بوتين يستقبل «الأبطال» العائدين من سجون الغرب بالورود والجوائز

«روسيا لا تتخلى عن مواطنيها»... شعار حرب أوكرانيا يعلو في استقبال «الجواسيس»

بوتين مستقبلاً مواطنين روساً بعد إتمام صفقة التبادل في موسكو 1 أغسطس (إ.ب.أ)
بوتين مستقبلاً مواطنين روساً بعد إتمام صفقة التبادل في موسكو 1 أغسطس (إ.ب.أ)
TT

بوتين يستقبل «الأبطال» العائدين من سجون الغرب بالورود والجوائز

بوتين مستقبلاً مواطنين روساً بعد إتمام صفقة التبادل في موسكو 1 أغسطس (إ.ب.أ)
بوتين مستقبلاً مواطنين روساً بعد إتمام صفقة التبادل في موسكو 1 أغسطس (إ.ب.أ)

«عملية شاقة وطويلة ومعقدة»، هكذا لخص الكرملين مسار المفاوضات السرية التي تواصلت لسنوات عدة، قبل التوصل إلى صفقة تبادل السجناء الأكبر والأهم منذ عقود الحرب الباردة.

عملية توجت بإنجاز مهم للرئيس فلاديمير بوتين، الذي حرص على استقبال العائدين عند سلم الطائرة التي أقلتهم إلى موسكو. والعنوان الأبرز الذي سيطر على مشهد وصول ثمانية سجناء تم إطلاقهم من سجون بلدان غربية عدة إلى مطار «فنوكوفو» الحكومي قرب موسكو، هو ذاته الذي كررته موسكو مراراً، في غمار المواجهة المتفاقمة مع الغرب منذ سنوات: «روسيا لا تتخلى عن مواطنيها»، هو الشعار الذي رفعه بوتين وهو يطلق الحرب في أوكرانيا قبل ثلاثين شهراً، في إشارة إلى حماية «الروس» في منطقة دونباس.

في هذه المرة، رفع بوتين الشعار وهو يستقبل «الأبطال» العائدين من سجون الغرب، مُذكّراً بأنهم «خدموا بلادهم» وقاموا بواجبهم في ظروف صعبة ومعقدة.

هذه الإشارة كانت لها أهمية خاصة، فقد رفضت السلطات الروسية طوال السنوات الماضية الإقرار بأن مواطنيها المسجونين في بلدان غربية عدة لهم صلات بأجهزة المخابرات، وأصرت دائماً على أن الاتهامات الموجهة ضدهم بـ«الجاسوسية» لا تزيد على كونها جزءاً من الدعاية الغربية ضد روسيا، وعمليات «ملاحقة الروس في كل مكان والتضييق عليهم في إطار تأجيج مشاعر الروسفوبيا في الغرب»، وفقاً لبيانات الخارجية الروسية والكرملين.

مفاوضات شاقة

جانب من استقبال مواطنين روس في موسكو بعد إتمام أكبر صفقة تبادل منذ الحرب الباردة في 1 أغسطس (أ.ف.ب)

تمّت الصفقة، ولم يعد بوتين يخشى الإفصاح عن جانب من نشاط العائدين. ومع باقة الورود التي قدمها لمواطنته آنا دولتسيفا التي قضت سنوات في سجن في سلوفاكيا مع زوجها أرتيوم بعد إدانتهما بالتجسس، وعد الرئيس الروسي العائدين بـ«جوائز الدولة»، وبترتيب مستقبلهم الوظيفي والمعيشي.

وقبل ساعات قليلة من هذا المشهد، كان الفصل الأخير من عملية مفاوضات شاقة ومعقدة قد أسدل في مطار إيسنبوغا التركي، ونتيجة لذلك عاد ثمانية من المواطنين الروس، بالإضافة إلى قاصرين، هما ابنا آنا وأرتيوم إلى روسيا.

ومن بين هؤلاء فاديم كراسيكوف، الذي حكم عليه في ألمانيا بالسجن مدى الحياة بتهمة تصفية متشدد جورجي شيشاني، تتهمه موسكو بأنه قام في أثناء حرب الشيشان الثانية بوضع جنود روس أسرى على الطريق ثم قاد سيارة فوق رؤوسهم. مشهد لم يكن لأجهزة مخابرات بوتين أن تغفره أبداً.

ومسألة إدراج كراسيكوف ضمن السجناء العائدين في الصفقة كانت لها أهمية خاصة عند بوتين شخصياً، فهو تحدّث عنه تلميحاً قبل أشهر معدودة في مقابلة نادرة مع الصحافة، عندما قال إنه «يقبع في بلد متحالف مع الولايات المتحدة، رجل قام لأسباب وطنية بالقضاء على قاطع طريق في إحدى العواصم الأوروبية».

وبات معلوماً أن اللائحة الروسية ضمّت أيضاً فلاديسلاف كليوشين، الذي كان مسجوناً في الولايات المتحدة بتهمة التجسس، وبافيل روبتسوف وفاديم كونوشينوك وميخائيل ميكوشين ورومان سيليزنيف. وهم واجهوا اتهامات مماثلة في ألمانيا وبلدان غربية أخرى.

أكبر تبادل للأسرى

بوتين مُصافحاً مواطناً روسياً أُفرج عنه بموجب صفقة تبادل في 1 أغسطس (أ.ف.ب)

بشكل عام، كانت العملية أكبر تبادل للأسرى بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة، حيث شارك فيها 26 شخصاً. وكانت الصعوبة الخاصة تتمثّل في أن مواطني روسيا كانوا في سجون بلدان مختلفة بتشريعات مختلفة، وبطبيعة الحال، مستويات مختلفة من العلاقات الدبلوماسية، وكذلك القنوات السرية بين أجهزة الاستخبارات.

وفي المقابل، غادر روسيا خلال عملية التبادل عدد من المواطنين المدانين بالتجسس وعدد من المعارضين الروس الذين تصفهم الصحافة الروسية عادة بأنهم «ذوو الجنسيات المزدوجة». وقد تمّت إدانة هؤلاء بموجب مواد الخيانة والدعوات إلى القيام بأنشطة متطرفة. وقال عنهم نائب رئيس مجلس الأمن ديمتري ميدفيديف، إنهم «حثالة، وكنت أتمنى أن يتعفنوا في السجون».

عملياً، خاضت روسيا، كما قال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، «مفاوضات شرسة حول كل واحد من الروس المفرج عنهم». وزاد أن المفاوضات بشأن تبادل السجناء بين روسيا والدول الغربية جرت بشكل رئيسي من خلال جهاز الأمن الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية.

بوتين منتظراً وصول المواطنين الروس في موسكو في 1 أغسطس (أ.ف.ب)

ووفقاً له، فقد «تم إجراء المفاوضات حول هذا التبادل المُعقّد بين جهاز الأمن الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية، وكان هذا هو الخط الرئيسي الذي تمّ من خلاله التوصل إلى اتفاق (...) لا يمكننا بالطبع كشف المزيد من التفاصيل، لأن المطبخ الداخلي لهذه المفاوضات لا يمكن أن يكون علنياً».

فضلاً عن أنه تمت إضافة مستوى آخر من التعقيد، من خلال التبادل المتزامن للمواطن الألماني كريجر، الذي حكم عليه بالإعدام بتهمة الإرهاب في بيلاروسيا.

تقول أوساط مقربة من الأجهزة الخاصة الروسية إن موسكو رفضت على مدى السنوات الماضية عدة عروض «غير متكافئة»، وقامت بتحسين شروط التفاوض عدة مرات، قبل التوصل إلى الصيغة النهائية للصفقة.

ووفقاً للعديد من الخبراء، كانت روسيا تنتظر انتخاب دونالد ترمب رئيساً قبل إبرام صفقة التبادل؛ لأن العلاقات مع الإدارة الأميركية الحالية، بعبارة ملطفة، ليست جيدة جداً. لكن القرار النهائي بتمرير الصفقة اتُّخذ بعدما بدا واضحاً أنها نضجت، وتلبي الشروط الروسية. هنا بات الأجدى، وفقاً لمعلق روسي، «تنفيذ الصفقة وإهداء جو بايدن (الإنجاز الدبلوماسي) الذي فاخر به وهو يستقبل السجناء الأميركيين العائدين من روسيا».

وأشار مراقبون إلى أن «غطرسة ترمب» ربما لعبت دوراً صغيراً جداً كذلك، فهو أعلن ذات مرة بتفاخر: «سيفعل فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، هذا (تسليم المواطنين الأميركيين) من أجلي، وليس من أجل أي شخص آخر»، لكنّ بوتين، كما اتّضح، قرّر أن يلعب اللعبة بطريقته الخاصة.


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.