​ماكرون وشولتس يبحثان في باريس عن سبل مواجهة ضغوط ترمب وحماية أوروبا

ماكرون يقول إن أوروبا تعرف كيف تدافع عن نفسها... وشولتس يعد الأوقات التي تعيشها القارة صعبة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني في حديثهما للصحافة في قصر الإليزيه ظهر الأربعاء (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني في حديثهما للصحافة في قصر الإليزيه ظهر الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

​ماكرون وشولتس يبحثان في باريس عن سبل مواجهة ضغوط ترمب وحماية أوروبا

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني في حديثهما للصحافة في قصر الإليزيه ظهر الأربعاء (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني في حديثهما للصحافة في قصر الإليزيه ظهر الأربعاء (أ.ف.ب)

يوماً بعد يوم، يبرز القلق الأوروبي من عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية مع برنامج لا يخلو من الوضوح بالنسبة لما يريده من القارة القديمة، إن على صعيد العلاقات الاقتصادية والتجارية، أو بالنسبة للحلف الأطلسي، أو لما يضمره إزاء الحرب الروسية - الأوكرانية التي تلج بعد شهر من الآن عامها الرابع.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً في إطار الاجتماع السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم بقصر الإليزيه (رويترز)

من هنا، فإن الملف الرئيس الذي يحتل واجهة الاجتماعات الأوروبية بمختلف مستوياتها، منذ 5 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يدور حول ما يتعين على الاتحاد الأوروبي القيام به لمواجهة «الهجمة» الأميركية المقبلة. وهذا الواقع كان ظاهراً في قمة «دافوس» الاقتصادية، كما كان واضحاً خلال اجتماع الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، الأربعاء، في باريس بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ62 لمعاهدة الصداقة الفرنسية - الألمانية التي وقّعها الجنرال ديغول والمستشار كونراد أديناور في قصر الإليزيه. وفي تصريحين لإيمانويل ماكرون وشولتس، كان واضحاً أن «الهم» الأميركي يطغى عليهما معاً، ولكن مع فارق لافت. ففي حين كان الأول «قاطعاً» في كلامه، سعى الثاني إلى إبقاء الأبواب كافة مشرعة للتوصل إلى تفاهم مع سيد البيت الأبيض. والواضح حتى الآن، أن مسؤولي الاتحاد الأوروبي يتأرجحون بين التذكير بأن للاتحاد القدرة على الدفاع عن نفسه والرد على الإجراءات الأميركية، وبين الرغبة في إبراز الليونة إزاء واشنطن بانتظار أن تتضح السياسة التي تنوي الإدارة الأميركية اتباعها ورؤية ما إذا كانت تهديدات ترمب بفرض رسوم باهظة على الصادرات الأوروبية سيتم العمل بها، أم أنه يشهرها سيفاً لدفع الأوروبيين لتغيير نهج تعاملهم التجاري والاقتصادي مع الجانب الأميركي.

اللقاء الثلاثي في قصر الإليزيه الذي جمع رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وأوكرانيا 7 ديسمبر 2024 (د.ب.أ)

توجد مجموعة رسائل، تتمثل الرسالة الأولى الموجهة للأوروبيين، في التأكيد على أهمية وحدة الأوروبيين في مواجهة ما يأتي من الضفة الأخرى للأطلسي. وقال ماكرون إنه «بعد تنصيب إدارة جديدة في الولايات المتحدة، من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يلعب الأوروبيون دورهم في تعزيز أوروبا موحدة وقوية وذات سيادة»، مضيفاً أن «الرد الوحيد الذي ينتظره الأوروبيون هو مزيد من الوحدة والطموح، ومزيد من الاستقلالية». وأوروبا التي يتمسك بها ماكرون هي من جهة: «المتمسكة بالعلاقات الأطلسية»، ولكنها تعرف، في الوقت عينه، «أن تدافع عن مصالحها الخاصة بالارتكاز إلى قيمها وإلى أدواتها» المتوفرة.

وأردف ماكرون قائلاً: «أولوية أوروبا يجب أن تكون الدفاع عن المنافسة (الشريفة)، وتوفير الأمن والازدهار (لمواطنيها)، وتعزيز الديمقراطية، والمحافظة على النموذج الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي»، وهو بذلك يريد أن يبين الفرق الشاسع بين رؤية ترمب والرؤية الأوروبية التقليدية. ومن جانبه، استخدم شولتس «لغة مزدوجة»، فمن جهة لم يتردد في عدّ رجوع ترمب، مجدداً، في البيت الأبيض أنه «سيشكل تحدياً، وهذا أمر واضح بالفعل، ولذا يتعين أن تكون أوروبا قوية، وأقدر على المثابرة في عالم متحرك». لكنه في الوقت عينه، سارع إلى تأكيد أن «صداقة قوية تجمع بين الولايات المتحدة وأوروبا، وعلى هذا الأساس نريد، مع شركائنا الأميركيين، الاستمرار في البناء معاً». واستطرد شولتس قائلاً: «موقفنا واضح: لأوروبا فضل اقتصادي واسع يتشكل من 450 مليون مواطن ونحن أقوياء، وسنكون شركاء موثوقين للولايات المتحدة، وسيكون لنا تعاون جيد مع أميركا ومع الرئيس الجديد». وتشكل ألمانيا وفرنسا أكبر قوتين اقتصاديتين في الاتحاد الأوروبي. من هنا، تأتي أهمية ما يقوله شولتس وماكرون. وتجدر الإشارة إلى أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تبنت لغة مماثلة استخدمها الزعيمان الأوروبيان، المتأرجحة بين التشدد والتهديد باتخاذ إجراءات مضادة ومعاملة البضائع الأميركية بالمثل، أي فرض رسوم إضافية عليها، وفي الوقت عينه تأكيد العزم على الحوار واستمرار الشراكة مع الجانب الأميركي.

مصافحة بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب بعد قمة «مجموعة السبع» بفرنسا في 26 أغسطس 2019 (د.ب.أ)

وإزاء التهديدات التي تنضح بها تصريحات ترمب، دعا ماكرون إلى دعم قطاعات صناعات الصلب والسيارات والكيماويات، فضلاً عن القطاع الزراعي الفرنسي. وتشكل هذه القطاعات جانباً مهماً من الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة. ويميل الميزان التجاري لصالح القارة القديمة التي تصدر ما معدله 520 مليار يورو، وتستورد بنحو 350 ملياراً من الشريك الأميركي.

ولم تغب حرب أوكرانيا عن الزعيمين الأوروبيين. وفيما من المنتظر أن يطلق ترمب مبادرة ما بشأنها، فإن شولتس وماكرون حرصا على التذكير بالثوابت الأوروبية، فأعلن الأول أن أوكرانيا «يمكنها الاعتماد علينا، لأننا لن نتخلى عن دعمها في مواجهة العدوان الروسي».

أما الثاني، فقد أشار إلى أن أحد أهم أهداف أوروبا هو الدفاع عن مصالحها، والعمل أيضاً من أجل السلام والاستقرار في محيطها، والاستمرار في مساندة أوكرانيا في تحديد شروط السلام العادل والدائم. وإذ أمل شولتس في وضع حد لهذه «الحرب الرهيبة»، إلا أن الشرط لذلك أن تكون كييف في موضع قوي. وكلام ماكرون وشولتس موجه مباشرة للرئيس ترمب الذي كان طيلة حملته الانتخابية، يؤكد الحاجة لتخفيض المساعدات المالية والعسكرية لكييف، وأنه قادر على وضع حد للحرب «في 24 ساعة» من غير أن يبين كيف سيحقق هدفه ووفق أي شروط. والتخوف الأوروبي أن يسعى ترمب إلى «صفقة» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا ترضي الأوكرانيين، وأن تكون «من وراء ظهر» الأوروبيين، ما من شأنه أن يهدد أمن وسلامة واستقرار أوروبا. أما الرسالة الثالثة للمسؤولين الأوروبيين فتتناول الحلف الأطلسي، وذلك على خلفية مخاوف أوروبية من انسحاب الولايات المتحدة منه أو عدم التزامها بتطبيق اتفاقية إنشائه. ويأخذ ترمب على الأوروبيين أنهم لا يساهمون بما يكفي في ميزانية الحلف الدفاعية، وذهب إلى مطالبتهم بأن يخصصوا نسبة 5 في المائة من ناتجهم الداخلي الخام للدفاع، وهو هدف يصعب بلوغه، علماً بأن الهدف الحالي هو الوصول إلى نسبة 2 في المائة.

ماكرون مستقبلاً شولتس بالقصر الرئاسي في باريس (د.ب.أ)

من هنا تأتي أهمية ما قاله شولتس وماكرون، فالأول أكد أن الحلف يعد «الضامن المركزي للأمن في أوروبا، ونحن قمنا بالكثير من أجل تعزيز جناحه الأوروبي، والمخصصات الدفاعية ارتفعت في دوله كافة». ومن جانبه، رأى ماكرون أن الاستثمار في الشأن الدفاعي يجب أن يكون بالدرجة الأولى من خلال تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، مضيفاً أن ما يتعين على أوروبا القيام به «ليس فقط توفير مزيد من التمثيل للدفاع، ولكن أن تطور قاعدتها الصناعية في ميدان الدفاع، وأن تعزز قدراتها الذاتية الخاصة». وما يريد ماكرون إيصاله أنه يتعين التوقف عن شراء السلاح من خارج أوروبا، وتحديداً من الطرف الأميركي؛ لأن عملاً مثل هذا لا يساعد قطعاً على نمو الصناعات الدفاعية الأوروبية، كما أنه لا يسهم في تحقيق ما يدعو إليه منذ 8 سنوات لجهة تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا. وباختصار، فإن الأوروبيين يتلمسون ما يمكن القيام به لتجنب حرب تجارية واقتصادية مع الشريك الأميركي، ولكن في الوقت عينه، يبحثون عن الوسائل التي تمكنهم من مقاومة ضغوط ترمب. لكن نقطة ضعفهم الرئيسة أنهم يفتقدون لوحدة الموقف على المستوى الأوروبي وهي ثغرة تسعى المفوضية الأوروبية إلى سدها قبل أن تفرض أولى العقوبات.


مقالات ذات صلة

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.