هل يستغل أوربان رئاسة المجر للاتحاد الأوروبي لهدم قواعد التكتل؟

أوربان (يسار) في اجتماع أوروبي ببروكسل (إ.ب.أ)
أوربان (يسار) في اجتماع أوروبي ببروكسل (إ.ب.أ)
TT

هل يستغل أوربان رئاسة المجر للاتحاد الأوروبي لهدم قواعد التكتل؟

أوربان (يسار) في اجتماع أوروبي ببروكسل (إ.ب.أ)
أوربان (يسار) في اجتماع أوروبي ببروكسل (إ.ب.أ)

منذ تولي رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان رئاسة بلاده لمجلس الاتحاد الأوروبي، تصاعدت المخاوف من استغلاله لهذا المنصب لتجاوز القواعد والمعايير المتبعة في الاتحاد الأوروبي. وتعد هذه الرئاسة فرصة فريدة لأي دولة عضو لتسليط الضوء على أولوياتها ولعب دور رئيسي في توجيه جدول الأعمال الأوروبي.

وتقول الباحثة أرميدا فان ريج، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، إنه في أول يوليو (تموز)، تولت المجر الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر.

بوتين وأوربان في الكرملين الجمعة (مكتب رئيس الوزراء المجري - أ.ف.ب)

ويعدّ المجلس المكان الذي يجتمع فيه وزراء دول الاتحاد للتفاوض والموافقة على قوانين الاتحاد الأوروبي والميزانية الأوروبية، من بين أمور أخرى. وتقول ريج، رئيسة برنامج أوروبا بمعهد تشاتام هاوس، إن الدولة العضو التي تتولى الرئاسة تقوم بدور رئيسي في دفع جدول الأعمال التشريعي من خلال ترأس اجتماعات المجلس، وضمان التعاون الجيد مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى، وضمان استمرار جدول أعمال سياسات الاتحاد الأوروبي. ونظرياً، تركز صلاحيات الرئاسة بشكل أساسي على الأداء اليومي للاتحاد الأوروبي.

ولكن بعد أسبوعين فقط من تولي المجر للمنصب، بات من الواضح أن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يتطلع إلى إحداث تغييرات جادة. في اليوم الثاني من رئاسته، سافر أوربان إلى أوكرانيا، في أول رحلة له خلال 12 عاماً، للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي، تلاها في اليوم الخامس رحلة إلى موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين. وهذا الأسبوع، قام أوربان برحلة غير معلنة إلى الصين للقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ، وسافر إلى واشنطن لحضور قمة «الناتو»، وهي الرحلة الوحيدة المخطط لها مسبقاً.

أوربان يتحدث إلى زيلينسكي خلال قمة زعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 27 يونيو 2024 (رويترز)

وتتساءل فان ريج: «ماذا تخبرنا هذه الرحلات عن خطط أوربان؟»، وعلى الرغم من أن هذه الرحلات تعدّ تقنياً رحلات ثنائية، حاول أوربان إحداث البلبلة عن طريق عرض أعلام الاتحاد الأوروبي في كييف، واستخدام شعار الرئاسة المجرية على المواد الترويجية لرحلته إلى الصين. وذكرت وسائل الإعلام الصينية والروسية على نحو غير صحيح أن أوربان سافر ممثلاً للاتحاد الأوروبي، مما أثار غضب القادة ورؤساء الحكومات في الاتحاد الأوروبي.

وقدمت المجر هذه الرحلات بوصفها «مهمة سلام»؛ للمساعدة في التفاوض على وقف إطلاق النار في الحرب في أوكرانيا. وقد يرى أوربان نفسه واحداً من القلة الذين يمكنهم التحدث إلى كلا الجانبين، لكن في الواقع ليس لديه تفويض للقيام بذلك.

وترى فان ريج، كما جاء في تحقيق الوكالة الألمانية، أن السفر إلى روسيا للقاء رئيس دولة خاضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي، والذي تجاهل سلامة الأراضي لدولة أخرى، هو أمر غير مسبوق.

ويعد القيام بذلك في الأسبوع الذي تولت فيه المجر الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي انتهاكاً للمعايير التي وضعتها معاهدات الاتحاد الأوروبي. وربما الأكثر أهمية هو تمكين البلبلة حول ما إذا كان يمثل المجر أو الاتحاد الأوروبي أيضاً في رحلاته، مما يمكن أن يشكل خرقاً لقانون الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، هذا هو سلوك أوربان النموذجي. وعندما جاء وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو للتحدث في تشاتام هاوس في وقت سابق من هذا العام، صرح بوضوح أن هدف المجر هو العرقلة.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في بكين أمس (أ.ف.ب)

وتقول فان ريج إن المقلق أن هذا النهج يجد صدى لدى الآخرين. ويقوم أوربان بترسيخ تحالفات، بما في ذلك مع روبرت فيكو في سلوفاكيا، ومع رئيس الوزراء البولندي السابق ماتيوش مورافيتسكي. كما انضم إلى الفصيل السياسي الجديد لأوربان في البرلمان الأوروبي قوميون وأحزاب يمينية متطرفة من التشيك وفرنسا وإسبانيا وهولندا.

ولم يطور الاتحاد الأوروبي استجابة مُرضية تستطيع استيعاب أو إكراه المجر للعودة إلى المسار الصحيح. والأساليب التي تعتمد على الترغيب والترهيب لمعالجة التراجع الديمقراطي، مثل حجب أموال الاتحاد الأوروبي، تم استخدامها فقط بشكل عشوائي. وحتى الآن، فشلت هذه الأساليب في منع أوربان من التصرف بطريقة معرقلة أو وقف التراجع الديمقراطي في المجر.

والتحدي الذي تمثله المجر اليوم ثلاثي الاتجاهات؛ ما بين إساءة استخدام أوربان للرئاسة الدورية، والتراجع الديمقراطي في البلاد، وعراقيل أوربان بشكل عام (بما أن المجر أيضاً عضو في الناتو). ويجب النظر إلى هذه القضايا بوصفها جزءاً من تحد منهجي واحد، وليس على أنها مشاكل جزئية منفصلة. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى اتجاه منهجي وطويل الأمد لمعالجة ذلك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً على مدخل «قصر الإليزيه» رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان (رويترز)

من الناحية النظرية، توفر معاهدات الاتحاد الأوروبي الأدوات اللازمة لمواجهة هذه التحديات. ومع ذلك، لم يتم استخدامها إلا جزئياً، مع تأثير محدود أو معدوم. وعلى المدى القصير، ولمواجهة التحدي الأول، وهو إساءة استخدام أوربان للرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، دفع البعض بضرورة حرمان المجر من الرئاسة تماماً، وضرورة تمديد رئاسة بولندا (المقرر توليها المسؤولية في المرة المقبلة). ولكن من غير المرجح أن ترغب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وربما عن طريق الخطأ في استخدام رأسمالها السياسي في هذا الصدد.

وبدلاً من ذلك، من المرجح أن تستمر رئاسة المجر مع الكثير من المفاجآت التي يمكن أن تقوض الاتحاد الأوروبي بشكل خطير. ويجب أن تدخل مؤسساتها في وضع السيطرة على الأضرار، لكن هذا يتطلب قيادة واضحة تزداد صعوبة مع إجراء الترشيحات وجلسات الاستماع للوظائف العليا خلال الأشهر القليلة المقبلة.

ولمعالجة تحدي التراجع الديمقراطي في المجر، يبقى حجب الأموال ربما الوسيلة الأكثر فاعلية التي تملكها المفوضية الأوروبية للتعامل مع شخص واقعي مثل أوربان، حتى وإن كان له تأثير محدود في الماضي.

ولكن بدلاً من حجب الأموال بشكل عشوائي، ينبغي على المفوضية الأوروبية أن تبذل جهداً منسقاً وطويل الأمد ومخططاً. يجب أن يكون هذا مرتبطاً بالميزانية السنوية للاتحاد الأوروبي، والجولة المقبلة من الإطار المالي متعدد السنوات، والتي ستبدأ المفاوضات رفيعة المستوى بشأنها هذا العام. ويجب أن يركز الجهد بشكل خاص على حرية الإعلام والحريات المدنية وتعزيز قضاء مستقل.

أوربان مع رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في القمة الأوروبية (أ.ب)

وتقول فان ريج إن المادة الـ7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي يمكن بموجبها سحب حقوق التصويت لدولة عضو في مجلس الاتحاد الأوروبي، موجودة لمعالجة التحدي الثالث المتمثل في سلوك أوربان وأفعاله المعرقلة. ومع ذلك، فإن المحاولات السابقة لاستخدام المادة الـ7 قد أبرزت ضعفها.

وفي السابق، حاولت بلجيكا، الدولة التي كانت تحمل رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية السابقة، تفعيل المادة الـ7 ضد المجر للمرة الثانية خلال فترة رئاسة الأخيرة. كما قامت المفوضية الأوروبية سابقاً بإطلاق إجراءات المادة الـ7 ضد بولندا في ظل الحكومة السابقة. ولم تنجح أي من هذه المحاولات في نهاية المطاف.

وقد أدى الافتقار إلى الإرادة السياسية من قبل المفوضية والدول الأعضاء إلى سوء تطبيق الأدوات والآليات المتاحة، مما أدى إلى تأثيرها المحدود.

ورغم أن إجراءات المادة الـ7 لا تزال غير مرجحة، ربما يتعين على المفوضية الأوروبية أن تنظر في ربط تلقي أي أموال من الاتحاد الأوروبي بالالتزام بمبادئ الاتحاد الأوروبي ومؤسساته الديمقراطية. والمجر هي ثالث أكبر متبرع صاف للاتحاد الأوروبي ولا يزال الدعم العام في المجر لعضوية الاتحاد الأوروبي مرتفعاً.

وبوسع المفوضية أن تستخدم بشكل أفضل النفوذ المالي الذي تتمتع به على المجر، من خلال وضع معايير وعتبات واضحة بشأن الشكل الذي تبدو عليه الدولة العضو البناءة في الاتحاد الأوروبي، والسلوكيات التي لن يتم التسامح معها.

وتختم فان ريج بأن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى نهج طويل الأجل؛ لردع وتصحيح السلوكيات من قبل الدول الأعضاء التي تقوض المشروع الأوروبي.


مقالات ذات صلة

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

قال مصدر أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد ​كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت برسوّ سفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا...

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.