3 سنوات على الحرب: حصيلة روسية وأوكرانية... ومخاوف أوروبية

عودة ترمب قرَّبت بوتين من إعلان النصر... وزيلينسكي يحتاج «معجزة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
TT

3 سنوات على الحرب: حصيلة روسية وأوكرانية... ومخاوف أوروبية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)

قبل شهرين فقط لم يكن من الممكن تخيُّل أن تستقبل روسيا العام الرابع للحرب على أوكرانيا، وهي تستعد لتجهيز خطاب النصر كما يتردد في أروقة السياسة والاعلام. كان المشهد مختلفاً قبل شهرين. فالعمليات العسكرية في عامها الثالث تحوَّلت إلى حرب استنزاف واسعة النطاق لقدرات الطرفين، وخرائط خطوط التماس جامدة، برغم اختراقات وقعت على طرفيها. وفي مقابل تقدم موسكو في بعض بلدات دونيتسك ولوغانسك، اخترقت أوكرانيا التحصينات الروسية وباتت تسيطر منذ الصيف الماضي على مئات الكيلومترات داخل أراضي روسيا. لكن تلك «النجاحات» الميدانية لم تنجح في رسم ملامح خرائط نفوذ جديدة، ولا في تحويل موازين القوى لصالح أي طرف. وبدا أن الحرب وصلت إلى مرحلة من الجمود في ظل غياب أي رؤية سياسية للتسوية تلبي شروط ومصالح الطرفين.

كان الاستعصاء العسكري والجمود السياسي عنوان المشهد في أوكرانيا، قبل أن يدخل الرئيس دونالد ترمب البيت الأبيض تسبقه وعود وصفت بأنها «خيالية» حول قدرته على إنهاء الحرب في 24 ساعة.

حتى روسيا التي رحبت بعودة الرئيس الجمهوري، بدت في البداية حذرة للغاية، وربطت إعلان أي موقف رسمي بترقب «الخطوات الأولى لترمب».

لكن خطوات الرئيس الأميركي السريعة والصاخبة، أثارت دهشة كبيرة، حتى لدى الرئيس فلاديمير بوتين نفسه، الذي لم يكن يتوقع حجم «اندفاعة» ترمب نحو موسكو. قبل شهرين فقط، قال خبير مقرب من الكرملين إن ترمب لن يكون قادراً على تخطي «الدولة العميقة» وقلب موازين السياسات. اتضح بعد مرور أسابيع فقط أنه فعل ذلك.

حصاد السنوات الثلاث

لا شك أن حرب السنوات الثلاث، وفقاً للتعريف الذي بات يتردد لدى بعض الأوساط الروسية، ويشي بقناعة بأن المواجهة العسكرية سوف تضع أوزارها قريباً، أحدثت تغييرات عميقة لن تنجح روسيا وأوكرانيا في تجاوزها سريعاً مهما كانت سيناريوهات نهايتها.

في روسيا، كانت التوقعات في الأسابيع الأولى للحرب بأنها ستكون عملية خاطفة تنتهي سريعاً بدخول أرتال الدبابات كييف، مثلما حدث في 2008 عندما سيطرت موسكو في خمسة أيام على تبليسي عاصمة جورجيا. وفرضت عبر اتفاق بوساطة فرنسية وألمانية سلاماً يناسب مصالحها.

جنود أوكرانيون يطلقون النار على مسيَّرة روسية ليل السبت - الأحد في كييف (رويترز)

حصاد روسيا

لكن سرعان ما اتضح أن «العملية العسكرية الخاصة»، وفقاً للتسمية الرسمية، تحولت إلى حرب شاملة لم تخض مثلها البلاد منذ الحرب العالمية، فرضت تغييرات واسعة في كل مناحي الحياة في روسيا. وصحيح أن اقتصاد البلاد لم يتداعَ بقوة كما توقعت رزم العقوبات غير المسبوقة بحجمها في التاريخ، لكنه شهدت تحولات كبرى، أعادته إلى ما يشبه اقتصاد الاتحاد السوفياتي مع فارق في غياب القدرات الصناعية الهائلة للدولة العظمى في السابق، والذي تم تعويضه بالاعتماد على شركاء مثل الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإيران.

عموماً، برغم الصعوبات المعيشية والاقتصادية، وفرت العقوبات الغربية فرصة ثمينة للانكفاء على الداخل. وتشجيع الاستثمارات المحلية. وتطوير قطاعات مهمة بشكل ذاتي مثل القطاع الزراعي والقطاع الطبي. وفتح التعاون مع شركاء من الشرق لتطوير قطاعات السيارات والآليات وبعض الصناعات العسكرية والتقنية الأخرى. وكان لافتاً مع بدء التحضير لمرحلة «ما بعد الحرب» حالياً، أن وزير التنمية الاقتصادية الروسي مكسيم ريشيتنيكوف أعلن أن شروط عودة الشركات الأجنبية إلى روسيا سوف تتغير، وسيتم اتخاذ القرارات مع الأخذ في الاعتبار مصالح الشركات والمستهلكين المحليين.

وقال الوزير: «من الواضح أن الاقتصاد الروسي قد تغير. وبالتالي فإن متطلبات الشركات الأجنبية من حيث التوطين والاستثمار والتكنولوجيا ستكون مختلفة تماماً». وأضاف الوزير أن رحيل العلامات التجارية الأجنبية فتح فرصاً فريدة لرجال الأعمال والشركات الروسية من الدول الصديقة، وقد استفادوا منها بشكل كامل.

عسكرياً، أحكمت موسكو السيطرة على نحو خمس أراضي أوكرانيا، ورتبت وضعاً قانونياً عبر قرارات ضم أربع مقاطعات في جنوب وشرق البلاد، يجعل من الصعب على بوتين أو أي رئيس مقبل، أن يتنازل عن الأراضي التي غدت «روسية إلى الأبد».

وسياسياً على الصعيد الداخلي، نجح بوتين في مواجهة أبرز التحديات. لم تحدث انشقاقات كبرى في البلاد برغم نزوح نحو مليون شخص من أصحاب الخبرات إلى الغرب. وواجه الكرملين تمرد مجموعة «فاغنر» وخرج أقوى على مستوى التحكم بالمجموعات الرديفة التي تقاتل إلى جانب الجيش. كما خرج بوتين من استحقاق الانتخابات الرئاسية منتصراً بقوة ونجح في تمتين الجبهة الداخلية حوله.

على المستوى الإقليمي، حققت موسكو نجاحات مهمة في حشد قدرات الحلفاء والشركاء في إطار مجموعتي «شانغهاي» و«بريكس» وعبر الاتحاد الأوراسي الاقتصادي ومنظمة الأمن الجماعي، الذراع العسكري والأمني لرابطة الدول المستقلة. صحيح أن هذه التكتلات لم تدعم مباشرة موقف موسكو في الحرب، لكنها وفَّرت وسادة آمنة ومفيدة جداً، للتبادل الاقتصادي والتعاون الأمني والعسكري برغم قيود العقوبات الغربية.

لكن في المقابل، خسرت موسكو ثقة حلفائها في الفضاء السوفياتي السابق، وباتت جمهوريات آسيا الوسطى تراقب تحركات الكرملين بحذر، وهو يلوّح بـ«خيار أوكرانيا» كلما وقع خلاف، الأمر الذي يسيطر حالياً على العلاقات مع أهم شريكين في المنطقة، وهما أوزبكستان وكازاخستان. وفي أرمينيا التي كانت أقرب حلفاء الكرملين بات «الخيار الأوروبي» مسيطراً على سياساتها، ويحظى بقبول واسع شعبياً. والأمر ينسحب على مولدوفا التي تخشى هجوماً مماثلاً للهجوم على أوكرانيا تحت ذريعة حماية «الروس» في مقاطعة بريدنوستروفيه الانفصالية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث للصحافيين في كييف (أ.ب)

الحصاد الأوكراني

لا شك أن الخسائر الأوكرانية على كل المستويات كانت فادحة خلال السنوات الثلاث الماضية. ومع خسارة خمس الأراضي والتغيير النهائي كما يبدو على خريطة أوكرانيا التي كانت معروفة قبل بدء الحرب، فإن الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية لا تعوض، وفقاً لخبراء.

في عام 2024، فقدت أوكرانيا جزءاً كبيراً من أراضي دونباس، وبرغم أنها عبر الهجوم في منطقة كورسك، تمكنت من اكتساب موطئ قدم داخل روسيا، مما عزَّز فرضيات «تبادل الأراضي» لكن هذا النجاح يبدو محدود النتائج على خلفية التطورات الجارية حالياً.

في غضون ذلك، اتخذت السلطات الأوكرانية قرارات صعبة في السنة الأخيرة. فهي شددت قوانين التعبئة وقررت إلغاء الانتخابات الرئاسية حتى نهاية الأحكام العرفية (تم تمديدها مرة أخرى في نهاية أكتوبر (تشرين الأول). وصحيح أن أوكرانيا تقول إنها الحقت خسائر فادحة بالجيش الروسي بينها مثلاً أن نصف الجيش غاب عن الميدان بين قتيل أو مصاب، وأن أوكرانيا دمرت ثلث أسطول البحر الاسود الروسي، وألحقت خسائر فادحة في كل القطاعات العسكرية الأخرى، لكن القوات المسلحة الأوكرانية تعاني من انتكاسات خطيرة للغاية، وهي تناقش حالياً، إجراءات غير شعبية مثل خفض سن التجنيد من 25 إلى 18 عاماً. ومن المرجح أن يحمل العام الحالي تغييرات مهمة في حال استمرت الحرب.

لذا فإن المشكلة الرئيسية التي تواجه أوكرانيا في الوقت الراهن هي نقص الجنود. متوسط عمر الجنود الأوكرانيين في الجبهة نحو 40 عاماً. وفي الوقت نفسه، فإن خفض سن التجنيد يحمل في طياته مخاطر ديموغرافية جدية.

عموماً، يبدو أن عدداً متزايداً من الأوكرانيين سئموا الحرب ويرغبون في التفاوض. لكن في المقابل، لا تظهر استطلاعات الرأي العام أن الأوكرانيين باتوا أكثر استعداداً لتقديم تنازلات إقليمية من أجل حل الصراع.

مع دمار البنى التحتية وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين فإن العنصر الاكثر تأثيراً على المستوى الاجتماعي كان الهجرة والنزوح المتكرر لفئات واسعة.

وقد حدثت أخطر موجة هجرة في العام الأول من الحرب، وتم إحصاء لجوء ثمانية ملايين أوكراني في أوروبا وحدها. وحالياً، بحسب الأمم المتحدة، فإن عدد النازحين يزيد قليلاً على ستة ملايين، أي أن مليوني شخص عادوا إلى ديارهم خلال ثلاث سنوات. لكن هناك معدلات نزوح داخلية كبيرة أيضاً، ووفقاً لأرقام المنظمة الدولية، هناك نحو أربعة ملايين نازح من مناطق دونباس والأقاليم التي شهدت أعنف هجمات.

أما النتيجة الإيجابية الوحيدة للحرب على الصعيد الداخلي، فهي الاختفاء شبه الكامل للاختلافات الإقليمية في أوكرانيا. وفي حين كان هناك تمايز إقليمي قوي في معظم القضايا في عام 2021، غير أن هذه الاختلافات اختفت الآن عملياً. على سبيل المثال، تم التعامل مع ملف انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي بشكل مختلف في أجزاء مختلفة من البلاد، حتى بعد عام 2014. لم تعد هناك مثل هذه الاختلافات في الوقت الحاضر.

وخلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت أسس جديدة للتقسيم الطبقي الاجتماعي. والآن أصبح العامل الفاصل هو ما فعله الشخص أثناء الحرب والمكان الذي كان فيه. على سبيل المثال، يتم الآن تقسيم المجتمع ليس وفقاً للتقييم السابق القائم على أقاليم الشرق الناطقة بالروسية والأقاليم الغربية التي تتطلع إلى تكامل مع الغرب، بل تحوَّل التقسيم إلى ما يشبه «جغرافيا الحرب»، إذ بات هناك اللاجئون في أوروبا، وأولئك الذين لم يغيروا مكان إقامتهم، والنازحون داخلياً، وأولئك الذين بقوا في الأراضي «المحتلة».

الموقف تجاه الإدارة الأوكرانية مختلف جداً. وتبدو الثقة بالسلطات التنفيذية وفقاً لاستطلاعات الرأي أدنى من مستوى الثقة بالرئيس فلاديمير زيلينسكي. لا يزال زيلينسكي هو الزعيم الذي يحظى بالثقة العامة.

وفقاً لدراسات، فقد تراجعت شعبية زيلينسكي في عام 2024، بسبب الهجوم المضاد الفاشل الذي شنته القوات المسلحة الأوكرانية، والوعي السائد في المجتمع بأن الحرب مستمرة، فضلاً عن إقالة رئيس الأركان فاليري زالوجني الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة. ومع ذلك، في استطلاع حديث، كان مستوى الثقة بزيلينسكي 53 في المائة، وهي نسبة مقبولة، وفقاً لمحللين في الظروف الراهنة.

وربما يستمر تراجع الثقة في زيلينسكي. وسيعتمد هذا إلى حدٍ كبير على كيفية تطور الوضع في الجبهة. برغم ذلك، وبعد انتقادات ترمب القاسية ضد زيلينسكي أخيراً، وظهور ميله لعقد صفقة منفردة مع موسكو يرى خبراء أن زيلينسكي سيكون «بحاجة إلى معجزة لقلب موازين القوى على طاولة المفاوضات لصالحه».

أما الموقف الداخلي حيال فرص السلام وخيارات التنازل عن بعض الأراضي لوقف الحرب، فهو ما زال متناقضاً بقوة. ومثلاً في استطلاع أجري في مايو (أيار) 2022 لصالح المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي، أعرب 60 في المائة من الأوكرانيين عن استعدادهم للمفاوضات. لكن هذا الرقم انخفض عندما حقق الجيش الأوكراني نجاحات في وقف الهجوم الروسي إلى 44 في المائة، ثم إلى 29 في المائة لاحقاً. بينما في الوقت الحالي وبعد مرور ثلاث سنوات وصلت نسبة مؤيدي التفاوض ووقف الحرب إلى 57 في المائة.

والمسألة الأخرى هي الاستعداد لتقديم تنازلات إقليمية. في العامين الأولين كان منخفضاً جداً. على سبيل المثال، في مايو 2022 فقط 10 في المائة أيدوا فكرة التنازل عن دونباس لروسيا. ولم يتغير هذا الرقم كثيراً خلال عام 2023. لكن بعد أن أصبح من الواضح أن الجيش الأوكراني لم يعد قادراً على مواصلة القتال بنجاح، ارتفعت درجة الاستعداد: في سبتمبر (أيلول) 2024، قال 33 في المائة إنهم مستعدون لسلام يفضي إلى التنازل عن جزء من أراضي أوكرانيا.

لكن من المهم أن نضيف هنا، أنه لا يوجد في أوكرانيا أي حديث عن الاعتراف بهذه الأراضي باعتبارها روسية. بل عن تجميد الصراع والقبول بالأمر الواقع الحالي مؤقتاً.

جندي أوكراني فقد ساقه في القتال في شرق أوكرانيا عام 2015 يخلع التمويه عن مدفعه الهاوتزر ذاتي الدفع في خاركيف بأوكرانيا في 10 فبراير (أ.ب)

أوروبا قلقة

لا شك أن الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا، مع دخول الحرب عامها الرابع هي البلدان الأوروبية التي وقع على كاهلها الجزء الأكبر من العبء الاقتصادي والمخاوف الأمنية والسياسية. ومع أن المزاج العام الأوروبي يطالب بوقف الحرب، لكن البلدان الأقرب جغرافياً إلى روسيا، ترى أن السيناريو الذي يطرحه حالياً ترمب سيكون كارثياً على أمنها.

واللافت أنه في الذكرى الثالثة للحرب بلغت الهوة بين أوروبا والولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة، إذ لم يسبق للطرفين أن اتخذا موقفاً متناقضاً إلى هذه الدرجة حيال ملف له تداعيات أمنية وعسكرية ضخمة على القارة الأوروبية. وأبرز التجليات الحالية هي المواجهة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد اقترحت الولايات المتحدة مشروع قرار خاص بها يدعو إلى إنهاء الحرب بسرعة، لكنه لا يطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا على الفور. بينما أوروبا لديها وثيقة مختلفة تماماً تطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا.

وتسلط الخلافات في الوثائق الضوء على الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول كيفية حل الصراع في أوكرانيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص على خشبة المسرح خلال «مؤتمر العمل السياسي المحافظ» في غايلورد بولاية ميريلاند السبت (د.ب.أ)

سيناريو السلام

تزامن إحياء الذكرى الثالثة للحرب مع اندفاعة ترمب لفرض سلام يعزز موقف بوتين ويتجاهل - كما يبدو حتى الآن - مطالب الأوكرانيين والأوروبيين، والسيناريوهات المطروحة تبدو متشائمة بعض الشيئ.

لا شك كما يقول محللون أن نجاحات روسيا على ساحة المعركة سوف تتطلب تنازلات من كييف، لكن موقف الكرملين التفاوضي لن يكون سهلا بسبب الممانعة الأوروبية أولا، ولأن هدف المفاوضات بالنسبة لبوتين ليس إنهاء الصراع فقط، بل أيضا تخفيف العقوبات الغربية. والخروج بصفقة شاملة تتعلق بالضمانات الامنية في أوروبا وملفات التسلح الاستراتيجي والعلاقة مع حلف شمال الاطلسي.

تشكل الضمانات الأمنية وفقا لخبراء أحد الشروط الأساسية لإنهاء الصراع، لدى الجانبين. وتخشى أوكرانيا من أنه في غياب مثل هذه الضمانات، فإن روسيا سوف تستأنف العدوان، وبالنسبة للكرملين من المهم الحد من الإمكانات العسكرية للأوكرانيين حتى لا يحاولوا استعادة الأراضي التي سيطرت عليها موسكو.

وترى مجموعة من الخبراء بقيادة مارك ويلر، الأستاذ بجامعة كامبريدج، أن خيار التسوية سيكون نشر قوة أجنبية محدودة على الأراضي الأوكرانية. مكونة من بضع ألاف من بلدان مقبولة لدى كل من روسيا وأوكرانيا. وستضمن هذه القوة الالتزام بوقف إطلاق النار، وينبغي أن يكون استئناف الأعمال العدائية خاضعاً لعقوبات من أي من الجانبين.

وفي الوقت نفسه، سيكون لأوكرانيا الحق في إجراء تدريبات مشتركة محدودة مع شركاء أجانب، ولكن سيتم حظر النشر الدائم للقوات الأجنبية.

في ملف دونباس، يرى خبراء أن موسكو لن تقدم أي تنازلات، ما يعني أن روسيا ستحتفظ فعلياً بالأراضي المحتلة، لكنها قد تكون مستعدة لوقف الهجوم. وقد يكون أحد السيناريوهات المطروحة هنا، تأجيل قضية الحدود لمدة تتراوح بين 10 و15 عاماً. وقد تطالب كييف بتقديم تنازلات إذا ظلت القوات المسلحة الأوكرانية تسيطر على جزء من منطقة كورسك بحلول بداية عملية المفاوضات.

في ملف انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، يبدو الموقف الأميركي واضحاً بعدم وجود أي فرصة لهذه الخطوة. وهو أمر يلبي طموحات بوتين. ومع ذلك، فإن إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي لا تزال قائمة، وهو الخيار الذي لم ترفضه روسيا في محادثات السلام عام 2022.

وبالإضافة إلى ذلك، تسعى روسيا إلى تحقيق تغييرات أوسع في النظام الأمني الأوروبي. وقد طالب بوتين قبل الحرب من حلف شمال الأطلسي بالتوقف عن التوسع شرقاً وسحب قواته من عدد من الدول الأوروبية. ومن المرجح الآن أن تطرح موسكو هذه الشروط مرة أخرى في المفاوضات مع الولايات المتحدة. برغم خشية بلدان أوروبا الشرقية من أن التنازلات الأميركية لبوتين قد تفتح شهيته لاستئناف تحركاته العسكرية لاحقاً ضدها. ومع ذلك، يعتقد خبراء أن ترمب قد يكون ميالاً لإبرام مثل هذه الصفقة.


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
TT

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)

نددت وزارة الخارجية ​البريطانية بإطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية مطلع الأسبوع، وحثت الدولة المنعزلة على ‌الانخراط في ‌دبلوماسية ​بناءة.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي يشرف على اختبار صواريخ باليستية مطورة (رويترز)

وقالت ‌وزارة ⁠الخارجية ​وشؤون الكومنولث ⁠والتنمية البريطانية في بيان صدر يوم الأحد «إطلاق الصواريخ الباليستية ⁠في 19 ‌أبريل ‌يمثل انتهاكا ​آخر ‌لقرارات مجلس ‌الأمن الدولي، مما يزعزع استقرار السلام والأمن الإقليميين».

وأفادت ‌وكالة الأنباء المركزية الكورية يوم ⁠الاثنين ⁠بأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أشرف يوم الأحد على تجارب إطلاق صواريخ باليستية ​قصيرة ​المدى مطورة.


تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.