حكومة فرنسوا بايرو ولدت «قيصرية» والديون والميزانية أكبر تحدياتها

ماكرون احتفظ بـ«الدفاع» و«الخارجية»... ورئيسا حكومة سابقان في الصفوف الوزارية

رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)
TT

حكومة فرنسوا بايرو ولدت «قيصرية» والديون والميزانية أكبر تحدياتها

رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)

أخيراً، ولدت حكومة رئيس الوزراء الفرنسي المعين فرنسوا بارنييه بايرو، وجاءت ولادتها «قيصرية»؛ نظراً للمصاعب التي واجهتها والمشاورات التي تواصلت طيلة 10 أيام وحتى الدقائق الأخيرة من إعلانها.

خليط ومزيج من شخصيات، من أعمار مختلفة، بعض وزرائها تسلموا حقائب وزارية منذ 4 عهود، أي من زمن الرئيس جاك شيراك، وأولهم بايرو نفسه، الذي شغل حقيبة التربية والتعليم العالي في عام 1993.

والهم الأكبر الذي يُسيطر على بايرو ووزرائه، وأيضاً على الرئيس ماكرون، عنوانه «قدرة الحكومة الجديدة على الاستمرار»، بحيث لا تعرف مصير حكومة سابقه ميشال بارنييه، الذي أُجبر على الاستقالة، وفق ما ينص عليه الدستور بعد 3 أشهر فقط من ممارسة السلطة، عقب فشله في الفوز بثقة النواب في البرلمان.

رئيس الحكومة الجديد على مدخل قصر ماتينيون الاثنين خلال دقيقة حداد على ضحايا الإعصار الذي ضرب أرخبيل الفرنسية الواقعة في المحيط الهادئ (أ.ف.ب)

4 حكومات في عام واحد

عندما يأتي المؤرخون على عهد ماكرون الثاني، فإن ما يلفت بداية انتباههم أنه عرف 4 رؤساء حكومات في عام واحد. وهذا «السبق» لم يعانِ منه أي من الرؤساء السبعة الذين تعاقبوا على الرئاسة منذ انطلاقة الجمهورية الخامسة في عام 1958. والسبب الرئيسي في اختلال الحياة السياسية والمؤسساتية الفرنسية يكمن في نتائج الانتخابات البرلمانية منتصف العام المنتهي، بعد أن حلّ ماكرون البرلمان.

وكانت النتيجة أنه فقد الأكثرية النيابية؛ حيث توجد تحت قبة البرلمان 3 مجموعات نيابية كبرى ورابعة متوسطة الحجم. والمشكلة أن المجموعات الكبرى (ائتلاف اليسار والخضر، اليمين المتطرف والكتلة المركزية) ترفض العمل معاً، ما ألزم ماكرون، ومعه بارنييه ثم بايرو، على السعي للتعاون مع المجموعة الرابعة المُشكلة من نواب اليمين التقليدي، العامل تحت مسمى «اليمين الجمهوري». والحال أن أصوات نواب الكتلة الوسطية المركزية ونواب اليمين الجمهوري، لا تكفي لتوفير الأكثرية، ما يجعل حكومة بايرو مهددة بالسقوط في حال توافق اليمين المتطرف واليسار، موضوعياً، على إسقاطها.

من هنا فإن أبرز ما يُميز رئيس الحكومة الجديد أنه فشل في توسيع القاعدة السياسية التي يستطيع الارتكان إليها لدعم أداء حكومته.

مانويل فالس وزيراً لمقاطعات ما وراء البحار بعد أن شغل رئاسة الحكومة في عهد الرئيس الاشتراكي السابق فرنسا أولاند (أ.ف.ب)

واللافت أن بايرو لم يعرف كيفية الاستفادة من «الانفتاح» الذي أبداه الحزب الاشتراكي وأمينه العام، أوليفييه فور، الذي اقترح إبرام اتفاق ضمني بعدم لجوء حزبه لنزع الثقة من الحكومة إذا قبل بايرو بإعادة النظر بقانون رفع سن التقاعد، الذي أقرّ في عهد رئيسة الحكومة السابقة إليزابيث بورن، والامتناع عن اللجوء إلى إقرار الموازنة من خلال التصويت ومن غير المناقشة. وبعد الإعلان عن الحكومة، جاءت ردة فور عنيفة، إذ كتب على منصة «إكس»: «هذه ليست حكومة، إنها استفزاز».

أما رئيسة حزب «الخضر»، مارين تونديلييه، فقد رأت أن «الوحيدين الذين يتمتعون بكرامة ما هم إلا أولئك الذين رفضوا المشاركة في هذه المهزلة».

إزاء المصير المرتقب سلفاً، يبدو بايرو واثقاً بقدرته على الاستمرار. وفي أول مقابلة صحافية أجراها بعد الإعلان عن الحكومة، أعرب عن ثقته بأن «الإجراءات» التي طرحها، وما يريد أن يقوم به مع فريقه الحكومي سوف «يضمن عدم الإطاحة بنا». بيد أن أمراً مثل هذا لن يحصل إلا إذا انتهج سياسة ترضي مارين لو بن، زعيمة اليمين المتطرف.

وأهم ما يطالب به حزبها هو السير نحو العمل بقانون النسبية في الانتخابات، بديلاً عن القانون الحالي «الأكثري»، وإرضاء الشريحة الشعبية التي تُصوّت لحزبها لجهة عدم المس بمخصصات سن التقاعد والدفاع عن القدرة الشرائية والامتناع عن فرض ضرائب إضافية، حتى على كبريات الشركات أو أصحاب المداخيل المرتفعة.

إليزابيث بورن كانت ثاني امرأة تكلف برئاسة الحكومة في تاريخ الجمهورية الفرنسية عينت وزيرة للتربية في الحكومة الجديدة (أ.ف.ب)

الوزارات السيادية

يُنيط الدستور الفرنسي برئيس الجمهورية رسم السياستين الخارجية والدفاعية والإشراف عليهما؛ لذلك، حرص كل الرؤساء على تعيين وزراء يحظون بثقتهم في هذين المنصبين. وبالفعل، فإن ماكرون تمسك بالإبقاء على وزيري الخارجية والدفاع في منصبيهما. الأول هو جان نويل بارو، والثاني سيباستيان لو كورنو. وكان جيرالد دارمانان، وزير الداخلية الأسبق طامحاً في تسلّم الدبلوماسية الفرنسية. لكنه رسا أخيراً في وزارة العدل مع صفة وزير دولة، وهو الرابع في الترتيب البروتوكولي. أما لو كورنو، فقد سعى ماكرون لتعيينه رئيساً للحكومة، إلا أنه عدل عن ذلك في اللحظات الأخيرة تحت وطأة تهديدات بايرو، حليفه التاريخي الذي يُدين له بكثير وأول ذلك وصوله إلى رئاسة الجمهورية.

وأفادت معلومات مؤكدة بأن بايرو قال لماكرون إنه «سيستعيد حريته» في حالة لم تعهد إليه رئاسة الحكومة. والحال أن خروج بايرو ونواب حزبه «الحركة الديمقراطية» من الكتلة المركزية الداعمة لماكرون ستزيد من هشاشة رئيس الجمهورية النيابية وتضعفه سياسياً.

كان المأخذ الأول على حكومة بارنييه أنها، بخلاف استثناءات قليلة، تضم مجموعة من المجهولين الذين لا يعرفهم الجمهور الفرنسي؛ لذا، سار بايرو على طريق مغايرة؛ حيث استدعى رئيسي حكومة سابقين لوزارته هما إليزابيث بورن ومانويل فالس، اللذان ينتميان تاريخياً للحزب «الاشتراكي».

ومفاجأة الموسم كانت في إعادة تدوير فالس، الذي فشل في الترشح للانتخابات الرئاسية باسم الاشتراكيين عام 2017، وفشل في الفوز بمنصب رئاسة بلدية مدينة برشلونة، التي خاض منافستها، كونه يحمل الجنسيتين الإسبانية (بالولادة) والفرنسية (بالاكتساب). كذلك فشل في أن ينتخب نائباً مرتين، وكان على تنافس حاد مع ماكرون إبان عهد فرنسوا أولاند.

وزير الداخلية السابق جيرالد درامانان عاد إلى الحكومة الجديدة وزيراً للعدل (أ.ف.ب)

طبخة خليط وتحديات كبرى

يوضح التمعن في تركيبة حكومة بايرو المشكلة من 35 وزيراً أنها تمزج بين أصحاب الخبرة والوافدين الجدد إلى المقاعد الوزارية. وإذا كان هناك وزير فرض نفسه منذ اللحظة الأولى فهو وزير الداخلية برونو روتايو، الذي احتفظ بمنصبه، ويريد بايرو من إبقائه إلى جانبه تعطيل أية رغبة انفصالية لدى نواب حزب «اليمين الجمهوري» التقليدي المتأرجح، وغير الراضي تماماً عن الحصة التي أعطيت له في الحكومة الجديدة.

ومن الوجوه الحكومية المعروفة، رشيدة داتي، وزيرة الثقافة والمقربة من ماكرون، ومن رئيس الجمهورية الأسبق نيكولا ساركوزي، واليمينية كاترين فوتران، وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية التي التحقت بماكرون في عام 2022. ويعود أول منصب وزاري تسلمته لعام 2004، زمن الرئيس شيراك. ومن الوجوه المعروفة أيضاً أنياس بانيه روناشيه، وزيرة النقلة البيئية والتعدد الحيوي والصيد البحري، وسبق لها أن شغلت وزارة البيئة في عهد إليزابيث بورن.

إذا كان التحدي الكبير أمام ماكرون وبايرو استيلاد الحكومة، فإن التحدي الأكبر هو السياسة التي ستنتهجها. ذلك أن فرنسا تعاني من أزمة اقتصادية حادة؛ حيث بلغت ديونها رقماً قياسياً (3300 مليار يورو). كذلك، فإنها ما زالت حتى اليوم من غير ميزانية. وسقط بارنييه في امتحان اقتراح ميزانية مقبولة، بسبب ما عرضه من خفض للإنفاق في قطاعات تعد حيوية وزيادة معتدلة للضرائب، والعدد من التدابير والإجراءات الاجتماعية التي نظر إليها أنها ضد الطبقتين المتوسطة والدنيا.

من هنا، فإن الهم الأول لبايرو هو تقديم مشروع ميزانية سريعاً جداً، وهو ليس بالأمر السهل، لأنه كمن يسير على بيض؛ لذا، فإن مهمة وزير الاقتصاد والمال الجديد إريك لامبارد، رئيس صندوق الإيداع والأمانات والمصرفي السابق تبدو شبه مستحيلة.


مقالات ذات صلة

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الكيني ويليام روتو يسيران معاً باتجاه مقر قمة «أفريقيا إلى الأمام» في نيروبي الاثنين (أ.ف.ب)

باريس ولندن تدفعان باتجاه تسريع إطلاق «مهمة هرمز»

باريس ولندن تدفعان باتجاه تسريع إطلاق «مهمة هرمز» واجتماع لندن الثلاثاء سيركز على تحديد مساهمات الأطراف الراغبة بالمشاركة.

ميشال أبونجم (باريس)
أفريقيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال كلمة في حفل افتتاح الحرم الجامعي الجديد لجامعة سنجور في برج العرب المصرية (أ.ف.ب)

ماكرون لعقد قمة مع قادة أفارقة... إعادة تموضع وسط انحسار النفوذ

تتجه الأنظار لأول قمة تجمع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع قارة أفريقيا منذ وصوله للحكم في 2017، وسط نفوذ متصاعد لموسكو، وتراجع لافت لباريس.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

ماكرون يركض في شوارع الإسكندرية... رسائل ودّ خارج القاعات الرسمية

تلقى مصريون رسائل فرنسية بدت من منظورهم ودية، مع حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إضفاء طابع غير رسمي على زيارته إلى مصر، الأحد، عبر الركض في الشوارع.

علاء حموده (القاهرة)

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
TT

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

هل كان سقوط فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية سراباً بالنسبة إلى الذين يبشّرون بانحسار الموجة اليمينية المتطرفة في أوروبا؟ وهل كانت هزيمة رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، مؤخراً في الاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور مجرد حادث عابر وضريبة كان لا بد منها بعد سلسلة الفضائح التي عصفت بالائتلاف الحاكم؟

رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجار، جاء من صفوف الحزب الذي أسسه أوربان، وتدرّج فيه إلى أن قرر الانشقاق عنه عندما شعر أن الظرف بات مواتياً لتحقيق طموحه بالوصول إلى السلطة.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

الاستطلاعات الأخيرة في إيطاليا تدلّ بوضوح على أن حزب «إخوان إيطاليا» الذي تقوده ميلوني هو الأوسع شعبية، وأن فوز القوى اليسارية في انتخابات مقبلة دونه عقبات كثيرة، هذا إذا تمكنت تلك القوى من خوضها متحالفة. يضاف إلى ذلك أن الهزيمة المدوّية التي مني بها حزب «العمّال» البريطاني في الانتخابات البلدية والإقليمية و«تفرّقت فصائله أيدي سبأ»، هي نذير شؤم بالنسبة إلى من يتوقعون نهوض المعسكر التقدمي الأوروبي من كبوته المديدة التي عمقتها أيضاً هزيمة «الاشتراكيين الديمقراطيين» في الدنمارك بمنتصف مارس (آذار) الماضي، وتراجع شعبية نظرائهم في ألمانيا إلى 14 في المائة من الدعم الشعبي استناداً إلى استطلاعات الرأي الأخيرة.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

في فرنسا، ورغم صمود «الاشتراكيين» النسبي في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما زال الحزب «الاشتراكي» أثراً بعد عين مقارنة بالماضي غير البعيد، وفي أوروبا الشرقية أصبحت الأحزاب اليسارية في غياب شبه تام عن المشهد السياسي.

هذا المشهد التقدمي القاتم في أوروبا تعرّض لانتكاسة أخرى قاسية نهاية الأسبوع الماضي عندما مُني الحزب «الاشتراكي العمالي» الحاكم في إسبانيا بأسوأ نتيجة منذ تأسيسه في الانتخابات الإقليمية الأندلسية، وهي الرابعة في انتخابات إقليمية خلال السنوات الثلاث الماضية.

الرئيس الفرنسي «الاشتراكي» السابق فرنسوا هولاند الراغب في الترشح للانتخابات الرئاسية بعد 10 أعوام على مغادرته «قصر الإليزيه» (رويترز)

أهمية الدلالة التي تحملها هذه الهزيمة أن إقليم الأندلس، فضلاً عن أنه الخزّان التاريخي لليسار الإسباني، خصوصاً الحزب «الاشتراكي»، يعادل البرتغال المجاورة مساحة وسكاناً، وكان دائماً حصناً امتنع على اليمين الذي دكّ أسواره لثاني مرة على التوالي.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

هزيمة «الاشتراكيين» الإسبان في الأندلس تساعد على تشخيص أسباب الداء الذي يعاني منه المعسكر التقدمي الأوروبي الذي يدفع منذ سنوات ثمن عدم تموضعه في الموقع المناسب بمواجهة النظام الرأسمالي الجامح والجوانب المظلمة للعولمة؛ مما دفع بقواعده الشعبية إلى البحث عن الحلول والمخارج، أحياناً على يساره، وفي الغالب عند اليمين المتطرف.

مرشح حزب «فوكس» اليميني يتحدث عن نتائج انتخابات الأندلس في إشبيلية الأحد الماضي (إ.ب.أ)

لكن الأفدح من ذلك أن التقدميين الأوروبيين، الذي تصدروا المشهد السياسي وتناوبوا على السلطة مع أحزاب يمين الوسط المحافظة وحكموا مراراً منفردين في دولهم المختلفة، يبدون عاجزين عن استثمار الركائز المؤسسة لمعتقدهم السياسي والاجتماعي، مثل الدفاع عن نظام الخدمات العامة في الصحة والتعليم، خصوصاً في هذا العصر تحديداً حيث تزداد الحاجة إليها أمام الأزمات الصحية والثورة التكنولوجية التي تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، نظاماً تعليمياً يصون القدرة الذاتية على التفكير بعيداً عن الآلة.

رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر ورئيس الوزراء الأسبق غوردون براون (يسار) بعد أن تلقى حزب «العمال» هزيمة تاريخية في الانتخابات المحلية والإقليمية (أ.ف.ب)

تتنوع المشكلات التي يعاني منها التقدميون في أوروبا بتنوع ظروف المجتمعات التي ينشطون فيها، لكنهم يتشاركون مشكلة أساسية؛ هي العجز عن إيجاد الخطاب المناسب، خارج السرد الشعبوي، القادر على بث الحماس والأمل مجدداً بين صفوف القواعد الشعبية التي أضاعت البوصلة وأحبطتها الخيبات المتتالية. هذا العجز، الذي يكاد يكون مأساوياً في عالم بات فريسة القوى الإمبريالية الكبرى والحركات القومية المتطرفة، هو اليوم في أمسّ الحاجة إلى تيار أممي تقدمي معتدل، يمنع تعميق الشرخ الاجتماعي والعرقي والديني الذي تُمعن القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة في تثبيته وتوسيع دائرته.

المرشح «الاشتراكي» الفرنسي إيمانويل غريغور (وسط) محتفلاً بالنصر مع جمهوره ليل الأحد بعد الإعلان عن النتائج (أ.ف.ب)

وما يزيد في الحاجة إلى نهضة تقدمية حقيقية في أوروبا، أن التوافق لم يعد هو الهدف السياسي الأسمى الذي ميّز الأنظمة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي يقوم على التفاهمات والاتفاقات الكبرى بين القوى السياسية التقليدية لمواجهة الأزمات الكبرى والحالات المستعصية. ولعلّ الائتلاف الحاكم اليوم في ألمانيا هو المثال الأخير الذي ستشهده أوروبا على هذا التوافق الذي لطالما حال دون الانزلاق إلى متاهات تقف المجتمعات الأوروبية اليوم على مشارفها وتتهيّب هاوياتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بمهرجان انتخابي في إشبيلية يوم 15 مايو الحالي (رويترز)

واذا أضفنا نيران الحروب المشتعلة على حدود أوروبا وفي جوارها، والأزمة الاقتصادية السائرة بخطى ثابتة نحو مزيد من التفاقم، إلى انتشار الشعور بفقدان الهوية، والتحول السريع في المشهد الاجتماعي بسبب ارتفاع عدد المهاجرين الذي ناهز 65 مليوناً نهاية العام الماضي، تصبح القوى التقدمية، المتنورة والمعتدلة، صمّام الأمان الوحيد الذي يمكن أن يحول دون كارثة أوروبية جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قتيلان على الأقل و4 مصابين في إطلاق نار بجنوب إسبانيا

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
TT

قتيلان على الأقل و4 مصابين في إطلاق نار بجنوب إسبانيا

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

قالت الشرطة الإسبانية اليوم (الثلاثاء)، إن شخصين على الأقل قتلا وأصيب 4 آخرون في إطلاق نار بمدينة إل إيخيدو بجنوب البلاد خلال الليل، مضيفة أنه تم إلقاء القبض على المشتبه به.

وذكر متحدث باسم الحرس المدني أن القتيلين تربطهما علاقة بالمشتبه به، دون الخوض في تفاصيل.

وأشارت صحيفة «إلباييس» إلى أن اثنين من المصابين دون 18 عاماً، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.


روسيا تبدأ مناورات نووية بالتزامن مع زيارة بوتين للصين

جنود من الجيش الروسي خلال العرض العسكري بمناسبة يو النصر في موسكو (د.ب.أ)
جنود من الجيش الروسي خلال العرض العسكري بمناسبة يو النصر في موسكو (د.ب.أ)
TT

روسيا تبدأ مناورات نووية بالتزامن مع زيارة بوتين للصين

جنود من الجيش الروسي خلال العرض العسكري بمناسبة يو النصر في موسكو (د.ب.أ)
جنود من الجيش الروسي خلال العرض العسكري بمناسبة يو النصر في موسكو (د.ب.أ)

بدأ الجيش الروسي اليوم (الثلاثاء)، مناورات نووية تستمر 3 أيام ويشارك فيها آلاف الجنود في مختلف أنحاء البلاد، في وقت صعّدت فيه كييف ضرباتها بالطائرات المسيّرة، فيما يستهل الرئيس فلاديمير بوتين زيارة إلى الصين.

وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن «القوات المسلحة للاتحاد الروسي تُجري من 19 إلى 21 مايو (أيار) 2026، مناورات على تحضير القوى النووية واستخدامها في حال وجود تهديد بعدوان».

وقالت الوزارة إن المناورات ستشمل أكثر ‌من ​64 ‌ألف ‌فرد و7800 قطعة من المعدات العسكرية، ‌مشيرة إلى أنها ستتضمن إطلاق ⁠صواريخ باليستية ⁠وصواريخ «كروز» من مواقع اختبار داخل الأراضي الروسية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكانت السلطات الروسية والبيلاروسية قد أعلنت أمس، إجراء مناورات نووية مشتركة وسط توترات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفي ظل تعثر التفاهم مع واشنطن بشأن ضبط التسلّح النووي، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونشرت روسيا خلال العام الماضي، في بيلاروسيا صاروخ «أوريشنيك»؛ أحدث صواريخها فرط الصوتية القادرة على حمل رؤوس نووية، مما أدى إلى رفع سقف التوتر مع «الناتو».

وقالت وزارة الدفاع البيلاروسية: «من المقرر خلال المناورات، التدرب على مسائل تتعلق بإيصال الذخائر النووية وإعداد استخدامها بالتعاون مع الجانب الروسي». وأضافت الوزارة في بيان نشرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن التدريب «لا يستهدف دولة ثالثة، ولا يشكل تهديداً للأمن في المنطقة».

بوتين يزور الصين

يصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين اليوم، لإجراء محادثات مع نظيره شي جينبينغ، في خطوة تهدف إلى إبراز متانة العلاقات بين البلدين، وذلك بعد أيام قليلة من زيارة أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى بكين، حيث استُقبل بحفاوة لافتة.

وجاء الإعلان عن هذه الزيارة غداة مغادرة ترمب بكين الجمعة، حيث بحث مع شي ملفَّي الحربَين في أوكرانيا وإيران، من دون أن يتمكّن من تحقيق اختراق يُذكر.

ومن المقرر أن يبحث بوتين مع نظيره شي سبل «تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي» بين روسيا والصين، وفق بيان صادر عن الكرملين.

وأوضح البيان أن الرئيسين «سيتبادلان وجهات النظر بشأن أبرز القضايا الدولية والإقليمية»، وسيوقعان إعلاناً مشتركاً في ختام المحادثات.

وتعمّقت العلاقات بين البلدين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022؛ إذ يزور بوتين الصين سنوياً منذ ذلك الحين.

وفي ظلّ ما تواجهه موسكو من عزلة دبلوماسية على الساحة الدولية، يتركّز اعتمادها اقتصادياً على بكين التي أصبحت المشتري الرئيسي للنفط الروسي الخاضع للعقوبات.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان في بكين يوم 3 سبتمبر 2025 (إ.ب.أ)

وفي مؤشر إلى الأجواء الإيجابية المرافقة لزيارة بوتين الصينية، تبادل الزعيمان «رسائل تهنئة» الأحد، لمناسبة مرور 30 عاماً على الشراكة الاستراتيجية بين بلديهما.

وقال شي، وفق ما نقلت عنه وسائل إعلام صينية رسمية، إن التعاون بين موسكو وبكين «شهد تعمّقاً وترسيخاً مستمرين».

وفي رسالة مصورة إلى الشعب الصيني نُشرت الثلاثاء، قال بوتين إن العلاقات بين موسكو وبكين بلغت «مستوى غير مسبوق»، وإن التبادل التجاري بينهما «يواصل النمو».

يُرفع العلم الروسي في السفارة الروسية ببكين (إ.ب.أ)

وأضاف أن «العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين روسيا والصين تؤدي دوراً مهمّاً على المستوى العالمي. ومن دون التحالف ضدّ أيّ طرف، نسعى إلى السلام والازدهار للجميع»، من دون الإشارة إلى أي دولة ثالثة.

ويُرتقَب أيضاً أن يوقّع الزعيمان إعلاناً مشتركاً في ختام المحادثات.

حرب المسيرات

في السياق، ألحق هجوم جوي روسي أضراراً بالبنية التحتية لميناء بمدينة إزمايل الأوكرانية في الساعات الأولى من صباح اليوم، في حين قالت السلطات الروسية إنها أسقطت 4 طائرات مسيرة أطلقتها أوكرانيا نحو موسكو.

وتتميز مدينة إزمايل، التي تضم أكبر ميناء أوكراني على نهر الدانوب، بموقع استراتيجي وتتعرض للقصف بشكل متكرر. وقال مسؤولون محليون على تطبيق «تلغرام»: «تعرضت مرافق البنية التحتية للميناء في مدينة إزمايل لأضرار». وأضافوا أنه تم تدمير جميع أسلحة الهجوم الجوي تقريباً.

أضرار لحقت بالسفينة «كي إس إل ديانغ» التي ترفع علم جزر مارشال إثر هجوم جوي قرب ميناء أوديسا في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

وعرض المنشور لقطات تظهر رجال الإطفاء وهم يحاولون إخماد حريق في مبنى تهشمت نوافذه.

وفي مدينة خاركيف بشمال شرقي أوكرانيا، قال رئيس البلدية إيجور تيريخوف عبر تطبيق «تلغرام»، إنه تم إنقاذ شخصين، وتوجد مخاوف من وجود ثالث تحت الأنقاض بعد هجوم روسي بطائرات مسيرة على المدينة.

وأفادت السلطات المحلية عبر «تلغرام»، بوقوع هجمات بطائرات مسيرة في مناطق دنيبروبيتروفسك وميكولايف وزابوريجيا.

وتعثرت جهود السلام الرامية إلى إنهاء الحرب التي بدأتها روسيا بغزو أوكرانيا عام 2022. ويتبادل الطرفان الاتهامات بشن هجمات متكررة على أهداف عسكرية ومدنية وأخرى للطاقة. وينفي الطرفان تعمد استهداف المدنيين.

يعمل رجال الإطفاء في موقع منازل خاصة تضررت جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيرة صباح اليوم وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا (رويترز)

وفي موسكو، قال رئيس البلدية سيرغي سوبيانين عبر «تلغرام»، إنه تم إسقاط 4 طائرات مسيرة كانت متجهة إلى العاصمة الروسية، وجرى نشر فرق الطوارئ، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وفي منطقة كورسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا، ذكر مقر العمليات المحلي عبر تطبيق «تلغرام»، أن امرأة لقيت حتفها وأصيب شخصان جراء هجوم شنته أوكرانيا مساء أمس (الاثنين).

وأفادت السلطات المحلية في منطقتي روستوف جنوب روسيا وياروسلافل شمال شرقي موسكو، عبر تطبيق «تلغرام»، بأنهما تعرضتا أيضاً لهجمات بطائرات مسيرة.

وفي ياروسلافل، حيث تمتلك روسيا بنية تحتية لتكرير النفط، قال رئيس البلدية ميخائيل يفراييف، إن «منشأة صناعية» لحقت بها أضرار جراء الهجمات بالطائرات المسيرة، مشيراً إلى أن فرق الإطفاء تعمل على إخماد الحريق. ولم يذكر اسم المنشأة.