الجيش الروسي يعلن عن مزيد من التقدم على الجبهة الشرقية والسيطرة على بلدة في دونيتسك

الأمم المتحدة: هجمات موسكو على شبكة الكهرباء الأوكرانية ربما تنتهك القانون الإنساني

صورة من التوغل الأوكراني في كورسك (رويترز)
صورة من التوغل الأوكراني في كورسك (رويترز)
TT

الجيش الروسي يعلن عن مزيد من التقدم على الجبهة الشرقية والسيطرة على بلدة في دونيتسك

صورة من التوغل الأوكراني في كورسك (رويترز)
صورة من التوغل الأوكراني في كورسك (رويترز)

أعلنت روسيا، الخميس، ضمن سلسلة تقاريرها عن تقدم قواتها على الجبهة الشرقية، سيطرتها على قرية جديدة بمنطقة دونيتسك الواقعة في شرق أوكرانيا حيث تحقق قواتها مكاسب ميدانية. وأكّدت وزارة الدفاع الروسية في بيان أن جيشها سيطر على قرية غيورغييفكا الواقعة بين بلدتَي مارينكا التي احتلتها موسكو نهاية 2023، وكوراخوفي التي تسيطر عليها القوات الأوكرانية.

يأتي ذلك بعدما باشرت أوكرانيا، التي تواجه صعوبات في الشرق، هجوماً كبيراً في 6 أغسطس (آب) الماضي بمنطقة كورسك الروسية، وسيطرت على مئات عدة من الكيلومترات المربعة؛ وفق كييف، حيث أعربت عن أملها في إجبار موسكو على سحب قوات من دونيتسك للدفاع عن كورسك وبالتالي إبطاء تقدمها في شرق أوكرانيا، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن.

وأكدت روسيا أنها استعادت السيطرة على قرى عدة في منطقة كورسك من القوات الأوكرانية منذ الأسبوع الماضي. لكن المتحدث باسم القيادة العسكرية الإقليمية الأوكرانية، أوليكسي ديميتراخكيفسكي، قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، إن الهجوم الروسي المضاد في منطقة كورسك قد توقف.

وتعلن موسكو بانتظام السيطرة على قرى صغيرة في منطقة دونيتسك. وقال جيشها، السبت، إنه سيطر على بلدة جيلان بيرش الواقعة على مسافة 10 كيلومترات شمال غيورغييفكا. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت أيضاً السيطرة على مدينة كراسنوغوريفكا، وهو أمر نادر الحدوث. وتسعى روسيا إلى احتلال مدينة بوكروفسك في هذه المنطقة، وهي مركز لوجيستي مهم للجيش الأوكراني. مع تواصل القتال على الجبهة، يستمر القصف في أماكن أخرى في أوكرانيا. وقالت وزارة الدفاع الروسية، الخميس، إنها أسقطت طائرات مسيّرة أوكرانية عدة في منطقتي بيلغورود وكورسك الحدوديتين.

في المقابل، استهدفت عملياتٌ الأراضي الروسية. وقالت القوات الجوية الأوكرانية، الخميس، إنها أسقطت 42 طائرة مسيرة، وواحداً من 4 صواريخ، أطلقتها روسيا في هجوم خلال الليل، فيما طالبت رومانيا؛ العضو في «حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، بإسقاط المسيّرات الروسية التي تقترب من مجالها الجوي، وفق ما قال وزير الخارجية الأوكراني، آندريه سيبيها، بعد اجتماع مع نظيرته الرومانية، لومينيتا أودوبيسكو، في بوخارست الأربعاء، وفقاً لوكالة «ميديافاكس» الرومانية للأنباء. ومنذ انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير (شباط) عام 2022، سقط حطام طائرات روسية مسيّرة مرات عدة في رومانيا بالقرب من الحدود مع أوكرانيا.

مواطنون روس نازحون من منطقة كورسك يتلقون مساعدات من السلطات الروسية (إ.ب.أ)

وجرى مؤخراً رصد مسيّرة روسية في الجو فوق دلتا الدانوب برومانيا، على بعد نحو 45 كيلومتراً من الحدود الأوكرانية. وانطلقت مقاتلات «إف16» رومانية ورافقت المسيّرة حتى دخلت المجال الجوي الأوكراني. ومنذ ذلك الحين، يناقش الساسة والمسؤولون العسكريون في رومانيا ما إذا كانت هناك ضرورة لإجراء تغييرات قانونية من أجل إسقاط المسيّرات المعادية في المجال الجوي للبلاد.

صورة مركبة لموقع مدمر التقطتها الأقمار الاصطناعية قبل الهجوم وبعده (أ.ف.ب)

من جانب آخر، قالت هيئة مراقبة تابعة للأمم المتحدة، اليوم الخميس، إن حملة الضربات الجوية التي تشنها روسيا على شبكة الطاقة في أوكرانيا ربما تنتهك القانون الإنساني الدولي، في الوقت الذي يستعد فيه الأوكرانيون للشتاء الأكثر قسوة منذ بداية الغزو الروسي. وعلى مدار الغزو، أطلقت روسيا مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت توليد ونقل وتوزيع الكهرباء في أوكرانيا. وأدت كل موجة من الضربات إلى بقاء مدن أوكرانية دون كهرباء لساعات يومياً على مدى أسابيع. وركزت «بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان» لدى أوكرانيا، في تقريرها الأخير، على 9 موجات من الضربات وقعت بين مارس (آذار) وأغسطس 2024.

جندي روسي يقف بجوار مركبة عسكرية أوكرانية متضررة بمنطقة الحدود الروسية - الأوكرانية في كورسك (أ.ب)

وقال التقرير: «هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن جوانب متعددة من الحملة العسكرية، التي استهدفت إلحاق الضرر أو تدمير البنية التحتية المدنية لإنتاج الطاقة الكهربائية والحرارية ونقلها في أوكرانيا، قد انتهكت المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي».

وتقول كييف إن استهداف منظومة الطاقة يعدّ جريمة حرب. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق 4 مسؤولين وعسكريين روس بتهمة قصف البنية التحتية للطاقة المدنية. وتقول موسكو إن البنية التحتية للطاقة من الأهداف العسكرية المشروعة، ورفضت الاتهامات الموجهة إلى مسؤوليها بوصفها غير ذات صلة.

من جانب آخر، طالبت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» شركاء أوكرانيا بدعم كييف لحماية إمدادات الكهرباء والتدفئة، وذلك في تقرير صدر الخميس. وحذر التقرير بأن الشتاء المقبل يمكن أن يكون الأصعب بالنسبة إلى أوكرانيا. وأشارت «الوكالة» إلى أنه في ظل تكثيف روسيا هجماتها على محطات الطاقة ومحطات التدفئة وشبكات النقل الأوكرانية، تتعرض البنية التحتية للطاقة في كييف لضغط قوي.

وقالت «الوكالة»، كما نقلت عنها «وكالة الأنباء الألمانية»: «الضغوط التي كانت محتملة خلال أشهر الصيف ربما تصبح لا تطاق عندما تنخفض درجات الحرارة وتتراجع إمدادات التدفئة والمياه، مما سوف يؤدي إلى مزيد من نزوح المواطنين المتضررين في أنحاء البلاد». وأشارت «الوكالة» إلى أن إمدادات الكهرباء للمستشفيات والمدارس والمنشآت الأساسية الأخرى يمكن أن تتراجع خلال الشتاء، كما أن إمدادات التدفئة للمدن الأوكرانية الرئيسية تواجه خطراً.

محول كهرباء جرى إعطابه بغارة روسية على كييف (رويترز)

وأوصت «الوكالة» شركاء أوكرانيا بتحسين حماية البنية التحتية للطاقة لمواجهة الهجمات العسكرية والهجمات السيبرانية، وتسريع إيصال قطع الغيار؛ من أجل الإصلاحات، والعمل على لامركزية إمدادات الكهرباء، وزيادة حجم واردات الكهرباء والغاز من الاتحاد الأوروبي. وأوضحت «الوكالة» أنه يجب أن تضع الإجراءات الأساس لنظام طاقة أوكراني متطور ومرن ومستدام يُدمج في أوروبا.

وقال المدير التنفيذي لـ«الوكالة»، فاتح بيرول: «نظام الطاقة الأوكراني صمد خلال فصلي الشتاء السابقين بفضل مرونة وشجاعة وبراعة الشعب الأوكراني والتضامن من جانب الشركاء الدوليين، ولكن هذا الشتاء سوف يكون الاختبار الأصعب». وأضاف أن الإجراءات الإضافية في حال تطبيقها بسرعة وبفاعلية يمكن أن تحدث فرقاً ضخماً.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (إ.ب.أ)

وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في بروكسل الخميس، أنها ستزور كييف الجمعة. وقالت فون دير لاين إنها تريد أن تبحث مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، المساعدة في تزويد أوكرانيا بالطاقة قبل فصل الشتاء. وقالت فون دير لاين، كما نقلت عنها «رويترز»، إنه سيخصَّص مبلغ 160 مليون يورو من عوائد الأصول الروسية المجمدة لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة لأوكرانيا في هذا الشتاء. وأضافت أنه يجري تفكيك محطة طاقة تعمل بالوقود في ليتوانيا ليعاد بناؤها في أوكرانيا حيث تعرّض 80 في المائة من محطات توليد الطاقة الحرارية للدمار. وقالت فون دير لاين: «هدفنا استعادة 2.6 غيغاواط من القدرة الإنتاجية، وهو ما يمثل 15 في المائة من احتياجات أوكرانيا».


مقالات ذات صلة

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

أوروبا عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف... 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

أفاد مسؤول أوكراني إقليمي، اليوم (الاثنين)، بأنّ مسيّرة روسية تعمل بمحرّك نفّاث أصابت قرية قرب الحدود البولندية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمعبر حدودي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

قال نائب وزير الدفاع البولندي سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

دعا رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة في المدن إلى التفكير في الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة قبل حلول الشتاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين خلال خطاب في «الاتحاد الأوروبي» (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يبحث تعزيز الردّ على «الهجمات الروسية الهجينة»

بحث وزراء دفاع «الاتحاد الأوروبي»، الاثنين، ما إذا كان التكتل بحاجة لآلية طوارئ خاصة به على غرار «حلف شمال الأطلسي»، لتعزيز التنسيق في مواجهة «الهجمات الهجينة».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
آسيا صورة نشرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لجندي من كوريا الشمالية وقع أسيراً في يد الجنود الأوكرانيين (حساب زيلينسكي على إكس)

سيول تطالب كييف باعتذار بعد كشفها نقل جنديَّين كوريَّين شماليَّين إليها

طالبت كوريا الجنوبية أوكرانيا باعتذار رسمي بعدما نفت كييف وجود اتفاق بين الجانبين يقضي بالحفاظ على سرّية نقل جنديَّين كوريَّين شماليَّين أُسرا خلال القتال.

«الشرق الأوسط» (سيول)

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف... 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف... 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف... 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف... 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أفاد مسؤول أوكراني إقليمي، اليوم (الاثنين)، بأنّ مسيّرة روسية تعمل بمحرّك نفّاث أصابت قرية قرب الحدود البولندية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمعبر حدودي.

وقال رومان رومانيوك القائم بأعمال حاكم منطقة فولين في غرب أوكرانيا في منشور على «تلغرام»، «لسوء الحظ، وقع انفجار بالقرب من الحدود مع بولندا في قرية ستاروفويتوف... وقد ألحق الانفجار أضراراً بمبنى المعبر عند مدخل محطة المسافرين»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
TT

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

قال نائب وزير الدفاع البولندي، سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية التي يتم رصدها في أجواء البلاد، وفق تدابير دفاعية تُتخذ عادة في زمن الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن أحدث الإجراءات الرامية إلى تعزيز دفاعات بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، مع قرب إتمام الحرب في أوكرانيا المجاورة عامها الخامس، وازدياد تحذيرات حلفاء كييف من ازدياد خطر الطائرات المسيّرة الروسية.

وقال تومتشيك إن مثل هذا التغيير سيسمح «للطيار أو قائد العمليات باتخاذ قرار بإسقاط طائرة أجنبية استناداً إلى بيانات الرادار أو معلومات أخرى ترد إلى النظام».

وأشار إلى أن هذه المعايير «تطبّق عادة في حال الحرب أو الأحكام العرفية»، في حين أن المعايير المعتدة خلال فترات السلم تستوجب رؤية الطائرة بالعين المجردة، وليس فقط الاعتماد على قراءات أنظمة الرادار.

وقال المسؤول إن التغيير اعتمد لأن بولندا «تواجه احتمال دخول طائرات مسيّرة إلى أجوائها بشكل يومي».

وفي وقت سابق من سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إن روسيا تخطط في إطار الحرب مع أوكرانيا، لشنّ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على حلفاء كييف، من بينهم بولندا.

وتتهم وارسو، وهي من أعضاء حلف شمال الأطلسي الأكثر إنفاقاً على الدفاع نسبة إلى حجم اقتصادها، موسكو، بتنفيذ استفزازات «متعددة الوسائل» على أراضيها، تشمل انتهاك مجالها الجوي باستخدام طائرات مسيّرة.


البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
TT

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

اختار البابا لاوون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية الواقعة قرب الحدود مع ألمانيا ودوقية لوكسمبورغ لتوجيه مجموعة من الرسائل السياسية في اليوم الأخير من زيارته رباعية الأيام إلى فرنسا. ولم يكن اختيار ميتز وليد مصادفة؛ بل كون هذه المدينة اشتهرت لأن السياسي والوزير الفرنسي روبيرت شومان الذي يعد أحد آباء ولادة الاتحاد الأوروبي بمسمياته المختلفة، عاش سنوات فيها، ودُفن في ضاحية قريبة منها. كذلك، فإن «مركز المؤتمرات» الذي استضاف اللقاء السياسي، صباح الاثنين، يحمل اسم روبيرت شومان، وخطاب البابا جاء تحت مسمى «في جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». ولأن أوروبا في قلب كلمة البابا، فإن الإليزيه عمد إلى توجيه دعوة لقادة دول الاتحاد الأوروبي وكبار مسؤوليه، إلا أن أياً من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لم يكن حاضراً باستثناء غيوم، دوق لوكسمبورغ ورئيس وزرائه وأمير موناكو وعدد من مسؤولي الصف الثاني في دول الاتحاد.

وقبل خطاب البابا، تحدث الرئيس الفرنسي الذي حض أوروبا على أن «تستعيد شجاعة مؤسسيها» من أجل أن «تصبح قوةً للسلام والاستقلال والديمقراطية، كما ينبغي لها أن تكون». لكن ماكرون سارع إلى توصيف الواقع الأوروبي حيث الحرب تدور منذ أكثر من 4 سنوات على الأراضي الأوروبية، وحيث الدعوات لإعادة التسلح والتحضر ربما لحروب آتية قائمة على قدم وساق. وإذ رأى أن «الأخطار تغيرت من حيث الحجم»، إلا أنه سارع لإضافة أنه «يجب أن تكون جهودنا من أجل السلام على قدر حجم التحديات، ومن أجل ضمان سيادة حقيقية، يتعين علينا بالتالي أن نتحرك». وهذا التحرك، بنظره «ضروري لضمان أمننا، والحفاظ على قيمنا»، ولتجنب ما سماه «عودة النزعات القومية» في أوروبا حيث اليمين المتطرف، أكان في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو في بلدان أخرى، يحقق مزيداً من النجاحات الانتخابية.

بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي في جلسة حوارية مع مجموعة من المسؤولين الذين حضروا للاستماع لخطابه عن أوروبا في مركز شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين (إ.ب.أ)

وهم التسلح

ومنذ بداية ولايته، يطرح لاوون الرابع عشر نفسه داعية للسلام عبر العالم وحافزاً للتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والدول. ولأن الحرب «عادت، حتى إلى أوروبا حيث تدور مجزرة جديدة عبثية، تحصد أرواح عدد لا يحصى من المدنيين كل يوم»، ولأن محاولات إيجاد حد نهائي لها استمرت حتى اليوم بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فإن البابا حض المفاوضين على «إظهار الشجاعة في المفاوضات، وأن نكون مستعدين للتخلي عن بعض مواقفنا من أجل الخير الأكبر، أي السلام».

واستحضر البابا في ذلك دعوة مماثلة أطلقها البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1917، في خضم المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الأولى. واللافت أن لاوون الرابع عشر لم يذكر أوكرانيا ولا روسيا ولا أي دولة أخرى بالاسم، إلا أن إشارته للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات ونصف السنة جاءت جلية. ولأن الحرب مرتبطة عضوياً بزيادة التسلح، وهو الأمر الغالب اليوم في أوروبا بسبب الأوضاع والمخاطر الجيواستراتيجية، وتضاعف الإنفاق العسكري عموماً خصوصاً في أوروبا، فقد حرص البابا على التحذير من مخاطر «وهم التسلح». وقال: «علينا أن نحذّر من أن إعادة التسلح هي الحل» مضيفاً أن «علينا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نبذل بالفعل جهوداً إبداعية لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى ببساطة إلى وقف زحف الحرب والاستعداد بشكل أفضل لحروب نفترض أنها لا تزال قادمة». وذهب لاوون الرابع عشر إلى التنديد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه وتصونه».

البابا لاوون الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية سانت إتيان (أ.ب)

الهجرات والإرث الأوروبي

وخلال الأيام الأربعة المنصرمة، دعا البابا في أكثر من مناسبة، إلى تغليب الحوار والحوار متعدد الأطراف، محذراً من الحوارات الفارغة التي تحولت إلى «مسرحية صورية»، كما حذر من تغليب قانون القوة على قوة القانون. وفيما يقوى عود الدعوات الشوفينية والقومية المتطرفة، حرص بابا روما على التذكير بأهمية الانفتاح على التلاقح وعلى التعددية الثقافية التي في أساس البناء الأوروبي، وضرورة تغليب سيادة القانون والمساواة بين الناس. وفي هذا السياق، كان لا بد له من تناول مسألة الهجرات المتدفقة على أوروبا الساعية إلى إقفال الأبواب، وبناء الأسيجة والجدران بوجه المهاجرين واللاجئين بما في ذلك على المستوى الأوروبي الجماعي.

وبداية، أعاد البابا إلى الأذهان أن الحضارة الأوروبية «ثمرة لقاءات تمتد عبر قرون، حتى إن لم تكن هذه اللقاءات سهلة دائماً»، في إشارة إلى الهجرات التي توافدت على أوروبا خلال العصور المنصرمة، حيث «ازدهرت وتقدمت عندما تمكنت من الاستفادة من أفضل جوانب ماضيها، وإعادة ابتكارها بطرق جديدة ومبدعة من خلال الانفتاح على الآخرين».

أما اليوم، فإن «أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل من اللقاءات، مع وصول عدد كبير من الرجال والنساء إلى القارة، فراراً من ساحات الحرب والاضطهاد، أو بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن الفقر والبؤس». وإزاء المآسي المتلاحقة في المتوسط، رفع البابا الصوت ليدعو إلى التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بطريقة «إنسانية» بما يحفظ كرامتهم الإنسانية مكرراً دعوته من أجل توفير «مسارات قانونية وآمنة» للهجرة، والتعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك دعا القادة الأوروبيين إلى العمل على دمج المهاجرين الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، وتوفير الفرص لهم كما لو كانوا أفراداً في العائلة نفسها. وخلال لقائه بمجموعة من المهاجرين في مؤسسة باريسية تعمل على استقبالهم، حض البابا على إدماج اللاجئين والمهاجرين في المجتمعات التي يحلون فيها ومنحهم فرصاً للانخراط. وإزاء الدعوات للانغلاق الحضاري في المجتمعات الأوروبية، فإن لاوون الرابع عشر ركز على الانفتاح والتعددية الثقافية رغم إشارته إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

حقيقة الأمر أن بابا روما في وادٍ وما هو جارٍ في أوروبا في وادٍ آخر. ولا يصح ذلك فقط على ملف الهجرات؛ فالبابا ندد بالقوانين الجديدة في أوروبا التي تتيح الموت الرحيم معتبراً أن ذلك يمكن عدُّه «قانونياً ولكنه ليس أخلاقياً». كذلك ندد بزواج المثليين وبالإنجاب من خلال استعارة أحشاء أخريات، ولم يفته التحذير من فقدان الجوهر الإنساني، والعيش في ظل «جنة الآلات» واستبداد الذكاء الاصطناعي.