغيار صاحب التوجهات الأوروبية المحافظة لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وتوقعت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات مستقلة فوزاً كاسحاً لحزب «تيسا» بقيادة بيتر ماغيار ذي التوجهات الأوروبية والمحافظة الذي تمكّن خلال عامين من بناء حركة معارضة قادرة على منافسة أوربان، علماً بأن شعبية رئيس الوزراء ذي التوجهات القومية تراجعت بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي في المجر.

وبعد الإدلاء بصوته في بودابست، دعا ماغيار، المجريين، إلى الاستنفار من أجل هذه «الانتخابات الحاسمة»، وقال: «نحن نختار بين الشرق والغرب، بين الدعاية والنقاش العام الصادق، بين الفساد وحياة عامة نزيهة، بين استمرار التدهور والانهيار الكامل للخدمات العامة أو إعادة الأموال الأوروبية وإنعاش الاقتصاد المجري».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وزوجته أنيكو ليفاي لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

في المقابل، توقعت مؤسسات استطلاعات مقرّبة من السلطة فوز تحالف «فيديش» وحزب «الشعب الديمقراطي المسيحي» (كي دي إن بي) الذي يقوده أوربان الساعي إلى ولاية خامسة على التوالي.

وجدّد أوربان بعد إدلائه بصوته تحذيره من «أزمة كبرى» تنتظر أوروبا، وقال: «لحسن الحظ، لدينا الكثير من الأصدقاء في العالم، من أميركا إلى الصين، مروراً بروسيا والعالم التركي»، مضيفاً أنه لن يسمح للاتحاد الأوروبي بأن «يحرم» المجر من «مستقبلها وسيادتها».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (يسار) ونائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتبادلان التحية في نهاية تجمع انتخابي في بودابست يوم 7 أبريل 2026 (رويترز)

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».

«حملة سلبية»

بات رئيس الوزراء المجري الذي جعل من بلده، البالغ عدد سكانه 9.5 ملايين نسمة، نموذجاً لـ«الديمقراطية غير الليبرالية» مثالاً تحتذي به عدد من الحركات اليمينية المتطرفة في مختلف أنحاء العالم. ويعد أوربان مقرّباً أيضاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وواظب على انتقاد العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا منذ غزوها أوكرانيا عام 2022.

ومع أن بروكسل تجنّبت التعبير علناً عن موقفها من الانتخابات المجرية، أكّد دبلوماسي أوروبي أن «معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستكون مسرورة بالتخلص من أوربان»، مشيراً إلى أن «الصبر بلغ حدّه الأقصى».

واتخذ أوربان (62 عاماً) مراراً مواقف مخالفة لتوجهات الدول الأعضاء الـ26 الأخرى، فيما جمّدت بروكسل التي تتهمه بتقويض دولة القانون مبالغ مخصصة لتمويل المجر تبلغ مليارات اليورو. وأكد أوربان خلال حملته عزمه مواصلة استهداف ما وصفه بـ«منظمات المجتمع المدني الوهمية، والصحافيين المأجورين، والقضاة والسياسيين».

ورأت أندريا شابو من «مركز العلوم الاجتماعية» في «جامعة ELTE» أن فوز أوربان «سيعني بوضوح (...) انزلاقاً نحو نظام استبدادي».

كذلك سعى أوربان إلى إعطاء انطباع بأنه سدّ منيع في وجه أوكرانيا، متهماً إياها بالسعي إلى جرّ المجريين إلى الحرب. لكنّ المحللين رأوا أن هذه الحجة لم تقنع مواطنيه في ظل الركود الاقتصادي في المجر واستشراء الفساد فيها بشكل فاضح.

وقالت أندريا شابو إن «فيديش» قرر «خوض حملة سلبية تماماً»، إذ لم تتضمن «طرحاً واحداً يمكن القول إنه قد يسهم فعلاً في توحيد الأمة، بل على العكس، لم يتحدث (الحزب) إلا عن الحرب».

أما بيتر ماغيار، البالغ 45 عاماً الذي زار مختلف المناطق المجرية منذ منتصف فبراير (شباط)، فقد تعهّد بتحسين الخدمات العامة، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

بيتر ماغيار ممثلاً عن حزب «تيسا» أثناء تصويته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وخلال لقاء انتخابي، الخميس، دعا ماغيار الذي كان منتمياً سابقاً إلى «فيديش» إلى «إعطاء فرصة للتغيير»، مطلقاً سلسلة وعود، أبرزها مكافحة الفساد، وإعادة إحياء المؤسسات الديمقراطية، وجعل المجر عضواً أميناً في الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه منذ عام 2004.

اتهامات بالتدخل

وقال دانيال باشتور (60 عاماً) خلال لقاء انتخابي آخر أُقيمَ الجمعة: «من المهم أن تبدأ فعلاً حقبة جديدة، وأن تولد مجر جديدة قابلة للعيش». لكنّ لسائق سيارة الأجرة الخمسيني أتيلا شوكه رأياً مناقضاً، إذ اعتبر خلال تجمع انتخابي لأوربان الخميس أن «فوز (تيسا) سيكون أمراً فظيعاً بالنسبة للمجر».

وتتخوف المعارضة المجرية من أن يرفض أوربان الاعتراف بنتائج الانتخابات، فيما برزت اتهامات بتدخل روسي وبلجوء «فيديش» إلى شراء الأصوات على نطاق واسع. وردّ أوربان باتهام حزب «تيسا» بأنه «يتآمر مع أجهزة استخبارات أجنبية» للتلاعب بالنتائج.


روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»

سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
TT

روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»

سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)

تبادلت أوكرانيا وروسيا، الأحد، اتهامات بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي مئات المرّات، ورفض الكرملين تمديدها ما لم توافق كييف على شروطه.

وكانت الهدنة قد بدأت، السبت، عند الساعة الرابعة بعد الظهر (13:00 ت غ) على أن تستمر 32 ساعة، واتفق الطرفان على وقف الأعمال الحربية لمناسبة العطلة بعدما وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، على مقترح قدّمه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل أكثر من أسبوع، مؤكداً أن كييف سترد بالمثل على أي انتهاك روسي. وأعلن زيلينسكي، السبت، أنه سيكون من الصواب تمديد وقف إطلاق النار، موضحاً أنه قدّم هذا الاقتراح إلى موسكو.

وفي المقابل، استبعد الكرملين هذا الاحتمال، الأحد، مشترطاً موافقة كييف على شروط موسكو لإنهاء الحرب التي اندلعت إثر غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: «إلى حين امتلاك زيلينسكي الشجاعة لذلك، فإن العملية العسكرية الخاصة ستتواصل بعد انقضاء مهلة الهدنة».

وتستخدم روسيا عبارة «العملية العسكرية الخاصة» في حديثها عن هجومها على أوكرانيا. ورأى بيسكوف أن «السلام الدائم يمكن أن يأتي عندما نضمن مصالحنا، ونحقق الأهداف التي حددناها منذ البداية. يمكن القيام بذلك اليوم، لكن على زيلينسكي القبول بهذه الحلول المعروفة». وتطالب السلطات الروسية أوكرانيا بتنازلات سياسية وميدانية بينها الانسحاب الكامل من منطقة دونيتسك التي تسيطر موسكو عليها جزئياً. وترفض كييف هذه المطالب، معتبرة إياها استسلاماً.

أوكرانيون أمام شجرة مزينة ببيض عيد الفصح بمناسبة الاحتفال بعيد الفصح قرب كييف الأحد (إ.ب.أ)

أكثر من 3000 انتهاك

وكثيراً ما طالبت كييف بهدنة طويلة الأمد تسهل إجراء مفاوضات، لكن ترفض موسكو هذا المقترح معتبرة خصوصاً أن وقف إطلاق النار لمدة طويلة يتيح للجيش الأوكراني فرصة تعزيز قدراته. وكما كانت الحال خلال هدنة مماثلة، العام الماضي، شهدت الجبهة الممتدة على طول 1200 كيلومتر هدوءاً نسبياً.

وأفادت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني في منشور صباح الأحد بأن روسيا انتهكت الهدنة 2299 مرة. وبعد دقائق، اتهمت وزارة الدفاع الروسية، القوات الأوكرانية بانتهاك وقف إطلاق النار 1971 مرة. وتبادل الجيشان اتهامات بشن مئات الضربات المدفعية والهجمات بطائرات مسيّرة وهجمات عسكرية. ورغم ذلك، لفتت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني إلى أنه «لم تكن هناك ضربات صاروخية أو بقنابل جوية موجّهة أو بمسيّرات من طراز (شاهد)»؛ ما يشير إلى انخفاض نسبي في النشاط العسكري.

وعادة، تشن روسيا كل ليلة تقريباً مئات الهجمات على أوكرانيا بطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وترد كييف بضرب الأراضي الروسية بعشرات الطائرات المسيّرة أيضاً. واتهم الجيش ومكتب المدعي العام في أوكرانيا، الأحد، القوات الروسية بإعدام 4 جنود أوكرانيين أُسروا، السبت، على الجبهة قرب قرية فيتيرينارني في منطقة خاركيف في شمال شرقي البلاد.

عناصر من القوات المسلحة الأوكرانية لدى احتفالهم بعيد الفصح الأرثوذكسي في منطقة خاركيف الأحد (أ.ف.ب)

«وهم»

نشر مراقبون عسكريون في موقع «ديب ستايت» المقرب من الجيش الأوكراني صوراً، مساء السبت، التقطتها طائرة مسيرة، تُظهر 4 أشخاص مستلقين على الأرض يرتدون زياً عسكرياً في منطقة حرجية، بينما يقف شخص آخر مسلحاً ويطلق النار عليهم، ولم يتسنَّ التحقق من صحتها.

وفي منطقة خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا، قال اللفتنانت - كولونيل فاسيل كوبزياك (32 عاماً)، صباح الأحد، إن الأوضاع «هادئة نسبياً» في منطقته، حسبما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية». وأفاد بأن وقف إطلاق النار لا يُطبّق «بشكل كامل»، لكنه لفت إلى أن تراجع حدة القتال سمح لجنوده بحضور قداس بمناسبة عيد الفصح في إحدى غابات المنطقة، بُعَيد فجر، الأحد، في ظلّ طقس شديد البرودة.

وفي منطقة كورسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا، اتهم الحاكم ألكسندر خينشتاين كييف بخرق الهدنة، السبت، من خلال مهاجمة محطة وقود في بلدة لغوف بطائرة مسيّرة؛ ما أسفر عن جرح 3 أشخاص، بينهم رضيع. ومن جانبه، اتهم رئيس إدارة منطقة سومي الأوكرانية في شمال شرقي البلاد أوليغ غريغوروف الجيش الروسي بمهاجمة سيارة إسعاف بطائرة مسيّرة، ليل السبت - الأحد، ما أسفر عن جرح 3 مسعفين.

وفي مدينة زابوريجيا الكبيرة في جنوب شرقي أوكرانيا التي تبعد حالياً نحو 20 كيلومتراً عن الجبهة، قالت البائعة فيكتوريا (21 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هذه الهدنة مجرد «وهم». وفي الأشهر الأخيرة، فشلت جولات عديدة من المحادثات بقيادة الولايات المتحدة في تقريب وجهات نظر الطرفين للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وتعثّرت العملية بشكل متزايد مع تحوّل اهتمام واشنطن إلى إيران.

وأودت الحرب بمئات آلاف الأشخاص، وأجبرت الملايين على النزوح؛ ما يجعلها النزاع الأكثر عنفاً وحصداً للأرواح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.