انسحابات متبادلة للمرشحين لمنع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا

تعدد الأصوات والتوجهات داخل ائتلاف الوسط يعكس تراجع «سطوة» ماكرون

فرنسي يوزع منشورات انتخابية لليمين المتطرف الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسي يوزع منشورات انتخابية لليمين المتطرف الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

انسحابات متبادلة للمرشحين لمنع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا

فرنسي يوزع منشورات انتخابية لليمين المتطرف الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسي يوزع منشورات انتخابية لليمين المتطرف الثلاثاء (أ.ف.ب)

كانت الأحزاب السياسية الفرنسية في سباق مع الزمن منذ الإعلان عن نتائج الجولة الانتخابية الأولى التي هيمن عليها حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي أوصلته إلى عتبة السلطة لأول مرة في تاريخ فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولأن الخطر أصبح داهماً، فإن المجموعتين السياسيتين الأخريين (الجبهة الشعبية الجديدة المشكَّلة من تحالف اليسار والخضر؛ وائتلاف الوسط الذي يضم 3 أحزاب داعمة للرئيس إيمانويل ماكرون وعهده) وضعتا، إلى حد كبير، خلافاتهما جانباً، وسعتا لإعادة تشكيل ما يسمى فرنسيا «الجبهة الجمهورية» لغرض وحيد عنوانه قطع طريق الإليزيه على «التجمع الوطني» وعلى رئيسه جوردان بارديلا. أما السبيل إلى ذلك فيمر عبر انسحابات متبادلة للمرشحين من كل طرف الذين حلوا في المرتبة الثالثة لصالح الطرف الآخر. والغرض من ذلك تعزيز حظوظ من بقي في السباق لهزيمة مرشح اليمين المتطرف.

الرئيس إيمانويل ماكرون في جولة له يوم الأحد الماضي في شوارع منتجع «لو توكيه» الراقي شمال البلاد (أ.ف.ب)

الهدف المعلن للجبهة الشعبية الجديدة ولائتلاف اليسار هو حرمان اليمين المتطرف من الحصول على الأكثرية المطلقة في البرلمان الجديد الذي سيولد من رحم جولة الانتخابات الثانية والحاسمة، الأحد المقبل. وكلما ازداد عدد الانسحابات تضاءلت حظوظ اليمين المتطرف في بلوغ الرقم السحري (289 نائباً) الذي يوفر له الأكثرية المطلقة في البرلمان، ويلزم الرئيس ماكرون بتكليف بارديلا بتشكيل الحكومة المقبلة. من هنا، فإن أنظار المسؤولين السياسيين والمراقبين والإعلام منصبَّة على «عداد الانسحابات» الذي أظهر، منتصف نهار الثلاثاء، أن الطرفين المعنيين نجحا في إقناع 208 مرشحين بالانسحاب منهم (127 من اليسار و75 من ائتلاف الوسط).

تعدد الأصوات داخل ائتلاف الوسط

لا تعرف السياسة صداقات ثابتة أو عداوات دائمة بل تقوم على المصالح؛ فخلال 3 أسابيع تبادل المعسكر الرئاسي والجبهة الشعبية كل نوع من أنواع الاتهامات. أما اليوم، فإنهما يعملان معاً لإفشال وصول اليمين المتطرف إلى السلطة. وبينما أرسى اليسار قاعدة الانسحاب شاملة ومن غير استثناءات، فقد بانت الانقسامات وتعدد الآراء داخل المعسكر الرئاسي ما يبين أن «سطوة» ماكرون قد تراجعت إلى حد بعيد. ماكرون يريد انسحاب مرشحيه لصالح مرشحي الجبهة الشعبية الجديدة من غير استثناءات. وفي اجتماع ظهر الاثنين في قصر الإليزيه مع وزرائه، وإزاء تمنُّع بعضهم عن قبول القاعدة التي يريد أن يعملوا بموجبها، قال لهم: «لو لم تأتِ لنا أصوات اليسار (في المعركتين الرئاسيتين عام 2017 و2022) لما كنا هنا في قصر الإليزيه». والممانعة جاءت من رئيس الحكومة غبرييل أتال الذي أعلن أنه إذا كان الغرض «منع التجمع الوطني من الحصول على الأكثرية»، فإن الانسحاب «لن يكون إلا لصالح مرشح اختار الدفاع عن قيم الجمهورية». والمقصود من هذا الكلام استبعاد الانسحاب لصالح مرشحي حزب «فرنسا الأبية» الذي ما انقطع أتال عن مهاجمة رئيسه جان لوك ميلونشون، واتهامه بمعاداة السامية، وزرع الفوضى، وعدم احترام قيم الجمهورية.

مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف والحالمة بالفوز بالانتخابات الرئاسية خارجة الثلاثاء من مقر حزبها في باريس (أ.ف.ب)

ليس أتال وحده من يتبنى هذه المقاربة فإدوار فيليب، رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب «هورايزون» المنتمي إلى ائتلاف الوسط حسم موقفه بالقول: «لا يتعين أن يذهب أي صوت لا إلى مرشحي التجمع الوطني، ولا إلى مرشحي (فرنسا الأبية)»، وهو الموقف نفسه الذي تتبناه رئيسة البرلمان المنحل يائيل براون ــ بيفيه وفرنسوا بايرو، رئيس «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء «ائتلاف الوسط». أما برونو لومير، فقد قال لصحيفة «لو فيغارو» في عددها يوم الثلاثاء: «أنا لا أساوي بين (التجمع الوطني) وبين (فرنسا الأبية) فلهما تاريخان مختلفان. لذا أقول إنه يجب ألا يذهب صوت واحد للأول، ولن أصوّت أبداً لحزب (فرنسا الأبية) الذي يتعارض مشروعه الطائفي العلني والمعادي للسامية بشكل خبيث مع أمتنا».

مارين لوبن: ماكرون قام بانقلاب إداري

وإذا كانت مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف ورئيس حزبها جوردان بارديلا مقتنعين سابقاً بقدرتهما على الحصول على الأكثرية المطلقة، فإنهما عدّلا موقفهما في الأيام الأخيرة، وهما يؤكدان اليوم أنه لو احتاج الحصول على الأكثرية المطلقة لعدد قليل من النواب (ما دون العشرين) فسيسعيان لتوفيرهم من خلال التواصل مع نواب من اليمين إن داخل حزب «الجمهوريون» أو من النواب اليمينيين المستقلين.

رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف جوردان بارديلا في وقفة رئاسية له في مقر حزبه وخلفه صورته الضخمة في 9 يونيو الماضي بعد إعلان ماكرون حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة (أ.ب)

وقالت لوبن، المرشحة الرئاسية السابقة والساعية لخلافة ماكرون في قصر الإليزيه إن معسكره «قد اندثر عملياً» منذ الجولة الانتخابية الأولى، وإنه «من أجل السير بالإصلاحات التي تحتاج لها البلاد، فإنه من الضروري أن يحصل بارديلا على الأكثرية المطلقة في الأيام المقبلة ليعينه ماكرون رئيساً للحكومة».

بالمقابل، ركز المسؤولان هجومهما على «التحالف المغاير للطبيعة»، وفق بارديلا، بين معسكر ماكرون واليسار. أما لوبن فقد اتهمت ماكرون، صباح الثلاثاء، في مقابلة إذاعية بأنه «يقوم بكل ما يستطيعه من أجل إجهاض المسار الديمقراطي» مضيفة أنه «يخطط لمنع التجمع الوطني من تسلُّم السلطة حتى لو حصلنا على الأكثرية المطلقة». كذلك اتهمت ماكرون بالقيام بـ«انقلاب إداري» بسبب استغلاله الأيام الفاصلة بين الجولتين الانتخابيتين الأولى والثانية للقيام بتعيينات إدارية موسعة، وتعيين أوفياء له في مناصب أساسية، وذلك «لمنع جوردان بارديلا من التمكن من حكم البلاد».

حقيقة الأمر أن ماكرون يسعى بكل الوسائل من أجل الحد من الخسائر التي تسبب بها قراره بحل البرلمان. والسيناريو المفضل بالنسبة إليه أن يفشل اليمين المتطرف وحلفاؤه في الحصول على أكثرية مطلقة، أو أن يقترب منها كثيراً. وبالمقابل لن ينجح «ائتلاف الوسط» في المحافظة على مجموعة نيابية وازنة تشكل القطب القادر على اجتذاب نواب من اليمين واليسار من أجل تشكيل أكثرية متنوعة تضم نواباً من الاشتراكيين والخضر والشيوعيين المستقلين وصولاً إلى نواب من اليمين التقليدي.

ومعضلة ماكرون هي أن ما يسعى إليه يفترض تفكك تحالف اليسار؛ لأن مشروعه يستبعد نواب «فرنسا الأبية» التي تشكل القوة الضاربة للجبهة الشعبية الجديدة. كذلك سعى ماكرون خلال العامين الماضيين إلى توسيع قاعدته السياسية عن طريق اجتذاب نواب من اليمين للانضمام إلى تحالف الأحزاب الداعمة له من غير أن ينجح. وسبق له أن كلف رئيسة حكومته السابقة إليزابيث بورن بهذه المهمة من دون أن تصيب نجاحاً.

غبرييل أتال... هل سيكون رئيساً لأقصر حكومة في زمن الجمهورية الخامسة؟ (إ.ب.أ)

السيناريو الأكثر ترجيحاً اليوم يقوم على وصول 3 مجموعات سياسية إلى البرلمان الجديد لا تمتلك أي واحدة منها الأكثرية المطلقة، وهي غير قادرة على العمل والتعاون فيما بينها. وإذا كان ماكرون مضطراً لتكليف رئيس الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد (وسيكون دون شك بارديلا)، فإن الأخير سيُضطر للبحث عن حلفاء أو لتشكيل حكومة تتمتع بأكثرية نسبية، ولكن قد تسقط لدى أي اختبار لنيل ثقة البرلمان ما سيدخل فرنسا ليس في أزمة سياسية، ولكن في أزمة نظام قد يكون الخروج منها باستقالة ماكرون «وهو يرفض حتى اليوم هذا الاحتمال»، وتنظيم انتخابات رئاسية جديدة تفتح الباب لعهد جديد.


مقالات ذات صلة

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا أعضاء برلمان كوسوفو بعد فشلهم في انتخاب رئيس جديد يوم أمس (رويترز)

نواب كوسوفو يفشلون في انتخاب رئيس ما يدفع البلاد إلى انتخابات جديدة

فشل برلمان كوسوفو ليل الثلاثاء في انتخاب رئيس جديد للبلاد، ما يمهد الطريق أمام انتخابات تشريعية جديدة، ستكون الثالثة في غضون ما يزيد قليلا عن عام.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقررة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

نجحت قوى «الإطار التنسيقي» في طرح علي الزيدي، مرشحاً لرئاسة الوزراء بعد يومين من دخول البلاد حالة الخرق الدستوري.

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أوكرانيا تطلب توضيحاً من أميركا بشأن مقترح روسيا لوقف إطلاق النار

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)
TT

أوكرانيا تطلب توضيحاً من أميركا بشأن مقترح روسيا لوقف إطلاق النار

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن كييف ستطلب توضيحات من فريق الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب بشأن تفاصيل مقترح روسيا لوقف إطلاق نار قصير الأمد.

وتحدث ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس الأربعاء، وقال للصحافيين إنهما ناقشا فكرة «وقف مؤقت لإطلاق نار»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، اليوم الخميس، إن الهدنة ستشمل التاسع ‌من مايو (‌أيار)، الذي تحل ​فيه ‌ذكرى هزيمة ألمانيا النازية ​في الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أنه لم يجر تحديد موعدها الدقيق حتى الآن.

والتاسع من مايو (أيار) عطلة رسمية رئيسية في روسيا، يقام فيها عرض عسكري في الساحة الحمراء بموسكو. ويستغل بوتين، منذ أن شن هجومه على أوكرانيا عام ‌2022، هذه ‌المناسبة لحشد التأييد الشعبي للحرب.

وقال زيلينسكي، ​في معرض حديثه ‌عن مقترح وقف إطلاق النار، «سنستوضح ما ‌المقصود بالضبط من هذا، هل هي بضع ساعات من الأمن من أجل إقامة عرض عسكري في موسكو، أم إنها أكثر من ‌ذلك».

وكتب زيلينسكي، في منشور على منصة «إكس»: «مقترح أوكرانيا هو وقف إطلاق نار طويل الأمد وأمن موثوق ومضمون للناس، وسلام دائم.. أوكرانيا مستعدة للعمل على تحقيق ذلك بأي صيغة تتسم بالكرامة والفعالية».

وفي العام الماضي، أعلن بوتين وقف إطلاق نار مدته 72 ساعة بمناسبة مرور 80 عاماً على الانتصار في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. لم يتم الاتفاق بشأن ذلك مع كييف، التي وصفت الأمر بالحيلة واتهمت ​روسيا بانتهاك ​وقف إطلاق النار الذي قررته هي مئات المرات.


تركيا: نشر فرنسا قوات في قبرص تقويض للاستقرار الإقليمي

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)
الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)
TT

تركيا: نشر فرنسا قوات في قبرص تقويض للاستقرار الإقليمي

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)
الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مستهل زيارته لقبرص 9 مارس الماضي (رويترز)

حذّرت تركيا من أن نشر قوات فرنسية في قبرص مِن شأنه تقويض الاستقرار الإقليمي. وقال مصدر عسكري تركي مسؤول إن الترتيبات المتعلقة بأمن واستقرار جزيرة قبرص محددة بموجب اتفاقيات دولية، وإن تركيا هي إحدى الدول الضامنة لوضع الجزيرة المقسمة بين شطرين؛ تركي في الشمال، ويوناني في الجنوب.

ويسود ترقب لاتفاقٍ من المنتظر توقيعه في يونيو (حزيران) المقبل لنشر قوات فرنسية في الشطر الجنوبي من قبرص (أي في جمهورية قبرص المعترَف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي).

وذكر المصدر العسكري، خلال إفادة صحافية لوزارة الدفاع التركية، الخميس، أنه بينما لا يزال من غير الواضح ماهية الحاجة الأمنية المحددة التي تقف وراء تصريحات فرنسا بشأن نشر القوات في جنوب قبرص، فإن مثل هذه المبادرات تُهدد بزعزعة التوازن الدقيق القائم، وتزيد من حِدة التوترات.

مخالفة للقانون الدولي

وأكد أن تركيا تتصرف وفقاً للقانون الدولي، وأن الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة يمثل أولوية قصوى.

جنود أتراك في شمال قبرص (وزارة الدفع التركية)

وتؤكد تركيا، التي تحتفظ بقوات في الشطر الشمالي من قبرص منذ عام 1974، أن نشر جنود فرنسيين في جنوب قبرص لا يتفق مع القانون الدولي؛ لأن اتفاقيات عام 1960 التي قبلتها الأمم المتحدة، ومنها «معاهدة الضمان»، لا تزال سارية المفعول. ووفق «معاهدة الضمان»، تلتزم تركيا واليونان وبريطانيا بضمان استقلال قبرص ووحدة أراضيها، ومنع أي نشاط يستهدف توحيد الجزيرة مع دولة أخرى أو تقسيمها.

وتلتزم جمهورية قبرص، في إطار المعاهدة، بعدم الدخول في أي اتحاد سياسي أو اقتصادي مع أي دولة، وبمنع أي نشاط يدعم تقسيمها أو اتحادها مع دولة أخرى. ووفقاً للمعاهدة، لا يمكن، قانوناً، للطرف اليوناني أن يتصرف بمفرده، بل لا بد من التوصل إلى اتفاق مع القبارصة الأتراك.

وقال المصدر العسكري التركي إن مبادرة نشر قوات فرنسية في الشطر الجنوبي لقبرص لا تعني فحسب المساس بالحقوق والمصالح الوطنية لتركيا أو جمهورية شمال قبرص التركية، بل قد تُشكل أيضاً مخاطر أمنية مستقبلية على الإدارة القبرصية اليونانية، مشدداً على أنه ينبغي تجنب أي خطوات من شأنها تقويض الاستقرار الإقليمي.

موقف فرنسا

وتستند فرنسا في نشر قوات لها بقبرص على تفعيل بند الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي بشأن «المساعدة المتبادلة»، وقرارات قادة الاتحاد الأوروبي، خلال قمتهم التي في نيقوسيا في 24 أبريل (نيسان) الحالي، لبحث التداعيات الأمنية والاقتصادية المتسارعة للحرب في إيران.

جانب من قمة قادة الاتحاد الأوروبي في نيقوسيا 24 أبريل (إ.ب.أ)

ويرتبط طرح هذه المادة، في هذا التوقيت، بمبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وذهب الكاتب في صحيفة «صباح» القريبة من الحكومة التركية، مليح ألطينوك، إلى أن الاتحاد الأوروبي وقبرص يسعيان، عبر إعادة طرح بند الدفاع المشترك، إلى تشكيل مستقبل قبرص بمعزل عن الدول الضامنة وحلف «ناتو». ووفق ما جرى تداوله عن الاتفاقية المرتقبة، فإنها تتضمن بنوداً مثل نشر عناصر عسكرية فرنسية بجزيرة قبرص، وتطوير التعاون في مجال الصناعات الدفاعية بين نيقوسيا وباريس، وتبادل التكنولوجيا في المجال العسكري، والأنشطة التدريبية، ودعم اللوجستي للمنشآت العسكرية.

ردود فعل متباينة

وعدَّت جمهورية شمال قبرص التركية (غير المعترف بها دولياً إلا من جانب تركيا) عزم الشطر الجنوبي للجزيرة (جمهورية قبرص) نشر قوات فرنسية في الجزيرة «خطوة استفزازية وغير مقبولة»، محذّرة من أنها ستضر كثيراً السلام والاستقرار في الجزيرة.

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس (إ.ب.أ)

في المقابل، ذكر الرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، أن الاتفاقية المزمع توقيعها مع فرنسا تأتي في إطار جهود لتعزيز العلاقات الدفاعية مع فرنسا.

ورأى خبراء أتراك أن مثل هذا النوع من نشر القوات في الجزيرة ليس وضعاً جديداً تماماً، بل هو بمثابة استمرار للنظام المعمول به حالياً، نظراً لوجود اتفاقيات دفاعية سارية بين اليونان والولايات المتحدة وفرنسا.

وأكد المصدر العسكري التركي أن الاتفاقية المرتقبة من شأنها أن تؤثر سلباً على جهود التعاون والحوار الرامية إلى إرساء الاستقرار في المنطقة.

ورأت صحيفة «ميلليت»، القريبة من الحكومة، أن مثل هذه التحركات لن تغير التوازنات في المنطقة، في ظل قدرات تركيا وموقعها الجغرافي، وأن المسألة ذات بُعد سياسي ونفسي أكثر من بُعدها العسكري.

وحذّرت، في الوقت نفسه، من أن إدخال أطراف غير ضرورية في هذا المسار يرفع من توقعات جمهورية قبرص، بما يؤثر على التوازنات في «جمهورية شمال قبرص التركية» والجزيرة عموماً ويغذي التوتر السياسي.


ميرتس يؤكد أهمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

ميرتس يؤكد أهمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الخميس، أهمية الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة، بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إدارته تدرس خفض عدد القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي حديثه للصحافيين في قاعدة عسكرية، قال ميرتس إن بوصلة ألمانيا لا تزال موجهة نحو حلف شمال الأطلسي «ناتو» القوي وشراكة يعتمد عليها عبر الأطلسي.

وأضاف: «كما تعلمون، هذه الشراكة عبر الأطلسي قريبة بشكل خاص من قلوبنا... ومن قلبي شخصياً».

ودخل ترمب في سجال بالكلمات مع ميرتس حول حرب إيران في الأيام القليلة الماضية. وقال، يوم الثلاثاء، إن ميرتس لا يعرف ما الذي يتحدث عنه، بعد أن قال المستشار الألماني إن الإيرانيين يُهينون الولايات المتحدة في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وكتب ترمب، على موقع «تروث سوشيال»، الأربعاء: «تقوم الولايات المتحدة بدراسة ومراجعة إمكانية خفض عدد القوات في ألمانيا، وسيُتخذ قرار في هذا الشأن، خلال الفترة القصيرة المقبلة».

ولم يُشر ميرتس إلى أحدث تصريحات ترمب، ولم يردَّ على الأسئلة بعد بيانه، لكنه أعاد تأكيد استعداد برلين للمشاركة في مهمة عسكرية لإعادة فتح مضيق هرمز بمجرد استيفاء الشروط. وأضاف أن برلين لا تزال على «اتصال وثيق» مع شركائها، وخاصة واشنطن، بشأن إيران.

وتشير معلومات مركز بيانات القوى العاملة في الدفاع، التابع لوزارة الدفاع الأميركية، إلى أن الولايات المتحدة لديها ما يزيد قليلاً عن 68 ألف فرد عسكري في الخدمة الفعلية موزّعين، بشكل دائم، على قواعدها الخارجية في أوروبا.

ويتمركز أكثر من نصفهم؛ أي نحو 36400 في ألمانيا. ويمثل هذا جزءاً بسيطاً من القوات الأميركية البالغ عددها 250 ألف جندي التي كانت متمركزة هناك في عام 1985، قبل سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة.

إمدادات كافية من الطاقة

إلى ذلك، قال المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إن ألمانيا ​لديها إمدادات كافية من النفط والغاز، لكن النقص العالمي في هذه الموارد يعني أن حكومته تبذل كل ‌ما في ‌وسعها ​دبلوماسياً ‌لفتح ⁠مضيق ​هرمز.

وأوضح في ⁠لقاء مفتوح مع المواطنين في بلدة زالتسفيدل في شمال البلاد، الخميس: «لا تزال لدينا ⁠إمدادات كافية من ‌النفط ‌والغاز. ويمر جزء ​ضئيل ‌نسبياً من الإمدادات ‌الموجهة إلى أوروبا عبر مضيق هرمز. وتأتي الغالبية من مصادر أخرى».

وأضاف: «ومع ‌ذلك، فإن النقص في الأسواق العالمية ⁠يمثل ⁠بالطبع مؤشراً مهما لتطورات الأسعار هنا. ولذلك، فإن كل الجهود، ومنها جهودي الشخصية، تهدف إلى تقديم كل مساهمة ممكنة لفتح مضيق هرمز».