بعد مناورات استمرت 8 أسابيع... ماكرون يكلف ميشال بارنييه تشكيل الحكومة

التعيين لم يكن ممكناً من غير ضوء أخضر من زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنييه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنييه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)
TT

بعد مناورات استمرت 8 أسابيع... ماكرون يكلف ميشال بارنييه تشكيل الحكومة

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنييه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنييه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

أخيراً، خرج الدخان الأبيض من القصر الرئاسي مؤشراً لعثور إيمانويل ماكرون، بعد مشاورات مضنية استمرت أياماً وأياماً، على شخصية سياسية، كلّفها رسمياً تشكيل الحكومة الجديدة. وانتهى مسلسل الانتظار الذي شهد توافد قادة الأحزاب والمجموعات البرلمانية في مجلسي النواب والشيوخ مراراً على قصر الإليزيه، للقاء ماكرون ولعرض تصوراتهم لكيفية الخروج من الأزمة السياسية المستحكمة، بعدما بقيت فرنسا 50 يوماً في ظل حكومة غابرييل أتال المستقيلة، وبعد 60 يوماً على إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية. وأفضت هذه الانتخابات إلى تصدر تكتل اليسار المسمى «الجبهة الشعبية الجديدة» المشهد الانتخابي بحصوله على 193 مقعداً متقدماً على معسكر ماكرون (166 مقعداً) وعلى حزب «التجمع الوطني» (اليمين المتطرف) الذي حلّ في المرتبة الثالثة (143 نائباً) والذي كانت زعيمته مارين لوبن، المرشحة الرئاسية السابقة، تحلم بالحصول، منفردة، على الأكثرية المطلقة (289 نائباً).

 

صورة مركبة للمرشحين الثلاثة الذين حلموا برئاسة الحكومة (من اليمين) كزافيه برتران وبرنار كازنوف ودافيد ليسنار رئيس بلدية مدينة كان (أ.ف.ب)

استبعاد 3 مرشحين

ولأن الانتخابات أفضت إلى تشكل 3 مجموعات نيابية يصعب التفاهم في ما بينها، وبالتالي التعاون في إطار حكومي، فإن تسمية رئيس للحكومة يوفر «الاستقرار المؤسساتي»، ولا يسقط في البرلمان لدى أول اختبار، كانت بمثابة تربيع الدائرة. والأمر الثاني الذي تمسك به رئيس الجمهورية هو استبعاد رئيس للحكومة يكون من اليسار، ويعمل على تفكيك ما حرص على بنائه طيلة 7 سنوات. وبحسب منتقديه، وخصوصاً من اليسار، فإن همّه الأول كان أن يبقى سيد اللعبة السياسية في فرنسا. لذا، حرص منذ البداية على استبعاد لوسي كاستيه، مرشحة «الجبهة الشعبية الجديدة»، بحجة أنه لا حظ لها في البقاء وأنها ستسقط في اليوم التالي لتشكيل حكومتها نظراً لمعارضة اليمين بجناحيه المعتدل والمتطرف، وأيضاً «الكتلة الوسطية» أي معسكر نواب ماكرون.

بعد ذلك، تأرجح ماكرون بين عدة مرشحين. أبرزهم اثنان: رئيس الوزراء الاشتراكي السابق برنار كازنوف، والقيادي في حزب الجمهوريين اليميني كزافييه برتران. لكن حسابات البرلمان لم تصبّ في مصلحتهما. فالأول كان سيسقط لمعارضة اليمين والوسط له، ولأنه تمسك بعزمه على قيادة سياسة مستقلة، وليس مواصلة سياسة حكومة غابرييل أتال ونهج ماكرون، وخصوصاً التراجع عن قانون إصلاح سن التقاعد. والثاني أطاحت به معارضة مارين لوبن بسبب خصومة قديمة بينهما ولأن برتران بنى بعض شعبيته على محاربة اليمين المتطرف. وأخيراً، فإن التداول باسم تييري بوديه، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي القادم من المجتمع المدني، لم يصمد سوى ساعات. فالرجل الذي كان مدرساً في بداية حياته المهنية، لا يملك أي خبرة سياسية، وليس الرجل المناسب لإدارة وضع بالغ الصعوبة.

مارين لوبن زعيمة حزب التجمع الوطني مع رئيس الحزب جوردان بارديلا (أرشيفية - رويترز)

لوبن صانعة «رؤساء الحكومات»

كان ميشال بارنييه، وزير الخارجية الأسبق والمفوض الأوروبي الذي كلف مهمة التفاوض المعقدة مع الجانب البريطاني للاتفاق على شروط خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، المستفيد النهائي من خروج المرشحين الثلاثة من السباق. وأصدر الإليزيه البيان الذي كان ينتظره الجميع، وجاء فيه أن رئيس الجمهورية «كلّف ميشال بارنييه تشكيل حكومة لخدمة البلاد والفرنسيين»، مضيفاً أن التعيين «يأتي عقب دورة غير مسبوقة من المشاورات التي حرص خلالها الرئيس، وفقاً لواجبه الدستوري، على أن يستوفي رئيس الوزراء والحكومة المقبلة الشروط اللازمة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار وإعطاء أنفسهم فرصاً لتوحيد الصفوف على أوسع نطاق ممكن».

حقيقة الأمر أن تسمية بارنييه لم تصبح ممكنة إلا بعد توفر شرطين: الأول، قبول حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل المشاركة في الحكومة، وهو ما كان يرفضه لوران فوكييز، رئيس الحزب الذي لم يكن «يرى فائدة من ركوب قطار» الرئيس ماكرون المتهالك في آخر سنوات عهده تحضراً للاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها الاستحقاق الرئاسي الذي ينوي فوكييز الخوض فيه. والثاني (والأهم)، أن مارين لوبن قبلت ألا يعمد حزبها لطرح الثقة بالحكومة الجديدة التي بطبيعة الحال يرفضها اليسار، ولأن الجمع بين أصوات جبهة اليسار واليمين المتطرف سيوفر أكثرية ساحقة لإسقاطها. من هنا، فإن مارين لوبن تحوّلت إلى «صانعة الرؤساء». وبعد أن كان هم ماكرون إضعاف وإبعاد حزب «التجمع الوطني» في الانتخابات الأخيرة من خلال السير في ما سمي «القوس الجمهوري»، ها هو يتحول إلى «رهينة» بين يديها رغم بقاء حزبها خارج الحكومة. والمفارقة الأخيرة أن جان فيليب تانغي، أحد أقطاب اليمين المتطرف، الرئيس المفوض لمجموعة الحزب البرلمانية، لم يتردد، في حديث صحافي لإذاعة «فرانس أنتير»، عن مهاجمة بارنييه شخصياً، حيث وصفه (حرفياً) بأنه «أحد أغبى السياسيين الذين أنجبتهم الجمهورية الخامسة على الإطلاق، فهو لا يفهم شيئاً مما يُعطى له سوى الأوراق» التي تحضر له لقراءتها.

ميشال بارنييه متحدثاً في 18 ديسمبر 2020 أمام البرلمان الأوروبي (إ.ب.أ)

غير أن مارين لوبن أكدت أن حزب «التجمع الوطني» «سينتظر سماع خطاب بارنييه بشأن السياسة العامة» أمام البرلمان قبل تحديد موقف بشأن منحه الثقة أم لا. وليس كلامها سوى وسيلة كي لا تقول إنها لا تعارض تسميته. وقال مصدر في الحزب المذكور إن «التجمع الوطني لا يريد أن يظهر بمظهر من يدفع إلى استمرار الأزمة السياسية». فضلاً عن ذلك، يرى اليمين المتطرف أن مواقف بارنييه بشأن الهجرات إلى فرنسا قريبة من مواقف من مواقفه، وقد برزت عندما كان مرشحاً لخوض المنافسة الرئاسية في عام 2022. وما زالت طروحاته بشأن الهجرات ماثلة أمام الأعين إذ اعتبر، وقتها، أن من الضروري لفرنسا «استعادة السيادة القانونية حتى لا تبقى خاضعة لقرارات القضاء الأوروبي أو المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان» ما بدا غريباً، وقتها، عن مسؤول أمضى سنوات طويلة في أحد أبرز المناصب الأوروبية.

وتجدر الإشارة أن ماكرون تشاور مطولاً مع لوبن مساء الثلاثاء، رغم أنه استبعدها عن المشاورات، مع حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون. وما كان ماكرون ليكلف بارنييه لو لم يحصل على تطمينات منافسته على الرئاسة لدورتي عام 2017 و2022.

ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مصدر رئاسي أن بارنييه، وزير الخارجية السابق المخضرم «متوافق مع ماكرون»، ولديه حظوظ في نيل تأييد البرلمان. ومن جانب اليسار، عدّ ميلونشون وحلفاء له من داخل كتلة اليسار أن تكليف بارنييه يعني أن الانتخابات «سُرقت من الفرنسيين». ورأى أوليفييه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، أن البلاد ستدخل «في أزمة حكم».

يبلغ بارنييه من العمر 73 عاماً، وبذلك يعدّ أكبر رئيس حكومة في تاريخ فرنسا الحديث. وكان قد دخل السياسة من باب الحزب الديغولي حيث انتخب نائباً وهو في سن السابعة والعشرين، وبقي نائباً حتى عام 199. كذلك انتخب عضواً في مجلس الشيوخ، كما شغل عدة مناصب حكومية، حيث عين وزيراً للبيئة ووزيراً للزراعة ووزيراً للخارجية، قبل أن ينتخب نائباً أوروبياً. وداخل الاتحاد الأوروبي، عيّن مفوضاً للسوق الأوروبية الداخلية، ونائباً لرئيس المفوضية. ومن أهم ما حقّقه داخل الاتحاد التفاوض مع لندن في ملف البريكست، حيث برزت مواهبه كمفاوض محنك وشديد المراس. ولا شك أنه سيحتاج لكل اللياقة الدبلوماسية التي يتقنها لممارسة مهمته الجديدة، فعليه أن يعثر على توافق الحد الأدنى في برلمان ممزق. وثمة من يرى أن مهمته لن تتعدى عاماً واحدا، إذ قد يعمد ماكرون إلى حل المجلس النيابي عندما يتيح له الدستور ذلك، أي بدءاً من يونيو (حزيران) المقبل، بعد مرور عام كامل على حل البرلمان للمرة الأولى.



زيلينسكي: لم نتلقَّ تحذيراً بشأن هجوم كييف... وترمب يؤكد استمرار تبادل المعلومات

أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)
أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

زيلينسكي: لم نتلقَّ تحذيراً بشأن هجوم كييف... وترمب يؤكد استمرار تبادل المعلومات

أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)
أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)

قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في فيديو عبر منصة «إكس»، الثلاثاء، إن أوكرانيا لم تتلقّ أي تحذير مسبق من شركائها بشأن هجوم صاروخي باليستي روسي استهدف العاصمة كييف، أصابت خلاله 5 صواريخ بنية تحتية مدنية.

ولم يحدّد زيلينسكي الشركاء الذين كان يتحدث عنهم. ووصف القصف الذي استهدف المدينة بأنه «دنيء»، مؤكداً أن تلقي معلومات استخباراتية من شركاء أوكرانيا بشأن مثل هذه الهجمات الصاروخية الباليستية «يساعد في إنقاذ الأرواح، وهي مسألة بالغة الأهمية»، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وفي البيت الأبيض، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين إن الولايات المتحدة لم تتوقف عن مشاركة المعلومات الاستخبارية مع أوكرانيا، قائلاً إن أميركا تواصل القيام بذلك على أمل إنهاء الحرب.

جاءت تصريحات زيلينسكي بعد أيام من توجيه ترمب انتقادات قوية له، بما في ذلك تصريحات بأن الوقت قد حان لرئيس جديد في أوكرانيا، وأن زيلينسكي لم يفعل ما يكفي لإنهاء الحرب. وربما تشير الانتقادات إلى أدنى نقطة في علاقتهما منذ اجتماع المكتب البيضاوي الكارثي في فبراير (شباط) 2025.

وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا شنّت هجمات على أوكرانيا باستخدام أكثر من 100 سلاح منذ مساء الاثنين.

وأضاف زيلينسكي، الثلاثاء، أن أوكرانيا لم تشن هجمات على مصافي النفط الروسية أو غيرها من منشآت الطاقة خلال اليومين اللذين أعقبا إعلان ترمب عن الاتفاق المزعوم عن وقف إطلاق النار على البنية التحتية للطاقة في كل من روسيا وأوكرانيا.

وانتقد زيلينسكي موسكو بسبب ما وصفه بالهجمات الروسية على منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في أوكرانيا خلال الفترة التي تلت إعلان ترمب.

وقال زيلينسكي إن «هذه مؤشرات واضحة تماماً على أنهم لا يعتزمون التوقف عن شن هجمات على أوكرانيا».


الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
TT

الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)

شهدت فرنسا، الثلاثاء، خامس يوم من التعبئة الطلابية، مصحوباً بعدد من المظاهرات في باريس ومرسيليا وليون ورين وبوردو ونانت وستراسبورغ وكليرمون فيران.

وقال بيان صادر عن اتحاد نقابات التلامذة والطلاب إن 480 ألف شخص شاركوا في المظاهرات التي عمت المدن الفرنسية، أي أن أعدادهم زادت عما عرفته فرنسا، الثلاثاء، الماضي. وتدحض هذه الأرقام، رغم اختلافها عن تقديرات وزارة الداخلية، نظرية تراجع التعبئة الطلابية بنظر المتظاهرين.

وكما في الأيام السابقة، لم يغب العنف عن هذه المظاهرات، وما يشوبها من عمليات كر وفر بين المحتجين ورجال الأمن وإطلاق الغاز المسيل للدموع، بكثافة كما حصل في باريس وستراسبورغ ونانت وليون وفيل أوربان.

وشهدت العاصمة باريس مناوشات بين الشرطة وعناصر ممن يسمون «بلاك بلوكس» المنتمين إلى اليسار الأكثر تطرفاً، والذين يرتدون الثياب السوداء، ويستغلون كل أنواع المظاهرات والتجمعات للاشتباك مع الشرطة. وحصلت الاشتباكات في حي سان ميشال (الحي اللاتيني)، كما شهد حي الأنفاليد عمليات كر وفر واشتباكات.

القوى الأمنية تستخدم خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في باريس يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الداخلية قد منعت اللجوء إلى القنابل الصوتية بعد أن تسببت في بتر اليد اليسرى لمراهق، مُفضّلةً استخدام خراطيم المياه. وتريد الحكومة أن ترى تراجعاً في التعبئة، وفق ما ذكر وزير التربية إدوار جيفراي، في حديث صباحي لإذاعة «فرانس أنتير»، مستنداً إلى أن تناقص عدد الثانويات التي لم تستأنف فيها الدراسة أو بقيت مغلقة. وجاء في بيان صادر عن وزارته أن 214 ثانوية فقط بقيت مغلقة، مقارنة بـ880 مدرسة، الثلاثاء الماضي، وبالعدد الإجمالي للثانويات الذي يناهز 3600 ثانوية.

وليس سراً أن الحكومة تراهن على انطلاق العطلة المدرسية، مساء الجمعة، لمدة أسبوعين، لتراجع الحراك المدرسي وربما انطفائه. لكن ما جاء على لسان ممثلي التلامذة يدل على عكس ذلك، بل تمددت المظاهرات بقوة في الوسط الطلابي؛ إذ أفاد بيان لـ«الاتحاد الطلابي»، الثلاثاء، بأن 90 في المائة من الكليات الجامعية أصبح اليوم مغلقاً أو محظوراً الدخول إليها، إلا أن وزارة التعليم العالي أفادت من جانبها بأن الاضطرابات طالت «فقط» 35 في المائة من مؤسسات التعليم العالي.

ترقّب لحراك السبت

بيد أن اختلاف الأرقام الخاصة بأعداد المتظاهرين والمدارس والكليات المعطلة لا يكشف حالة عامة من الرغبة في دمج الحراك الطلابي مع المطالب الاجتماعية الأخرى التي ترفعها العديد من النقابات.

الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في باريس يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

ومن المرتقب أن يتّضح يبرز ذلك يوم السبت 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو اليوم الذي حُدّد للإضراب العام وللنزول بقوة إلى الشوارع، والذي دعت إليه العديد من النقابات للتعبير عن الاحتجاج على تدهور القوة الشرائية وغلاء المعيشة؛ وعلى رأسها الغاز المنزلي والمشتقات النفطية.

وسيشهد، السبت، عودة «السترات الصفراء» الى مستديرات الطرق وإلى الشوارع. ويستذكر الفرنسيون حراكهم في عاميْ 2018 و2019، والعنف الذي رافقه، ولم يتراجع إلا بعد أن لبّت السلطات العديد من مطالبهم.

وإلى جانبهم، ستنزل نقابات التعليم ونقابات الوظائف العمومية، وستليهم في التظاهر نقابات الطيارين يوم 21 من الشهر الحالي. وتحظى هذه النقابات بدعم سياسي، خصوصاً من أحزاب اليسار والنقابات المرتبطة بها؛ وأوّلها النقابة العامة للشغل التي تترأسها صوفي بينيت.

خلاصة ما سبق هي أن «سبتاً أسود» قد ينتظر الفرنسيين، نهاية الأسبوع. وفي بادرة غرضها طمأنة تلامذة التعليم الثانوي، قرر وزير التربية استقبال ممثلين عنهم، يوم الخميس.

وزير الداخلية لوران نونيز (وسط) وإلى يمينه وزير التربية إدوار جيفراي خلال جلسة استماع الثلاثاء في مجلس الشيوخ يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبحسب إدوار جيفراي، فإن وزارته نجحت في «العثور» على 3000 أستاذ بديل لسد الفراغ المتأتي عن غياب الأساتذة الأصيلين. وكانت المطالبة بإيجاد بدلاء عن غياب الأساتذة على رأس لائحة مطالب التلامذة الثانويين؛ خصوصاً في مدارس ضواحي المدن الفقيرة التي تعاني من اكتظاظ الصفوف وتهالك المباني المدرسية.

ويركز التلامذة اليوم على مطلب إلغاء آلية تعيين الاختصاصات الجامعية المفتوحة أمامهم، ويرون فيها عائقاً غير منصف. وثمة تساؤلات عن كيفية تمكن وزارة التربية من تعبئة 3 آلاف أستاذ ثانوي بسرعة فائقة لمعالجة مشكلة مزمنة لم تتحرك من قبل لمواجهتها.

كذلك، يشكو الطلاب والتلامذة من ضعف زيادة ميزانية وزارة التربية للعام 2027 المتوقفة عند حاجز 1.5 مليار يورو، بينما يصرون على زيادة لا تقل عن 10 مليارات يورو لدعم التعليم الثانوي وليس لأغراض تربوية أخرى.

دور اليسار

شهدت باريس، الثلاثاء، مظاهرتين اثنيتين؛ الأولى كانت حاشدة، وانطلقت من «ساحة إيطاليا» الواقعة في دائرة باريس 13 متجهة إلى ساحة الأنفاليد، قريباً من مبنى المجلس النواب ومقر رئاسة الحكومة. وشارك فيها شخصياً جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، وإلى جانبه نواب آخرون من حزبه وقادة نقابيون. ويُتّهم ميلونشون بـ«تسييس» الحراك الطلابي و«استغلاله» في الجدل السياسي وفي معركة الرئاسة المقبلة. أما المظاهرة الثانية فانطلقت من ساحة بلدية باريس، وصولاً إلى حي مونبارناس.

شرطة مكافحة الشغب تطلق الغاز المسيل للدموع في مواجهة المتظاهرين في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)

وبات واضحاً اليوم أن حراك التلامذة الثانويين والطلاب يحظى بدعم جميع أحزاب اليسار والنقابات اليسارية، بينما أحزاب اليمين تركز على ضرورة المحافظة على الأمن، والتنديد بالعنف والمشاغبين، وتقف إلى جانب قوى الأمن.

ولعلّ أبز دليل على «قسوة» تعامل الشرطة مع التلامذة والطلاب أنها ألقت القبض على 6877 شخصاً، بينهم 86 في المائة من القاصرين. وهذا الوضع يدفع بعدد متزايد من الأهالي لمرافقة أبنائهم إلى المظاهرات لغرض «حمايتهم»، بينما تؤكد وزارة الداخلية أن القوى الأمنية لا تمارس العنف على المتظاهرين بل على المشاغبين.

وأعلنت وزارة التربية الوطنية، الثلاثاء، أن عدد الجرحى من العاملين فيها إلى اليوم جرّاء الاحتجاجات بلغ 147، بعد تسجيل إصابة 20 شخصاً جديداً، الاثنين، بينهم خمسة من مديري المؤسسات التعليمية. كذلك أصيب بجروح، في أيام التظاهر الماضية، ما لا يقل عن 700 رجل أمن. بالمقابل، فتحت الشرطة تحقيقات داخلية في 36 ادعاءً باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين.


بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)

قال رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)، كين ماكالوم، الثلاثاء، إن إيران تكثّف محاولاتها لاستهداف مواقع محصّنة؛ مثل المنشآت العسكرية، فيما تُصعّد روسيا حربها الهجينة ضد حلفاء أوكرانيا. وأشار إلى أن طهران تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في بريطانيا، لتتجاوز أهدافها التقليدية من المعارضين الإيرانيين، بعدما اتهمتها السلطات البريطانية بالوقوف، عبر وكلاء لها، وراء هجمات حرق متعمّد وتخريب استهدفت مواقع يهودية، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وفي خطابه السنوي الذي تناول فيه مجموعة واسعة من التهديدات التي تواجه بريطانيا، حذّر ماكالوم من أن أكثر ما يثير القلق بشأن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هو احتمال تمكّن الإرهابيين من تطوير أسلحة بيولوجية، أو حتى استحداث مسبّبات أمراض جديدة. وعدّ أن بريطانيا تواجه «حقبة جديدة من الأمن القومي»، تشهد تحوّلاً بحجم التغيير الذي أحدثته هجمات 11 سبتمبر (أيلول) قبل ربع قرن. وقال إن التهديدات باتت تتراوح بين «الحرق المتعمّد والتخريب والهجمات السيبرانية والإكراه والعنف»، وصولاً إلى «ما تغذّي به الخوارزميات الإلكترونية المراهقين داخل غرف نومهم».

تضاعف التهديدات

أوضح ماكالوم أن التهديدات المرتبطة بدول أجنبية تضاعفت أربع مرات خلال العقد الماضي، مشيراً إلى أن جهود جهازه لمواجهة هذه التهديدات، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بروسيا وإيران والصين. وقال إن جهازه يُخصّص حالياً موارد للتصدي لهذه التهديدات تفوق ما كان يخصّصه خلال الحرب الباردة. وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قال، الاثنين، إنه من «المرجّح للغاية» أن تكون طهران وراء مخطط يُشتبه في أنه استهدف قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، التي تستخدمها القاذفات الأميركية لتنفيذ ضربات ضد إيران. وأثار الحادث استنفاراً أمنياً، ودفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سحب طائرات من القاعدة.

حذّر رئيس جهاز «إم آي 5» للاستخبارات الداخلية من تضاعف التهديدات الإيرانية والروسية في مؤتمر صحافي يوم 13 أكتوبر (رويترز)

وذكر بيرنهام أن المخطط كان «بشكل شبه مؤكد» بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني، في إشارة إلى الحادثة التي وقعت في 27 سبتمبر، عندما أُجلي عشرات السكان من منازلهم قرب القاعدة الواقعة في غرب إنجلترا، وانتشرت قوات من الشرطة المسلحة مع خبراء تفكيك متفجرات تابعين للجيش في المنطقة. وأعلنت الشرطة لاحقاً العثور على كمية من البنزين داخل ثلاث شاحنات صغيرة في الموقع، من دون العثور على متفجرات. وأُوقف سبعة رجال في العشرينات من أعمارهم، قبل الإفراج عنهم بكفالة مع استمرار التحقيقات.

وذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن إدارة ترمب «تعتقد أن القاعدة واجهت تهديدات إيرانية تستهدف قتل أكبر عدد ممكن من العسكريين الأميركيين، وتدمير أكبر عدد من الطائرات الأميركية»، لكنّ المسؤولين البريطانيين لم يؤكدوا هذه التقديرات.

ونفت طهران الاتهامات بتورّطها في حادثة «فيرفورد»، كما رفضت اتهامات أخرى بممارسة أنشطة عدائية في بريطانيا، حيث تتهمها السلطات منذ سنوات بالضلوع في مخططات ومحاولات اغتيال تستهدف معارضين إيرانيين، فضلاً عن أهداف إسرائيلية ويهودية. وكانت إيران قد أعلنت سابقاً أنها تعد أي قاعدة عسكرية تُستخدم لشن هجمات على أراضيها هدفاً مشروعاً. وتنفي روسيا بدورها ضلوعها في أعمال عدائية داخل بريطانيا ودول غربية أخرى، لكن ماكالوم وصفها بأنها لا تزال «المعتدي الأول».

عشرات الاعتقالات المرتبطة بإيران

قال ماكالوم إنه لا يستطيع التعليق على حادثة «فيرفورد» بسبب التحقيقات الجارية، لكنه أشار إلى تحوّل كبير شهدته السنة الحالية في «طموحات إيران لاستهداف مواقع أكثر صعوبة، مثل المنشآت العسكرية». وأضاف: «حادثة قاعدة فيرفورد ليست فريدة من نوعها... فقد شهدنا أمثلة أخرى، ليس في المملكة المتحدة فحسب، بل في أنحاء العالم».

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وكشف أن العمليات المرتبطة بإيران أدت إلى اعتقال أكثر من 50 شخصاً خلال العام الماضي. ورداً على سؤال عمّا إذا كانت إيران تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات معقّدة، ربما باستخدام طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات، قال ماكالوم إن قدراتها في هذا المجال مقيّدة بمستوى تطوّر المجرمين والوكلاء الذين تعتمد عليهم لتنفيذ عملياتها داخل بريطانيا. وأوضح أنه «استناداً إلى ما شهدناه فعلياً في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، فإن مستوى قدراتهم لم يقترب إطلاقاً من هذا المستوى». واستدرك: «مع ذلك، من الواضح أن (الحرس الثوري) الإيراني يمتلك خبرة واسعة نسبياً في استخدام التقنيات التقليدية والهجينة بأساليب أكثر عدوانية وتطوّراً في البلدان الأقرب إلى الأراضي الإيرانية».

هجمات روسيا «الهجينة»

ردّد ماكالوم تحذيرات أطلقتها أجهزة استخبارات أوروبية أخرى من لجوء روسيا إلى تكتيكات تبقى دون عتبة النزاع العسكري التقليدي، مستشهداً بمحاولة استهداف طائرة شحن بمسيّرة محمّلة بالمتفجرات، في مطار لايبزيغ الألماني، وهجوم سيبراني على البنية التحتية للطاقة في بولندا. وقال إن روسيا تستخدم تكتيكات «تبقى دون مستوى النزاع التقليدي، وإن كانت تقترب منه أحياناً إلى حد كبير». وقال إنه «ليس من قبيل المصادفة أن يسعى المعتدون الروس إلى زعزعة الاستقرار في دول أوروبية أخرى، في وقت يظل فيه تقدّمهم العسكري في أوكرانيا محدوداً ومكلفاً بصورة مروّعة». وكانت روسيا قد رفضت الاتهامات الألمانية بشأن الحادثة التي شهدها مطار لايبزيغ في أغسطس (آب)، ووصفتها بأنها «مختلقة بالكامل».

الذكاء الاصطناعي يفاقم التهديدات

فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، حذّر ماكالوم من أن هذه التكنولوجيا «تزيد بصورة هائلة من حدّة التنافس في مجال الأمن السيبراني بين المهاجمين والمدافعين»، مشيراً إلى أن الجماعات الإرهابية تستغلها لتحسين أساليب الاستطلاع والتخطيط للهجمات وتنفيذها، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأضاف: «أما الخطر الذي لم يتحقق بعد، والذي أعدّه الأكثر إثارة للقلق بين سيناريوهات إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، فيتمثل في قدرته على تغيير طبيعة المخاطر المرتبطة بالأسلحة البيولوجية القائمة، أو حتى تطوير أسلحة بيولوجية جديدة». وأوضح أن هذا المجال يحظى «باهتمام خاص» منه ومن زملائه، مؤكداً أن «هذه المخاطر حقيقية».

جانب من المؤتمر الصحافي السنوي لرئيس جهاز «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (أ.ب)

وفي تصريحات للصحافيين عقب خطابه في مقر الجهاز بلندن، قال ماكالوم إن الجماعات الإرهابية «تتوق بشدة» إلى امتلاك أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في الحصول عليها. وحذّر من خطرين رئيسيين مرتبطين بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أن «الخطر الأول يتمثل في احتمال أن يتيح الذكاء الاصطناعي وصول معرفة خطيرة إلى أيدي أشخاص نفضّل جميعاً ألا يمتلكوا هذه المعرفة». وأضاف أن «خطراً ثانياً ومختلفاً يتمثل في احتمال أن يتمكّن الذكاء الاصطناعي من استحداث مسبّبات أمراض جديدة لم تُعرف من قبل»، وفق «أسوشييتد برس». وكشف ماكالوم أن جهاز الاستخبارات الداخلية أنشأ «مركزاً جديداً لتقييم تهديدات الذكاء الاصطناعي»، بهدف استباق المخاطر الناشئة عن التطوّر السريع لهذه التكنولوجيا. وقال إنه «لم يسبق للبشرية في تاريخها أن واجهت كياناً أكثر ذكاءً منها، قادراً على التفوّق عليها في التفكير. هذا أمر غير مسبوق بالفعل، ويستحق الاهتمام الجاد الذي يحظى به، بما في ذلك داخل جهاز الاستخبارات الداخلية».