ماكرون يحاول حشد أوروبا بشأن أوكرانيا... لكن الانقسامات عميقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)
TT

ماكرون يحاول حشد أوروبا بشأن أوكرانيا... لكن الانقسامات عميقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)

سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإضفاء صورة من الوحدة الأوروبية بدعوة عدد صغير من القادة الأوروبيين المختارين بعناية إلى قصر الإليزيه، في حين مضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدماً في المفاوضات مع روسيا بشأن الحرب في أوكرانيا. ولكن تحت الاستعراض الدبلوماسي الذي قاده ماكرون، كان من الصعب تجاهل الشقوق في الإجماع الأوروبي حول هذه المسألة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

صورة ملتقطة في 17 فبراير 2025 في قصر الإليزيه بباريس تظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرحّب برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قبل قمة القادة الأوروبيين (د.ب.أ)

ماكرون يسعى لتولي زمام المبادرة

باستضافته القمة الأوروبية الاثنين في قصره الباريسي، يحاول ماكرون أن يصبح الصوت المهيمن في موضوع أوكرانيا والأمن الأوروبي. ومع ضعف المستشار الألماني أولاف شولتس سياسياً واحتمال خروجه من منصبه قريباً، ومع كون المملكة المتحدة (بريطانيا) أصبحت خارج الاتحاد الأوروبي، وميل إيطاليا نحو ترمب، برز ماكرون كزعيم فعلي للكتلة الأوروبية في دفعها نحو الاستقلال الاستراتيجي.

وقالت مصادر دبلوماسية، اليوم (الثلاثاء)، إن فرنسا تعتزم استضافة اجتماع ثان غدا الأربعاء لمناقشة الوضع الأمني في أوروبا وأوكرانيا، لكنها دعت هذه المرة كندا ودولا أوروبية لم تشارك في الاجتماع الأول.

وذكر مصدران دبلوماسيان أن الدول المدعوة هي النرويج وكندا ودول البلطيق الثلاث (ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا) وجمهورية التشيك واليونان وفنلندا ورومانيا والسويد وبلجيكا.

وقال اثنان من المصادر إن بعض الدول قد تشارك عبر الفيديو.

مع ولاية رئاسية حتى عام 2027 وترسانة فرنسا النووية التي تجعلها القوة الذرية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، وضع ماكرون نفسه باعتباره السياسي الوحيد الذي يتمتع بالطموح والسلطة للتصرف. اقتراحه بإنشاء قوة أمنية بقيادة أوروبية في أوكرانيا، حتى بدور تدريبي ولوجيستي محدود، يتناسب مع دفعه الأوسع من أجل قارة أقل اعتماداً على واشنطن.

لكن التوصل إلى توافق في الآراء مع نظرائه الأوروبيين يثبت أنه صعب: ألمانيا تقاوم طرحه، وتم استبعاد الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي من القمة، يضاف إلى ذلك عدم القدرة على التنبؤ بمواقف ترمب وما يضفيه ذلك من غموض بشأن مستقبل الأمن في أوروبا.

يقول المحلل السياسي الفرنسي جان إيف كامو: «سعى ماكرون إلى فرض نفسه كرجل قوي في أوروبا».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة القادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس... 17 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

استراتيجية ستارمر «الطريق الثالث»

يرسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مساراً مختلفاً عن ماكرون، حيث يضع نفسه كحلقة وصل رئيسية بين أوروبا وأميركا - مع الحفاظ على موقف حازم مؤيد لأوكرانيا.

بعد أن التقى ستارمر ترمب قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية - قال ترمب: «يعجبني كثيراً»، في إشارة إلى ستارمر. ومن المقرر أن يسافر رئيس الوزراء البريطاني إلى واشنطن الأسبوع المقبل فيما يراه البعض جهداً لسد الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإشارة لسمة مميزة لـ«العلاقة الخاصة» التي تربط بين بريطانيا والولايات المتحدة.

وبينما يتحرك ترمب نحو خفض التصعيد في أوكرانيا، يضاعف ستارمر دعمه لكييف، مشيراً إلى أن بريطانيا «مستعدة وراغبة» في إرسال قوات بريطانية إلى أوكرانيا إذا لزم الأمر. يتناقض هذا الموقف مع نهج ماكرون وشولتس الأكثر حذراً بشأن إرسال قوات إلى أوكرانيا.

وقرار ستارمر المفاجئ بعدم التوقيع على إعلان دولي رئيسي بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي الأسبوع الماضي، في خطوة اصطف فيها ستارمر مع الولايات المتحدة بدلاً من الاتحاد الأوروبي، أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت بريطانيا تقترب من واشنطن بشأن القضايا الجيوسياسية الأوسع نطاقاً.

قال أناند سوندار، المستشار الخاص في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «المملكة المتحدة (بريطانيا) فريدة من نوعها، لأنها عملياً الحليف الرئيسي الوحيد الذي لم يعاده ترمب عمداً منذ تنصيبه».

يقترح بعض المحللين أن ستارمر يضع نفسه في وضع «الهامس» الأوروبي لترمب، القادر على التأثير على البيت الأبيض مع مواكبته أوروبا.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تصل إلى قمة القادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس... 17 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ميلوني توازن خطواتها

وصلت رئيس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، حليفة ترمب والزعيمة الوحيدة لاقتصاد أوروبي كبير التي حضرت تنصيب الرئيس الأميركي في يناير (كانون الثاني)، متأخرة إلى قمة باريس وغادرت دون الإدلاء ببيان عام - وهي خطوات عدها المراقبون علامات على التشكك في الاجتماع الأوروبي.

وبحسب وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»، تساءلت ميلوني عن سبب عقد القمة في باريس بدلاً من بروكسل، مركز صنع القرار الطبيعي للاتحاد الأوروبي، وانتقدت استبعاد دول الخط الأمامي للاتحاد مثل دول البلطيق والسويد وفنلندا.

وفي القمة، رفضت ميلوني نشر قوات أوروبية في أوكرانيا، ووصفته بأنه «الخيار الأكثر تعقيداً والأقل فعالية» - خاصة من دون ضمانات أمنية ثابتة لكييف.

ولاحظ المراقبون أن ميلوني رددت بعض الانتقادات التي صرّح بها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لاعتماد أوروبا على الحماية الأميركية. وقالت، وفقاً لوكالة «أنسا»: «لا ينبغي لنا أن نسأل عما يمكن للأميركيين أن يفعلوه من أجلنا، بل ما يجب أن نفعله لأنفسنا».

وعلى الرغم من تشككها، لا تزال ميلوني منخرطة في المحادثات، حيث طرحت مخاوف إيطاليا بشأن الالتزامات العسكرية الأوروبية طويلة الأجل في أوكرانيا على طاولة البحث.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بودابست... المجر 17 فبراير 2025 (رويترز)

غياب أوربان

كان من اللافت غياب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو حليف وثيق لترمب ومنتقد متكرر لسياسات الاتحاد الأوروبي، عن محادثات باريس.

في حين لم يتم تقديم سبب رسمي لعدم حضوره، رأى بعض المراقبين أنه رسالة واضحة من باريس وحلفائها الأوروبيين حول حدود التعامل مع القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم قريبون جداً من رؤية ترمب للعالم.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرحّب بالمستشار الألماني أولاف شولتس لدى وصوله لحضور اجتماع مع زعماء أوروبيين بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)

شولتس منزعج

في القمة، رفض المستشار الألماني أولاف شولتس اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإنشاء قوة أمنية بقيادة أوروبية في أوكرانيا، ووصفه بأنه «سابق لأوانه تماماً» و«غير مناسب للغاية» نظراً للحرب الجارية.

لم يخف شولتس إحباطه، قائلاً إنه «منزعج قليلاً» من مناقشة قوات حفظ السلام في أوكرانيا «في الوقت الخطأ». وأصر على أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) - وليس القوة الأوروبية المستقلة - يجب أن يظل أساس الأمن الأوروبي.

نظراً لإرثها التاريخي من الحروب العالمية، يرى بعض المراقبين أن ألمانيا كانت دائماً على استعداد للتنازل عن قيادة الأمن الأوروبي لصالح فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الدور الذي سعى الفرنسيون إلى لعبه منذ عهد الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول.

وتشتد المناقشة حول الإنفاق العسكري لدول «الناتو»، حيث يؤكد مسؤولو الحلف أن الهدف المتمثل في 2 في المائة للإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة عضو بالحلف، أصبح الآن خط الانطلاق (بمعنى الحد الأدنى المطلوب) وليس الحد الأقصى.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

تحليل إخباري عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

يسرّع الذكاء الاصطناعي القرارات العسكرية، لكنه يثير مخاوف من أخطاء وسوء تقدير قد يقودان إلى تصعيد غير مقصود بين الدول المتنافسة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الخليج الوزراء في صورة جماعية عقب الاجتماع في مدينة نيويورك الاثنين (التعاون الخليجي)

تأكيد خليجي على أهمية الارتقاء بالعلاقات مع فرنسا وتوسيع مجالاتها

شدَّدت دول مجلس التعاون الخليجي على موقفها الداعي لضمان أمن الممرات المائية وحرية الملاحة الدولية، وضرورة الالتزام بعودة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
عالم الاعمال حفل «جوائز روبلوكس للابتكار 2026» (الشرق الأوسط)

«روبلوكس» تختتم مؤتمر مطوريها بتكريم صناع الألعاب والمحتوى

اختتمت «روبلوكس» مؤتمرها السنوي للمطورين 2026 في سان خوسيه بتكريم أبرز مطوريها وصناع المحتوى ضمن «جوائز روبلوكس للابتكار».

«الشرق الأوسط» (‎سان خوسيه (كاليفورنيا))
تحليل إخباري دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل؛ فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية...

أنطوان الحاج
آسيا ضحيتا الهجوم تلميذان و7 أشخاص على الأقل يتلقون العلاج في المستشفى (أ.ب - أرشيفية)

مقتل 3 طلاب على الأقل بإطلاق نار داخل مدرسة في جنوب الفلبين

قال مسؤولون في الفلبين إن ثلاثة طلاب لقوا حتفهم جراء إطلاق نار بمدرسة في ​جنوب البلاد، اليوم الجمعة، من بينهم مرتكب الهجوم البالغ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

إدارة ترمب تسعى إلى شلّ «الجنائية الدولية»

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)
TT

إدارة ترمب تسعى إلى شلّ «الجنائية الدولية»

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)

يوم 14 يوليو (تموز) الماضي، أطلق ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي تصريحات عنيفة في صحيفة «وول ستريت جورنال» بحق المحكمة الجنائية الدولية، أتبعها ببيان رسمي صادر عن وزارته وبمقطع فيديو على منصة «إكس». وخلاصة ما قاله: «في اللحظة التي نتحدث فيها، تشن المحكمة الجنائية الدولية والدول الحليفة لها حرباً ضد بلادنا لا تستخدم فيها الصواريخ والرصاص، بل القوانين والاتفاقات وبقوة القانون الدولي».

وهدّد روبيو بإطلاق حملة مضادة: «ستتم تعبئة كامل أجهزة الحكومة من أجل شلّ قدرة هذه المحكمة بشكل منهجي على العمل، وعلى استهداف العسكريين أو المسؤولين الأميركيين». والخلفية التي انطلق منها أن المحكمة المذكورة فتحت في عام 2020 تحقيقاً بشأن جرائم قد تكون القوات الأميركية ارتكبتها في أفغانستان وفي «السجون السرية» التابعة لوكالة المخابرات المركزية في أوروبا. ورداً على ذلك، فرضت واشنطن عقوبات على فاتو بنسودا، المدعية العامة السابقة، ما أدى إلى تجميد التحقيق. بيد أن قيام المحكمة بإصدار مذكرتي توقيف، في عام 2024، بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بتهم كثيرة، منها ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة، ضاعف الغضب الأميركي وعزم واشنطن على تطويق المنظّمة، لا بل شلها تماماً من خلال مجموعات متلاحقة من الإجراءات المضادة والعقوبات.

وذهب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الخطاب الذي ألقاه الثلاثاء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى حدّ مطالبة الدول الأعضاء في المحكمة إلى الانسحاب منها. وقال: «أدعو الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب رسمياً من هذه المؤسسة المارقة فوراً». ووفق ترمب، فإن واشنطن «لن تسمح أبداً بإخضاع أفراد القوات المسلحة الأميركية أو أي شخص آخر للتحقيق أو لمحاكمات صورية أمام محكمة معادية لأميركا، ولا اختصاص لها بالنسبة إلينا». وليست الولايات المتحدة، كما روسيا والصين وإسرائيل، عضواً في المحكمة. وكانت واشنطن قد وقعت على نصوص المحكمة التأسيسية. بيد أنها لم تصادق قط على «نظام روما الأساسي» الذي أنشأها في عام 2002. وحالياً، تضم المحكمة 125 دولة عضوة.

حملة ضغوط

بالنسبة لروبيو، فإن وزارته ستقوم بـ«حملة شاملة لتفكيك التهديد غير المقبول للسيادة الأميركية الذي تمثله المحكمة الجنائية».

ويريد روبيو تفكيك المحكمة «لبنة لبنة» من خلال تطويقها سياسياً ودبلوماسياً ومالياً لشلّها عن الحركة وممارسة الضغوط القصوى والعقوبات على أفرادها وعلى الكيانات والدول التي تتعاون معها، عبر «عقوبات ثانوية».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قبل انعقاد مؤتمر صحافي أميركي - دنماركي في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

ووفق روبيو، فإن المحكمة «تديرها شبكة من المنظمات اليسارية غير الحكومية ومن حكومات العالم الثالث المعادية لأميركا. وما يجمع بينهم هو كرههم للولايات المتحدة». وتطالب الإدارة الأميركية المحكمة بثلاثة أمور: سحب مذكرات التوقيف بحق المسؤولين الإسرائيليين، وإغلاق التحقيقات المفتوحة بشأن ارتكابهم جرائم في الأراضي الفلسطينية، ووضع حد للتحقيق بشأن تجاوزات القوات الأميركية، وأخيراً مطالبة المحكمة بتعديل قانونها الأساسي لمنع قضاتها من ملاحقة مواطني الدول غير الأعضاء. وتلاحق المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها مدينة لاهاي الهولندية، منذ عام 2002، مرتكبي أخطر الجرائم، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

جاءت ردة الفعل الرسمية الأولى على لسان يوهان فاديفول، وزير خارجية ألمانيا الذي رفض التجاوب مع دعوة الانسحاب الأميركية. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عنه قوله: «لن نفعل ذلك بالطبع... إنها مؤسسة مهمة». وأضاف: «بصراحة، لا أفهم أيضاً هذا النداء من حيث المضمون. فهذا أحد المجالات التي نرصد فيها بالفعل اختلافاً مؤسفاً في السياسة عن إدارة الولايات المتحدة». واستطرد فاديفول قائلاً: «نحن بحاجة بالطبع إلى هذه الولاية القضائية على المستوى الدولي. فهي جزء من النظام القائم على القواعد الذي وضعه عالمنا لنفسه. وهي جزء من تاريخ حضارتنا. وهي تعبر عن الفصل بين السلطات وسيادة القانون، وكذلك عن إعلاء شأن الإنسانية... ولذلك فمن الواضح تماما أننا نقف إلى جانب المحكمة الجنائية الدولية في هذا الأمر».

قلق البلد المضيف

تقول مصادر دبلوماسية في باريس على اطّلاع على ما تخطط له الإدارة الأميركية التي سبق لها أن فرضت مجموعة واسعة من العقوبات على قضاة وعاملين تابعين للمحكمة، إن واشنطن تراهن على ثلاثة أمور.

الرئيس الأميركي متحدثاً للصحافة لدى وصوله إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر (رويترز)

الأول: العقوبات التي تتهيأ لفرضها على المحكمة بصفتها هيئة وليس فقط على أفراد تابعين لها. والثاني: السعي إلى إقامة تحالف يضم الدول المناوئة للمحكمة وأولها روسيا التي صدرت بحق رئيسها في العام 2023 مذكرة توقيف بسبب الحرب في أوكرانيا. وثاني هذه الدول الصين التي لم تستسغ إصدار المحكمة، في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، مذكرة توقيف بحق الزعيم العسكري في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ، حليف بكين بسبب الجرائم التي ارتكبت بحق الأقلية المسلمة «روهينغا». ووفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، فإن ترمب سعى خلال زيارته للصين في شهر مايو (أيار) الماضي إلى دفع الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى التعاون معه لتطويق المحكمة الجنائية. والثالث: الضغط على الدول المنتمية للمحكمة التي ترابط على أراضيها قوات أميركية (اليابان، وكوريا الجنوبية، وألمانيا) أو تحظى بدعم عسكري ومالي وحماية أميركية من أجل دفعها للانسحاب من عضوية المحكمة، وهي تعد أن بدء الانسحاب قد يجر انسحابات متلاحقة. والهم الأول لواشنطن تجنب أن يساق عسكريون أميركيون أمام محكمة دولية، الأمر الذي يفسر سبب تمسكها بالتوصل إلى اتفاقات مع الدول التي تنتشر فيها قوات أميركية توفر الحماية القانونية لها.

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (أ.ف.ب)

ما يقلق المحكمة، وأيضاً هولندا التي تستضيف مقرها، أن العقوبات الأميركية المرتقبة على المحكمة بصفته هيئة، وليس على أفراد منها، ستكون لها تبعات عملية كثيرة. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن مسؤولين هولنديين لم تسمهم أن العقوبات ستمنع المحكمة من الوصول إلى الخدمات المالية وخدمات تكنولوجيا المعلومات، بل قد تمنعها حتى من دفع رواتب موظفيها الأميركيين.

وعندما فُرضت العقوبات على كريم خان، المدعي العام السابق للمحكمة في عام 2025، فقد إمكانية الوصول إلى بريده الإلكتروني على «مايكروسوفت»، وجُمّدت حساباته المصرفية، ومُنع من دخول الولايات المتحدة. بيد أن ستيفان راب، السفير الذي عينه الرئيس باراك أوباما مبعوثاً له لقضايا جرائم الحرب وأدار فريق التحقيق في الجرائم المرتكبة في رواندا، قال لصحيفة «Le Temps» السويسرية إن المحكمة «يمكن أن تنجو من هذه الضربة القاضية»، والشرط لذلك أن الدول الأعضاء عليها أن تتحرك، وأن تعد أن ما تقوم به واشنطن هو «اعتداء على سيادتها».


الكرملين: بوتين مستعد لعقد اجتماع مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

الكرملين: بوتين مستعد لعقد اجتماع مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعد لعقد اجتماع مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ونقلت وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية، اليوم الأربعاء، عن بيسكوف قوله للصحافيين: «حتى الآن، لا توجد تفاصيل بشأن عقد أي اجتماعات رفيعة المستوى. إذا تحدثنا عن الاجتماع الروسي الأميركي، فإن الرئيس جاهز. في الواقع، يؤكد الرئيسان، بوتين وترمب، دائما في محادثاتهما الهاتفية على استعدادهما لعقد اجتماع آخر بمرور الوقت، إذا لزم الأمر».

وأضاف: «أما بالنسبة لاجتماع بوتين مع زيلينسكي (الرئيس الأوكراني)، فإن موقفنا معروف جيداً هنا. وقال بوتين إن زيلينسكي، إذا أراد، يمكنه القدوم إلى موسكو».

وأشار المتحدث باسم الكرملين إلى أنه «في هذه الحالة، سيتم تقديم الضمانات الأمنية اللازمة له»، مشيراً إلى أن زيلينسكي «يعرف جيداً ما هي القرارات التي يجب اتخاذها».

وأضاف: «في أي حالة أخرى، سيكون من غير العملي عقد اجتماع قمة قبل الانتهاء من العمل على مستوى الخبراء، لأنه سيكون مضيعة للوقت».

وتابع بيسكوف: «عسكرة أوكرانيا مستمرة، وتحاول الدول الأوروبية جمع المزيد والمزيد من الأموال لشراء الأسلحة».

وأشار إلى أن «نظام كييف يواصل نشاطه الإرهابي إلى حد ما، حتى الآن لا توجد شروط مسبقة للدخول في المسار السلمي للمفاوضات. على الرغم من أننا، كدولة روسية، لا نزال منفتحين على المفاوضات السلمية».

وذكر بيسكوف أن «القيادة البريطانية منخرطة في إثارة المشاعر المعادية للروس، وأن ألمانيا وفرنسا وعدداً من الدول الأوروبية الأخرى تفعل الشيء نفسه في انسجام تام».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، أمس الثلاثاء، عن وجود نية لديه لعقد اجتماع جديد مع نظيره الروسي.


ضربات روسية على أوكرانيا بالتزامن مع لقاء زيلينسكي وترمب

بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)
بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)
TT

ضربات روسية على أوكرانيا بالتزامن مع لقاء زيلينسكي وترمب

بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)
بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)

قال مسؤولون أوكرانيون، أمس الثلاثاء، إن روسيا قتلت ثمانية أشخاص، في هجمات استهدفت المركز الصناعي لأوكرانيا ومناطق أخرى على خط الجبهة، بالتزامن مع لقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب في «الأمم المتحدة».

وكثّفت موسكو غاراتها الجوية، خلال الصيف، ووسّعت هجماتها لتشمل أهدافاً اقتصادية تتراوح بين الشركات والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية، في وقت توقفت فيه إلى حد كبير مكاسبها على الأرض، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من حربها في أوكرانيا.

وقال رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي، عبر تطبيق «تلغرام»: «تستهدف روسيا عمداً الشركات والمزارع والمستودعات والسكك الحديدية ومنشآت الطاقة والمباني السكنية».

وقال الجيش الأوكراني، أمس الثلاثاء، إنه استهدف مصفاة نفط روسية في مدينة أوفا، التي تبعد أكثر من 1300 كيلومتر عن الحدود مع أوكرانيا. وأضاف أنه قصف أيضاً مصفاة كويبيشيف للنفط في منطقة سامارا، الواقعة على نهر الفولجا.

وقال حاكم منطقة سامارا إن طائرات مُسيرة أوكرانية أصابت أهدافاً مدنية في المنطقة، ما أسفر عن مقتل شخص، وإصابة أربعة آخرين. وينفي الطرفان استهداف المدنيين.

وقالت شركة إنتر بايب، أكبر مُنتج للأنابيب في أوكرانيا، إن ضربة صاروخية روسية استهدفت منشأة تابعة لها في مدينة دنيبرو، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، وإصابة سبعة آخرين.

وقال ممثلو ادعاء إن هجمات روسية على منطقة خيرسون في جنوب البلاد أودت بحياة شخصين، في حين أفاد حاكم المنطقة بمقتل شخص، قرب ميناء أوديسا المُطل على البحر الأسود.

وفي منطقة دونيتسك الشرقية، التي يتركز فيها كثير من المعارك على خط الجبهة، قالت الشرطة إن قنابل جوية روسية قتلت شخصاً في كراماتورسك، إحدى المدن التي تسعى روسيا للسيطرة عليها.

واستهدفت ضربة روسية سفينة شحن ترفع عَلَم أنتيغوا وبربودا في ميناء بمنطقة أوديسا بجنوب أوكرانيا، ما أدى إلى مقتل القبطان الأوكراني، وفق ما أعلن حاكم المنطقة أوليغ كيبر، الأربعاء.

واستهدف الهجوم أيضاً بنى تحتية مدنية، متسبباً باندلاع حرائق في مستودعات تخزَّن فيها أدوية ومنتجات غذائية، وفق ما أفاد كيبر على «تلغرام».