اليمين المتطرف يعرض برنامجه تحسباً للفوز في انتخابات فرنسا

ماكرون يؤكد بقاءه حتى 2027... والبلد قد يشهد أزمة مؤسساتية

جوردان بارديلا رئيس «التجمع الوطني» في مؤتمره الصحافي الاثنين بباريس (إ.ب.أ)
جوردان بارديلا رئيس «التجمع الوطني» في مؤتمره الصحافي الاثنين بباريس (إ.ب.أ)
TT

اليمين المتطرف يعرض برنامجه تحسباً للفوز في انتخابات فرنسا

جوردان بارديلا رئيس «التجمع الوطني» في مؤتمره الصحافي الاثنين بباريس (إ.ب.أ)
جوردان بارديلا رئيس «التجمع الوطني» في مؤتمره الصحافي الاثنين بباريس (إ.ب.أ)

تلوح في الأفق الفرنسي أزمة نظام بدأت ملامحها تظهر يوماً بعد يوم، بينما الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية ستُجرى، الأحد المقبل.

وتثابر استطلاعات الرأي على إبراز الموقع المتقدم الذي يحتله اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني» برئاسة جوردان بارديلا الذي يُتوقع أن يحصل على 35 في المائة من أصوات الناخبين الذين يبلغ عديدهم 49.5 مليون شخص. وتتبعه، في المرتبة الثانية «الجبهة الشعبية الجديدة» وهي ائتلاف 4 أحزاب من اليسار والخضر، ومن المقدر لها أن تحوز 29 إلى 30 في المائة من الأصوات.

أما الكتلة الوسطية التي يراهن الرئيس إيمانويل ماكرون على تقدمها في الأيام الفاصلة عن الجولة الثانية من الانتخابات يوم 7 يوليو (تموز)، فقد بدت عاجزة، حتى اليوم، عن تخطي سقف الـ20 في المائة. ولأن القانون الانتخابي في فرنسا يقوم على الدائرة الصغرى (عدد الدوائر 577)، ولأن لكل دائرة معطياتها الخاصة، فمن الصعب جداً توقع العدد الحقيقي للمقاعد التي ستحصل عليها كل مجموعة من المجموعات الثلاث. ولكن الثابت، وفق المعطيات المتوافرة حتى اليوم، أن أياً منها لن يحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان المقبل (289 نائباً). وبما أنه يصعب توقع تحالف أي مجموعتين من المجموعات الثلاث للحكم معاً، فإن تشكيل حكومة قادرة على حيازة ثقة البرلمان وتمرير القوانين وقيادة البلاد للسنوات الثلاث المتبقية للرئيس ماكرون في الإليزيه، سيكون بمثابة معجزة.

وينص الدستور الفرنسي على أنه لا يحق لرئيس الجمهورية أن يحل البرلمان مرة جديدة إلا بعد مرور عام على حله للمرة الأولى ما يعني أن ماكرون سيكون مقيد اليدين حيث سيكون عاجزاً عن إيجاد أكثرية برلمانية مطلقة أو أكثرية نسبية لن يحصل عليها بسبب طغيان اليمين المتطرف والجبهة الشعبية الجديدة. من هنا، جاءت دعوة مارين لوبن، زعيمة «التجمع الوطني» والطامحة لرئاسة الجمهورية، ماكرون للاستقالة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعقيلته في استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وعقيلته عند مدخل الإليزيه الاثنين (د.ب.أ)

ماكرون: أنا باقٍ حتى 2027

لا شيء يشي أن ماكرون سيستجيب لنداء منافسته الانتخابية؛ ففي الرسالة المكتوبة التي وجهها للفرنسيين ليل - الأحد عبر الصحف الإقليمية والتي نشرها موقع الرئاسة على منصة «إكس»، «طمأن» ماكرون الفرنسيين بقوله: «يمكنكم أن تثقوا بي لأعمل حتى مايو (أيار) 2027 بوصفي رئيسكم، حامي جمهوريّتنا وقيمنا في كلّ لحظة، مع احترام التعدّدية وخياراتكم، وفي خدمتكم وخدمة الأمّة». وحقيقة الأمر أن لا شيء دستورياً وقانونياً من شأنه إلزامه بالاستقالة؛ لأن شرعيته مستمدة من انتخابات رئاسة الجمهورية الأخيرة ربيع عام 2022. وسبق للرئيسين فرنسوا ميتران الاشتراكي وجاك شيراك الديغولي اليميني أن خسرا الانتخابات التشريعية، وبقيا في منصبهما، وقبلا حكومة من غير لونهما السياسي في إطار ما يسمى «حكومة المساكنة».

لكن الصحيح أيضاً أن عهديهما عرفا أزمات سياسية بسبب التضارب في الرؤى بين ساكن الإليزيه وساكن قصر ماتينيون (رئاسة الحكومة)، إلا أنهما عرفا كيف يتعاملان معها ضمن صلاحيات كل منهما، وضمن الخطوط العامة المتعارف عليها. بيد أن «المساكنة» بين ماكرون وبين حكومة يمينية متطرفة (قد تكون الأرجح)، وتصل إلى السلطة للمرة الأولى في تاريخ فرنسا ستكون بالغة الصعوبة. الاختلاف بين الطرفين يقوم على عدد من المبادئ الأساسية التي نهضت عليها الجمهورية الفرنسية، ومنها على سبيل المثال مبدأ المساواة بين الفرنسيين «الأصلاء» والفرنسيين «الدخلاء».

اليمين المتطرف، وفق البرنامج الذي عرضه بارديلا، ظهر الاثنين، يريد منع مزدوجي الجنسية من تولي عدد من «المناصب الاستراتيجية في قطاعي الدفاع والأمن»، بحيث تبقى مقصورة على الفرنسيين وحدهم، علماً أن مزدوج الجنسية هو فرنسي، ويحق له ما يحق للآخرين. كذلك يريد بارديلا، في مرحلة لاحقة، وبناءً على استفتاء لا يمكن أن يحصل إلا بموافقة رئيس الجمهورية، إلغاء ما يسمى «حق الحصول على الجنسية الفرنسية لمن يولدون على الأراضي الفرنسية»، الأمر الذي يصعب على ماكرون القبول به بوصفه معمولاً به منذ عام 1851.

زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن ورئيس حزب الجمهوريين الذي التحق بالتجمع الوطني اليمني المتطرف أريك سيوتي (إ.ب.أ)

السياسة الخارجية في عهد اليمين المتطرف

يؤكد اليمين المتطرف أنه جاهز لممارسة السلطة. وقال بارديلا، الاثنين: «أقول بقوة لمواطنينا: إن التجمع الوطني هو اليوم الحركة (السياسية) الوحيدة القادرة على الاستجابة منطقياً للتطلعات الواضحة التي عبّر عنها الفرنسيون» في الانتخابات الأوروبية. وللمرة الأولى منذ انطلاق الحملة الانتخابية، تعرض الحركة المشار إليها بوضوح وبالتفصيل برنامجها الحكومي سواء أكان في السياسة الخارجية أم الاقتصادية أم المالية أم الاجتماعية. ففي الحقل الخارجي، يرفض بارديلا السير وراء سياسة الدعم المطلقة التي ينتهجها ماكرون إزاء أوكرانيا حيث يتحفظ على إرسال مدربين فرنسيين إلى الأراضي الأوكرانية، ويرفض استخدام الصواريخ الفرنسية لاستهداف الأراضي الروسية، أو تزويد كييف بطائرات «الميراج» الفرنسية.

ورغم أن الكلمة الفصل في السياستين الخارجية والدفاعية تعودان لرئيس الجمهورية، فإنه من غير المستساغ والمقبول أن تكون لفرنسا سياستان خارجيتان متضاربتان. ولم يتأخر المستشار الألماني أولاف شولتز في التعبير عن قلقه إزاء نتائج الانتخابات المقبلة في فرنسا التي تعد مع ألمانيا قاطرة الاتحاد الأوروبي. كذلك يرفض بارديلا الذي ينتظر أن يدعوه ماكرون لتشكيل حكومة إذا كان حزبه الفائز الأكبر، الاعتراف بالدولة الفلسطينية «اليوم»؛ لأن ذلك بمثابة «اعتراف بالإرهاب، وتوفير شرعية سياسية لتنظيم تنص شرعتها على تدمير دولة إسرائيل».

وفي ملف الهجرات، يريد اليمين المتطرف الذي بنى صعوده السياسي على التنديد بها لما لها من تهديد لـ«الهوية الوطنية، أن يحد من لم الشمل العائلي وتسريع طرد غير المرغوب بهم أو الذين لا يحق لهم البقاء على الأراضي الفرنسية والتشدد في الأحكام، وتعليق تسوية أوضاع اللاجئين غير الشرعيين.

يريد اليمين المتطرف إبراز عضلاته في التعامل مع الانفصالية الإسلاموية والهجرات وإحداث تغييرات في النظم الضريبية والتربوية والاجتماعية والاهتمام بالطبقة الوسطى ودفع القدرة الشرائية إلى الأمام، وزيادة المرتبات.

وبالمقابل، فإن «الائتلاف الوسطي» الوحيد الذي يراه ماكرون قادراً على حكم البلاد والمحافظة على استقرارها الاقتصادي والنقدي، يهاجم برامج الطرفين المتطرفين يميناً ويساراً. وأمل ماكرون أن يقترب ائتلافه من منافسيه، وأن ينجح في شق تحالف اليسار، واستمالة عدد من نوابه من الاشتراكيين والخضر ومما تبقى من اليمين التقليدي لتشكيل أكثرية نسبية أو على الأقل مجموعة وازنة. لكن المعطيات المتوافرة لا تبين أن حسابات الحقل ستتطابق مع حسابات البيدر.


مقالات ذات صلة

تجمع لليمين المتطرف الأوروبي في ميلانو بعد هزيمة أوربان (صور)

أوروبا من تظاهرة اليمين المتطرف في ميلانو (أ.ف.ب)

تجمع لليمين المتطرف الأوروبي في ميلانو بعد هزيمة أوربان (صور)

نظم اليمين المتطرف في أوروبا، السبت، تجمعاً في ميلانو ضمّ قادة من أحزابه من مختلف أنحاء القارة وحشد آلاف الأشخاص، وتناول قضايا الهجرة والأمن والبيروقراطية.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
أوروبا اللقاء الثنائي بين البرازيل وإسبانيا على هامش المؤتمر (إ.ب.أ) p-circle

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بدأ خطوةً متقدمةً نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية».

شوقي الريس (برشلونة)
تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

تحليل إخباري هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تقبض على متظاهرة ضد قانون «إعدام الأسرى» أمام البرلمان الإسرائيلي في القدس 30 مارس الاثنين الماضي (أ.ف.ب) p-circle 00:57

«تفجير لمكانتنا المتدهورة أصلاً»....أصوات إسرائيلية رسمية تعارض «إعدام الأسرى»

الاعتراضات في تل أبيب ضد إقرار الكنيست «قانوناً» يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين لم تقتصر على المجتمع الحقوقي، بل باتت مسموعة في أوساط رسمية.

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.