حكومة فرنسوا بايرو ولدت «قيصرية» والديون والميزانية أكبر تحدياتها

ماكرون احتفظ بـ«الدفاع» و«الخارجية»... ورئيسا حكومة سابقان في الصفوف الوزارية

رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)
TT

حكومة فرنسوا بايرو ولدت «قيصرية» والديون والميزانية أكبر تحدياتها

رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد فرانسوا بايرو (الأول يساراً) في صورة مركبة مع الوزراء الرئيسيين في حكومته الجديدة (أ.ف.ب)

أخيراً، ولدت حكومة رئيس الوزراء الفرنسي المعين فرنسوا بارنييه بايرو، وجاءت ولادتها «قيصرية»؛ نظراً للمصاعب التي واجهتها والمشاورات التي تواصلت طيلة 10 أيام وحتى الدقائق الأخيرة من إعلانها.

خليط ومزيج من شخصيات، من أعمار مختلفة، بعض وزرائها تسلموا حقائب وزارية منذ 4 عهود، أي من زمن الرئيس جاك شيراك، وأولهم بايرو نفسه، الذي شغل حقيبة التربية والتعليم العالي في عام 1993.

والهم الأكبر الذي يُسيطر على بايرو ووزرائه، وأيضاً على الرئيس ماكرون، عنوانه «قدرة الحكومة الجديدة على الاستمرار»، بحيث لا تعرف مصير حكومة سابقه ميشال بارنييه، الذي أُجبر على الاستقالة، وفق ما ينص عليه الدستور بعد 3 أشهر فقط من ممارسة السلطة، عقب فشله في الفوز بثقة النواب في البرلمان.

رئيس الحكومة الجديد على مدخل قصر ماتينيون الاثنين خلال دقيقة حداد على ضحايا الإعصار الذي ضرب أرخبيل الفرنسية الواقعة في المحيط الهادئ (أ.ف.ب)

4 حكومات في عام واحد

عندما يأتي المؤرخون على عهد ماكرون الثاني، فإن ما يلفت بداية انتباههم أنه عرف 4 رؤساء حكومات في عام واحد. وهذا «السبق» لم يعانِ منه أي من الرؤساء السبعة الذين تعاقبوا على الرئاسة منذ انطلاقة الجمهورية الخامسة في عام 1958. والسبب الرئيسي في اختلال الحياة السياسية والمؤسساتية الفرنسية يكمن في نتائج الانتخابات البرلمانية منتصف العام المنتهي، بعد أن حلّ ماكرون البرلمان.

وكانت النتيجة أنه فقد الأكثرية النيابية؛ حيث توجد تحت قبة البرلمان 3 مجموعات نيابية كبرى ورابعة متوسطة الحجم. والمشكلة أن المجموعات الكبرى (ائتلاف اليسار والخضر، اليمين المتطرف والكتلة المركزية) ترفض العمل معاً، ما ألزم ماكرون، ومعه بارنييه ثم بايرو، على السعي للتعاون مع المجموعة الرابعة المُشكلة من نواب اليمين التقليدي، العامل تحت مسمى «اليمين الجمهوري». والحال أن أصوات نواب الكتلة الوسطية المركزية ونواب اليمين الجمهوري، لا تكفي لتوفير الأكثرية، ما يجعل حكومة بايرو مهددة بالسقوط في حال توافق اليمين المتطرف واليسار، موضوعياً، على إسقاطها.

من هنا فإن أبرز ما يُميز رئيس الحكومة الجديد أنه فشل في توسيع القاعدة السياسية التي يستطيع الارتكان إليها لدعم أداء حكومته.

مانويل فالس وزيراً لمقاطعات ما وراء البحار بعد أن شغل رئاسة الحكومة في عهد الرئيس الاشتراكي السابق فرنسا أولاند (أ.ف.ب)

واللافت أن بايرو لم يعرف كيفية الاستفادة من «الانفتاح» الذي أبداه الحزب الاشتراكي وأمينه العام، أوليفييه فور، الذي اقترح إبرام اتفاق ضمني بعدم لجوء حزبه لنزع الثقة من الحكومة إذا قبل بايرو بإعادة النظر بقانون رفع سن التقاعد، الذي أقرّ في عهد رئيسة الحكومة السابقة إليزابيث بورن، والامتناع عن اللجوء إلى إقرار الموازنة من خلال التصويت ومن غير المناقشة. وبعد الإعلان عن الحكومة، جاءت ردة فور عنيفة، إذ كتب على منصة «إكس»: «هذه ليست حكومة، إنها استفزاز».

أما رئيسة حزب «الخضر»، مارين تونديلييه، فقد رأت أن «الوحيدين الذين يتمتعون بكرامة ما هم إلا أولئك الذين رفضوا المشاركة في هذه المهزلة».

إزاء المصير المرتقب سلفاً، يبدو بايرو واثقاً بقدرته على الاستمرار. وفي أول مقابلة صحافية أجراها بعد الإعلان عن الحكومة، أعرب عن ثقته بأن «الإجراءات» التي طرحها، وما يريد أن يقوم به مع فريقه الحكومي سوف «يضمن عدم الإطاحة بنا». بيد أن أمراً مثل هذا لن يحصل إلا إذا انتهج سياسة ترضي مارين لو بن، زعيمة اليمين المتطرف.

وأهم ما يطالب به حزبها هو السير نحو العمل بقانون النسبية في الانتخابات، بديلاً عن القانون الحالي «الأكثري»، وإرضاء الشريحة الشعبية التي تُصوّت لحزبها لجهة عدم المس بمخصصات سن التقاعد والدفاع عن القدرة الشرائية والامتناع عن فرض ضرائب إضافية، حتى على كبريات الشركات أو أصحاب المداخيل المرتفعة.

إليزابيث بورن كانت ثاني امرأة تكلف برئاسة الحكومة في تاريخ الجمهورية الفرنسية عينت وزيرة للتربية في الحكومة الجديدة (أ.ف.ب)

الوزارات السيادية

يُنيط الدستور الفرنسي برئيس الجمهورية رسم السياستين الخارجية والدفاعية والإشراف عليهما؛ لذلك، حرص كل الرؤساء على تعيين وزراء يحظون بثقتهم في هذين المنصبين. وبالفعل، فإن ماكرون تمسك بالإبقاء على وزيري الخارجية والدفاع في منصبيهما. الأول هو جان نويل بارو، والثاني سيباستيان لو كورنو. وكان جيرالد دارمانان، وزير الداخلية الأسبق طامحاً في تسلّم الدبلوماسية الفرنسية. لكنه رسا أخيراً في وزارة العدل مع صفة وزير دولة، وهو الرابع في الترتيب البروتوكولي. أما لو كورنو، فقد سعى ماكرون لتعيينه رئيساً للحكومة، إلا أنه عدل عن ذلك في اللحظات الأخيرة تحت وطأة تهديدات بايرو، حليفه التاريخي الذي يُدين له بكثير وأول ذلك وصوله إلى رئاسة الجمهورية.

وأفادت معلومات مؤكدة بأن بايرو قال لماكرون إنه «سيستعيد حريته» في حالة لم تعهد إليه رئاسة الحكومة. والحال أن خروج بايرو ونواب حزبه «الحركة الديمقراطية» من الكتلة المركزية الداعمة لماكرون ستزيد من هشاشة رئيس الجمهورية النيابية وتضعفه سياسياً.

كان المأخذ الأول على حكومة بارنييه أنها، بخلاف استثناءات قليلة، تضم مجموعة من المجهولين الذين لا يعرفهم الجمهور الفرنسي؛ لذا، سار بايرو على طريق مغايرة؛ حيث استدعى رئيسي حكومة سابقين لوزارته هما إليزابيث بورن ومانويل فالس، اللذان ينتميان تاريخياً للحزب «الاشتراكي».

ومفاجأة الموسم كانت في إعادة تدوير فالس، الذي فشل في الترشح للانتخابات الرئاسية باسم الاشتراكيين عام 2017، وفشل في الفوز بمنصب رئاسة بلدية مدينة برشلونة، التي خاض منافستها، كونه يحمل الجنسيتين الإسبانية (بالولادة) والفرنسية (بالاكتساب). كذلك فشل في أن ينتخب نائباً مرتين، وكان على تنافس حاد مع ماكرون إبان عهد فرنسوا أولاند.

وزير الداخلية السابق جيرالد درامانان عاد إلى الحكومة الجديدة وزيراً للعدل (أ.ف.ب)

طبخة خليط وتحديات كبرى

يوضح التمعن في تركيبة حكومة بايرو المشكلة من 35 وزيراً أنها تمزج بين أصحاب الخبرة والوافدين الجدد إلى المقاعد الوزارية. وإذا كان هناك وزير فرض نفسه منذ اللحظة الأولى فهو وزير الداخلية برونو روتايو، الذي احتفظ بمنصبه، ويريد بايرو من إبقائه إلى جانبه تعطيل أية رغبة انفصالية لدى نواب حزب «اليمين الجمهوري» التقليدي المتأرجح، وغير الراضي تماماً عن الحصة التي أعطيت له في الحكومة الجديدة.

ومن الوجوه الحكومية المعروفة، رشيدة داتي، وزيرة الثقافة والمقربة من ماكرون، ومن رئيس الجمهورية الأسبق نيكولا ساركوزي، واليمينية كاترين فوتران، وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية التي التحقت بماكرون في عام 2022. ويعود أول منصب وزاري تسلمته لعام 2004، زمن الرئيس شيراك. ومن الوجوه المعروفة أيضاً أنياس بانيه روناشيه، وزيرة النقلة البيئية والتعدد الحيوي والصيد البحري، وسبق لها أن شغلت وزارة البيئة في عهد إليزابيث بورن.

إذا كان التحدي الكبير أمام ماكرون وبايرو استيلاد الحكومة، فإن التحدي الأكبر هو السياسة التي ستنتهجها. ذلك أن فرنسا تعاني من أزمة اقتصادية حادة؛ حيث بلغت ديونها رقماً قياسياً (3300 مليار يورو). كذلك، فإنها ما زالت حتى اليوم من غير ميزانية. وسقط بارنييه في امتحان اقتراح ميزانية مقبولة، بسبب ما عرضه من خفض للإنفاق في قطاعات تعد حيوية وزيادة معتدلة للضرائب، والعدد من التدابير والإجراءات الاجتماعية التي نظر إليها أنها ضد الطبقتين المتوسطة والدنيا.

من هنا، فإن الهم الأول لبايرو هو تقديم مشروع ميزانية سريعاً جداً، وهو ليس بالأمر السهل، لأنه كمن يسير على بيض؛ لذا، فإن مهمة وزير الاقتصاد والمال الجديد إريك لامبارد، رئيس صندوق الإيداع والأمانات والمصرفي السابق تبدو شبه مستحيلة.


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت أمس (الاثنين) سفينة «يُشتبه في أنها تبحر تحت علم مزيف» و«متورطة» في عمليات «نقل وقود» روسي.

«الشرق الأوسط» (باريس )
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا عناصر من الشرطة البلدية الفرنسية ينفذون دورية أمام مدرسة «جوزيف لاكانال» الإعدادية في أوباني جنوب فرنسا بعد إصابة مديرها بطلق ناري من بندقية صيد وتوقيف مراهق اليوم (أ.ف.ب)

طالب يطلق النار على مدرّسين ببندقية صيد في الجنوب الفرنسي

قال مسؤول محلي فرنسي إن طالباً في المرحلة الإعدادية أطلق النار باستخدام بندقية صيد فأصاب مدير مدرسة ومعلمة بمدرسة قرب مرسيليا، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغمز بعينه خلال فعالية في مدينة سبليت الكرواتية يوم 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إلى ضبط النفس مع استمرار احتجاجات المدارس في فرنسا

دعا ماكرون لضبط النفس مع استمرار الاحتجاجات الطلابية وإغلاق 528 مدرسة كلياً أو جزئياً، بينما علّقت السلطات استخدام القنابل الصوتية ودعت النقابات لمظاهرات جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم «الكرملين» (د.ب.أ)

روسيا تدين «عسكرة» الاتحاد الأوروبي بعد اختبار صاروخي فرنسي

ندّدت روسيا، الأربعاء، بـ«عسكرة» الاتحاد الأوروبي، غداة اختبار فرنسا صاروخاً جديداً عابراً للقارات قادراً على حمل رأس نووي ويطلق من غواصة

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

شنّت القوات الروسية هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في العاصمة الأوكرانية ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى، فيما بدا تجاهلاً لـ«هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، ولم تؤكد موسكو التزامها بها.

ووجّهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، إذ اتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال. وانعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال.

وكرّر زيلينسكي، أمس (الأربعاء)، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف». وكتب: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن هويته، واشنطن، بمساعدة روسيا ضد أوكرانيا، مؤكداً أنها لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية، كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك». وأضاف المسؤول الأوكراني: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة».


زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.