كيف انهار الجيب الأوكراني في كورسك الروسية؟

امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)
امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)
TT

كيف انهار الجيب الأوكراني في كورسك الروسية؟

امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)
امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)

انسحبت القوات الأوكرانية على نحو شبه كامل من منطقة كورسك الروسية، لتنهي بذلك هجوماً فاجأ الكرملين الصيف الماضي بسرعته وجسارته.

ووصف جنود أوكرانيون على الجبهة الانسحاب بأنه كان منظماً في بعض الأماكن وفوضوياً في أخرى، مع اختراق القوات الروسية صفوفهم، مما أجبرهم على التراجع إلى شريط ضيّق من الأرض على طول الحدود.

وبحلول الوقت الذي انسحبت فيه إحدى فصائل الهجوم الأوكرانية من موقعها قبل أقل من أسبوع، كانت جميع مركبات الجنود قد دُمّرت، وطاردتهم الطائرات المسيّرة ليل نهار، وكانت ذخيرتهم على وشك النفاد.

واعترف قائد الفصيل بأن القوات الروسية كانت تضيّق الخناق على الجيب الأوكراني من جميع الاتجاهات، «مما اضطرنا إلى الانسحاب».

وأضاف القائد الذي طلب عدم كشف اسمه سوى من خلال إشارة النداء «بورودا»، تماشياً مع البروتوكول العسكري، أن وحدته احتاجت إلى يومَيْن لقطع مسافة تزيد على 12 ميلاً سيراً على الأقدام، من مواقعها بالقرب من قرية كازاشيا لوكنيا الروسية إلى الحدود الأوكرانية. وزاد، خلال اتصال هاتفي معه، أنه بحلول ذلك الوقت «أصبحت المنطقة التي كانت تضم مواقعنا تحت الاحتلال الروسي بالفعل».

في ذروة الهجوم، سيطرت القوات الأوكرانية على نحو 500 ميل مربع من الأراضي الروسية. ومع ذلك، فإنه بحلول الأحد، كانوا يتشبثون بالكاد بمساحة 30 ميلاً مربعاً على امتداد الحدود الروسية-الأوكرانية، حسب باسي باروينين، المحلل العسكري لدى مجموعة «بلاك بيرد غروب»، ومقرها فنلندا. وأضاف عبر اتصال هاتفي: «نهاية المعركة آتية».

ولم يتسنّ التحقق بشكل مستقل من مساحة الأراضي الروسية التي لا تزال أوكرانيا تسيطر عليها في كورسك، في حين أشار الجنود إلى استمرار قتال عنيف. ومع ذلك، قال جنود أوكرانيون إن القتال بالقرب من الحدود لم يعد يهدف إلى الاحتفاظ بالأراضي الروسية، بل إلى محاولة منع القوات الروسية من التدفق إلى منطقة سومي في أوكرانيا، وفتح جبهة جديدة في الحرب. وأضاف الجنود أنهم يحاولون إقامة مواقع دفاعية قوية على طول خطوط التلال على الجانب الروسي من الحدود.

من جهته، قال «بورودا»: «نواصل التمركز على جبهة كورسك. الفرق الوحيد أن مواقعنا قد تحوّلت بشكل ملحوظ نحو الحدود».

أما أندري -وهو ضابط استخبارات أوكراني يقاتل في كورسك- فعبّر عن الأمر بصراحة أكبر قائلاً: «عملية كورسك انتهت عملياً. الآن، علينا أن نضفي استقراراً على الوضع».

وبينما نجحت القوات الأوكرانية في عرقلة تقدّم روسيا في شرق أوكرانيا، يأتي التحول داخل كورسك في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى هدنة سريعة.

ولا يمكن إيعاز تراجع حظوظ أوكرانيا في كورسك إلى عامل واحد فقط، فقد قصفت القوات الروسية خطوط الإمداد الأوكرانية وبدأت قطع طرق الهروب. أما القوات الكورية الشمالية التي استعانت بها موسكو، والتي تعثرت في البداية، فقد حسّنت قدراتها القتالية. وفي لحظة حاسمة، قرّرت واشنطن تعليق دعمها، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية.

صورة نشرتها وزارة الدفاع الروسية الاثنين تُظهر جندياً تابعاً لها يرفع علم وحدته فوق منزل في قرية ستارايا سوروتشينا بمنطقة كورسك (أ.ب)

كيف انقلبت الأمور؟

عندما زارت صحيفة «نيويورك تايمز» الحدود بين سومي وكورسك آخر مرة، في أواخر يناير (كانون الثاني)، بدت الحركة خلال النهار شبه مستحيلة، بسبب اكتظاظ السماء بطائرات مسيّرة روسية.

وكان الطريق الرئيسي من سومي إلى سودجا -بلدة روسية صغيرة تبعد قرابة 6 أميال إلى الشمال الشرقي احتلتها القوات الأوكرانية منذ أغسطس (آب)- مليئاً بالفعل بالسيارات والدبابات والمركبات المدرعة المحترقة. وأرسلت أوكرانيا بعضاً من أكثر ألويتها خبرة للمشاركة في عملية كورسك. إلا أن أشهراً من الهجمات المتواصلة من جانب القوات الروسية وآلاف الجنود الكوريين الشماليين الذين يقاتلون إلى جانبها، كانت تُلحق بها خسائر متزايدة.

بحلول منتصف فبراير (شباط)، تقدمت القوات الروسية إلى مسافة 5 أميال من طرق الإمداد الرئيسة لأوكرانيا إلى سودجا، مما سمح لها باستهداف الطرق بأسراب من الطائرات المسيّرة؛ كان الكثير منها مربوطاً بكابلات ألياف بصرية فائقة الرقة، ما يجعلها محصّنة ضد التشويش.

وذكر جنود أوكرانيون آخرون -مثل «بورودا»، الذين طلبوا تحديد هويتهم فقط باسمهم الأول أو رمز النداء، حسب البروتوكول العسكري- أن القوات الروسية نصبت كمائن باستخدام طائرات هجومية دون طيار.

وقال كاب، مقاتل في قوات العمليات الخاصة (36 عاماً) طلب تحديد هويته من خلال رمز النداء الخاص به: «كانت طائراتهم المسيّرة تهبط بالقرب من طرق الإمداد الرئيسة، وتنتظر مرور الهدف». وأفاد جنود أوكرانيون بأن طائرات روسية مسيّرة قصفت كذلك جسوراً في كورسك بمتفجرات مُعدّة مسبقاً لتدميرها، وذلك بهدف عرقلة انسحاب القوات الأوكرانية.

كما هاجمت الطائرات الحربية الروسية جسوراً، وألقت في إحدى الحالات قنبلة موجهة زنة 6 آلاف رطل لقطع أحد الشرايين الرئيسية، حسب جنود أوكرانيين ومحللين عسكريين.

وصرّح أرتيم، قائد لواء أوكراني رفيع المستوى، بأن تدمير الجسور كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت القوات الأوكرانية إلى التخلي عن مواقعها فجأةً في الأسابيع الأخيرة. وأضاف أنه لم يتمكّن الجميع من النجاة، لكن الغالبية نجت.

لحظة الاختراق الروسي

كانت سيطرة أوكرانيا على كورسك مهددة بالفعل، عندما أعلنت إدارة ترمب تعليق المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الثالث من مارس (آذار).

وحسب أندري، أدت خسارة المعلومات الاستخباراتية الأميركية المرتبطة بالاستهداف الدقيق، إلى تفاقم الصعوبات.

وفي الثامن من مارس، حقّقت القوات الروسية اختراقاً متسللة خلف الخطوط الأوكرانية بالسير لأميال عبر خط أنابيب غاز مهجور لشن هجوم مفاجئ. ووصفت وسائل الإعلام والمسؤولون الروس العملية بأنها عمل بطولي، في حين وصفتها مصادر أوكرانية بأنها خطوة محفوفة بالمخاطر، زعموا أنها أدت إلى وفيات كثيرة، جراء غاز الميثان المتبقي في خط الأنابيب.

وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت القوات الكورية الشمالية تساعد في قيادة هجوم اخترق الخطوط الأوكرانية، جنوب قرية كوريليفكا الصغيرة، مما زاد من تقييد قدرة أوكرانيا على إمداد قواتها.

ومع تراجع القوات الأوكرانية هناك على طول خطوط دفاعية محددة، واصلت القوات الروسية التقدم نحو سودجا، وازدادت وتيرة الهجمات.

وفي العاشر من مارس، صدر أمرٌ بانسحاب بعض الوحدات من سودجا، وفقاً لما ذكره ثلاثة جنود وقادة أوكرانيون. وقال «بورودا»: «كان الانسحاب مزيجاً من المنظم والفوضوي. وقد أثرت عوامل مختلفة في طبيعة الانسحاب، مثل: الإرهاق، والأوامر الجيدة أو الرديئة من القادة الأفراد، وسوء التواصل أو التنسيق».

ومع ذلك، ورغم ادعاءات الرئيسَيْن الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب بعكس ذلك، لم تتعرض في أي وقت أعداد كبيرة من القوات الأوكرانية للحصار، حسب محللين عسكريين يستخدمون لقطات قتالية محددة الموقع الجغرافي لرسم خريطة لتطورات ساحة المعركة، وجنود أوكرانيين يقاتلون في كورسك، وحتى بعض المدونين العسكريين الروس البارزين.

بعد ثلاثة أيام، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها استعادت السيطرة الكاملة على سودجا. وزعمت، السبت، أن قواتها استعادت قريتَيْن خارج البلدة.

في المقابل، فإنه في حين لم تتناول هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني استيلاء روسيا على سودجا مباشرةً، فقد أصدرت، الأحد، خريطة لساحة المعركة تُظهر البلدة خارج الأراضي الخاضعة لسيطرتها في كورسك، التي تقلّصت إلى شريط ضيق من الأرض.

وقد تكبّدت سودجا، البالغ عدد سكانها 5 آلاف نسمة، أضراراً جسيمة في القتال. في الواقع، ومنذ بدء عملية كورسك، يقول محللون عسكريون إن كلا الجانبين مُني بخسائر فادحة.

وبينما كانت أوكرانيا تأمل في استخدام سيطرتها على الأراضي الروسية كورقة ضغط في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، يبدو أن بوتين يستغل الآن التراجع الأوكراني لمحاولة تعزيز موقفه في المحادثات مع إدارة ترمب حول وقف القتال.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

أوروبا رجال إنقاذ في موقع استهدفته غارة روسية بمنطقة أوديسا (رويترز) play-circle

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

روسيا تستجيب لطلب ترمب عدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير... هل لدوافع إنسانية أم ورقة ضغط تفاوضية؟

إيلي يوسف (واشنطن) إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا إطفائيون يكافحون حريقاً أشعله قصف روسي لمدينة خاركيف الأوكرانية (رويترز)

زيلينسكي يؤيد وقف النار... وروسيا تقصف أوكرانيا رغم تدخل ترمب

ستوقف أوكرانيا الضربات بعيدة المدى على منشآت الطاقة الروسية إذا التزمت روسيا بالمثل، وفق ما أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي يوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا ​الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في فيلينيوس عاصمة ليتوانيا (إ.ب.أ)

زيلينسكي: أتوقّع تنفيذ اتفاق عدم قصف كييف

قال ​الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إنه يتوقَّع تنفيذ الاتفاق ‌مع روسيا بعدم ‌قصف ‌كييف ومدن ​أخرى ‌لمدة أسبوع؛ بسبب الطقس الشتوي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (في الوسط) يجتمع مع جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي (يساراً) وإيغور كوستيوكوف رئيس الإدارة الرئيسية لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية (الثاني يساراً) ورستم عمروف سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني (الثاني يميناً) وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص (يميناً) خلال محادثات ثلاثية في أبوظبي يوم 23 يناير 2026 (إ.ب.أ) play-circle

الكرملين: مسألة الأراضي ليست العائق الوحيد أمام مفاوضات السلام الثلاثية المرتقبة

الكرملين يقول إن مسألة الأراضي ليست العائق الوحيد أمام مفاوضات السلام الثلاثية المرتقبة في أبوظبي بين روسيا وأميركا وأوكرانيا، والتي قد تستمر يومين.

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي مشترك في فيلنيوس بليتوانيا يوم 25 يناير 2026 (أ.ف.ب)

روسيا تدعو زيلينسكي إلى موسكو لإجراء محادثات سلام

قال الكرملين، الخميس، إن روسيا كررت دعوتها للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للحضور إلى موسكو لإجراء محادثات سلام.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

مع موجة برد قاسية ضربت أوكرانيا وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع». الكرملين أكد الطلب، وأن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط)، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان باعتباره خطوة ممكنة لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد.

وتعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة التي سيتوقف نجاحها على مدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».لكن تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف.


بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
TT

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)

بينما تتعامل أوكرانيا مع موجة برد قاسية وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، عاد ملف «التهدئة الجزئية» إلى واجهة المسار التفاوضي بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه طلب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع»، وأن بوتين وافق.

لم يقتصر الأمر على التصريح الأميركي، إذ اتخذت موسكو موقفاً متدرجاً بين الصمت والتباس الرد، قبل أن يعلن الكرملين تأكيداً محدوداً للهدنة، ما حوَّل «هدنة الأسبوع» سريعاً من بشرى إنسانية إلى اختبار صعب للثقة وميزان لجدية المحادثات الثلاثية في أبوظبي بين الروس والأوكرانيين والأميركيين، والتي من المقرر أن تعقد جولتها الثانية يوم الأحد.

فما الذي يناقش فعليا سواء بالنسبة إلى الأمن والدبلوماسية والطلبات السياسية للطرفين؟

رجال إنقاذ يحملون جثة شخص عُثر عليها تحت أنقاض مبنى سكني استهدفته غارة روسية (رويترز)

وقف قصف كييف

رجال إنقاذ في موقع غارة روسية على منطقة سكنية في أوديسا (رويترز)

الإشارة الأهم جاءت من مصدر روسي رسمي عبر تأكيد الكرملين، بحسب «رويترز»، أن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط) 2026 استجابةً لطلب ترمب، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات، من دون تبنٍ واضح لرواية «البرد القارس» بوصفه سبباً رئيسياً. لكن المشكلة ليست في مبدأ «الإيقاف» فقط، بل في تعريفه. هل هو وقف للقصف على العاصمة كييف تحديداً؟ أم وقف للهجمات على «كييف الكبرى» أو نطاق أوسع؟ «رويترز» أشارت صراحة إلى أن دقة المقصود بعبارة «كييف» بقيت غير محسومة.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان بوصفه خطوةً ممكنةً لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد. وكالة «أسوشييتد برس» لخَّصت جوهر الإشكال بالقول إنه لا توجد حتى الآن آلية موثقة وملزمة، ولا تفاصيل علنية حول ما إذا كان الوقف يشمل كل الضربات أم جزءاً منها (مثل منشآت الطاقة)، وسط استمرار هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مسارات مختلفة. ولا يعد تحديد مدة «الأسبوع» مجرد تفصيل تقني، بل يمثل معياراً سياسياً لاختبار جدية الأطراف في الالتزام، إذ إن فشل الهدنة سيعيد بسرعة الاتهامات المتبادَلة حول المسؤولية عن الخرق الأول، مما يُهدِّد بإجهاض أي تقدم تفاوضي.

جنود أوكرانيون يذخرون راجمة صواريخ من عيار «122 ملم» في دونيتسك (رويترز)

حرب الطاقة أداة تفاوض

منذ أسابيع، تتصدَّر البنية التحتية للطاقة عنوان الضغط الروسي: ضربات متكررة على الشبكات والمحطات تجعل الشتاء عاملاً مضاعفاً للألم، سياسياً واجتماعياً. وهذه الخلفية تفسِّر لماذا تَركَّز النقاش على «تجميد» استهداف الطاقة أو المدن الكبرى بدل وقف شامل لإطلاق النار. «رويترز» وصفت السياق بوضوح: كييف تواجه نقصاً حاداً في الطاقة، وإصلاحات طارئة تتزامن مع توقعات بمزيد من انخفاض الحرارة.

لكن «حرب الطاقة» ليست ورقة روسية فقط، فقد لوَّحت أوكرانيا، وفق «أسوشييتد برس» بمنطق «المعاملة بالمثل». إذا أوقفت روسيا ضرب منشآت الطاقة، فيمكن أن تُبدي كييف ضبطاً مماثلاً.

هذا يقود إلى استنتاج أن الهدنة الجزئية تُستخدَم أداة تفاوض أكثر من كونها خطوة إنسانية صِرفة. فهي تخلق «فترة اختبار» قصيرة يمكن للطرفين خلالها الادعاء بأنهما «بنّاءان» أمام واشنطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة العسكرية في الجبهات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال اجتماعهم في الكرملين بموسكو يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ما عُقد المفاوضات؟

حتى في أكثر الروايات تفاؤلاً، تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف. وهذا ليس مجرد «تفصيل ترسيم حدود»، بل مسألة ترتبط بمعنى الحرب عند الطرفين: موسكو تريد تثبيت مكاسبها وتوسيعها، وكييف ترى في أي تنازل دون ضمانات صلبة دعوةً لحرب لاحقة.

تقول كييف: «لا تنازلات جوهرية من دون ضمانات». لكن روسيا تُظهر رفضاً أو تشكيكاً عميقاً في أي صيغة تُبقي لأوكرانيا «مظلة غربية» تُشبه من وجهة نظر موسكو، الاقتراب من الناتو أو شرعنة «أوكرانيا بوصفها منصة تهديد». هذا الموقف عبَّر عنه صراحة وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي شكَّك في جدوى الضمانات المدعومة أميركياً. وهنا تكمن المعضلة: ضمانات قوية بما يكفي لطمأنة كييف غالباً ما تكون مستفزةً بما يكفي لرفض موسكو.

وفود المحادثات الثلاثية في أبوظبي الأسبوع الماضي (رويترز)

كما أنه حتى ولو توفَّرت تسوية على الورق، يبقى على الطرفين تسويقها داخلياً. زيلينسكي يحتاج إلى شيء يمكن تقديمه للأوكرانيين على أنه «يمنع تكرار حرب 2014 وحرب 2022» ويضمن أن روسيا لن تعود لحرب جديدة بعد التقاط الأنفاس. في حين أن بوتين يحتاج على ما يبدو إلى «انتصار استراتيجي»، إما إلى أراضٍ، أو تحييد أوكرانيا، أو كسر مسار الضمانات الغربية.

فالمحادثات الثلاثية التي جرت، الأسبوع الماضي، في الإمارات مع جولة ثانية متوقعة الأحد مهمة، على الرغم من أنها انتهت دون اتفاق، لكنها أبقت الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار. وعُدّت نمطاً يوحي بأن واشنطن تحاول إدارة التفاوض بوصفه مساراً متدرجاً يبدأ بإجراءات «خفض تصعيد» قابلة للقياس (مثل هدنة الطاقة - المدن)، قبل الانتقال إلى «الصفقة الكبرى». لكن تبقى مشكلة بنيوية، فكثير من القرارات الكبرى، كالحدود، والضمانات، ووضع المناطق المتنازع عليها، تحتاج عملياً إلى قرار سياسي من القمة، بينما اللقاءات الفنية - الأمنية قد تُحسِّن المناخ دون القدرة على الحسم.

سيناريوهات أمام ترمب

صحيفة «وول ستريت جورنال»، طرحت سيناريوهات عدة لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب. «هدنة الثقة» في كييف تتوسَّع تدريجياً إلى وقف نار أوسع، ما يضمن صمودها نسبياً وتُترجم إلى خطوات إضافية، لتشمل أهدافاً أخرى، وربما إنشاء آلية مراقبة - إخطار لتقليل «الحوادث» وسوء الفهم. نجاح خطوة قصيرة مثل هذه قد يعطي ترمب دليلاً سياسياً على «قابلية بوتين للتجاوب»، ويمنح زيلينسكي متنفساً إنسانياً في أصعب أسابيع الشتاء. ومع تأكيد الكرملين وقف الضربات حتى أوائل فبراير تتوفّر نظرياً بذرة هذا المسار. غير أن نقطة الضعف الرئيسية هي أن أي خرق كبير سيعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع غياب وثيقة واضحة وآلية إلزام.

سيناريو آخر تحدَّث عن هدن موضعية وتقدم بطيء بلا اختراق، بحيث تستمر الحرب على الجبهات، بينما تُستخدم الهدن الجزئية إدارةً للأزمة وليست حلاً. وحتى لو أدت الاجتماعات إلى تسجيل «أجواء إيجابية» أحياناً، فإن العقدة الحقيقية (الأرض والضمانات) تبقى معلّقة. هذا السيناريو يتسق مع صورة المفاوضات التي انتهت من دون اتفاق ثم وُعد باستكمالها. وهو ما يسمح لكل طرف بأن يراهن على تحسين موقعه ميدانياً أو سياسياً قبل تقديم تنازل، مع الحفاظ على قناة تواصل تمنع انفلاتاً أكبر.

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو (رويترز)

لكن إذا انهارت «هدنة كييف»، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الضغوط الأميركية أكثر، إذا تبين أنها لم تكن سوى «إيماءة» أو إذا تصاعدت ضربات الطاقة مجدداً. في هذا السيناريو فقد ينقلب المزاج سريعاً. كييف ستقول إن موسكو تستخدم الدبلوماسية غطاءً، وموسكو ستتهم أوكرانيا بالاستفزاز أو عدم الجدية، بينما واشنطن قد تلوّح بأدوات ضغط (اقتصادية وسياسية) لدفع الطرف الذي تعدّه معطِّلاً.

وكالة «أسوشييتد برس» شدَّدت على أن الغموض والتباين في الروايات، مع استمرار العنف، أمور تجعل «الوقف» هشاً ومعرّضاً للانهيار سريعاً. ويصبح هدف ترمب ليس «صفقة سلام» قريبة، بل إدارة التصعيد ومنع الانفجار الأوسع، مع تحميل المسؤوليات علناً.

في المحصلة، تعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة. موافقة بوتين على طلب ترمب ستعطي زخماً للدبلوماسية الأميركية، لكنها تظل رهينة بمدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».


الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الشرطة الإسبانية، الجمعة، اعتقال مواطن صيني يبلغ من العمر (38 عاماً) كان يدير صالوناً للحلاقة بالقرب من برشلونة؛ للاشتباه في تمويله حركة «حماس» بنحو 600 ألف يورو عبر تحويلات بعملات مشفرة.

وأوضح المحققون أنهم تتبعوا 31 عملية تداول على الأقل من محافظ رقمية يسيطر عليها المشتبه به إلى عناوين يُشتبه في ارتباطها بكيان تستخدمه الحركة الفلسطينية.

وتصنف دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ودولاً غربية أخرى، «حماس» منظمة إرهابية.

وامتنعت الشرطة، وفقاً لوكالة «رويترز»، عن التعليق على الدوافع المحتملة للمشتبه به، أو ما إذا كان قد تواصل مع «حماس» عن علم أو كان مجرد وسيط، وذلك نظراً لحساسية التحقيق.

وأضافت الشرطة أنه خلال تفتيش صالون الشعر ومنزل المشتبه به، صادرت عناصر أمنية أصولاً مشفرة ونقوداً وجواهر وأجهزة كمبيوتر وهواتف محمولة.

كما جمدت عدة حسابات بنكية، ليتجاوز مجموع الأصول المصادرة والمجمدة 370 ألف يورو.

وذكرت الشرطة أن التحقيق بدأ في يونيو (حزيران) الماضي في أثناء عملية منفصلة تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال.

وحذرت السلطات في السنوات الأخيرة من استخدام الجماعات المسلحة للعملات المشفرة لتحويل الأموال عبر الحدود؛ ما يعقد جهود تتبع وعرقلة تمويل الإرهاب.