3 سنوات على الحرب: حصيلة روسية وأوكرانية... ومخاوف أوروبية

عودة ترمب قرَّبت بوتين من إعلان النصر... وزيلينسكي يحتاج «معجزة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
TT

3 سنوات على الحرب: حصيلة روسية وأوكرانية... ومخاوف أوروبية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع إكليلاً من الزهور عند قبر الجندي المجهول بمناسبة «يوم المدافعين عن الوطن» في موسكو الاثنين (رويترز)

قبل شهرين فقط لم يكن من الممكن تخيُّل أن تستقبل روسيا العام الرابع للحرب على أوكرانيا، وهي تستعد لتجهيز خطاب النصر كما يتردد في أروقة السياسة والاعلام. كان المشهد مختلفاً قبل شهرين. فالعمليات العسكرية في عامها الثالث تحوَّلت إلى حرب استنزاف واسعة النطاق لقدرات الطرفين، وخرائط خطوط التماس جامدة، برغم اختراقات وقعت على طرفيها. وفي مقابل تقدم موسكو في بعض بلدات دونيتسك ولوغانسك، اخترقت أوكرانيا التحصينات الروسية وباتت تسيطر منذ الصيف الماضي على مئات الكيلومترات داخل أراضي روسيا. لكن تلك «النجاحات» الميدانية لم تنجح في رسم ملامح خرائط نفوذ جديدة، ولا في تحويل موازين القوى لصالح أي طرف. وبدا أن الحرب وصلت إلى مرحلة من الجمود في ظل غياب أي رؤية سياسية للتسوية تلبي شروط ومصالح الطرفين.

كان الاستعصاء العسكري والجمود السياسي عنوان المشهد في أوكرانيا، قبل أن يدخل الرئيس دونالد ترمب البيت الأبيض تسبقه وعود وصفت بأنها «خيالية» حول قدرته على إنهاء الحرب في 24 ساعة.

حتى روسيا التي رحبت بعودة الرئيس الجمهوري، بدت في البداية حذرة للغاية، وربطت إعلان أي موقف رسمي بترقب «الخطوات الأولى لترمب».

لكن خطوات الرئيس الأميركي السريعة والصاخبة، أثارت دهشة كبيرة، حتى لدى الرئيس فلاديمير بوتين نفسه، الذي لم يكن يتوقع حجم «اندفاعة» ترمب نحو موسكو. قبل شهرين فقط، قال خبير مقرب من الكرملين إن ترمب لن يكون قادراً على تخطي «الدولة العميقة» وقلب موازين السياسات. اتضح بعد مرور أسابيع فقط أنه فعل ذلك.

حصاد السنوات الثلاث

لا شك أن حرب السنوات الثلاث، وفقاً للتعريف الذي بات يتردد لدى بعض الأوساط الروسية، ويشي بقناعة بأن المواجهة العسكرية سوف تضع أوزارها قريباً، أحدثت تغييرات عميقة لن تنجح روسيا وأوكرانيا في تجاوزها سريعاً مهما كانت سيناريوهات نهايتها.

في روسيا، كانت التوقعات في الأسابيع الأولى للحرب بأنها ستكون عملية خاطفة تنتهي سريعاً بدخول أرتال الدبابات كييف، مثلما حدث في 2008 عندما سيطرت موسكو في خمسة أيام على تبليسي عاصمة جورجيا. وفرضت عبر اتفاق بوساطة فرنسية وألمانية سلاماً يناسب مصالحها.

جنود أوكرانيون يطلقون النار على مسيَّرة روسية ليل السبت - الأحد في كييف (رويترز)

حصاد روسيا

لكن سرعان ما اتضح أن «العملية العسكرية الخاصة»، وفقاً للتسمية الرسمية، تحولت إلى حرب شاملة لم تخض مثلها البلاد منذ الحرب العالمية، فرضت تغييرات واسعة في كل مناحي الحياة في روسيا. وصحيح أن اقتصاد البلاد لم يتداعَ بقوة كما توقعت رزم العقوبات غير المسبوقة بحجمها في التاريخ، لكنه شهدت تحولات كبرى، أعادته إلى ما يشبه اقتصاد الاتحاد السوفياتي مع فارق في غياب القدرات الصناعية الهائلة للدولة العظمى في السابق، والذي تم تعويضه بالاعتماد على شركاء مثل الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإيران.

عموماً، برغم الصعوبات المعيشية والاقتصادية، وفرت العقوبات الغربية فرصة ثمينة للانكفاء على الداخل. وتشجيع الاستثمارات المحلية. وتطوير قطاعات مهمة بشكل ذاتي مثل القطاع الزراعي والقطاع الطبي. وفتح التعاون مع شركاء من الشرق لتطوير قطاعات السيارات والآليات وبعض الصناعات العسكرية والتقنية الأخرى. وكان لافتاً مع بدء التحضير لمرحلة «ما بعد الحرب» حالياً، أن وزير التنمية الاقتصادية الروسي مكسيم ريشيتنيكوف أعلن أن شروط عودة الشركات الأجنبية إلى روسيا سوف تتغير، وسيتم اتخاذ القرارات مع الأخذ في الاعتبار مصالح الشركات والمستهلكين المحليين.

وقال الوزير: «من الواضح أن الاقتصاد الروسي قد تغير. وبالتالي فإن متطلبات الشركات الأجنبية من حيث التوطين والاستثمار والتكنولوجيا ستكون مختلفة تماماً». وأضاف الوزير أن رحيل العلامات التجارية الأجنبية فتح فرصاً فريدة لرجال الأعمال والشركات الروسية من الدول الصديقة، وقد استفادوا منها بشكل كامل.

عسكرياً، أحكمت موسكو السيطرة على نحو خمس أراضي أوكرانيا، ورتبت وضعاً قانونياً عبر قرارات ضم أربع مقاطعات في جنوب وشرق البلاد، يجعل من الصعب على بوتين أو أي رئيس مقبل، أن يتنازل عن الأراضي التي غدت «روسية إلى الأبد».

وسياسياً على الصعيد الداخلي، نجح بوتين في مواجهة أبرز التحديات. لم تحدث انشقاقات كبرى في البلاد برغم نزوح نحو مليون شخص من أصحاب الخبرات إلى الغرب. وواجه الكرملين تمرد مجموعة «فاغنر» وخرج أقوى على مستوى التحكم بالمجموعات الرديفة التي تقاتل إلى جانب الجيش. كما خرج بوتين من استحقاق الانتخابات الرئاسية منتصراً بقوة ونجح في تمتين الجبهة الداخلية حوله.

على المستوى الإقليمي، حققت موسكو نجاحات مهمة في حشد قدرات الحلفاء والشركاء في إطار مجموعتي «شانغهاي» و«بريكس» وعبر الاتحاد الأوراسي الاقتصادي ومنظمة الأمن الجماعي، الذراع العسكري والأمني لرابطة الدول المستقلة. صحيح أن هذه التكتلات لم تدعم مباشرة موقف موسكو في الحرب، لكنها وفَّرت وسادة آمنة ومفيدة جداً، للتبادل الاقتصادي والتعاون الأمني والعسكري برغم قيود العقوبات الغربية.

لكن في المقابل، خسرت موسكو ثقة حلفائها في الفضاء السوفياتي السابق، وباتت جمهوريات آسيا الوسطى تراقب تحركات الكرملين بحذر، وهو يلوّح بـ«خيار أوكرانيا» كلما وقع خلاف، الأمر الذي يسيطر حالياً على العلاقات مع أهم شريكين في المنطقة، وهما أوزبكستان وكازاخستان. وفي أرمينيا التي كانت أقرب حلفاء الكرملين بات «الخيار الأوروبي» مسيطراً على سياساتها، ويحظى بقبول واسع شعبياً. والأمر ينسحب على مولدوفا التي تخشى هجوماً مماثلاً للهجوم على أوكرانيا تحت ذريعة حماية «الروس» في مقاطعة بريدنوستروفيه الانفصالية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث للصحافيين في كييف (أ.ب)

الحصاد الأوكراني

لا شك أن الخسائر الأوكرانية على كل المستويات كانت فادحة خلال السنوات الثلاث الماضية. ومع خسارة خمس الأراضي والتغيير النهائي كما يبدو على خريطة أوكرانيا التي كانت معروفة قبل بدء الحرب، فإن الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية لا تعوض، وفقاً لخبراء.

في عام 2024، فقدت أوكرانيا جزءاً كبيراً من أراضي دونباس، وبرغم أنها عبر الهجوم في منطقة كورسك، تمكنت من اكتساب موطئ قدم داخل روسيا، مما عزَّز فرضيات «تبادل الأراضي» لكن هذا النجاح يبدو محدود النتائج على خلفية التطورات الجارية حالياً.

في غضون ذلك، اتخذت السلطات الأوكرانية قرارات صعبة في السنة الأخيرة. فهي شددت قوانين التعبئة وقررت إلغاء الانتخابات الرئاسية حتى نهاية الأحكام العرفية (تم تمديدها مرة أخرى في نهاية أكتوبر (تشرين الأول). وصحيح أن أوكرانيا تقول إنها الحقت خسائر فادحة بالجيش الروسي بينها مثلاً أن نصف الجيش غاب عن الميدان بين قتيل أو مصاب، وأن أوكرانيا دمرت ثلث أسطول البحر الاسود الروسي، وألحقت خسائر فادحة في كل القطاعات العسكرية الأخرى، لكن القوات المسلحة الأوكرانية تعاني من انتكاسات خطيرة للغاية، وهي تناقش حالياً، إجراءات غير شعبية مثل خفض سن التجنيد من 25 إلى 18 عاماً. ومن المرجح أن يحمل العام الحالي تغييرات مهمة في حال استمرت الحرب.

لذا فإن المشكلة الرئيسية التي تواجه أوكرانيا في الوقت الراهن هي نقص الجنود. متوسط عمر الجنود الأوكرانيين في الجبهة نحو 40 عاماً. وفي الوقت نفسه، فإن خفض سن التجنيد يحمل في طياته مخاطر ديموغرافية جدية.

عموماً، يبدو أن عدداً متزايداً من الأوكرانيين سئموا الحرب ويرغبون في التفاوض. لكن في المقابل، لا تظهر استطلاعات الرأي العام أن الأوكرانيين باتوا أكثر استعداداً لتقديم تنازلات إقليمية من أجل حل الصراع.

مع دمار البنى التحتية وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين فإن العنصر الاكثر تأثيراً على المستوى الاجتماعي كان الهجرة والنزوح المتكرر لفئات واسعة.

وقد حدثت أخطر موجة هجرة في العام الأول من الحرب، وتم إحصاء لجوء ثمانية ملايين أوكراني في أوروبا وحدها. وحالياً، بحسب الأمم المتحدة، فإن عدد النازحين يزيد قليلاً على ستة ملايين، أي أن مليوني شخص عادوا إلى ديارهم خلال ثلاث سنوات. لكن هناك معدلات نزوح داخلية كبيرة أيضاً، ووفقاً لأرقام المنظمة الدولية، هناك نحو أربعة ملايين نازح من مناطق دونباس والأقاليم التي شهدت أعنف هجمات.

أما النتيجة الإيجابية الوحيدة للحرب على الصعيد الداخلي، فهي الاختفاء شبه الكامل للاختلافات الإقليمية في أوكرانيا. وفي حين كان هناك تمايز إقليمي قوي في معظم القضايا في عام 2021، غير أن هذه الاختلافات اختفت الآن عملياً. على سبيل المثال، تم التعامل مع ملف انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي بشكل مختلف في أجزاء مختلفة من البلاد، حتى بعد عام 2014. لم تعد هناك مثل هذه الاختلافات في الوقت الحاضر.

وخلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت أسس جديدة للتقسيم الطبقي الاجتماعي. والآن أصبح العامل الفاصل هو ما فعله الشخص أثناء الحرب والمكان الذي كان فيه. على سبيل المثال، يتم الآن تقسيم المجتمع ليس وفقاً للتقييم السابق القائم على أقاليم الشرق الناطقة بالروسية والأقاليم الغربية التي تتطلع إلى تكامل مع الغرب، بل تحوَّل التقسيم إلى ما يشبه «جغرافيا الحرب»، إذ بات هناك اللاجئون في أوروبا، وأولئك الذين لم يغيروا مكان إقامتهم، والنازحون داخلياً، وأولئك الذين بقوا في الأراضي «المحتلة».

الموقف تجاه الإدارة الأوكرانية مختلف جداً. وتبدو الثقة بالسلطات التنفيذية وفقاً لاستطلاعات الرأي أدنى من مستوى الثقة بالرئيس فلاديمير زيلينسكي. لا يزال زيلينسكي هو الزعيم الذي يحظى بالثقة العامة.

وفقاً لدراسات، فقد تراجعت شعبية زيلينسكي في عام 2024، بسبب الهجوم المضاد الفاشل الذي شنته القوات المسلحة الأوكرانية، والوعي السائد في المجتمع بأن الحرب مستمرة، فضلاً عن إقالة رئيس الأركان فاليري زالوجني الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة. ومع ذلك، في استطلاع حديث، كان مستوى الثقة بزيلينسكي 53 في المائة، وهي نسبة مقبولة، وفقاً لمحللين في الظروف الراهنة.

وربما يستمر تراجع الثقة في زيلينسكي. وسيعتمد هذا إلى حدٍ كبير على كيفية تطور الوضع في الجبهة. برغم ذلك، وبعد انتقادات ترمب القاسية ضد زيلينسكي أخيراً، وظهور ميله لعقد صفقة منفردة مع موسكو يرى خبراء أن زيلينسكي سيكون «بحاجة إلى معجزة لقلب موازين القوى على طاولة المفاوضات لصالحه».

أما الموقف الداخلي حيال فرص السلام وخيارات التنازل عن بعض الأراضي لوقف الحرب، فهو ما زال متناقضاً بقوة. ومثلاً في استطلاع أجري في مايو (أيار) 2022 لصالح المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي، أعرب 60 في المائة من الأوكرانيين عن استعدادهم للمفاوضات. لكن هذا الرقم انخفض عندما حقق الجيش الأوكراني نجاحات في وقف الهجوم الروسي إلى 44 في المائة، ثم إلى 29 في المائة لاحقاً. بينما في الوقت الحالي وبعد مرور ثلاث سنوات وصلت نسبة مؤيدي التفاوض ووقف الحرب إلى 57 في المائة.

والمسألة الأخرى هي الاستعداد لتقديم تنازلات إقليمية. في العامين الأولين كان منخفضاً جداً. على سبيل المثال، في مايو 2022 فقط 10 في المائة أيدوا فكرة التنازل عن دونباس لروسيا. ولم يتغير هذا الرقم كثيراً خلال عام 2023. لكن بعد أن أصبح من الواضح أن الجيش الأوكراني لم يعد قادراً على مواصلة القتال بنجاح، ارتفعت درجة الاستعداد: في سبتمبر (أيلول) 2024، قال 33 في المائة إنهم مستعدون لسلام يفضي إلى التنازل عن جزء من أراضي أوكرانيا.

لكن من المهم أن نضيف هنا، أنه لا يوجد في أوكرانيا أي حديث عن الاعتراف بهذه الأراضي باعتبارها روسية. بل عن تجميد الصراع والقبول بالأمر الواقع الحالي مؤقتاً.

جندي أوكراني فقد ساقه في القتال في شرق أوكرانيا عام 2015 يخلع التمويه عن مدفعه الهاوتزر ذاتي الدفع في خاركيف بأوكرانيا في 10 فبراير (أ.ب)

أوروبا قلقة

لا شك أن الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا، مع دخول الحرب عامها الرابع هي البلدان الأوروبية التي وقع على كاهلها الجزء الأكبر من العبء الاقتصادي والمخاوف الأمنية والسياسية. ومع أن المزاج العام الأوروبي يطالب بوقف الحرب، لكن البلدان الأقرب جغرافياً إلى روسيا، ترى أن السيناريو الذي يطرحه حالياً ترمب سيكون كارثياً على أمنها.

واللافت أنه في الذكرى الثالثة للحرب بلغت الهوة بين أوروبا والولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة، إذ لم يسبق للطرفين أن اتخذا موقفاً متناقضاً إلى هذه الدرجة حيال ملف له تداعيات أمنية وعسكرية ضخمة على القارة الأوروبية. وأبرز التجليات الحالية هي المواجهة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد اقترحت الولايات المتحدة مشروع قرار خاص بها يدعو إلى إنهاء الحرب بسرعة، لكنه لا يطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا على الفور. بينما أوروبا لديها وثيقة مختلفة تماماً تطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا.

وتسلط الخلافات في الوثائق الضوء على الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول كيفية حل الصراع في أوكرانيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص على خشبة المسرح خلال «مؤتمر العمل السياسي المحافظ» في غايلورد بولاية ميريلاند السبت (د.ب.أ)

سيناريو السلام

تزامن إحياء الذكرى الثالثة للحرب مع اندفاعة ترمب لفرض سلام يعزز موقف بوتين ويتجاهل - كما يبدو حتى الآن - مطالب الأوكرانيين والأوروبيين، والسيناريوهات المطروحة تبدو متشائمة بعض الشيئ.

لا شك كما يقول محللون أن نجاحات روسيا على ساحة المعركة سوف تتطلب تنازلات من كييف، لكن موقف الكرملين التفاوضي لن يكون سهلا بسبب الممانعة الأوروبية أولا، ولأن هدف المفاوضات بالنسبة لبوتين ليس إنهاء الصراع فقط، بل أيضا تخفيف العقوبات الغربية. والخروج بصفقة شاملة تتعلق بالضمانات الامنية في أوروبا وملفات التسلح الاستراتيجي والعلاقة مع حلف شمال الاطلسي.

تشكل الضمانات الأمنية وفقا لخبراء أحد الشروط الأساسية لإنهاء الصراع، لدى الجانبين. وتخشى أوكرانيا من أنه في غياب مثل هذه الضمانات، فإن روسيا سوف تستأنف العدوان، وبالنسبة للكرملين من المهم الحد من الإمكانات العسكرية للأوكرانيين حتى لا يحاولوا استعادة الأراضي التي سيطرت عليها موسكو.

وترى مجموعة من الخبراء بقيادة مارك ويلر، الأستاذ بجامعة كامبريدج، أن خيار التسوية سيكون نشر قوة أجنبية محدودة على الأراضي الأوكرانية. مكونة من بضع ألاف من بلدان مقبولة لدى كل من روسيا وأوكرانيا. وستضمن هذه القوة الالتزام بوقف إطلاق النار، وينبغي أن يكون استئناف الأعمال العدائية خاضعاً لعقوبات من أي من الجانبين.

وفي الوقت نفسه، سيكون لأوكرانيا الحق في إجراء تدريبات مشتركة محدودة مع شركاء أجانب، ولكن سيتم حظر النشر الدائم للقوات الأجنبية.

في ملف دونباس، يرى خبراء أن موسكو لن تقدم أي تنازلات، ما يعني أن روسيا ستحتفظ فعلياً بالأراضي المحتلة، لكنها قد تكون مستعدة لوقف الهجوم. وقد يكون أحد السيناريوهات المطروحة هنا، تأجيل قضية الحدود لمدة تتراوح بين 10 و15 عاماً. وقد تطالب كييف بتقديم تنازلات إذا ظلت القوات المسلحة الأوكرانية تسيطر على جزء من منطقة كورسك بحلول بداية عملية المفاوضات.

في ملف انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، يبدو الموقف الأميركي واضحاً بعدم وجود أي فرصة لهذه الخطوة. وهو أمر يلبي طموحات بوتين. ومع ذلك، فإن إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي لا تزال قائمة، وهو الخيار الذي لم ترفضه روسيا في محادثات السلام عام 2022.

وبالإضافة إلى ذلك، تسعى روسيا إلى تحقيق تغييرات أوسع في النظام الأمني الأوروبي. وقد طالب بوتين قبل الحرب من حلف شمال الأطلسي بالتوقف عن التوسع شرقاً وسحب قواته من عدد من الدول الأوروبية. ومن المرجح الآن أن تطرح موسكو هذه الشروط مرة أخرى في المفاوضات مع الولايات المتحدة. برغم خشية بلدان أوروبا الشرقية من أن التنازلات الأميركية لبوتين قد تفتح شهيته لاستئناف تحركاته العسكرية لاحقاً ضدها. ومع ذلك، يعتقد خبراء أن ترمب قد يكون ميالاً لإبرام مثل هذه الصفقة.


مقالات ذات صلة

مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

أوروبا جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)

مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

أودى هجوم بطائرة مسيرة بحياة امرأة في غرب روسيا على بعد 350 كيلومتراً من جنوب موسكو، بحسب ما أعلنت السلطات المحلية صباح اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا تصاعد الدخان جراء هجوم روسي على مدينة زابوريجيا الأوكرانية اليوم (أ.ب)

روسيا وأوكرانيا تستأنفان الهجمات بعد انقضاء هدنة عيد الفصح

أعلن كل من روسيا وأوكرانيا تجدد الهجمات بالمُسيّرات، الاثنين، بعد انقضاء هدنة مُدّتها 32 ساعة اتُّفق عليها لمناسبة عيد الفصح، وتبادل الطرفان الاتهامات بخرقها.

«الشرق الأوسط» (كييف )
تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

تحليل إخباري هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قداس عيد الفصح الأرثوذكسي في كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو (أ.ف.ب) p-circle

كييف وموسكو تتبادلان اتهامات بخرق هدنة عيد الفصح

تبادلت أوكرانيا وروسيا اتهامات اليوم (الأحد) بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح.

«الشرق الأوسط» (خاركيف (أوكرانيا))
أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)

اتهام زوجة رئيس الوزراء الإسباني بالفساد

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وزوجته بيغونيا غوميز يحضران خطاباً في جامعة تسينغهوا في بكين أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وزوجته بيغونيا غوميز يحضران خطاباً في جامعة تسينغهوا في بكين أمس (رويترز)
TT

اتهام زوجة رئيس الوزراء الإسباني بالفساد

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وزوجته بيغونيا غوميز يحضران خطاباً في جامعة تسينغهوا في بكين أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وزوجته بيغونيا غوميز يحضران خطاباً في جامعة تسينغهوا في بكين أمس (رويترز)

وجّهت اتهامات رسمية بالفساد إلى بيغونيا غوميز، زوجة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بعد تحقيق جنائي بدأ قبل سنتين، وفق حكم قضائي نُشر أمس الاثنين، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا التحقيق هو من قضايا فساد عدة تورط فيها أفراد من عائلة الزعيم الاشتراكي، وحلفاء سابقون له، ما يضع ضغوطاً على حكومة الائتلاف الأقلية التي يتزعمها.

وفتح القاضي خوان كارلوس بينادو التحقيق في أبريل (نيسان) 2024 لتحديد ما إذا كانت غوميز قد استغلت منصبها كزوجة سانشيز لتحقيق مكاسب شخصية، ولا سيما مع رجل الأعمال الإسباني خوان كارلوس بارابيس الذي كانت شركاته تفاوض للحصول على مساعدات عامة، وهو ما تنفيه هي ورئيس الوزراء.

وقال بينادو إن تحقيقه وجد مؤشرات كافية على سلوك إجرامي من جانب غوميز البالغة 55 عاماً وفقاً لحكم صادر بتاريخ 11 أبريل نشر أمس.

وأضاف الحكم أنه وجّه رسمياً اتهامات إلى غوميز بالاختلاس، واستغلال النفوذ، والفساد في المعاملات التجارية، وإساءة استخدام الأموال.

والأمر الآن يعود إلى المحاكم لتقرر ما إذا كانت غوميز ستخضع للمحاكمة أم لا.

وتنفي غوميز، التي تقوم بزيارة رسمية إلى الصين برفقة سانشيز، ارتكاب أي مخالفات.

كذلك، رفض سانشيز الادعاءات الموجهة ضد زوجته، معتبراً أنها محاولة من اليمين لتقويض حكومته. وقد طالبت أحزاب المعارضة باستقالته.

وفتحت المحكمة التحقيق بشأن غوميز في 16 أبريل بعد شكوى تقدّمت بها منظمة غير حكومية تنشط في مكافحة للفساد على صلة باليمين المتشدد.

وتفيد المنظمة «مانوس ليمبياس» (الأيدي النظيفة) بأن شكواها مبنية على تقارير إعلامية. وسبق لها أن أقامت سلسلة دعاوى قضائية فاشلة على سياسيين في الماضي.

كما تم توجيه الاتهام إلى شقيق رئيس الوزراء ديفيد سانشيز في تحقيق منفصل يتعلق بمزاعم استغلال نفوذ مرتبط بتعيينه من جانب حكومة إقليمية.

وبدأت هذا الشهر محاكمة خوسيه لويس أبالوس، الرجل المقرب من سانشيز ووزير النقل السابق، بتهمة تلقّي رشى مرتبطة بعقود عامة.


مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)
جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)
TT

مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)
جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)

أودى هجوم بطائرة مسيرة بحياة امرأة في غرب روسيا على بعد 350 كيلومتراً من جنوب موسكو، بحسب ما أعلنت السلطات المحلية صباح اليوم الثلاثاء.

وقال حاكم منطقة ليبتسك إيغور أرتامونوف على تطبيق «تلغرام» إن مدينة «ييليتس تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل امرأة» كانت في بيتها، فيما أصيب خمسة بجروح.

واستأنفت روسيا وأوكرانيا تبادل الهجمات بالطائرات المسيرة ليل الأحد-الاثنين، بعد انقضاء مهلة قصيرة لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، وتبادلتا الاتهامات بانتهاكها. وأعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت 98 مسيّرة، مضيفاً أن وحداته للدفاع الجوي أسقطت 87 منها. كما أفادت وزارة الدفاع الروسية بأنه «يوم 13 أبريل (نيسان)، اعترضت قوات الدفاع الجوي ودمّرت 33 طائرة مسيّرة أوكرانية».

وخلال هذه الهدنة التي بدأت السبت الساعة 16:00 (13:00 بتوقيت غرينتش)، تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار مئات المرات. وقبل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوقف إطلاق النار الذي اقترحه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مؤكداً أنّ بلاده سترد على أي انتهاكات روسية. وتبادل الجيشان الاتهامات بشنّ مئات الضربات المدفعية، وهجمات بطائرات من دون طيار، بما في ذلك على مدنيين، بالإضافة إلى العديد من هجمات المشاة. واعتبر زيلينسكي السبت أنه سيكون «من الصحيح» تمديد وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنّه تقدّم بـ«اقتراح» بهذا الشأن لموسكو. غير أنّ الكرملين استبعد هذا الاحتمال، ما لم تمتثل كييف للشروط التي وضعها لإنهاء الحرب التي اندلعت بسبب الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. ويطالب الكرملين الحكومة الأوكرانية بتنازلات سياسية، وإقليمية، وخصوصاً الانسحاب الكامل من منطقة دونيتسك الشرقية، التي تسيطر روسيا جزئياً عليها. وترفض كييف هذه المطالب، معتبرة إياها بمثابة استسلام.


ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.