روسيا تحيي يوم «الاستقلال» عن الدولة السوفياتية... كيف تغيرت النظرة للمناسبة؟

خريطة تفاعلية «تلتهم» كل أوكرانيا وتأكيد على «البديل الروسي» للهيمنة الغربية

وثيقة إعلان السيادة عام 1990 ويظهر فيها يلتسين محاطاً بأنصاره (الكرملين)
وثيقة إعلان السيادة عام 1990 ويظهر فيها يلتسين محاطاً بأنصاره (الكرملين)
TT

روسيا تحيي يوم «الاستقلال» عن الدولة السوفياتية... كيف تغيرت النظرة للمناسبة؟

وثيقة إعلان السيادة عام 1990 ويظهر فيها يلتسين محاطاً بأنصاره (الكرملين)
وثيقة إعلان السيادة عام 1990 ويظهر فيها يلتسين محاطاً بأنصاره (الكرملين)

انطلقت في روسيا الأربعاء فعاليات واسعة للاحتفال بـ«يوم روسيا». العيد الذي طالما أثار لغطاً واسعاً وتباينات داخل المجتمع الروسي، وظل لسنوات محط انتقادات قبل أن تستقر أحوال الدولة داخلياً في مطلع الألفية الثالثة.

«يوم روسيا» التسمية الرسمية حالياً، لذكرى التحرك الكبير في بداية تسعينات القرن الماضي نحو «الاستقلال» عن الاتحاد السوفياتي. مع كل ما يحمله هذا التعبير من غرابة بالنسبة إلى بلد يُعدّ «الوريث الشرعي» للدولة العظمى في السابق. وترتبط بهذا اليوم مقدمات الانهيار الكبير واختفاء الدولة السوفياتية عن الخريطة العالمية لاحقاً، في «أكبر كارثة جيوسياسية بالقرن العشرين» وفقاً لوصف الرئيس فلاديمير بوتين.

بوتين يوزع الميدلايات الذهبية لأبطال العمل الروسي (رويترز)

لذلك، ظل العيد مرتبطاً في أذهان غالبية الروس بتقلبات الزمن، ومرحلة الفوضى والإصلاحات العشوائية والجوع والمهانة للغرب. لكنه في السنوات الأخيرة اكتسب بُعداً جديداً بفعل المواجهة مع الغرب. وغدا «الاستقلال»، وفقاً للتسمية السابقة للعيد، رمزاً لمواجهة التحديات الجديدة وتفعيلاً للخطاب الرسمي القائم على استخدام الروح الوطنية لتأجيج مشاعر العداء للغرب.

ماذا حدث في 12 يونيو 1990؟

نجح الزعيم الليبرالي بوريس يلتسن المدعوم من الغرب، الذي كان نجمه صاعداً بقوة كمدافع عن «الديمقراطية»، في إطلاق «إعلان سيادة الدولة في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية»، ليكرِّس بذلك واقعاً جديداً يقوم على انتهاج الجمهورية السوفياتية الأقوى والأضخم داخل الاتحاد طريقاً نحو الاستقلال و«السيادة».

وفي 12 يونيو (حزيران) 1990، في المؤتمر الأول لنواب الشعب، تم اعتماد إعلان سيادة الدولة في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية. سمح القرار للمجلس الأعلى الروسي بالحصول على المزيد من السلطة من الجهاز المركزي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. كان ديمقراطيو يلتسين يأملون في إضعاف الرئيس ميخائيل غورباتشوف الذي كان للتو حصل على صفة أول رئيس للدولة السوفياتية، وتسريع الإصلاحات وزيادة ثقلهم السياسي.

حرس الشرف الروسي خلال الاحتفالات في الكرملين (إ.ب.أ)

استخدم التيار الديمقراطي هذا التطور بقوة، لحشد تأييد وإقبال لأول انتخابات رئاسية مباشرة لروسيا في العام التالي، وكان طبيعياً أن يفوز يلتسن بالرئاسة ليوقع أول قانون باعتبار المناسبة عيداً وطنياً، ويوم عطلة رسمية في البلاد.

في السنوات الأولى، تم وصف العطلة بأنها «يوم الاستقلال الروسي». واحتاجت روسيا إلى مرور خمس سنوات تغيَّرت خلالها أحوال البلاد كلياً، واختفى البلد السوفياتي العملاق عن الخريطة، ليقترح يلتسين في 1997 إعادة تسمية العطلة بـ«يوم روسيا».

ورغم ذلك، فقد وقع التغيير رسمياً وفعلياً في عام 2002، عندما دخل قانون العمل الجديد في الاتحاد الروسي حيز التنفيذ.

لقد استخدم منتقدو يلتسين غموض المناسبة للتشكيك فيها لسنوات. وأشار المراقب الديمقراطي فيتالي تريتياكوف عام 1994 إلى سخافة تطبيق مفهوم «الاستقلال» على روسيا، حيث إن «المستعمرات السابقة لديها أيام استقلال، لكن المستعمرين السابقين لا يتمتعون بذلك».

من وجهة نظر تريتياكوف، كان يوم 12 يونيو بداية الانهيار؛ إذ رأى الشيوعيون والقوميون في هذا الحدث خطوة أساسية نحو انهيار الاتحاد السوفياتي. وأطلقوا على يوم 12 يونيو اسم «يوم استقلال السلطة عن الشعب». في رأيهم، منذ عام 1991، باعت روسيا نفسها للغرب.

لقد غادرت روسيا الاتحاد السوفياتي بالفعل؛ ليس في 12 يونيو 1990، بل بعد عام ونصف العام، في ديسمبر (كانون الأول) 1991، وتحديداً في 12 ديسمبر 1991، صدق مجلس السوفيات الأعلى لجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية على اتفاقيات بيلوفيجسكايا، وندَّد بمعاهدة الاتحاد لعام 1922.

وكان هذا الإعلان التحوُّل الفعلي الذي منح الدولة السوفياتية شهادة الوفاة. على صعيد الغالبية الساحقة من السكان الروس، برز موقف سلبي للغاية خلال سنوات طويلة تجاه انهيار الاتحاد السوفياتي، لذلك أصبحت العطلة مثيرة للجدل، ولم تكتسب شعبية. واعترف الديمقراطيون الروس بالعيد، لكن المحافظين والشيوعيين لم يتفقوا معهم. وجد بعض الروس أنه من الغريب الاحتفال بانهيار الاتحاد السوفياتي وإصلاحات يلتسين.

تشكيلات يقوم بها أطفال لكتابة اسم روسيا احتفالاً بيوم الاستقلال (أ.ب)

«يوم روسيا» في ظروف المواجهة الكبرى

التحول الأساسي في التعامل مع العيد وقع في عام 2002؛ كان الرئيس بوتين قد بدأ تعزيز سلطاته وشكَّل فريقه الذي ما زال يرافقه في مواقع القرار حتى اليوم. واحتاج لأن يبدأ التفكير في قواعد العلاقة مع الشعب، ومع ماضي الدولة، ومع هويتها الآيديولوجية للمرحلة المقبلة.

لذلك تم التعامل تدريجياً مع العيد بصفته «يوم إقرار الدستور» أولاً، بما يمنحه بُعداً وطنياً ويُكسِبه شعبية. واختفت من الدعاية الرسمية كل إشارات إلى «الاستقلال»، وحلَّ مكانها الحديث عن عيد وطني يعكس الروح الجديدة لروسيا. لذلك وقع الاختيار في المحصلة على التسمية الرسمية: «يوم روسيا».

في هذا اليوم، منذ سنوات، تُقام فعاليات جماهيرية واسعة، تنظمها الأحزاب الموالية للكرملين، تتضمن الفعاليات الرياضية والحفلات الموسيقية.

في عام 2003، أُقيمت الاحتفالات الرئيسية المخصصة لـ«يوم روسيا» لأول مرة في الساحة الحمراء وسط العاصمة موسكو. وفي عام 2007، عشية يوم العيد، قام نشطاء منظمات الشباب «روسيا الموحدة» و«الحرس الشاب» لأول مرة بتشكيل «الألوان الثلاثة للعلم الروسي»، باستخدام أكثر من مليون شريط في ألوان العلم الوطني. ومنذ ذلك العام، أصبح هذا العمل أيضا تقليداً سنوياً.

بوتين يحتفل في الكرملين بتوزيع جوائز الدولة (أ.ف.ب)

ويقوم المشاركون في حملة أخرى بعنوان «نوافذ روسيا» بتزيين زجاج واجهات المباني بالرسومات والصور الفوتوغرافية والنقوش المخصصة للبلد لمدينتهم أو بلدتهم أو قريتهم. ويجب أن يكون الديكور مرئياً من الشارع. وأيضاً يقوم تلاميذ المدارس بتصوير مقاطع فيديو في المكان أو التحدث عن أماكن مثيرة للاهتمام في البلاد أو قراءة قصائد الشعر.

وغدا تقليدياً، خلال السنوات الأخيرة، أن يستضيف قصر الكرملين الكبير في يوم روسيا حفل توزيع الأوسمة والميداليات الذهبية على «أبطال العمل في روسيا» وجوائز الدولة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والأدب والفن، إزاء الإنجازات البارزة في الأنشطة الإنسانية وحقوق الإنسان والأعمال الخيرية.

خريطة ميدفيديف

لكن مع احتدام المواجهة مع الغرب في السنوات الأخيرة تمت إضافة أبعاد جديدة للعيد، فغدا يوماً لتأجيج الروح الوطنية وحشد التأييد في مواجهة الضغوط الغربية. في عام 2023، في «يوم روسيا»، تم تنظيم 3.3 ألف فعالية في جميع أنحاء البلاد. وشارك أكثر من 2.3 مليون شخص في الحفلات الموسيقية والمهرجانات والمناسبات العامة. وفي هذا العام سيكون بين «أبطال العمل» الذين يتم تكريمهم شخصيات لها إسهامات في مجالات مختلفة في تعزيز مكانة روسيا، ودفع تداعيات الضغوط والعقوبات المفروضة عليها.

أيضاً في هذا العام، كان من الطبيعي أن تحضر الحرب الأوكرانية بقوة في فعاليات العيد. وقد برز ذلك في مجالات عدة، ركزت على عزم روسيا مواصلة جهودها لتكريس الانتصار في المعركة.

في هذا السياق، نشر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف في صفحته على «تلغرام» مقطع فيديو هنأ فيه المواطنين بيوم روسيا، يظهر أوكرانيا مدرجة على الخريطة داخل حدود روسيا. ويسمع خلال الفيديو النشيد الوطني الروسي، وعلى أنغامه تمتد ألوان العلم الروسي لتغطي المساحة على الخريطة من أقصى الشرق الروسي إلى حدود بولندا ملتهمة بذلك كل أوكرانيا الحالية.

روسيا «البديل» للعالم

وفي المناسبة هذا العام، ارتفعت أصوات تتحدث عن «صواب الموقف الروسي»، وأن روسيا التي تخوض المواجهة الكبرى مع الغرب متسلحة بمواقف حلفاء في كل أنحاء العالم تشكل سياساتها «البديل عن المسار المسدود الذي يقدمه الغرب للعالم»، كما كتبت رئيسة مجلس الفيدرالية (الشيوخ) فالنتينا ماتفيتكو السياسية المقربة للغاية من بوتين.

أكدت ماتفينكو أنه «عندما يقف العالم على مفترق طرق، فإن روسيا اليوم واحدة من بلدان قليلة تقدم بديلاً عن المسار المسدود الذي يسير عليه الغرب، وتعمل على حل المشكلات التي تهم المجتمع الدولي».

وقالت إن «العالم دخل مرحلة جديدة ليس فقط من التطور التكنولوجي والاجتماعي والاقتصادي، وإنما أيضاً من التطور الحضاري، ومستقبل البشرية يتم تحديده حقاً. وأنا لا أبالغ».

وشددت ماتفيينكو على أن روسيا هي التي تعارض بفعالية وثبات مسار «التجريد من الإنسانية»، وتخوض معركة من أجل الحفاظ على الحضارة، التي تقوم على القيم الأساسية للإنسانية: خير الإنسان، وحقّه في ذلك. الحياة والتنمية الشاملة، سيادة الخير ونبذ الشر، العدالة، المساعدة المتبادلة، الأسرة القوية.

واستشهدت رئيسة مجلس الاتحاد الروسي بقول الكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي عن «فطرة الإنسانية المتأصلة في روح الشعب الروسي»، لتقول إن «هذا ما يؤكده الواقع الجيوسياسي الجديد، وهو أننا لسنا وحدنا في النضال من أجل نظام عالمي عادل. أعتقد أن ما ينتظرنا هو تأكيد الدور العالمي لبلدنا كأحد قادة الأغلبية الحقيقية في العالم».


مقالات ذات صلة

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

أوروبا زيلينسكي مع رئيس جمهورية التشيك بيتر بافيل في كييف (أ.ف.ب) play-circle

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا. واستطلاعات الرأي تظهر أن أكثر من نصف الأوكرانيين يعارضون الانسحاب مقابل ضمانات أمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة لكييف حيث تظهر شاشة كبيرة تُظهر درجة حرارة بلغت -19 مئوية في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مفاوضون أوكرانيون في أميركا لبحث إنهاء الحرب مع روسيا

وصل مفاوضون أوكرانيون إلى الولايات المتحدة؛ لإجراء محادثات مع مبعوثين أميركيين؛ سعياً لإنهاء الحرب مع روسيا، المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود من الجيش الروسي خلال عرض عسكري عام 2022 (وزارة الدفاع الروسية عبر منصة في كيه)

تراجع التجنيد في الجيش الروسي في 2025

أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الجمعة، أن نحو 422 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع الجيش الروسي، العام الماضي، بانخفاض قدره 6 في المائة عن عام 2024.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) play-circle

زيلينسكي يأمل إبرام اتفاق الضمانات الأمنية مع أميركا الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه يأمل أن توقع بلاده اتفاقيات مع أميركا، الأسبوع المقبل، بشأن خطة إنهاء الغزو الروسي، وانتقد بشدة بطء وصول الذخيرة من الشركاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز) play-circle

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية لاحقاً

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية، وموسكو تتابع «الوضع الاستثنائي» حول غرينلاند، وتتجنب إدانة خطوات ترمب

رائد جبر (موسكو)

10 قتلى على الأقل في تصادم قطارين بجنوب إسبانيا

قطاران في محطة أتوتشا بمدريد (أ.ف.ب)
قطاران في محطة أتوتشا بمدريد (أ.ف.ب)
TT

10 قتلى على الأقل في تصادم قطارين بجنوب إسبانيا

قطاران في محطة أتوتشا بمدريد (أ.ف.ب)
قطاران في محطة أتوتشا بمدريد (أ.ف.ب)

قتل عشرة أشخاص على الأقل وأُصيب آخرون بجروح في جنوب إسبانيا، اليوم الأحد، إثر خروج قطارين عن سكتيهما قرب مدينة أداموز في الأندلس، حسب ما أفادت الشرطة.

وأكدت قوات الحرس المدني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» سقوط «عشرة قتلى»، وأشارت خدمات الطوارئ إلى إصابة عدد من الأشخاص، وأن ركاباً محاصرون داخل العربات.


أوروبا تتوحّد في وجه تهديدات ترمب حيال غرينلاند

أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)
أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتوحّد في وجه تهديدات ترمب حيال غرينلاند

أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)
أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)

أكدت الدول الأوروبية الثماني التي هدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية، بسبب معارضتها طموحاته للاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي، وحدة موقفها الأحد، محذّرة من «تدهور خطير» في العلاقات. وقالت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد في بيان مشترك إن «التهديدات بفرض رسوم جمركية تُقوّض العلاقات عبر الأطلسي، وتنذر بتدهور خطير». وأضافت الدول الثماني: «سنواصل الوقوف صفاً واحداً ومنسقاً في ردنا. ونحن ملتزمون بالحفاظ على سيادتنا». وكان ترمب قد صعّد، السبت، لهجته عقب إرسال عسكريين أوروبيين إلى الجزيرة خلال الأيام الماضية في إطار مناورات دنماركية. وكتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «ذهبت الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا إلى غرينلاند لغاية غير معروفة. (...) هذه الدول، التي تمارس هذه اللعبة الخطيرة للغاية، انتهجت مستوى من المخاطرة لا يمكن تقبّله وغير قابل للاستمرار». وأثار هذا الانتشار حفيظة ترمب؛ إذ هدّد بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول المعنية إلى حين «التوصل إلى اتفاق على الشراء الكامل والشامل لغرينلاند“. وستدخل هذه الرسوم الإضافية، البالغة 10 في المائة، حيز التنفيذ بداية من الأول من فبراير (شباط) المقبل، وقد ترتفع إلى 25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران). وأكدت الدول الثماني في بيانها الأحد: «بوصفنا أعضاءً في حلف شمال الأطلسي، نحن مصممون على تعزيز أمن القطب الشمالي، وهو مصلحة مشتركة عبر الأطلسي». وأضافت أن «المناورات الدنماركية المنسّقة مسبقاً، والتي أجريت مع حلفائنا، تلبّي هذه الحاجة ولا تشكل تهديدا لأي طرف». وتابعت: «نعبّر عن تضامننا الكامل مع مملكة الدنمارك وشعب غرينلاند. واستناداً إلى العملية التي بدأت الأسبوع الماضي، نحن مستعدون للدخول في حوار يستند إلى مبادئ السيادة ووحدة الأراضي التي ندافع عنها بقوة».

جنود ألمان ينتظرون الصعود على متن رحلة من نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلاندا) الأحد (أ.ف.ب)

«خطأ»

وقبيل ذلك، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني على مواجهة تهديدات ترمب. وقال ماكرون إنه يعتزم «تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه» في حال تنفيذ ترمب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية. وتتيح هذه الآلية التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية أو منع استثمارات معينة. ومن جهتها، أكدت ميلوني خلال زيارتها العاصمة الكورية الجنوبية سيول أنها تحدثت إلى ترمب لإبلاغه أن تهديداته بفرض رسوم إضافية تمثل «خطأ»، وهي تهديدات وصفها أيضاً وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان ويل بأنها «غير مفهومة» و«غير ملائمة»، معتبراً أنها «عملية ابتزاز». واعتبرت نظيرته الآيرلندية هيلين ماكينتي أن هذه التهديدات «غير مقبولة بتاتاً ومؤسفة للغاية».

بحّار يعمل على سطح سفينة تابعة للبحرية الملكية الدنماركية في ميناء نوك (غرينلاند) الجمعة (أ.ف.ب)

من جانبه، رد رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور على سؤال بشأن إمكان اتخاذ تدابير مضادة بعد تهديد ترمب، قائلاً: «كلا، هذا الأمر ليس موضع بحث في الوقت الراهن». وصرحت وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «بالنظر إلى السياق، نرى أن هذه الضجة حول الرسوم الجمركية خطأ. نعتقد أنها غير ضرورية إطلاقاً وضارة وغير مجدية». كذلك، أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن اعتقاده أن الخلاف الجمركي الحالي مع الولايات المتحدة لن يؤثر في التماسك العسكري داخل حلف شمال الأطلسي. وصرح فاديفول للقناة الأولى بالتلفزيون الألماني «إيه آر دي»، الأحد: «لا يوجد أدنى شك في أن الولايات المتحدة ملتزمة بالكامل بالتحالف وبحلف (الناتو)، وكذلك بالدفاع عن أوروبا». وأضاف السياسي المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي: «ليس هناك أحد في واشنطن شكك في ذلك حتى الآن». وتابع أنه لا ينبغي في أوروبا إثارة مثل هذه التساؤلات، بل ينبغي العمل بشكل مشترك من أجل تعزيز قوة الحلف. ومنذ عودته إلى السلطة قبل عام، يتحدث الرئيس الأميركي بشكل متكرر عن السيطرة على الجزيرة الشاسعة الواقعة بين أميركا الشمالية وأوروبا، مبرراً ذلك باعتبارات أمن قومي في ظل التقدم الروسي والصيني في القطب الشمالي.

اجتماع طارئ

وأمام هذه التهديدات، عُقد اجتماع طارئ لسفراء دول الاتحاد الأوروبي بعد ظهر الأحد في بروكسل. وهدف الاجتماع إلى بلورة موقف مشترك رغم أن ثمة دولاً أخرى في الاتحاد الأوروبي لم يستهدفها الرئيس الأميركي، خصوصاً إيطاليا.

وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي (يمين) يصافح نظيره الدنماركي لوك راسموسن في أوسلو الأحد (أ.ف.ب)

وبالتوازي، بدأ وزير الخارجية الدنماركي، الأحد، جولة دبلوماسية تشمل النرويج والمملكة المتحدة والسويد، وهي 3 دول حليفة وأعضاء في حلف شمال الأطلسي، لبحث تعزيز دور الحلف في أمن منطقة القطب الشمالي. وزار لارس لوك راسموسن أوسلو الأحد، على أن يتوجه، الاثنين، إلى لندن ثم الخميس إلى استوكهولم. وقال راسموسن في بيان: «في عالم غير مستقر، ولا يمكن توقع (ما يحصل فيه)، تحتاج الدنمارك إلى أصدقاء وحلفاء قريبين (...). يجمع بين بلداننا أننا جميعاً متفقون على ضرورة تعزيز دور (الناتو) في القطب الشمالي. وأتطلع إلى مناقشة كيفية التوصل إلى ذلك». وأوردت «الخارجية الدنماركية» في بيان لك أن الدنمارك، «بالتعاون مع كثير من الدول الأوروبية الحليفة» انضمت أخيراً إلى إعلان مشترك حول غرينلاند، يؤكد أن هذه الجزيرة المترامية تشكل جزءاً من الحلف، وأن ضمان أمنها هو «مسؤولية مشتركة» لأعضائه. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، يستخدم ترمب سلاح القيود التجارية على نطاق واسع في العلاقات الدولية، بما في ذلك مع شركاء واشنطن التقليديين. لكن قراره، السبت، في شأن الرسوم يشكل خطوة غير مسبوقة؛ فالولايات المتحدة، الركن الأساسي في حلف الأطلسي، تهدد حلفاءها بعقوبات من أجل الاستحواذ على إقليم تابع لأحد الشركاء. وتظاهر آلاف الأشخاص، خصوصاً في كوبنهاغن ونوك عاصمة غرينلاند، السبت، تنديداً بهذه الطموحات الإقليمية، وهتفوا «غرينلاند ليست للبيع». وبحسب آخر استطلاع نُشر في يناير (كانون الثاني) 2025، يعارض 85 في المائة من سكان غرينلاند الانضمام إلى الولايات المتحدة، في حين يؤيد ذلك 6 في المائة فقط.


200 ألف منزل من دون كهرباء بعد هجوم في أوكرانيا

شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)
شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)
TT

200 ألف منزل من دون كهرباء بعد هجوم في أوكرانيا

شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)
شخصان داخل مبنى سكني استهدفته غارة روسية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأحد (إ.ب.أ)

تسبب هجوم للجيش الأوكراني في انقطاع الكهرباء عن أكثر من 200 ألف منزل في مناطق تحتلها روسيا بجنوب أوكرانيا، وفق ما أفادت الأحد، السلطات المعيّنة من جانب موسكو، فيما يبحث المفاوضون الأميركيون والأوكرانيون خطة ما بعد الحرب في أحدث جولة من محادثات السلام. وقال يفغيني باليتسكي الذي يحكم مناطق محتلة من جانب روسيا عبر تطبيق «تلغرام»: «إثر هجوم للعدو على بنى تحتية للطاقة في المنطقة، حُرم قسم كبير من منطقة زابوريجيا من الكهرباء».

وأوضح أن التيار الكهربائي لم يعد متوافراً لـ213 ألف مشترك و386 بلدة في منطقة زابوريجيا إثر الهجوم.

وكان فلاديمير سالدو، الحاكم الذي عينته موسكو لإدارة منطقة خيرسون المجاورة، أفاد مساء السبت، عن قصف أوكراني طال محطة كهرباء فرعية وتسبب بانقطاع التيار عن 14 مدينة و450 قرية. وأعلن لاحقاً عودة التيار بعد عمليات إصلاح عاجلة. وكثفت روسيا في الأشهر الأخيرة ضرباتها على شبكة الطاقة الأوكرانية، ما أدى إلى انقطاع واسع النطاق للكهرباء والتدفئة.

وفي ضوء ذلك، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، «حالة الطوارئ» في القطاع، وأمر بزيادة واردات الكهرباء في البلاد. وقال زيلينسكي صباح الأحد، إن «الوضع في قطاع الطاقة لا يزال صعباً، لكننا نبذل ما في وسعنا لإعادة كل الخدمات في أسرع وقت».

وأورد سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت خلال الليل، 201 مسيرة، تم إسقاط 167 منها. وأشار زيلينسكي إلى مقتل شخصين جراء ذلك.

من جهتها، لفتت وزارة الدفاع الروسية إلى إسقاط 63 مسيرة أوكرانية خلال الليل، في هجوم خلف عدداً من الجرحى بحسب السلطات المحلية. وقال الرئيس زيلينسكي من جهة أخرى، الأحد، إن شخصين قتلا وأصيب العشرات في هجوم كبير نفذته روسيا بطائرات مسيّرة على بلاده خلال الليل. وتابع زيلينسكي أن مناطق سومي وخاركيف ودنيبرو وزابوريجيا وخميلنيتسكي وأوديسا استهدفت في هجوم أطلقت فيه موسكو أكثر من 200 مسيرة. وأعلن الجيش عن تسجيل 30 غارة جوية في 15 موقعاً.

وأوضح رئيس بلدية خاركيف إيهور تيريكوف، أن شخصاً قتل في ثانية كبرى مدن المنطقة، وأن منشآت الطاقة المحلية ‍تعرضت خلال الأيام القليلة الماضية، إلى أضرار جسيمة جراء غارات روسية.

وصّعدت موسكو حملتها العسكرية خلال فصل الشتاء من خلال قصف شبكة الطاقة الأوكرانية، بالتزامن مع شنها هجوماً ميدانياً، ‌في ظل الضغوط ‌الأميركية التي تواجهها كييف ‌لإحلال السلام في ‌الحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لوقف الحرب، وعلى أوكرانيا خصوصاً، للقبول بشروط وصفتها كييف بأنها استسلام لروسيا. وما زالت هناك نقاط خلاف رئيسية بين كييف وواشنطن، وتسعى أوكرانيا للحصول على توضيحات من حلفائها بشأن الضمانات الأمنية التي ستحصل عليها بوصفها جزءاً من خطة السلام، وهي ضمانات تعدّها حيوية لردع روسيا عن غزوها من جديد.

عاجل السنغال تحرز لقب كأس أمم أفريقيا لكرة القدم بفوزها 1-صفر على المغرب