باريس تستضيف أول قمة من نوعها للذكاء الاصطناعي

تهدف إلى توسيع «الشراكة الدولية» ورفض تفرد الصين وأميركا وانقسام العالم بين منتج ومتفرج

الذكاء الاصطناعي المتقدم سيُحدث ثورة في الفيزياء (رويترز)
الذكاء الاصطناعي المتقدم سيُحدث ثورة في الفيزياء (رويترز)
TT

باريس تستضيف أول قمة من نوعها للذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي المتقدم سيُحدث ثورة في الفيزياء (رويترز)
الذكاء الاصطناعي المتقدم سيُحدث ثورة في الفيزياء (رويترز)

تتأهب باريس لتكون عاصمة الذكاء الاصطناعي في العالم بفضل القمة التي ستستضيفها يومي 10 و11 فبراير (شباط) الحالي، والهدف الحقيقي منها رفض استحواذ الولايات المتحدة والصين على ما سيشكل التحدي العلمي والاستراتيجي الأكبر للعقود المقبلة. والقمة التي يتم التحضير لها منذ أكثر من عام، والتي ستلتئم في «القصر الكبير» «غران باليه» الواقع أسفل جادة الشانزليزيه، ستكون برئاسة مشتركة من فرنسا والهند، وستشارك فيها كبريات الشركات العالمية الفاعلة في هذا القطاع، بما فيها الأميركية والصينية التي تتنازع الريادة عليها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصل الثلاثاء إلى معهد «غوستاف روسي» بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السرطان (أ.ف.ب)

حضور دولي واسع في أول قمة من نوعها

خلال الأيام الأربعة التي تسبق القمة، ستشهد العاصمة الفرنسية مجموعة من الفعاليات المتلاحقة؛ من ورشات عمل ولقاءات تغطي كافة أنشطة ومجالات الذكاء الاصطناعي، والمقصود منها تسليط الأضواء على التطبيقات المبتكرة التي يوفرها في المجالات كافة، وعلى المشاريع الجديدة التي ستدفعها إلى آفاق أبعد. وقالت مصادر الإليزيه، في معرض تقديمها للقمة، إن الغرض الأساسي «تبيان أننا لا نريد أن يكون الذكاء الاصطناعي مرتهناً للجانبين الأميركي والصيني، وبالتالي إبراز أن لفرنسا وأوروبا والأطراف الدولية الأخرى حضورها وكلمتها ودورها». من هنا، تأتي أهمية حضور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى باريس، بالنظر لوزن الهند في هذا المجال.

وبانتظار أن تكتمل لائحة قادة الدول أو مسؤوليها الكبار، فإن باريس سجلت مجيء رئيسة المفوضية الأوروبية، وقادة كثر أوروبيين فيما سيمثل جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي بلاده في القمة، بحيث تكون باريس أول وجهة يزورها منذ تنصيب دونالد ترمب.

أطلقت الصين تطبيق «ديب سيك» الذي يعزّز المنافسة مع الولايات المتحدة (رويترز)

ودعا المنظمون الكثير من الفائزين بجوائز «نوبل» العلمية والباحثين المعروفين في كبريات المختبرات والمختصين في هذا الحقل. ولم يعرف ما إذا كان إيلون ماسك، صاحب منصة «إكس»، والمقرب من ترمب، سيشارك في القمة أم لا.

وبالمقابل، تأكد حضور شخصيات أميركية بارزة من أمثال سام ألتمان، رئيس شركة «أوبن إيه آي» مبتكرة تطبيق «تشات جي بي تي»، وساندر بيتشاي الرئيس التنفيذي لـ«غوغل»، وديميس هاسابيس الحائز على جائزة «نوبل» الذي يقود وحدة أبحاث «ديب مايند إيه آي» في الشركة، فضلاً عن شركة «أنتروبيك». ومن الصين سيحضر كبار مسؤولي الشركة الرائدة «سي إي أو» و«علي بابا»، إضافة إلى شركات أوروبية. ولأن المشاريع الجديدة تحتاج لتمويل كبير، فإن باريس تشدد على وجود الصناديق السيادية، وأولها من منطقة الخليج، إلى جانب كبار المستثمرين الأميركيين والأوروبيين والآسيويين.

ثلاثة تحديات رئيسية تواجهها القمة

ترى باريس أن القمة تواجه ثلاثة تحديات رئيسية: دبلوماسية، ومجتمعية، واقتصادية. وبالنسبة للتحدي الأول، ترى مصادر الإليزيه أنه من الضروري إبراز أن الذكاء الاصطناعي «ليس ملكية أميركية وصينية خالصة، ولكن لنا حضورنا أيضاً بوصفنا أوروبيين وشركاء دوليين فاعلين». وبكلام آخر، الغرض من القمة الحد من الهوة العلمية والتكنولوجية المتفاقمة التي تقسم العالم، وإبراز أنه ليس محشوراً بين منتج مقرر من جهة، ومستهلك متفرج من جهة أخرى، ولكن يمكن للجميع أن يكون له دوره ومساهمته في هذا المجال. ولذا، فإن الخطوة العملية الأولى على هذا المسار تتمثل في إيجاد «مؤسسة» جديدة سيعلن اسمها الرسمي خلال القمة وسيدعمها صندوق استثماري.

وتفيد المعلومات المتوافرة بأن تمويله الأوليّ سيصل إلى 2.5 مليار يورو، وسيكون الصندوق مفتوحاً أمام المساهمات الحكومية والخاصة من شركات ومؤسسات ومتبرعين أفراد... وأحد أهم التحديات سيكون تمكين الأطراف الساعية إلى أن يكون لها «ذكاؤها الاصطناعي» من خلال مساعدتها على اجتذاب الخبراء، وإقامة قاعدة بياناتها، والحصول على الحواسيب القوية والخبرات الضرورية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث مع الملياردير إيلون ماسك (رويترز)

وبحسب باريس، فإنه سيكون للمؤسسة المرتقبة دور «ريادي» في تسهيل الوصول إلى تملّك الذكاء الاصطناعي والإفادة من تطبيقاته المتعددة، بحيث لا يكون حكراً على جهات محددة. كذلك ترى الجهة المنظمة أنه «من الضروري أن يكون الذكاء الاصطناعي في خدمة المجتمع وليس العكس»، بحيث تحترم البيئة وتفيد السكان والعاملين والمبدعين. ومن أجل أن يكون التقدم بين كافة الأطراف الفاعلة منسجماً، فإن المنظمين سيعملون باتجاه توسيع ما سمي «الشراكة الدولية للذكاء الاصطناعي» التي انضمت إليها، حتى اليوم، ستون دولة. والمراد إيجاد «معايير» موحدة، بحيث لا يعمل كل طرف من جانبه، وبمعزل عن الآخرين.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث في مؤتمر صحافي في بروكسل الاثنين وستقدم خطة أوروبية خاصة بالذكاء الاصطناعي (رويترز)

أوروبا تريد أن تكون لاعباً رئيسياً

لا يخفى التحدي الاقتصادي المرتبط بالذكاء الاصطناعي على أحد. وتكفي العودة لما حصل في الأيام الأخيرة بعد أن كشفت الصين عن تطبيقها الأخير، وما كان له تداعيات على البورصات العالمية، وخصوصاً الأميركية. من هنا، يريد الاتحاد الأوروبي أن يبين أن له دوراً، الأمر الذي سيعكسه كشف رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، خلال القمة عن «خطة أوروبية» للذكاء الاصطناعي.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في قازان بروسيا في 23 أكتوبر الماضي - سيترأس إلى جانب ماكرون قمة الذكاء الاصطناعي (رويترز)

بالتوازي، ستعمل باريس على الكشف عن خطط إضافية في هذا المجال، خصوصاً أن مصادر الإليزيه تؤكد أن فرنسا تلعب «دوراً رائداً» على المستوى الأوروبي. والخلاصة أن باريس تريد بداية من القمة أن تكون «مؤشراً ودافعاً» ليقظة أوروبية بالدرجة الأولى، بالنظر لإمكانيات دول القارة القديمة، والتي من شأنها أن تشكل «مركز الثقل» لمنافسة الطرفين الأقوى، واجتذاب أطراف أخرى للانضمام إليها. وداخل هذا «المركز»، يمكن أن تلعب فرنسا دور «الدينامو» أو المحرك. ومن غير ذلك، فإن أوروبا أيضاً لن تكون قادرة على التأثير في مسار الذكاء الاصطناعي، وستترك المجال حراً أمام الآخرين.

شعار شركة «ديب سيك» الصينية الناشئة على شاشة كومبيوتر في لندن (وكالة حماية البيئة)

يبقى التحدي المجتمعي الذي لا يقل أهمية عن التحديات الأخرى، وعنوانه إبراز أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته التكنولوجية لخدمة القطاعات المجتمعية؛ كالتربية والتعليم والصحة والعمل والزراعة والبيئة. كذلك لا يمكن تجاهل التطبيقات العسكرية التي سيكون لها موقعها في المناقشات التي ستعرفها فعاليات المؤتمر؛ إنْ على المستوى العلمي، أو خصوصاً على المستوى السياسي بين القادة والمسؤولين الحاضرين. وباختصار، فإن الغرض العام يقوم على اجتذاب اهتمام المواطنين، في أي بلد كان، بالذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يحمله، بما له وما عليه. وإذا كانت فوائده جلية ومفهومة، فإن إحدى نتائجه المباشرة ستكون دفع آلاف العمال في العديد من المهن إلى أحضان البطالة؛ ما سيمثل مشكلة اجتماعية.


مقالات ذات صلة

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة…

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)

الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» تسعى السلطات إلى وضع ضوابط تنظيمية لها.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الرياضة روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)

شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

تمكَّن روبوت بشري من الفوز بسباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، اليوم (الأحد)، قاطعاً المسافة بسرعة أكبر من الرقم القياسي العالمي البشري.

«الشرق الأوسط» (بكين)

ميرتس يعلن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين ألمانيا والبرازيل

رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)
رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)
TT

ميرتس يعلن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين ألمانيا والبرازيل

رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)
رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)

اتفقت ألمانيا والبرازيل على تعميق شراكتهما الاستراتيجية؛ إذ أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عقب المشاورات الحكومية بين الجانبين في مدينة هانوفر اليوم (الاثنين)، إلى توسيع نطاق التعاون في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى قطاعَي الدفاع والصناعات العسكرية.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، أكد رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني أن «التقارب بين بلدينا أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في زمن يتغير فيه النظام العالمي بصورة جذرية. نريد تعزيز المنافع المتبادلة، ونريد أن نكون شبكة من الشركاء الأقوياء والمتقاربين في التوجهات».

وحدد ميرتس محاور رئيسية للتعاون المعمق المتفق عليه؛ إذ قال: «نريد أن نطور معاً نقاط القوة في اقتصادينا بوصفنا شريكَين تجاريين مهمين». وذكر على وجه الخصوص مجالات مستقبلية مثل التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والاقتصاد الدائري، والتقنيات البيئية، والزراعة.

وأوضح ميرتس أنه من أجل ضمان السلام والحرية، تقرر تكثيف التعاون في مجالَي الدفاع والتسليح.

ولفت ميرتس إلى أن المباحثات تطرقت أيضاً إلى الأوضاع في الشرق الأوسط، وأكد أن كلتا الحكومتَين تدعم بكل قوتها الجهود الرامية إلى تحقيق تفاهم دبلوماسي سريع بين الولايات المتحدة وإيران.

وتُعدّ ألمانيا رابع أكبر شريك تجاري للبرازيل، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 20.9 مليار دولار أميركي العام الماضي، إلى جانب استثمارات مباشرة بنحو 38 مليار دولار. ويشكل إقليم ساو باولو، الذي يضم نحو 1000 شركة ألمانية، أكبر موقع صناعي لألمانيا في الخارج.


أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
TT

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وسط ترحيب فاتر من روسيا، بدا أن هناك تدافعاً من أوكرانيا وتركيا لاستئناف المباحثات الرامية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات.

وأكد وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، استعداد الرئيس فولوديمير زيلينسكي لعقد لقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لافتاً إلى مناشدة تركيا للنظر في إمكانية تنظيم اجتماع رباعي يجمع زيلينسكي وبوتين بحضور الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والأميركي دونالد ترمب.

وقال سيبيها، الذي شارك في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم مساء الأحد، والذي أجرى على هامشه مباحثات مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إن تركيا لديها القدرة على تحقيق «إنجازات فريدة وغير مسبوقة في مجال الدبلوماسية».

أوكرانيا تريد لقاء مع بوتين

وأضاف: «لقد ناشدنا تركيا النظر في إمكانية تنظيم اجتماع على مستوى الرئيسين زيلينسكي وبوتين، مع احتمال مشاركة الرئيسين إردوغان وترمب»، لافتاً إلى أن الجانب الأوكراني، بما في ذلك زيلينسكي، مستعد لهذا الاجتماع.

وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (إعلام تركي)

وتابع سيبيها أن لدى بلاده مقترحات فعالة، وأنهم يأملون في دور تركيا، الذي قال إنه يمكن أن تلعب دوراً وتسرع عملية السلام المحيطة بالحرب الروسية الأوكرانية، معتبراً أن المشكلة الوحيدة هي أن بوتين يختبئ حالياً.

ومنذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، استضافت تركيا جولات عدة للمحادثات في إسطنبول منذ مارس (آذار) منذ ذلك العام، كما نجحت بالتنسيق مع الأمم المتحدة في التوصل في يوليو (تموز) إلى اتفاقية الحبوب، التي سمحت بإنشاء ممر آمن في البحر الأسود لخروج الحبوب من موانئ أوكرانيا إلى الأسواق ما جنب العالم أزمة غذائية، ولم تصمد الاتفاقية أكثر من عام واحد بسبب عدم تلبية مطالب روسيا.

جولة مفاوضات بين الجانبين الروسي والأوكراني في إسطنبول في 2 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وتجددت المفاوضات بوساطة تركيا عبر عقد 3 جولات من المحادثات الروسية الأوكرانية في إسطنبول في 16 مايو (أيار) و2 يونيو (حزيران) و23 يوليو (تموز) 2025، أسفرت عن عمليات تبادل كبيرة للأسرى ومذكرات مسودة تحدد مواقف كلا الجانبين من أجل اتفاق سلام محتمل، دون إحراز تقدم كبير على صعيد إنهاء الحرب.

كما عقدت 3 جولات من محادثات السلام بوساطة أميركية في 23 يناير (كانون الثاني) و4 فبراير (شباط) الماضيين في أبوظبي، و17 فبراير في جنيف، لكن المحادثات توقفت بسبب تركيز واشنطن على إيران.

إردوغان يدفع باتجاه المفاوضات

وأكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في كلمة خلال افتتاح «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، الجمعة الماضي، أن تركيا تبذل جهوداً حثيثةً لتكثيف عملية التفاوض بشأن أوكرانيا، وأنها عززت اتصالاتها مع الأطراف المعنية.

إردوغان متحدثاً خلال افتتاح «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف إردوغان أن تركيا تسعى لاستئناف مسار إسطنبول للمحادثات بين الجانبين، وتعمل على عقد لقاء بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي لوضع نهاية للحرب.

بدوره، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال إحدى جلسات المنتدى، إن بلاده مستعدة لاستضافة قمة على مستوى الرؤساء أو اجتماعات على الوفود الفنية من روسيا وأوكرانيا.

ولفت إلى أن الرئيس إردوغان أكد في اتصالين سابقين مع الرئيسين بوتين وزيلينسكي استعداد تركيا لاستضافة المفاوضات على مستوى الوفود، وعقد لقاء يجمعهما معاً.

فتور روسي

في الوقت ذاته، أبدت موسكو ترحيباً فاتراً باستئناف محادثات إسطنبول، وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن بلاده تنظر بإيجابية إلى احتمال استئناف هذه المحادثات، «إذا كان شريكنا (أوكرانيا) مستعداً للتفاوض فنحن مستعدون لذلك».

وأضاف لافروف، خلال جلسة في إطار منتدى أنطاليا، السبت، أن مسألة استئناف الحوار مع أوكرانيا ليست هي الأهم في المرحلة الحالية، مؤكداً أن روسيا لم تُجبر أي طرف على الدخول في مفاوضات.

لافروف خلال إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (رويترز)

وعن مقترح تشكيل تحالف جديد يضم دول الاتحاد الأوروبي وتركيا وبريطانيا وأوكرانيا، قال لافروف: «للمرة الثالثة في التاريخ الحديث، سينطلق تهديد عالمي من أوروبا، وتُبذل كل الجهود لجعل أوكرانيا شرارة هذا التهديد العالمي»، مشدداً على أن لروسيا «خطوطاً حمراء» واضحة، وأن صبرها قد يصل إلى حدوده القصوى في مرحلة ما، ويجب عدم اختبار هذه الحدود.

ووجه انتقادات للموقف الأوروبي لعدم حسم أمره بشأن التعامل الحازم مع روسيا في ملف الطاقة، لافتاً إلى أن أوروبا بحاجة كبيرة إلى الغاز الطبيعي والنفط، رغم رفضها العقود الطويلة مع روسيا، وأن استهداف أوكرانيا أنابيب الغاز أدى إلى إجبار الأوروبيين على شرائه بأسعار باهظة.

وحذّر لافروف من تصاعد انتشار الحركات النازية في أوروبا، عاداً أن سلوك بعض الدول يشكل تهديداً للأمن الدولي وشكلاً من أشكال الحرب العالمية الثالثة، وأكد أن بلاده لديها الخبرة الكافية للتعامل مع جميع هذه التطورات.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)
ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)
TT

ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)
ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)

لم يُخفِ الكرملين ارتياحه بعد ظهور النتائج شبه النهائية للانتخابات البرلمانية في بلغاريا؛ إذ حمل الفوز الكبير الذي حققه حزب «بلغاريا التقدمية» الذي يقوده الرئيس السابق للبلاد، رومين راديف، المعروف بصلاته الوثيقة مع الكرملين، مفاجأة سارة لموسكو؛ ليس فقط لأن هذه النتيجة جاءت بعد مرور أيام على هزيمة حليف موسكو العنيد رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، في انتخابات مماثلة، ولكن أيضاً لأن راديف دشن عهده الجديد في رئاسة الوزراء بإعلانه، فور ظهور النتائج، عزمَه تنشيط قنوات الاتصال مع روسيا وحل «المشكلات القائمة» عبر حوار براغماتي.

حزب «بلغاريا التقدمية»، الذي رفع طيلة سنوات شعارات تندد بالحصار المفروض على روسيا وتؤكد على وحدة العِرق التي تجمع الروس والبلغار بصفتهم أمة سلافية، فاز بنسبة 44.5 في المائة من الأصوات بالانتخابات البرلمانية البلغارية، وفقاً لبيانات اللجنة المركزية للانتخابات، بعد الانتهاء من فرز جميع أوراق الاقتراع.

الفائز بالانتخابات البلغارية رومين راديف يتحدث للصحافيين بعد إغلاق صناديق الاقتراع في صوفيا الأحد (أ.ب)

وتشير النتيجة إلى نجاح التكتل في اكتساح عدد من مقاعد البرلمان تؤهله لاختيار رئيس الوزراء الجديد ووضع الملامح العامة لسياسة البلاد.

وكان راديف صرح مرات عدة خلال الحملات الانتخابية بمعارضته تقديم أي مساعدات عسكرية لكييف، ودعا إلى إعادة النظر في موقف أوروبا حيال الحرب في أوكرانيا، وإلى العودة للحوار الدبلوماسي مع موسكو.

ولم يتأخر الكرملين في إعلان ارتياحه للتطور، وقال الناطق الرئاسي، ديميتري بيسكوف، إن بلاده «لا يمكن إلا أن تؤكد ارتياحها لإعلان السيد رومين راديف، الذي يتصدر حزبُه نتائج الانتخابات البرلمانية في بلغاريا، بشأن استعداد روسيا للانخراط في الحوار».

ووفقاً لتصريح بيسكوف، فقد سعت موسكو دائماً إلى الحوار مع الدول الأوروبية، لكنها لم تجد بعدُ استجابةً مماثلة.

وأكد الناطق الرئاسي أن موسكو قيّمت بشكل إيجابي تصريحات راديف. ورغم أنه رأى أن «من السابق لأوانه استخلاص نتائج بشأن تغيير جذري في مناخ العلاقات بموسكو»، فإنه أضاف: «نحن، بالطبع، معجبون بتصريحات السيد راديف، وبعض القادة الأوروبيين الآخرين، بشأن استعدادهم لحل المشكلات من خلال حوار براغماتي».

بلغارية تدلي بصوتها عبر «ماكينة تصويت إلكتروني» بمركز اقتراع في صوفيا الأحد (أ.ف.ب)

وجرت الانتخابات البرلمانية في بلغاريا وسط أزمة سياسية، وهي ثامن مرة تُعقد فيها خلال السنوات الـ5 الماضية. خلال هذه المدة، استحال تشكيل حكومة مستقرة.

وسارعت وسائل الإعلام الحكومية الروسية إلى الترحيب بالتطور، وكتبت وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية أن راديف «يتمتع بثقة كبيرة لدى الشعب، الأمر الذي يثير قلقاً بالغاً في الدول الغربية».

وأوردت الوكالة في إطار استقراء التداعيات المنتظرة في أوروبا حيال فوز راديف، تصريحات مسؤولين وسياسيين، بينهم فاليري هاجر، عضو البرلمان الأوروبي والمقربة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي أعربت عن قلقها إزاء خطر «تشكيل حكومة موالية للكرملين في لحظة حرجة». كما توقفت عند تعليق صحيفة «تلغراف» البريطانية التي كتبت أن راديف قد يصبح «كابوس الاتحاد الأوروبي الأسوأ». وهو تعليق مماثل لإشارة مجلة «بوليتيكو» إلى أن موقف راديف من أوكرانيا «قريب جداً من موقف موسكو، وقد أوضح مراراً وتكراراً رغبته استئناف استيراد النفط الروسي».

الصفحة الأولى لصحيفة بلغارية تحمل عنوان: «من هنا إلى أين؟» في صوفيا الاثنين (أ.ب)

وكتب المعلق السياسي الروسي، ديميتري بافيرين: «بالنسبة إلى بلغاريا؛ هذا كثير. وهذا في حد ذاته قد صحّح شيئاً ما؛ ففي ثامن محاولة؛ سيحصل البلغار على حكومة لا تُعدّ عاراً على أمة سلافية عريقة، وعلى أكبر الشعوب تأييداً لروسيا في الاتحاد الأوروبي، أي دون كارهي روسيا والجبناء؛ لأن راديف ليس من هؤلاء».

وأشار معلقون مقربون من الكرملين إلى أن السياسيين الغربيين «ينهون بعد فوز راديف، بمرارة، احتفالاتهم التي أطلقوها ليلة هزيمة رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان. ويُفترض أن راديف سيتولى الآن دوره بوصفه (مثيراً للمشكلات)». ورجح بعضهم خطوات سريعة بإعلان فتح قنوات حوار مع موسكو ووقف كل أشكال إسهام بلغاريا في تقديم معونات لأوكرانيا.

وأعاد سياسيون روس التذكير بعبارة راديف التي قالها في وقت سابق: «نحن الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تجمع بين الديانة السلافية والأرثوذكسية الشرقية... يمكننا أن نصبح حلقة وصل بالغة الأهمية في هذه الآلية برمتها... لإعادة العلاقات مع روسيا».

رغم ذلك؛ فإن معلقين شككوا في قدرة السياسي البلغاري الفائز في الانتخابات على إطلاق انقلاب كامل في العلاقات بشكل فوري. مع إشارة إلى أنه «لا يمكن لبلغاريا وحدها أن تعالج العداء المتصاعد بين روسيا والاتحاد الأوروبي».

لكن الرهان الروسي، مع ذلك، يبقى كبيراً على السياسي الذي وُصف خلال توليه الرئاسة في بلاده بأنه صديق الكرملين المقرب، مع إشارة لحاجة بلغاريا إلى «زعيم براغماتي ينطلق من أن بلاده بحاجة إلى دعمٍ من السوق الروسية وموارد الطاقة الروسية. لذلك؛ فسيسعى بكل تأكيد إلى إنهاء الحرب الباردة الثانية بكل جديته المعهودة، وقبل ذلك، سيتخلى عن جميع التزاماته تجاه أوكرانيا؛ ببساطة لأن بلاده لا تستطيع تحمّل تكاليفها».

اللافت أن مواقف راديف خلال توليه الرئاسة طيلة سنوات الأزمة الحالية هي التي عززت مواقف حزبه على الصعيد الشعبي، وفقاً لتحليلات خبراء روس. ورغم أن منصب الرئيس يعدّ بروتوكولياً في بلغاريا، فإن راديف نجح في استغلال الأزمة السياسية الداخلية المستعصية لتعزيز شعبيته، ليصبح في نهاية المطاف السياسي الأعلى شعبية في البلاد. كما أن انتقاده المتكرر إدخالَ اليورو عملةً للبلاد، واستمرارَ تقديم الدعم العسكري لكييف، كانا من بين العوامل التي أسهمت في نجاحه.

Your Premium trial has ended