الوضع السياسي الفرنسي متفجر رغم تشكيل حكومة جديدة

الرئيس ماكرون قد يضطر للاستقالة حال سقوط سريع في البرلمان لحكومة فرنسوا بايرو

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف فرنسوا بايرو في صورة تعود لشهر مارس 2022 خلال الحملة الرئاسية الأخيرة (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف فرنسوا بايرو في صورة تعود لشهر مارس 2022 خلال الحملة الرئاسية الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

الوضع السياسي الفرنسي متفجر رغم تشكيل حكومة جديدة

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف فرنسوا بايرو في صورة تعود لشهر مارس 2022 خلال الحملة الرئاسية الأخيرة (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف فرنسوا بايرو في صورة تعود لشهر مارس 2022 خلال الحملة الرئاسية الأخيرة (أ.ف.ب)

منذ اليوم الأول، يُطرح السؤال حول عمر حكومة فرنسوا بايرو التي أُعلنت الاثنين الماضي، وحول قدرتها على التعامل مع الاستحقاقات الرئيسة التي تواجهها فرنسا، وعلى رأسها إقرار موازنة عام 2025 وخفض المديونية التي ضربت رقماً قياسياً بحيث وصلت إلى 3300 مليار يورو، فضلاً عن عجز المالية العامة والعثور على وفر قدره 60 مليار يورو، ومواجهة النقص في قطاعات رئيسة مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وغيرها كثير.

ومشكلة بايرو، السياسي الوسطي البالغ من العمر 73 عاماً، أنه لم ينجح حقيقة في توسيع القاعدة السياسية لحكومته، بحيث جاءت كنسخة قريبة جداً من حكومة سابقه ميشال بارنييه التي استقالت بعد 3 أشهر فقط من تشكيلها بعد طرح الثقة بها في البرلمان.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الجديدة فرنسوا بايرو في عام 2017 (أ.ب)

رغم ما سبق، فإن بايرو الذي ترشح لرئاسة الجمهورية ثلاث مرات دون أن يتأهل أبداً للجولة الثانية الحاسمة، يؤمن بأن حظوظه في البقاء، عندما سيتاح للرئيس إيمانويل ماكرون حل البرلمان مجدداً، أصلب وأقوى من حظوظ سلفه. وحجته في ذلك أنه نجح في ضم شخصيات قوية إلى حكومته، ومنها رئيسان سابقان للوزارة (إليزابيث بورن في وزارة التعليم، ومانويل فالس في وزارة شؤون مقاطعات ما وراء البحار)، إضافة إلى جيرالد دارمانان (وزير الداخلية السابق) الذي أُعطيت له وزارة العدل، وبرونو روتايو المنتمي إلى اليمين التقليدي وقد حافظ على حقيبته السابقة (وزارة الداخلية).

بالمقابل، فإن ماكرون احتفظ بوزيري الخارجية والدفاع (جان نويل بارو وسيباستيان لو كورنو) باعتبار وزارتيهما سياديتين وتحت إشراف رئيس الجمهورية، وفق ما ينص عليه دستور الجمهورية الخامسة.

رئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)

هشاشة الحكومة

وتعيش فرنسا، منذ انتخابات الصيف الماضي، حالة من عدم الاستقرار السياسي. وأبلغ دليل على ذلك أنها عرفت خلال عام واحد أربعة رؤساء حكومات. وخلال العام المنقضي، عاشت فرنسا من غير حكومة فاعلة طيلة 174 يوماً. ورغم الصعوبات الاستثنائية التي تعاني منها البلاد، فإن الرئاسة والحكومة في عطلة حتى الثالث من يناير (كانون الثاني)؛ موعد أول اجتماع لمجلس الوزراء.

مانويل فالس الذي كان رئيس حكومة في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند عُهد إليه بحقيبة مقاطعات فرنسا ما وراء البحار (أ.ف.ب)

أما بايرو، فإنه لن يكشف عن برنامج حكمه وتوجهاته السياسية إلا في خطاب مقرر يوم 13 من الشهر القادم. وفي أي حال، لن تكون بعيدة عن السياسات المتبعة منذ سبع سنوات؛ أي منذ وصول ماكرون إلى رئاسة الجمهورية في ربيع عام 2017. لكن الفارق الكبير أن ماكرون اليوم بعيد كل البعد عما كان عليه خلال ولايته الخماسية الأولى؛ فهو، من جهة، يفتقر اليوم لأكثرية مطلقة في البرلمان، بعكس ما كانت عليه حاله سابقاً حيث اتكأ على أكثرية ساحقة مكنته من إقرار القوانين والتشريعات واتباع السياسات التي ارتآها من غير وجود معارضة مؤثرة.

أما اليوم، فإن البرلمان يتشكل بشكل رئيس من ثلاث مجموعات نيابية، منها اثنتان (تحالف اليسار والخضر وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف) تعارضانه، في حين يحظى بدعم الكتلة المركزية. من هنا، حاجته لليمين التقليدي الذي أُعطي سبع وزارات في الحكومة الجديدة للحصول على دعمه. بيد أن مساندة اليمين المذكور متأرجحة. ورهان ماكرون على الخلافات الجوهرية التي تحول دون توافق اليسار والخضر واليمين المتطرف.

رئيس الوزراء الفرنسي المعيّن فرنسوا بايرو وسلفه المنتهية ولايته ميشال بارنييه خلال حفل التسليم (د.ب.أ)

لكن رهانه هذا غير مكفول النتائج، والدليل على ذلك أنهما صوتا معاً لإسقاط حكومة بارنييه، ولا شيء يمنعهما من التوافق مجدداً لإطاحة حكومة بايرو، رغم أن الأخير كرر في الأيام الثلاثة الأخيرة أن السياسة التي سيسير على هديها، والشخصيات الرئيسة التي ضمها إلى حكومته، ستوفر لها المناعة وتضمن لها الاستمرارية. ويعول الأخير على تجنيد أربعة وزراء دولة يتولون حقائب الداخلية والعدل والتعليم ومقاطعات ما وراء البحار، وعلى تجربتهم الحكومية والسياسية وحضورهم الإعلامي، للبقاء في السلطة لأشهر طويلة. وزعم بايرو أنه نجح في جمع شخصيات «تتحلى بالخبرة وقادرة على تحقيق المصالحة وترميم الثقة مع الفرنسيين».

إليزابيث بورن التي كانت ثاني امرأة تكلف برئاسة الحكومة في تاريخ الجمهورية الفرنسية عُينت وزيرة للتربية في الحكومة الجديدة (أ.ف.ب)

رهان بايرو، ككافة الرهانات، يمكن أن يتحقق، كما أنه يمكن أن يفشل. ونقلت صحيفة «لوموند» عن توماس أرهارد، المحاضر في العلوم السياسية في جامعة «باريس 2 - بانتيون»، قوله إن «حكومة بايرو ليست أفضل حالاً من حكومة بارنييه؛ إذ إنها تفتقر للشرعية البرلمانية، ولأن الجمعية الوطنية لا تعتبر نفسها مرتبطة باختياره ولا بتعيين حكومته». وتجدر الإشارة إلى أن 19 وزيراً من الحكومة السابقة أُعطوا حقائب وزارية في الحكومة الجديدة، وأن 13 وزيراً منها ينتمون إلى الكتلة المركزية الداعمة لماكرون.

انتقال القرار السياسي من الإليزيه إلى البرلمان

مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف (إ.ب.أ)

ويرى المحللون السياسيون أن مشكلة الرئيس الفرنسي تكمن في أنه فقد القدرة على التحكم بالحياة السياسية، وأن مركز القرار انتقل من قصر الإليزيه إلى البرلمان؛ ذلك أن الجمهورية الخامسة قامت على مبدأ أولوية الرئاسة على غيرها من المؤسسات، بفضل الصلاحيات الواسعة التي أرادها مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال ديغول، لرئاسة الجمهورية، والتي فصّلها على قياسه. ولكن ذلك يفترض أنه يحظى بأكثرية برلمانية تمكنه من أن يقود وينفذ السياسة التي يقررها، وهذا غير قائم اليوم. والخطر الأكبر الذي يهدد ماكرون عنوانه السقوط السريع لبايرو، وهو ما يدفع باتجاهه زعيم اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون، وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان. وإذا سقط بايرو يكون ماكرون قد استنفد آخر ذخائره، وسيجد نفسه مقوداً إلى الاستقالة؛ إذ إن ما تعيشه فرنسا لن يكون مجرد أزمة عابرة، بل إنها ستواجه أزمة مؤسسات وأزمة نظام، ولا خروج منهما إلا من خلال انتخابات عامة، ورئاسية بالدرجة الأولى.

جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري (إ.ب.أ)

بيد أن ماكرون نجح، حتى اليوم، في إبعاد اليسار عن السلطة رغم أن تحالف اليسار (الاشتراكي والشيوعي وحزب فرنسا الأبية والخضر) حلّ في المرتبة الأولى في الانتخابات الأخيرة، وطرح مرشحته (لوسي كاستيه) لرئاسة الحكومة وفق ما يقتضيه العرف المعمول به في فرنسا. لكن ماكرون ناور مرتين بنجاح وأبقى اليسار بعيداً عن السلطة بحجة أنه لا يملك الأكثرية المطلقة في البرلمان، إلا أن نجاحه كان مؤقتاً. واليوم، يعاني من تراجع شعبيته؛ إذ إن ثلاثة أرباع الفرنسيين لا يبدون ارتياحاً إزاء أداء رئيس الجمهورية، بحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيفوب» ونشرت نتائجه أمس. ولا شيء يشير إلى أنه سيستعيد شعبيته المفقودة؛ إذ إن نجاح الألعاب الأولمبية، وأيضاً الانتهاء من ترميم كاتدرائية «نوتردام»، كان لهما الأثر الإيجابي، ولكنه اندثر سريعاً. فهل سيبتعد عن المسرح السياسي الداخلي ويركز على لعب دور في السياسة الخارجية رغم تراجع نفوذ بلاده بسبب أوضاعها الاقتصادية ونزاعاتها السياسية، أو أنه سينتظر الصيف القادم ليحل البرلمان مجدداً ويحاول تغيير الخريطة السياسية لصالحه بحيث ينهي ولايته الثانية ربيع عام 2027 من غير أضرار كبرى؟ سؤال تصعب الإجابة عنه اليوم، وهو متروك للقادم من الأيام.



فرنسا: دور ثانٍ من الانتخابات البلدية لحسم المدن الكبرى

رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
TT

فرنسا: دور ثانٍ من الانتخابات البلدية لحسم المدن الكبرى

رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)

توجَّه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدور الثاني من الانتخابات البلدية بفرنسا، الأحد، في عملية ستحسم معارك المدن الكبرى وتشكل اختباراً لقوة اليمين المتطرف وقدرة الأحزاب الرئيسية على الصمود قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وبينما يخوض اليسار معركة للاحتفاظ بالعاصمة باريس، يختار الناخبون رؤساء بلديات أكثر من 1500 مدينة وبلدة، منها باريس ومرسيليا.

ويدير رؤساء البلديات في فرنسا ما يقرب من 35 ألف منطقة، تشمل مدناً كبرى وبلدات وقرى لا يزيد عدد سكانها على بضع عشرات، وهم المسؤولون المنتخبون الذين يحظون بالثقة الأكبر لدى السكان في أنحاء البلاد. وحصل الكثير منهم على أصوات كافية للفوز في الدور الأول الذي أجري يوم 15 مارس (آذار) الحالي، لكن المنافسة الشديدة في المدن الكبرى أفضت إلى جولة ‌ثانية.

إيمانويل غريغوار مرشح الحزب الاشتراكي يغادر مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوته في باريس الأحد (إ.ب.أ)

معارك المدن الكبرى

ففي باريس، يتنافس اليساري إيمانويل غريغوار، النائب السابق لرئيسة البلدية الاشتراكية المنتهية ولايتها آن إيدالغو، ومنافسته الوزيرة السابقة المنتمية إلى اليمين رشيدة داتي. وعززت داتي حظوظها بعد انسحاب مرشح من يمين الوسط وآخر من اليمين المتطرف. لكن غريغوار رفض التعاون مع مرشح من اليسار المتشدد؛ ما أدى إلى تشتيت أصوات اليسار في السباق.

وتحالف اليساريون والوسطيون في الانتخابات الماضية بباريس ضد اليمين المتطرف، لكن اليسار يشهد انقساماً منذ تعرّض ناشط يميني متطرف لضرب مبرح أدى إلى مقتله الشهر الماضي، وذلك على هامش فعالية للنائبة ريما حسن، المنتمية إلى اليسار المتشدد.

وقال باتريس لوران (77 عاماً) بعدما أدلى بصوته في شمال شرق باريس التي قادها اليسار منذ نحو 25 عاماً: «لا أريد للمدينة أن تعود إلى اليمين».

رئيس بلدية مرسيليا المنتهية ولايته يدلي بصوته في المدينة الساحلية بجنوب فرنسا الأحد (أ.ف.ب)

كذلك، تُعدّ مرسيليا، ‌ثاني أكبر مدن فرنسا، إحدى المحطات الرئيسية في الانتخابات؛ ‌إذ يتنافس فيها مرشح حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مع مرشح الحزب الاشتراكي، وهو رئيس البلدية الحالي. وسيمثل فوز حزب التجمع الوطني، في حال حدوثه، انتصاراً كبيراً له.

وقال آلان فايولا (71 عاماً) وهو متقاعد من مرسيليا، إنه سيصوّت لصالح حزب التجمع الوطني بعد أن كان يدعم سابقاً الحزب اليميني السائد. وأضاف: «أريد التغيير. تدهورت أوضاع مرسيليا منذ تولي رئيس البلدية الحالي منصبه». وفي مركز الاقتراع نفسه المطل على الميناء القديم للمدينة، قال آخرون إنهم مصممون على وقف اليمين المتطرف.

وفي مناطق أخرى من فرنسا، يأمل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، في تحقيق نتائج أفضل من تلك التي حصل عليها في الاستحقاقات المحلية السابقة.

ويؤكد التجمع أن مرشحيه وحلفاءه أُعيد انتخابهم يوم 15 مارس، في 10 بلديات، بينها مدينة بيربينيان الجنوبية التي يبلغ عدد سكانها 120 ألف نسمة، وهي أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب اليميني المتطرف.

ويقول الحزب أيضاً إنه فاز للمرة الأولى في 14 دائرة أخرى. لكنه يأمل كذلك في الفوز بمناطق أكبر.

ونال مرشحه أعلى عدد من الأصوات بفارق كبير في طولون، وهي مدينة في جنوب البلاد يقطنها 180 ألف نسمة.

اختبار لليمين المتطرف

ويواجه حزب التجمع الوطني المناهض للهجرة ‌والمتشكك في الاتحاد الأوروبي في هذه الانتخابات ‌صعوبة في تحقيق مكاسب مهمة في انتخابات البلدية.وجاءت نتائجه في الجولة الأولى متباينة؛ إذ ‌حظي مرشحوه بإعادة الانتخاب في مدن عدة، لكنه لم يحقق انتصارات ‌كبرى خارج المناطق التي يحظى فيها بتأييد كبير في شمال البلاد وجنوبها.

وقالت آن موكسل، مديرة أبحاث العلوم السياسية في جامعة ساينس بو: «صحيح أن انتخابات البلدية في 2026 لن تجلب فوزاً ساحقاً لحزب التجمع الوطني، بل هي أبعد ما تكون ‌عن ذلك. لكن من المتوقع أن ترسخ (وجوده) في أنحاء فرنسا».

وتركز الانتخابات البلدية عادة على ملفات وقضايا محلية ونتيجتها لا تتوقع بمن سيفوز في انتخابات رئاسية تجرى في أبريل (نيسان) 2027، لكنها تقدم مؤشرات وتوجهات تتعلق بالتأييد الشعبي ونوع التحالفات التي يمكن أن تعقد في مشهد سياسي منقسم.وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية لكونها معياراً لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية إيمانويل ماكرون، في ظل شعور اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للامساك بالحكم.


موسكو تراهن على صمود طهران وتصدّع المعسكر الغربي

الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)
الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)
TT

موسكو تراهن على صمود طهران وتصدّع المعسكر الغربي

الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)
الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)

بدت توقعات الكرملين متشائمة للغاية في الأسبوع الرابع من حرب إيران. ومع ازدياد القناعة بتراجع فرص موسكو للتأثير على مسار الصراع، وتداعياته المحتملة على أحد أبرز شركاء روسيا، بدا أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب، خصوصاً بشأن اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، وفقاً لتعليق دبلوماسي روسي مخضرم.

وقد تَختصر عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف: «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ مما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل بري مباشر يبدو مكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

الآخر أن سيناريو وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة حرب الأيام الـ12 2025، بمعنى أن كل طرف سوف يعلن «إنجاز الأهداف» من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

إيرانيون أمام مبنى متضرر من الحرب في العاصمة طهران (أ.ف.ب)

وهذا السيناريو كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحدة تحت سقف قيادتها.

ورغم التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية، وحولت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات وقدرات المهاجمين، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، وأيضاً على تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضررة من هذه الحرب.

وهذا يوضحه حديث بيسكوف المتكرر عن أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وقال الناطق الرئاسي: «نرى، للأسف، أن الحرب تميل إلى توسيع حدودها. ونعلم أن الهدف من هذه الحملة؛ هذا العدوان، في بدايته كان تغيير النظام في طهران. لكن يبقى أمر واحد واضحاً الآن: كل عمل من هذا القبيل يؤدي إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادته».

أيضاً، حدد بيسكوف موقف بلاده حيال استمرار حملات اغتيال القادة الإيرانيين بإشارة قوية إلى أن «هذا وضع غير طبيعي، وله عواقب وخيمة، وسيستمر في أن تكون له عواقب وخيمة. لا يمكن أن يمر هذا الوضع دون عواقب».

وفي عبارة لها دلالة، أكمل الناطق أن إيران «تدافع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارات أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين على خط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وفي الأسبوع الأول، أجرى سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

الرئيس الروسي لدى ترؤسه اجتماعاً لمجلس الأمن الروسي يوم 20 مارس (د.ب.أ)

كما أعاد طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، والتي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَيْ «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران. في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصب ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بعدم استخدام القدرات الصاروخية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

وكان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب. لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصر على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبر ترمب عن موقفها بوضوح عندما قال إن على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى.

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودةُ للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدم مساعدات استخباراتية قيمة إلى الإيرانيين.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو 17 يناير 2025 (أ.ب)

ولم تقتصر الاتهامات على مبالغات إعلامية أو تسريبات بعض الأجهزة؛ إذ شكل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي، ستيف ويتكوف، الذي وجه تحذيراً قوياً إلى موسكو، إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد، فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

رغم ذلك، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وتقول مصادر إعلامية روسية إن هذا العون، الموجه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصب في اتجاهين رئيسيين:

الأول: استمرار تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحركات الإسرائيلية، وعدم الانخراط في تقديم عون قد يضر مباشرة بالأميركيين، حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلق بدعم غير مباشر يقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يقدَّم عبر مؤسسات تجارية ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني، وعلى مواقف البلدان الأوروبية التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمّة أوروبية ببروكسل يوم 20 مارس (إ.ب.أ)

هنا، لا يَخفى الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب خلال هذه الحرب، خصوصاً على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وأظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حل محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي هذا السياق: «لم يعد همّهم الأول (الأوروبيون) أوكرانيا، بل كيفية سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء».

3 قوى عالمية

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتر في العلاقات عبر الأطلسي».

وبينما حاول الحلفاء الأوروبيون و«الاتحاد الأوروبي» إقناع ترمب بعدم التخلي عن أوكرانيا خلال عملية التسوية الأوكرانية، جاء رفض المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، بشدة طلب واشنطن المشاركة في تأمين مضيق هرمز عسكرياً ليشكل إشارة إلى عمق مأزق العلاقات بين الطرفين.

وقد وعد ترمب بعدم نسيان ذلك، واصفاً «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بأنه «نمر من ورق».

دمى «الماتريوشكا» الروسية التقليدية وبعضها يصور فلاديمير بوتين وشي جينبينغ ودونالد ترمب معروضة للبيع داخل متجر في موسكو يوم 10 فبراير (أ.ف.ب)

وفقاً لذلك، ترى أوساط روسية أن «كل الدلائل تشير إلى أن الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى العملية ضد إيران؛ فهي ستحدد التطورات اللاحقة وعمق عواقبها المتعددة الأوجه».

ويقول ياكوفينكو، الذي كان مكلفاً ملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، إن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه أزمة حادة، والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النخب الأوروبية إلى الرغبة في هزيمة ترمب، مما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينها، يمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا».

وتظهر هذه العبارات جوهر الحسابات الروسية حالياً.

ويتابع: «لا تقل إقلاقاً في أوروبا تبعات أخرى لفشل ترمب في مغامرته مع إيران... إذ يكمن جوهر الأمر في أن الهزيمة في إيران تحرم الولايات المتحدة من أي فرصة للتعامل مع بكين من موقع قوة. وقد وقع أول الأخطاء العام الماضي، عندما استخدمت الصين ضوابط التصدير على المعادن النادرة بوصفها دفاعاً ضد عدوان ترمب الجمركي».

أرشيفية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في موسكو (رويترز)

وهكذا، وفقاً للدبلوماسي الروسي، تواجه أوروبا احتمال تشكل «3 قوى عظمى» جديدة، «هي الولايات المتحدة والصين وروسيا؛ 3 قوى تثبت مكانتها عملياً، ولا خيار أمامها سوى التفاوض فيما بينها».

تعيد هذه القراءة إلى الأذهان سابقة الحرب العالمية الثانية و«نظام يالطا - بوتسدام» في أوروبا، على أن يحل زعيم صيني محل ونستون تشرشل. وسيكون هذا تحالفاً ثلاثياً عالمياً دون مشاركة أوروبا «القديمة»، التي ستجد نفسها على هامش السياسة العالمية. سيكون هذا أيضاً نهاية 200 عام من احتواء الغرب روسيا.


جولة ثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية لحسم معارك المدن الكبرى

مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)
مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)
TT

جولة ثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية لحسم معارك المدن الكبرى

مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)
مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)

بدأ الناخبون الإدلاء بأصواتهم اليوم (الأحد) في الدورة الثانية من الانتخابات البلدية في فرنسا، في وقت يخوض اليسار معركة للاحتفاظ بباريس بينما يتطلع اليمين المتطرف إلى تحقيق مكاسب تعزز موقعه قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

وانتخب معظم سكان نحو 35 ألف قرية وبلدة وحي في البلاد مسؤوليهم في الدورة الأولى، الأحد الماضي، لكن السباقات انتقلت إلى جولات إعادة في نحو 1500 بلدية بينها مدن كبرى.

وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية لكونها معياراً لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية إيمانويل ماكرون، في ظل شعور اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للإمساك بالحكم.

وقال باتريس لوران (77 عاماً) بعدما أدلى بصوته في شمال شرق باريس التي قادها اليسار منذ نحو 25 عاماً: «لا أريد للمدينة أن تعود إلى اليمين»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

ويتنافس في العاصمة اليساري إيمانويل غريغوار، النائب السابق لرئيسة البلدية الاشتراكية المنتهية ولايتها آن إيدالغو، ومنافسته الوزيرة السابقة المنتمية لليمين رشيدة داتي.

وعززت داتي حظوظها بعد انسحاب مرشح من يمين الوسط وآخر من اليمين المتطرف. لكن غريغوار رفض التعاون مع مرشح من اليسار المتشدد، ما أدى إلى تشتيت أصوات اليسار في السباق.

وتحالف اليساريون والوسطيون في الانتخابات الماضية ضد اليمين المتطرف، لكن اليسار يشهد انقساماً منذ تعرّض ناشط يميني متطرف لضرب مبرح أدى إلى مقتله الشهر الماضي، وذلك على هامش فعالية للنائبة ريما حسن المنتمية إلى اليسار المتشدد.

وفي مناطق أخرى من فرنسا، يأمل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، في تحقيق نتائج أفضل من تلك التي حصل عليها في الاستحقاقات المحلية السابقة.

ويؤكد التجمع أن مرشحيه وحلفاءه أُعيد انتخابهم، الأحد الماضي، في 10 بلديات، بينها مدينة بيربينيان الجنوبية التي يبلغ عدد سكانها 120 ألف نسمة، وهي أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب اليميني المتطرف.

ويقول الحزب أيضاً إنه فاز للمرة الأولى في 14 دائرة أخرى. لكنه يأمل كذلك في الفوز بمناطق أكبر.

ونال مرشحه أعلى عدد من الأصوات بفارق كبير في طولون، وهي مدينة في جنوب البلاد يقطنها 180 ألف نسمة.

وفي مدينة مرسيليا، حلّ مرشح التجمع الوطني في المركز الثاني الأسبوع الماضي، بفارق نقطة مئوية واحدة فقط عن رئيس البلدية اليساري الحالي، والذي قد يتمكن من الاحتفاظ بموقعه بعد انسحاب مرشح من اليسار المتشدد.