إحباط محاولة أوكرانية للتوغل في بيلغورود وكييف تقرّ بصعوبات على جبهة دونيتسك

غروسي يحذر في كورسك من «حادث نووي» وموسكو مستعدة لـ«حوار عادل» مع الغرب

أضرار تسببت بها مسيرة أوكرانية أصابت مبنى سكنياً في بلدة ساراتوف الروسية الاثنين (إ.ب.أ)
أضرار تسببت بها مسيرة أوكرانية أصابت مبنى سكنياً في بلدة ساراتوف الروسية الاثنين (إ.ب.أ)
TT

إحباط محاولة أوكرانية للتوغل في بيلغورود وكييف تقرّ بصعوبات على جبهة دونيتسك

أضرار تسببت بها مسيرة أوكرانية أصابت مبنى سكنياً في بلدة ساراتوف الروسية الاثنين (إ.ب.أ)
أضرار تسببت بها مسيرة أوكرانية أصابت مبنى سكنياً في بلدة ساراتوف الروسية الاثنين (إ.ب.أ)

تباينت المعطيات التي قدّمها الطرفان الروسي والأوكراني حول الوضع الميداني. وفي مقابل تأكيد كييف أن قواتها أحرزت تقدماً جديداً في المنطقة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية صدّ هجمات جديدة، وقالت إنها أجبرت الأوكرانيين على التراجع في مواقع عدة.

مشاهد الدمار في ساراتوف بعدما اعترضت روسيا 20 مسيرة أوكرانية في مناطق ساراتوف وكورسك وبيلغورود وبريانسك وتولا وأوريل وريازان أمس (إ.ب.أ)

فيما تصدرت المخاوف من تدهور الوضع، حول محطة كورسك النووية، خلال جولة ميدانية قام بها رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إلى المنطقة، التي يشهد محيطها معارك ضارية منذ 3 أسابيع بعد نجاح القوات الأوكرانية في بسط السيطرة على عشرات البلدات.

وسيطر ملف الأمن النووي على الزيارة الأولى من نوعها، لمسؤول في الوكالة الدولية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. في حين تواصلت الأعمال القتالية على بعد أقل من 50 كيلومتراً من المحطة. وقال غروسي، عقب زيارته محطة كورسك للطاقة النووية، إن «هناك خطر وقوع حادث نووي في منطقة كورسك».

وأبلغ المسؤول الأممي الصحافيين أنه تلقى تقارير تشير إلى ارتفاع مستوى هذا الخطر. وزاد: «تم إخباري اليوم بعدة حالات لهجمات بطائرات من دون طيار على المنطقة، على منشآت المحطة، بينما كنت في المحطة، رأيت آثار هذه الهجمات. بشكل عام، الحقيقة هي أن على بعد بضعة كيلومترات من محطة الطاقة النووية هناك عمليات عسكرية نشطة، ما يسبب قلقاً كبيراً وقلقاً للنظام الأمني».

وشدّد غروسي على أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في جميع أنحاء العالم مسؤولة عن الحفاظ على نظام الأمان للمنشآت النووية. ولهذا السبب، قبل دعوة فلاديمير بوتين وجاء إلى محطة كورسك للطاقة النووية مع أعضاء فريقه من أجل تقييم الوضع شخصياً وإيجاد الحلول مع زملائه الروس.

ووفقاً له، فإن «محطة كورسك للطاقة النووية هي منشأة نووية تقع على أراضي الاتحاد الروسي، وتخضع لسيطرة الاتحاد الروسي، وهي قيد التشغيل حالياً. يمكننا، الممثلين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، اقتراح عدد من الخطوات والتدابير الفنية تهدف إلى الحفاظ على نظام السلامة النووية».

وتابع غروسي أن الوكالة لديها عملية متطورة من التعاون والتفاعل مع مؤسسة «روساتوم» الحكومية (المسؤولة عن الصناعات النووية) والجيش الروسي وأجهزة المخابرات ووزارة الخارجية. وبالتعاون مع هؤلاء المشاركين، تناقش الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما يمكن القيام به لمنع وقوع «الحوادث الإشعاعية».

وقام غروسي بجولة في المرافق الرئيسية للمحطة، زار خلالها قاعة المفاعل بوحدة الطاقة العاملة، وغرفة التوربينات، وغرفة التحكم في المعدات، كما زار منشأة لتخزين الوقود النووي. وقال، في ختام الجولة، إن «الفحص أظهر أن المحطة تعمل في ظروف قريبة من الوضع الطبيعي».

وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت في وقت سابق أن السلطات الروسية أبلغتها بأنه تم العثور على شظايا مسيّرة على بعد نحو 100 متر من منشأة تخزين الوقود النووي المستهلك التابعة للمحطة. وأفاد غروسي قبيل جولته بأنه «سيقيّم ما يحصل (في المحطة) بشكل مستقل... نظراً لخطورة الوضع».

وأضاف، في بيان، أن «سلامة وأمن جميع المحطات النووية مسألة تحمل أهمية مركزية وأساسية بالنسبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وسارعت الخارجية الروسية إلى الاستفادة من زيارة غروسي لتأكيد رؤيتها للتعامل مع ملف الأمن النووي، وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، إن بلاده تدعم الاقتراح الصيني بشأن إبرام اتفاقية بين الدول النووية تشدد على عدم المبادرة باستخدام الأسلحة النووية.

وقال ريابكوف: «نحن على اتصال مع زملائنا الصينيين، ونواصل المناقشات، ونعتقد أن فكرتهم سليمة».

محطة زابوريجيا النووية (أ.ب)

وزاد أن موسكو تفهم أن هذه المبادرة ترجع إلى القلق الجاد والعميق الذي تعيشه بكين إزاء العمليات المدمرة في مجال الأمن الدولي.

بدوره، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن السلطات الروسية تعكف حالياً على تجديد العقيدة النووية.

وقال لافروف إنه «من الواضح أن الأميركيين يربطون الحديث عن الحرب العالمية الثالثة بأنه شيء يمكن - لا سمح الله، إذا تحقق - أن يؤثر على أوروبا حصرياً. وفي هذه الحال، من المهم أن يفهموا أن لدينا عقيدتنا الخاصة، بما في ذلك عقيدة استخدام الأسلحة النووية، التي يعرفها الأميركيون جيداً. وهي بالمناسبة، تخضع لعملية إعادة التدقيق بها حالياً».

من اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع أعضاء حكومته وحكام المناطق المحاذية لأوكرانيا (أ.ف.ب)

وكان الرئيس فلاديمير بوتين أعلن قبل أسابيع أن بلاده قد تجري تغييرات على عقيدتها النووية. وأوضح أن التعديل يجري على خلفية المناقشات حول إمكانية خفض عتبة استخدام الأسلحة النووية. ووفقاً له، يجري تطوير أجهزة نووية متفجرة ذات طاقة منخفضة للغاية، وقال إنه في دوائر الخبراء في الغرب هناك أفكار مفادها أنه يمكن استخدام مثل هذه الأسلحة، ولا حرج في ذلك.

ونُظر إلى هذه التصريحات في الغرب على أنها تلويح جديد من جانب موسكو باستعدادها لاستخدام السلاح النووي إذا ظهرت حاجة ملحة لذلك.

إلى ذلك، جدّد لافروف موقف بلاده المعارض لفتح حوار مع أوكرانيا، وتلبية أي دعوة للمشاركة في «قمم سلام» تدعو إليها كييف والولايات المتحدة.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)

وقال الوزير إن روسيا لن «تبتلع الطعم» لعقد قمة مع أوكرانيا في إحدى دول الجنوب العالمي، إذا اتبعت نفس منطق «قمة السلام» الأولى. في إشارة إلى القمة التي استضافتها سويسرا قبل شهرين، وغابت عنها موسكو.

وأوضح لافروف أن بلاده لن تشارك في أي فعالية يتم التحضير إليها على أساس «صيغة زيلينسكي». في إشارة إلى اقتراحات الرئيس الأوكراني حول أسس عملية التفاوض المقترحة، التي تقوم على انسحاب روسي من كل الأراضي الأوكرانية ووقف العمليات القتالية.

في المقابل، أكد لافروف استعداد بلاده لفتح حوار «عادل» مع الغرب، يقوم على مناقشة موضوعية للقضايا التي تهم الطرفين، وخصوصاً ملف الأمن في أوروبا.

جانب من الدمار جراء القصف الأوكراني على مدينة كورسك الروسية (إ.ب.أ)

وقال لافروف إنه «إذا كان الغرب مهتماً بحلّ الصراع الأوكراني وتطبيع الوضع في أوروبا، الذي يزعج الأوروبيين أنفسهم، فعلينا أن نجلس إلى طاولة المفاوضات ونتحدث بصراحة، عبر مفاوضات عادلة، من دون (صيغ زيلينسكي)».

وتطرق لافروف إلى دعوة زيلينسكي الغرب لاتخاذ قرار حاسم بشأن السماح لبلاده بضرب العمق الروسي بتقنيات غربية، منها صواريخ من طراز «ستورم شادو». ورأى الوزير الروسي لافروف أن «مطالبة أوكرانيا للغرب بالسماح باستخدام صواريخ (ستورم شادو) لشنّ هجمات على موسكو وسان بطرسبرغ هي ابتزاز». وأوضح أن «هذه محاولة للتظاهر بأن الغرب يريد تجنب التصعيد المفرط، ولكن في الواقع هذا خداع. الغرب لا يريد تجنب التصعيد».

ميدانياً، أفادت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها نجحت في دفع القوات المسلحة الأوكرانية على التقهقر في عدد من المواقع المحيطة بكورسك. وأوضحت، في بيان، أنها أحرزت تقدماً في محيط بلدات أباناسوفكا وبوركي وبوغدانوفكا وفيكتوروفكا وكروغلنكوي وكازاتشايا لوكنيا وليوبيموفكا وميخائيلوفكا ونوفويفانوفكا وبليخوفو وسناغوست في منطقة كورسك.

وأكد بيان عسكري روسي، الثلاثاء، أن وحدات من مجموعة قوات «الشمال» صدت 11 هجوماً، شنّتها مجموعات هجومية تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية في اتجاه 4 بلدات، وأحبطت محاولات هجوم حول 3 بلدات أخرى.

مواطنون روس نازحون من منطقة كورسك يتلقون مساعدات من السلطات الروسية (إ.ب.أ)

كما أشار بيان الوزارة إلى أن الطيران العسكري الروسي نفّذ ضربات على مسلحين ومعدات لـ8 ألوية من القوات المسلحة الأوكرانية في 12 منطقة بمنطقة سومي الأوكرانية، التي تنطلق منها عمليات الإمداد إلى داخل الأراضي الروسية.

لكن هذه المعطيات لم تؤكدها المصادر الأوكرانية، وقالت كييف إن قواتها أحرزت تقدماً جديداً الثلاثاء في بعض البلدات المحيطة بكورسك.

وأعلن قائد الجيش الأوكراني، أوليكساندر سيرسكي، أن قوات كييف ما زالت تتقدم في منطقة كورسك الروسية، وأنها سيطرت على 100 بلدة و1294 كيلومتراً مربّعاً في هذه المنطقة منذ بدء توغلها فيها قبل 3 أسابيع، لكنه حذّر من أن موسكو تعزز قواتها على جبهة بوكروفسك الشرقية، حيث تتقدم القوات الروسية، وزاد الجنرال أن القوات الروسية تحاول تعطيل خطوط إمداد أوكرانيا إلى جبهة بوكروفسك (دونيتسك)، ووصف الوضع العام هناك بأنه صعب.

وكانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت أن قوّاتها سيطرت على قرية أخرى في منطقة دونيتسك، شرق أوكرانيا، تقع قرب مدينة بوكروفسك التي تعد مركزاً لوجيستياً مهمّاً.

في غضون ذلك، أعلنت موسكو أنها أحبطت محاولة جديدة للتوغل الأوكراني عبر أراضيها في منطقة بيلغورود المحاذية لكورسك.

ووفقاً لمعطيات إعلامية، فقد شنّ نحو 500 جندي أوكراني هجوماً على نقطتي تفتيش روسيتين في بلدتي نخوتييفكا وشيبكينو في منطقة بيلغورود.

وأشارت المعطيات إلى أن ما يصل إلى 200 جندي أوكراني مدعومين بمركبات قتالية للمشاة حاولوا عبور الحدود في نخوتييفكا، لكن المدفعية الروسية أطلقت النار عليهم. وأضافت أن نحو 300 جندي أوكراني هاجموا نقطة تفتيش أخرى عند شيبكينو.

ولم يُشِر فياتشيسلاف غلادكوف، حاكم بيلغورود، في رسالة نشرها على «تلغرام»، إلى تقارير القتال على الحدود، لكنه قال إن «الوضع لا يزال صعباً».


مقالات ذات صلة

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

أوروبا الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تعرضت المصفاة المملوكة لشركة «روسنفت»، وميناء توابسي لهجمات متكررة بطائرات مسيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ومصفاة توابسي لديها القدرة على معالجة ‍نحو 240 ألف برميل يومياً، وتوفر منتجات مثل النفتا، وزيت الوقود، والديزل.

إلى ذلك، قال فياتشيسلاف ‌جلادكوف حاكم ‌منطقة ​بيلغورود الروسية ⁠إن ​هجمات بطائرات ⁠مسيرة ⁠أوكرانية ‌على سيارات ‌مدنية ​أسفرت ‌عن مقتل ‌ثلاثة ‌أشخاص وإصابة ثلاثة ⁠آخرين في ⁠عدة أنحاء بالمنطقة.

وكثفت أوكرانيا ضرباتها على روسيا منذ ‌مارس (آذار)، مع توقف محادثات السلام التي تتوسط ⁠فيها ⁠الولايات المتحدة، في وقت تصب فيه واشنطن تركيزها على حرب إيران.


تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.