التوغل الأوكراني في روسيا يحرج بوتين... كيف سيؤثر الهجوم على مسار الحرب؟

جنود أوكرانيون يقودون دبابات «تي64» سوفياتية الصنع بمنطقة سومي بالقرب من الحدود مع روسيا يوم 11 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يقودون دبابات «تي64» سوفياتية الصنع بمنطقة سومي بالقرب من الحدود مع روسيا يوم 11 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
TT

التوغل الأوكراني في روسيا يحرج بوتين... كيف سيؤثر الهجوم على مسار الحرب؟

جنود أوكرانيون يقودون دبابات «تي64» سوفياتية الصنع بمنطقة سومي بالقرب من الحدود مع روسيا يوم 11 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يقودون دبابات «تي64» سوفياتية الصنع بمنطقة سومي بالقرب من الحدود مع روسيا يوم 11 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

يعد التوغّل الأوكراني السريع في منطقة كورسك الروسية أكبر هجوم عبر الحدود من قبل قوات كييف في الحرب المستمرة منذ نحو عامين ونصف العام، وهو مما كشف عن نقاط ضعف روسية، ووجّه ضربة مؤلمة للكرملين، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

لقد دفع التوغّل الأوكراني المفاجئ عشرات الآلاف من المدنيين الروس إلى الفرار من المنطقة، بينما يكافح الجيش الروسي لصد الهجوم.

بالنسبة إلى أوكرانيا، يقدّم التوغّل عبر الحدود دفعة معنوية مطلوبة بشدة، في وقت واجهت فيه القوات الأوكرانية، التي تعاني من نقص في العدد والتسليح، هجمات روسية لا هوادة فيها على طول خط المواجهة الذي يمتد لأكثر من ألف كيلومتر.

نظرة عامة على التوغّل الأوكراني وتداعياته... كيف تطور الهجوم الأوكراني؟

في 6 أغسطس (آب) الحالي، تدفقت القوات الأوكرانية إلى منطقة كورسك من اتجاهات عدة، وسرعان ما اجتاحت عدداً قليلاً من نقاط التفتيش والتحصينات الميدانية التي يحرسها حرس الحدود الروس المسلحون تسليحاً خفيفاً، وتخطت القوات الأوكرانية كذلك وحدات المشاة الروسية على حدود المنطقة الروسية التي يبلغ طولها 245 كيلومتراً (152 ميلاً) مع أوكرانيا.

وعلى النقيض من الهجمات السابقة التي شنتها مجموعات صغيرة من المتطوعين الروس الذين يقاتلون إلى جانب القوات الأوكرانية، ورد أن التوغّل الأوكراني في منطقة كورسك الروسية شمل وحدات من ألوية عدة من الجيش الأوكراني المخضرم.

وأفاد مدونون عسكريون روس بأن مجموعات أوكرانية متنقلة تتألف من مركبات مدرعة عدة، قادت كل منها بسرعة عشرات الكيلومترات (الأميال) إلى داخل الأراضي الروسية، متجاوزة التحصينات الروسية، وزرعت الذعر في جميع أنحاء المنطقة.

وقال ماثيو سافيل، مدير قسم العلوم العسكرية في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» بلندن، إن «القوات الأوكرانية توغلت حتى 30 كيلومتراً في بعض الاتجاهات، ويبدو أن المساحة الإجمالية التي غطتها التوغلات تبلغ نحو 400 كيلومتر مربع، على الرغم من أنه من غير الواضح مقدار تلك الأراضي التي تسيطر عليها القوات الأوكرانية بالفعل».

وأضاف سافيل أن هناك أدلة على مشاركة قوات أوكرانية من 4 ألوية على الأقل وربما أكثر، يصل عددها إلى 10 آلاف وتستخدم معدات غربية مثل مركبات قتال المشاة.

وقد استخدمت القوات الأوكرانية على نطاق واسع طائرات من دون طيار لضرب المركبات العسكرية الروسية، واستخدمت الحرب الإلكترونية للتشويش على الطائرات من دون طيار الروسية ومنع الاتصالات العسكرية بين القوات الروسية.

وفي حين جابت مجموعات عسكرية أوكرانية صغيرة متنقلة منطقة كورسك دون محاولة تعزيز السيطرة، فقد أفادت التقارير بأن قوات أوكرانية أخرى بدأت في الحفر «للتحصّن» في الجزء الغربي من بلدة سودزا الروسية؛ على بعد نحو 10 كيلومترات (6 أميال) من الحدود مع أوكرانيا، وفي بعض المناطق الأخرى.

كيف استجاب الجيش الروسي؟

فشلت القوات الروسية - التي فوجئت - في شن استجابة سريعة ضد التوغل. ومع انخراط الجزء الأكبر من الجيش الروسي في الهجوم بمنطقة دونيتسك الشرقية في أوكرانيا، لم يتبقَّ سوى عدد قليل من القوات لحماية منطقة كورسك الحدودية. وكانت الوحدات الروسية على طول الحدود تتألف في الغالب من مجندين غير مدرّبين تدريباً جيداً، والذين تغلبت عليهم الوحدات الأوكرانية المخضرمة بسهولة. وقد قُبض على بعض من هؤلاء المجندين.

ودفع نقص القوى العاملة القيادة العسكرية الروسية إلى الاعتماد في البداية على الطائرات الحربية وطائرات الهليكوبتر الحربية لمحاولة وقف الهجوم الأوكراني. ووفقاً لمدونين عسكريين روس، فقد أسقطت القوات الأوكرانية المتقدمة مروحية روسية واحدة على الأقل وتضررت أخرى.

وبدأت التعزيزات الروسية؛ بما فيها وحدات القوات الخاصة (النخبة) والمحاربون القدامى من شركة «فاغنر» العسكرية، في الوصول لاحقاً إلى منطقة كورسك، لكنها فشلت حتى الآن في إزاحة القوات الأوكرانية من سودزا ومناطق أخرى بالقرب من الحدود.

وافتقر بعض القوات الروسية الوافدة حديثاً للمنطقة إلى المهارات القتالية وعانت من إصابات. في أحد الأمثلة، توقفت قافلة من الشاحنات العسكرية الروسية دون مبالاة على جانب الطريق بالقرب من منطقة القتال، وتعرضت لقصف ناري أوكراني.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية يوم الجمعة أن أوكرانيا خسرت 945 جندياً في 4 أيام من القتال. ولم يتسنَّ التحقق من هذا الادعاء بشكل مستقل، ولم تقدّم وزارة الدفاع أي بيانات عن الخسائر الروسية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

جنود أوكرانيون يصلحون ناقلة جند مدرعة بالقرب من الحدود الروسية بمنطقة سومي بأوكرانيا يوم 11 أغسطس 2024 (رويترز)

ماذا قالت السلطات الأوكرانية عن التوغّل؟

قال قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي إن كييف تسيطر على نحو 1000 كيلومتر مربع من منطقة كورسك الروسية في أول تصريحات معلنة لسيرسكي منذ أن شنت أوكرانيا أكبر هجوم عبر الحدود في الحرب الشاملة المستمرة منذ نحو عامين ونصف.

وامتنع المسؤولون في العاصمة الأوكرانية في البداية عن التعليق على الغارة عبر الحدود، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أشاد بالقوات المسلحة نظراً إلى «أفعالها لدفع الحرب إلى أراضي المعتدي».

وقال في خطاب فيديو ليلي: «تثبت أوكرانيا أنها تعرف حقاً كيف تستعيد العدالة وتضمن بالضبط نوع الضغط المطلوب؛ الضغط على المعتدي».

وعدّ ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يوم الخميس، أن مثل هذه العملية من شأنها أن تحسّن موقف كييف في أي مفاوضات مستقبلية مع موسكو. وقال بودولياك: «متى سيكون من الممكن إجراء عملية تفاوض بطريقة يمكننا عبرها صد الروس أو الحصول على شيء منهم؟ فقط عندما لا تستمر الحرب وفقاً لسيناريوهات الروس».

ماذا قال الكرملين عن الهجوم الأوكراني؟

وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوغّل الأوكراني بأنه «استفزاز واسع النطاق» تضمّن «قصفاً عشوائياً للمباني المدنية والمنازل السكنية وسيارات الإسعاف».

وفي حديثه إلى كبار المسؤولين الروس يوم الاثنين، تعهّد بوتين بأن تحقق موسكو جميع أهدافها العسكرية.

وقال القائم بأعمال حاكم كورسك، أليكسي سميرنوف، إن القوات الأوكرانية تسيطر حالياً على 28 مستوطنة داخل روسيا. وقال إن 12 مدنياً قُتلوا وأصيب 121 آخرون؛ بينهم 10 أطفال، منذ بدء التوغل، وإن نحو 121 ألف شخص أُجلُوا أو غادروا مناطق القتال بمفردهم.

وأعلنت روسيا حالة الطوارئ الفيدرالية في منطقة كورسك، وأعلنت عملية لمكافحة إرهاب في المنطقة وكذلك في منطقتي بيلغورود وبريانسك المجاورتين، مما يمنح السلطات المحلية مزيداً من الصلاحيات لتنسيق الاستجابة للطوارئ بسرعة وتشديد الأمن.

أفراد من الجيش الأوكراني فوق ناقلة جند مدرعة بالقرب من الحدود الروسية بمنطقة سومي بأوكرانيا يوم 11 أغسطس 2024 (رويترز)

ما أهداف أوكرانيا من التوغّل وكيف يمكن أن يتكشف الموقف؟

عبر شن هذا التوغّل، ربما تهدف كييف إلى إجبار الكرملين على تحويل الموارد من منطقة دونيتسك في شرق أوكرانيا، حيث شنت القوات الروسية هجمات في قطاعات عدة وحققت مكاسب بطيئة ولكن ثابتة، بالاعتماد على تفوقها في القوة النارية. وإذا تمكنت أوكرانيا من التمسك ببعض مكاسبها من التوغّل داخل روسيا، فإن هذا من شأنه أن يعزز موقف كييف في محادثات السلام المستقبلية، وقد يسمح لها بتبادل هذه المكاسب مقابل الأراضي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.

كما وجّهت أوكرانيا ضربة للكرملين، حيث سلّطت الضوء على فشله في حماية أراضي البلاد، وحطّمت رواية بوتين بأن روسيا ظلت غير متأثرة إلى حد كبير بالأعمال العدائية.

كما أرسل التوغّل الأوكراني في روسيا إشارة قوية إلى حلفاء كييف بأن الجيش الأوكراني يمكن أن ينتزع زمام المبادرة ويهزم الجيش الروسي، وهي رسالة مهمة بشكل خاص قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية.

ولكن على الرغم من النجاحات الأولية للتوغّل الأوكراني، فإن التوغّل في روسيا قد يتسبب في استنزاف بعض الوحدات الأكثر قدرة في أوكرانيا ويترك القوات الأوكرانية في دونيتسك (شرق أوكرانيا) دون تعزيزات حيوية، كما أن محاولة إقامة وجود أوكراني دائم في منطقة كورسك قد تكون تحدياً للقوات الأوكرانية، التي ستكون خطوط إمدادها عُرضة للنيران الروسية.

وقال سافيل من «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، ومركزه لندن: «الحفاظ على قوة أوكرانية بأي حجم في روسيا وصدّ الهجمات الروسية المضادة أمر صعب، نظراً إلى الاحتياطات المحدودة المتاحة لأوكرانيا».

وأشار سافيل إلى التقارير التي تشير إلى أن كييف سحبت قواتها من الخطوط الأمامية في الشرق لأنها كانت على مستوى أعلى من الجاهزية، محذّراً بأن ذلك قد «يؤدي إلى مكسب قصير الأجل للجيش الأوكراني، مقابل عيب طويل الأجل».

ما احتمالات السلام؟

لا تزال مواقف موسكو وكييف التفاوضية متباعدة؛ يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استسلام أوكرانيا، ويطالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي القوات الروسية بمغادرة بلاده.

يسعى الجانبان إلى الاستفادة من موقف ساحة المعركة للمساعدة في نهاية المطاف في تحقيق اتفاق سلام مقبول.

ويبدو أن بوتين سعيد بمواصلة تأجيج صراع منخفض الحدّة نسبياً، يأمل من خلاله أن يستنزف تدريجاً رغبة الغرب في الاستمرار في إرسال مليارات الدولارات مساعدات إلى أوكرانيا. ومن خلال هذا التوغّل الأوكراني المستمر، ينقل زيلينسكي الصراع إلى روسيا، وهو ما قد يجعل الحرب غير مرغوبة بين المواطنين الروس العاديين.

وفي الخلفية، تأتي الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، التي قد تغير حظوظ الجانبين الروسي والأوكراني في الحرب. وفي الخريف، قد يُعقد اجتماع دبلوماسي دولي ثانٍ محتمل لإنهاء الحرب، وقد تحصل روسيا هذه المرة على مقعد إلى طاولة المفاوضات.


مقالات ذات صلة

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

أوروبا اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

بروكسل تدرس تشديد شروط قرض 100 مليار دولار لكييف وسفيرة أميركا لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية، روسيا، الأربعاء، بإقامة «ستار حديدي رقمي» عبر تقييد اتصال مواطنيها بالإنترنت للتستر على تدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
أوروبا جانب من استعراض عسكري سابق في شوارع موسكو بمناسبة «عيد النصر» - 9 مايو (رويترز)

روسيا لن تنشر معدات عسكرية في عرض 9 مايو

أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن روسيا لن تنشر معدات عسكرية في العرض العسكري لهذا العام الذي يحيي ذكرى مرور 81 عاما على انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا  القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا ستغادر منصبها

نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر لم تسمّها، أن جولي ديفيس تشعر بإحباط متزايد بسبب عدم دعم إدارة ترمب لأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

خلاف أوكراني - إسرائيلي بشأن حبوب صدّرتها روسيا

تبادلت أوكرانيا وإسرائيل الانتقادات الدبلوماسية، إذ استنكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ما قال إنها مشتريات حبوب من أراضٍ أوكرانية محتلة «سرقتها» روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - تل أبيب)

تركيا: نشر فرنسا قوات في قبرص تقويض للاستقرار الإقليمي

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)
الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)
TT

تركيا: نشر فرنسا قوات في قبرص تقويض للاستقرار الإقليمي

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)
الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)

حذّرت تركيا من أن نشر قوات فرنسية في قبرص مِن شأنه تقويض الاستقرار الإقليمي. وقال مصدر عسكري تركي مسؤول إن الترتيبات المتعلقة بأمن واستقرار جزيرة قبرص محددة بموجب اتفاقيات دولية، وإن تركيا هي إحدى الدول الضامنة لوضع الجزيرة المقسمة بين شطرين؛ تركي في الشمال، ويوناني في الجنوب.

ويسود ترقب لاتفاقٍ من المنتظر توقيعه في يونيو (حزيران) المقبل لنشر قوات فرنسية في الشطر الجنوبي من قبرص (أي في جمهورية قبرص المعترَف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي).

وذكر المصدر العسكري، خلال إفادة صحافية لوزارة الدفاع التركية، الخميس، أنه بينما لا يزال من غير الواضح ماهية الحاجة الأمنية المحددة التي تقف وراء تصريحات فرنسا بشأن نشر القوات في جنوب قبرص، فإن مثل هذه المبادرات تُهدد بزعزعة التوازن الدقيق القائم، وتزيد من حِدة التوترات.

مخالفة للقانون الدولي

وأكد أن تركيا تتصرف وفقاً للقانون الدولي، وأن الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة يمثل أولوية قصوى.

جنود أتراك في شمال قبرص (وزارة الدفع التركية)

وتؤكد تركيا، التي تحتفظ بقوات في الشطر الشمالي من قبرص منذ عام 1974، أن نشر جنود فرنسيين في جنوب قبرص لا يتفق مع القانون الدولي؛ لأن اتفاقيات عام 1960 التي قبلتها الأمم المتحدة، ومنها «معاهدة الضمان»، لا تزال سارية المفعول. ووفق «معاهدة الضمان»، تلتزم تركيا واليونان وبريطانيا بضمان استقلال قبرص ووحدة أراضيها، ومنع أي نشاط يستهدف توحيد الجزيرة مع دولة أخرى أو تقسيمها.

وتلتزم جمهورية قبرص، في إطار المعاهدة، بعدم الدخول في أي اتحاد سياسي أو اقتصادي مع أي دولة، وبمنع أي نشاط يدعم تقسيمها أو اتحادها مع دولة أخرى. ووفقاً للمعاهدة، لا يمكن، قانوناً، للطرف اليوناني أن يتصرف بمفرده، بل لا بد من التوصل إلى اتفاق مع القبارصة الأتراك.

وقال المصدر العسكري التركي إن مبادرة نشر قوات فرنسية في الشطر الجنوبي لقبرص لا تعني فحسب المساس بالحقوق والمصالح الوطنية لتركيا أو جمهورية شمال قبرص التركية، بل قد تُشكل أيضاً مخاطر أمنية مستقبلية على الإدارة القبرصية اليونانية، مشدداً على أنه ينبغي تجنب أي خطوات من شأنها تقويض الاستقرار الإقليمي.

موقف فرنسا

وتستند فرنسا في نشر قوات لها بقبرص على تفعيل بند الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي بشأن «المساعدة المتبادلة»، وقرارات قادة الاتحاد الأوروبي، خلال قمتهم التي في نيقوسيا في 24 أبريل (نيسان) الحالي، لبحث التداعيات الأمنية والاقتصادية المتسارعة للحرب في إيران.

جانب من قمة قادة الاتحاد الأوروبي في نيقوسيا 24 أبريل (إ.ب.أ)

ويرتبط طرح هذه المادة، في هذا التوقيت، بمبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وذهب الكاتب في صحيفة «صباح» القريبة من الحكومة التركية، مليح ألطينوك، إلى أن الاتحاد الأوروبي وقبرص يسعيان، عبر إعادة طرح بند الدفاع المشترك، إلى تشكيل مستقبل قبرص بمعزل عن الدول الضامنة وحلف «ناتو». ووفق ما جرى تداوله عن الاتفاقية المرتقبة، فإنها تتضمن بنوداً مثل نشر عناصر عسكرية فرنسية بجزيرة قبرص، وتطوير التعاون في مجال الصناعات الدفاعية بين نيقوسيا وباريس، وتبادل التكنولوجيا في المجال العسكري، والأنشطة التدريبية، ودعم اللوجستي للمنشآت العسكرية.

ردود فعل متباينة

وعدَّت جمهورية شمال قبرص التركية (غير المعترف بها دولياً إلا من جانب تركيا) عزم الشطر الجنوبي للجزيرة (جمهورية قبرص) نشر قوات فرنسية في الجزيرة «خطوة استفزازية وغير مقبولة»، محذّرة من أنها ستضر كثيراً السلام والاستقرار في الجزيرة.

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس (إ.ب.أ)

في المقابل، ذكر الرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، أن الاتفاقية المزمع توقيعها مع فرنسا تأتي في إطار جهود لتعزيز العلاقات الدفاعية مع فرنسا.

ورأى خبراء أتراك أن مثل هذا النوع من نشر القوات في الجزيرة ليس وضعاً جديداً تماماً، بل هو بمثابة استمرار للنظام المعمول به حالياً، نظراً لوجود اتفاقيات دفاعية سارية بين اليونان والولايات المتحدة وفرنسا.

وأكد المصدر العسكري التركي أن الاتفاقية المرتقبة من شأنها أن تؤثر سلباً على جهود التعاون والحوار الرامية إلى إرساء الاستقرار في المنطقة.

ورأت صحيفة «ميلليت»، القريبة من الحكومة، أن مثل هذه التحركات لن تغير التوازنات في المنطقة، في ظل قدرات تركيا وموقعها الجغرافي، وأن المسألة ذات بُعد سياسي ونفسي أكثر من بُعدها العسكري.

وحذّرت، في الوقت نفسه، من أن إدخال أطراف غير ضرورية في هذا المسار يرفع من توقعات جمهورية قبرص، بما يؤثر على التوازنات في «جمهورية شمال قبرص التركية» والجزيرة عموماً ويغذي التوتر السياسي.


ميرتس يؤكد أهمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

ميرتس يؤكد أهمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الخميس، أهمية الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة، بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إدارته تدرس خفض عدد القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي حديثه للصحافيين في قاعدة عسكرية، قال ميرتس إن بوصلة ألمانيا لا تزال موجهة نحو حلف شمال الأطلسي «ناتو» القوي وشراكة يعتمد عليها عبر الأطلسي.

وأضاف: «كما تعلمون، هذه الشراكة عبر الأطلسي قريبة بشكل خاص من قلوبنا... ومن قلبي شخصياً».

ودخل ترمب في سجال بالكلمات مع ميرتس حول حرب إيران في الأيام القليلة الماضية. وقال، يوم الثلاثاء، إن ميرتس لا يعرف ما الذي يتحدث عنه، بعد أن قال المستشار الألماني إن الإيرانيين يُهينون الولايات المتحدة في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وكتب ترمب، على موقع «تروث سوشيال»، الأربعاء: «تقوم الولايات المتحدة بدراسة ومراجعة إمكانية خفض عدد القوات في ألمانيا، وسيُتخذ قرار في هذا الشأن، خلال الفترة القصيرة المقبلة».

ولم يُشر ميرتس إلى أحدث تصريحات ترمب، ولم يردَّ على الأسئلة بعد بيانه، لكنه أعاد تأكيد استعداد برلين للمشاركة في مهمة عسكرية لإعادة فتح مضيق هرمز بمجرد استيفاء الشروط. وأضاف أن برلين لا تزال على «اتصال وثيق» مع شركائها، وخاصة واشنطن، بشأن إيران.

وتشير معلومات مركز بيانات القوى العاملة في الدفاع، التابع لوزارة الدفاع الأميركية، إلى أن الولايات المتحدة لديها ما يزيد قليلاً عن 68 ألف فرد عسكري في الخدمة الفعلية موزّعين، بشكل دائم، على قواعدها الخارجية في أوروبا.

ويتمركز أكثر من نصفهم؛ أي نحو 36400 في ألمانيا. ويمثل هذا جزءاً بسيطاً من القوات الأميركية البالغ عددها 250 ألف جندي التي كانت متمركزة هناك في عام 1985، قبل سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة.

إمدادات كافية من الطاقة

إلى ذلك، قال المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إن ألمانيا ​لديها إمدادات كافية من النفط والغاز، لكن النقص العالمي في هذه الموارد يعني أن حكومته تبذل كل ‌ما في ‌وسعها ​دبلوماسياً ‌لفتح ⁠مضيق ​هرمز.

وأوضح في ⁠لقاء مفتوح مع المواطنين في بلدة زالتسفيدل في شمال البلاد، الخميس: «لا تزال لدينا ⁠إمدادات كافية من ‌النفط ‌والغاز. ويمر جزء ​ضئيل ‌نسبياً من الإمدادات ‌الموجهة إلى أوروبا عبر مضيق هرمز. وتأتي الغالبية من مصادر أخرى».

وأضاف: «ومع ‌ذلك، فإن النقص في الأسواق العالمية ⁠يمثل ⁠بالطبع مؤشراً مهما لتطورات الأسعار هنا. ولذلك، فإن كل الجهود، ومنها جهودي الشخصية، تهدف إلى تقديم كل مساهمة ممكنة لفتح مضيق هرمز».


إدانة بريطاني «متعصب للعِرق الأبيض» ومتأثر بهتلر بالتخطيط لهجوم مسلَّح

عنصران من شرطة لندن يقفان في منطقة غولدرز غرين (أ.ب)
عنصران من شرطة لندن يقفان في منطقة غولدرز غرين (أ.ب)
TT

إدانة بريطاني «متعصب للعِرق الأبيض» ومتأثر بهتلر بالتخطيط لهجوم مسلَّح

عنصران من شرطة لندن يقفان في منطقة غولدرز غرين (أ.ب)
عنصران من شرطة لندن يقفان في منطقة غولدرز غرين (أ.ب)

صدر حكمٌ، اليوم الخميس، بإدانة رجل بريطاني متعصب لفكرة تفوُّق العِرق الأبيض، بالتخطيط لارتكاب أعمال ​إرهابية، بعد محاولته شراء مسدس وذخيرة من ضباط متنكرين.

وقال الادعاء في القضية إن المتهم متأثر بشدةٍ بأفكار الزعيم النازي أدولف هتلر، وفقاً لوكالة «رويترز».

ودفع «ألفي كولمان» 3500 جنيه إسترليني (4730 دولاراً) مقابل مسدس ونحو 200 طلقة، قبل أن ‌تعتقله الشرطة ‌في سبتمبر (أيلول) ​2023.

وقال ‌الادعاء إن ​الشاب، البالغ من العمر 21 عاماً، كان مولعاً بالديكتاتور النازي هتلر و«توماس ماير»، وهو شخص منعزل مهووس بالنازيين قتل النائبة جو كوكس في هجوم عنيف بالشارع في عام 2016.

وعثرت السلطات في أجهزة «كولمان» على بياناتٍ ‌كتبها «ديلان ‌روف» الذي قتل تسعة أشخاص ​من ذوي البشرة ‌السوداء في كنيسة بولاية كارولاينا الجنوبية ‌في عام 2015، و«برينتون تارانت» الذي قتل 51 من المصلّين المسلمين في مسجد بمدينة كرايستشيرش بنيوزيلندا.

وقال المدّعي العام نيكولاس دي لا ‌بوير، للمحلِّفين في محكمة أولد بيلي بلندن، إن كولمان كتب معتقده الخاص في شكل مذكّرات قال فيها: «كل من ليس في صفنا يجب أن يموت».

واعترف كولمان بارتكاب جريمة حيازة سلاح، و10 تُهم تتعلق بوثائق تحتوي على معلومات من المحتمل أن تكون مفيدة للإرهابيين، لكنه أنكر التخطيط لارتكاب أعمال إرهابية.

وأدانته هيئة المحلفين بعد أن أُعيدت المحاكمة، ومن ​المنتظر صدور العقوبة ​ضده في يوليو (تموز) المقبل.