كيف تستعد بولندا لإعادة التسلح الأوروبي؟

أفراد من القوات العسكرية البولندية خلال العرض العسكري لإحياء ذكرى انتصار بولندا على الجيش الأحمر السوفياتي عام 1920 في وارسو 15 أغسطس 2023 (رويترز)
أفراد من القوات العسكرية البولندية خلال العرض العسكري لإحياء ذكرى انتصار بولندا على الجيش الأحمر السوفياتي عام 1920 في وارسو 15 أغسطس 2023 (رويترز)
TT

كيف تستعد بولندا لإعادة التسلح الأوروبي؟

أفراد من القوات العسكرية البولندية خلال العرض العسكري لإحياء ذكرى انتصار بولندا على الجيش الأحمر السوفياتي عام 1920 في وارسو 15 أغسطس 2023 (رويترز)
أفراد من القوات العسكرية البولندية خلال العرض العسكري لإحياء ذكرى انتصار بولندا على الجيش الأحمر السوفياتي عام 1920 في وارسو 15 أغسطس 2023 (رويترز)

بوصفها «أفضل طالب» في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تحاول بولندا إشراك شركائها في مواجهة التحدي الذي أطلقه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب بشأن زيادة الإنفاق الدفاعي ومواجهة التهديد الروسي، وفق تقرير اليوم الجمعة لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

تحصين الحدود

هنا منطقة عازلة بعرض 200 متر تم إنشاؤها عند معبر بولوتشي بييشاتكا الحدودي الذي تم إغلاقه في عام 2023 لأسباب أمنية بين بولندا وبيلاروسيا. خطوط دفاع متتالية تحمي هذه الحدود بين منطقة بودلاسي في شرق بولندا، ومنطقة بريست في بيلاروسيا: خنادق مضادة للدبابات، وحواجز خرسانية، وأسلاك شائكة، وألغام، وسياج معدني بارتفاع 5 أمتار، إلى جانب أنظمة حرارية، وكاميرات وأجهزة كشف المعابر الإلكترونية...

جنود وشرطيون بولنديون يقفون في حالة تأهب على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا بالقرب من كوزنيكا 11 نوفمبر 2021 (رويترز)

بحسب التقرير، تحمي بولندا نفسها من خطر الهجوم المحتمل من جانب روسيا، ولكنها تحمي نفسها أيضاً من الحرب الهجينة الحقيقية التي تفرضها عليها روسيا بالفعل اليوم، التي تستغل عشرات الآلاف من المهاجرين الذين يتم اجتذابهم من أفريقيا وإرسالهم عبر بيلاروسيا في محاولة لاستغلالهم ليعبروا الحدود نحو بولندا بهدف زعزعة الاستقرار (في الاتحاد الأوروبي). وقد أدى هذا إلى مقتل جندي بولندي يبلغ من العمر 21 عاماً، طعنه مهاجر في يونيو (حزيران) 2024. وحصلت توغلات بطائرات مسيّرة في الأراضي البولندية وأحياناً صواريخ تقع هناك عن طريق الخطأ. ويتذكر الفريق أول ستانيسلاف تشوسنر، نائب رئيس أركان الجيش البولندي، قائلاً: «إنها حدودنا الخارجية، ولكنها أيضاً حدود الاتحاد الأوروبي والجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. نحن نتعلم من العدوان على جارنا الأوكراني: لو كان هناك المستوى نفسه من التحضير (العسكري)، ربما كان الوضع مختلفاً اليوم».

زيادة الإنفاق الدفاعي

جعلت بولندا من الأمن شعار رئاستها الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، التي بدأت في الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي. وتأمل الولايات المتحدة في حشد شركائها الأوروبيين ليتبعوا مثالها من خلال زيادة إنفاقهم العسكري. فوارسو هي «أفضل طالب» لحلف شمال الأطلسي في هذا المجال، حسب تعبير «لوفيغارو»، مع هدف يبلغ 4.7 في المائة للإنفاق العسكري من ناتجها المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة بأقل من 2 في المائة في المتوسط ​​(بالنسبة للناتو)، أو ميزانية تبلغ 45 مليار يورو، وهي الثانية في أوروبا بعد فرنسا. وارتفعت هذه الميزانية الدفاعية لبولندا بأكثر من 50 في المائة منذ عام 2022. وفي مواجهة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب، الذي ذكر مؤخراً عتبة جديدة للإنفاق العسكري لدول «الناتو» تبلغ 5 في المائة من الناتج المحلي (الولايات المتحدة تنفق 3.7 في المائة من ناتجها المحلي على الدفاع)، تقول الحكومة البولندية إنها مستعدة لقبول التحدي.

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتصافحان خلال حفل الترحيب في المستشارية في وارسو 17 يناير 2025 (إ.ب.أ)

وقال رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، إن تصريحات ترمب يجب أن «تؤخذ على محمل الجد»، ودعا شركاءه الأوروبيين إلى أن يكونوا جادين بشأن الإنفاق الدفاعي. وقال توسك، الأربعاء، في مؤتمر صحافي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في وارسو: «ليس بإمكان الجميع إنفاق ما تنفقه بولندا، ولكن ينبغي على الجميع أن يتقاربوا نحو هذا الهدف حتى ترانا أميركا حلفاء موثوق بهم». وأضاف أن الحكومات التي لا تزال تحت نسبة 2 في المائة، بما في ذلك إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا. ولتسريع الوصول إلى الإنفاق العسكري المطلوب، تخطط وارسو في البداية للتعاون مع مجموعات صغيرة من الحلفاء المقتنعين بأهمية زيادة هذا الإنفاق، ولا سيما دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي، فضلاً عن اللاعبين الأوروبيين الرئيسيين في مجال الدفاع: فرنسا والمملكة المتحدة (بريطانيا).

جنود بولنديون وأميركيون يشاركون في تدريب عسكري مشترك بنوفا ديبا في بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)

استقلال دفاعي

وذكر تقرير صادر عن مؤسسة «تشاتام هاوس»، وهو مركز دراسة سياسات مركزه لندن، أن «بولندا سوف تضطر إلى التوفيق بين نهجها الأطلسي التقليدي واستعدادها لزيادة مبادرات الاتحاد الأوروبي لتطوير قدرات وارسو الصناعية». إن الهدف هو تحقيق مستوى حاسم من الاستقلال الذاتي (الدفاعي) إذا أعادت الولايات المتحدة توجيه الجزء الأكبر من قوتها الرادعة نحو آسيا. يقول مصدر حكومي بولندي في هذا الإطار: «نحن نحاول إثارة اندفاعة بين حلفائنا: إذا هاجم بوتين إستونيا بعد أوكرانيا، فهل نحن مستعدون؟ هل لدينا ما يكفي من الذخيرة؟

جنود بولنديون أمام مقر حرس الحدود في ميخالوفو 11 أكتوبر 2021 (رويترز)

الدرع الشرقي

حذّر وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، من أن «أوروبا لن تتمكن من الحصول على رادع فعال دون تطوير قدراتها في مجال الأسلحة والذخائر».

وقرب بولندا من الولايات المتحدة، حيث طلبت وارسو 32 طائرة من طراز «إف-35» من شركة «لوكهيد مارتن» الأميركية و96 طائرة هليكوبتر من طراز «أباتشي» من شركة «بوينغ» الأميركية، قد يتعارض مع رغبة فرنسا في إعطاء الأولوية للمشتريات الأوروبية. وتستثمر وارسو أيضاً 2.3 مليار يورو على مدى أربع سنوات في درعها الشرقي، الذي تم إطلاقه في منتصف عام 2024. يغطي المشروع أكثر من 800 كيلومتر من المناطق الحرجة والمستنقعية على طول الحدود مع روسيا (منطقة كالينينغراد)، وليتوانيا، وبيلاروسيا، وأوكرانيا.


مقالات ذات صلة

قادة الاتحاد الأوروبي يدعون إلى تقليص اعتماد أوروبا على «ستارلينك»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وخلفه شعار الاتحاد الأوروبي على هامش قمة لزعماء التكتل (د.ب.أ)

قادة الاتحاد الأوروبي يدعون إلى تقليص اعتماد أوروبا على «ستارلينك»

بحث قادة الاتحاد الأوروبي سبل الحد من اعتماد أوكرانيا على نظام «ستارلينك» الذي يدعم عملياتها العسكرية، بعدما شهد النظام الأميركي اضطرابات أثرت على استخدامه.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

يختبر التلويح الأميركي بفرض عقوبات على «معرقلي» العملية السياسية في ليبيا مدى استعداد واشنطن للانتقال من التحذير إلى الفعل، وسط خلافات متصاعدة بشأن اتفاق «4+4».

علاء حموده
أوروبا علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بكسلز)

إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا أسبوعاً

اتفقت إيطاليا وإسبانيا على إلغاء إجراءات الرقابة الحدودية المتبادلة التي فرضت في أعقاب أزمة دبلوماسية مرتبطة بالهجرة، وذلك بعد محادثات أجراها قادة البلدين.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)

«المنتدى الاقتصادي العالمي» قد يختار لاغارد رئيسة له في نوفمبر

قد يعيِّن «المنتدى الاقتصادي العالمي» كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، رئيسةً جديدة لمجلس أمنائه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ - بانكوك)
أوروبا الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا إلى جانب رئيسة لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الأوروبي ماري أغنيس شتراك تسيمرمان في بروكسل يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

الملفات الشائكة تتراكم على مائدة القمة الأوروبية

القمة الأوروبية هي الأولى منذ نهاية العطلة الصيفية، وعلى مائدتها مجموعة من الملفات الشائكة التي تتباين حولها مواقف الدول الأعضاء

شوقي الريّس (بروكسيل)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.