حربا أوكرانيا وغزة تهيمنان على مباحثات بايدن وماكرون

الرئيس الأميركي حذّر من أن بوتين «لن يتوقف عند أوكرانيا»

خصّ الرئيس الفرنسي نظيره الأميركي باستقبال حافل بمناسبة أول زيارة دولة يقوم بها بايدن إلى باريس (أ.ب)
خصّ الرئيس الفرنسي نظيره الأميركي باستقبال حافل بمناسبة أول زيارة دولة يقوم بها بايدن إلى باريس (أ.ب)
TT

حربا أوكرانيا وغزة تهيمنان على مباحثات بايدن وماكرون

خصّ الرئيس الفرنسي نظيره الأميركي باستقبال حافل بمناسبة أول زيارة دولة يقوم بها بايدن إلى باريس (أ.ب)
خصّ الرئيس الفرنسي نظيره الأميركي باستقبال حافل بمناسبة أول زيارة دولة يقوم بها بايدن إلى باريس (أ.ب)

استقبال غير مسبوق أعدّته فرنسا للرئيس الأميركي جو بايدن وعقيلته في زيارة الدولة الأولى من نوعها التي يقوم بها إلى باريس، والتي تأتي عقب مشاركته في احتفالات الذكرى الثمانين لإنزال الحلفاء العسكري الكبير على شواطئ منطقة النورماندي.

فرئاسة الجمهورية ذهبت أبعد مما ينص عليه البروتوكول في مثل هذا النوع من الزيارات: بايدن حظي باستقبال رسمي في ساحة قوس النصر، حيث كان بانتظاره الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت والعديد من أركان الدولة الفرنسية. ووصل بايدن بسيارته المصفحة مزدانة بالعلمين الأميركي والفرنسي بمواكبة أمنية استثنائية من دراجي شرطة باريس، التي نشرت المئات من أفرادها على طول جادة الشانزليزيه، وصولاً إلى ساحة قوس النصر.

حفاوة الاستقبال

في جادة الشانزليزيه، عزفت موسيقى النشيدين الوطنيين الأميركي والفرنسي، قبل أن يضع ماكرون وبايدن معاً إكليلاً من الورد الأحمر والأبيض والأزرق (ألوان علمي البلدين)، على نصب الجندي المجهول الواقع في قلب قوس النصر.

جانب من حفل استقبال بايدن في باريس السبت (رويترز)

وبعد أن أضرم الرئيسان رمزياً شعلة الجندي المجهول التي لا تنطفئ أبداً، وعزفت موسيقى الجيش «لحن الأموات»، ثم أنشدت جوقته النشيدين الأميركي والفرنسي، عمد بايدن وماكرون إلى مصافحة وفدي البلدين والشخصيات المدنية والعسكرية التي دُعيت إلى الاحتفال. وبرز من بين الأميركيين وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان.

في الوقت عينه، مرّ سرب من 4 طائرات «رافال» تابعة لسلاح الجو الفرنسي فوق موقع الاحتفال، قبل أن يصعد بايدن وماكرون في سيارة الأول متجهين إلى قصر الإليزيه بمواكبة 140 فارساً من خيالة الحرس الجمهوري، و38 دراجاً. واللافت أن الاحتفال غاب عنه، ولأسباب أمنية، الطابع الشعبي ــ الجمهوري، وقد جرى وسط إجراءات أمنية استثنائية تسببت بازدحامات مرورية خانقة بالنسبة للباريسيين، وبإغلاق عدد من الشوارع ومحطات المترو.

جدول أعمال مزدحم

لم تقتصر زيارة الدولة على الطابع الاحتفالي والبروتوكولي. فقصر الإليزيه استضاف غداء عمل ومحادثات بين الطرفين الأميركي والفرنسي، منها جلسة مغلقة بين الرئيسين. وقد استبق سوليفان اللقاءات الرسمية بتحديد الملفات والتحديات المدرجة على جدول المحادثات، وأوّلها الحرب الأوكرانية وحرب غزة وتطوراتها، والتعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقضايا سياسية متنوعة، منها التغير المناخي والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد.

هيمنت الحرب في غزة والحرب في أوكرانيا على المحادثات بين بايدن وماكرون السبت (إ.ب.أ)

وزاد الناطق باسم البيت الأبيض جون كيربي أن بايدن وماكرون سيبحثان تعزيز حلف «الناتو»، وتعهد كلاهما بدعم أوكرانيا، على الرغم من أنهما لم يتفقا بعد على خطة لاستخدام الأصول الروسية المجمدة لمساعدة كييف. وقال مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة وشركاءها في مجموعة السبع يحرزون تقدماً في هذا الشأن.

من جانبها، قالت الحكومة الفرنسية إن الرئيسين سيناقشان تقديم مزيد من الدعم لأوكرانيا في دفاعها ضد روسيا. كما سيبحثان الاستعداد لقمة مجموعة السبع المقررة الأسبوع المقبل في مدينة باري الإيطالية، وقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة الأميركية واشنطن في يوليو (تموز) المقبل.

الملف الأوكراني

بعكس بايدن الذي تكلم لوقت قصير، فإن ماكرون أسهب في تعداد الملفات التي تناولتها محادثات الطرفين في قصر الإليزيه. وحرص ماكرون على إظهار التقارب بينه وبين نظيره الأميركي، فشكره مراراً على ما يقوم به بالنسبة لأوكرانيا، ولاعتباره أن ما يحصل هناك «يقرر مصير الأمن والاستقرار في أوروبا»، مضيفاً أن الطرفين يتمتعان برؤية واحدة.

وذكّر ماكرون بالقرارات المتشابهة التي اتخذها الطرفان، مثل السماح لأوكرانيا باستهداف مواقع داخل الأراضي الروسية، وتسليح وتدريب القوات الأوكرانية، إلا أنه تجنّب الدخول في الملفات الخلافية، وعلى رأسها إرسال مدربين أو قوات غربية إلى أوكرانيا، وهو ما تستعد باريس للقيام به من خلال إقامة تحالف غربي، أو بالنسبة لاستخدام الأصول الروسية في الولايات المتحدة وأوروبا.

إيمانويل وبريجيت ماكرون لدى استقبالهما جو وجيل بايدن قرب قوس النصر السبت (أ.ب)

وبالمقابل، فإن الرئيس بايدن عاد لتأكيد أن للرئيس الروسي مطامع أبعد من أوكرانيا. وقال ما حرفيته إن «بوتين لن يتوقف عند أوكرانيا (...) أوروبا برمّتها مهددة، ولن ندع ذلك يحصل. الولايات المتحدة تقف بقوة إلى جانب أوكرانيا. أكرر أننا لن نتراجع». وأشار ماكرون إلى أنه والرئيس بايدن سيلتقيان مجدداً الأسبوع المقبل في إطار قمة مجموعة السبع في إيطاليا، والشهر المقبل في واشنطن بمناسبة القمة الأطلسية.

وأكّد ماكرون حضوره «قمة السلام» في سويسرا منتصف الشهر الحالي، التي سيغيب عنها بايدن. وأعرب ماكرون عن أمله في أن يلتزم قادة السبع بتسليم جزء مما أقرّوه، بتوفير مبلغ 50 مليار دولار لأوكرانيا. وتجدر الإشارة إلى أن بايدن أعلن منح كييف 225 مليون دولار في إطار حزمة جديدة من المساعدات، لتمكينها من شراء صواريخ مضادات جوية وذخائر. وأشار بايدن إلى أن أوروبا قد مدّت أوكرانيا بما قيمته الإجمالية 107 مليارات دولار منذ انطلاق الحرب قبل أكثر من عامين.

حرب غزة والجبهة اللبنانية

وفي موضوع غزة، وبعد أن عبّر ماكرون عن ارتياحه لإفراج إسرائيل عن 4 رهائن، أكد أن المطلوب التوصل إلى «وقف فوري لإطلاق النار، وفتح الباب أمام الحل السياسي الذي هو الوحيد من شأنه الدفع باتجاه سلام عادل ودائم ويستجيب للتطلعات الأمنية للشعبين» الفلسطيني والإسرائيلي. وإذ جدّد ماكرون دعم فرنسا لـ«الاتفاق الشامل» الذي طرحه بايدن، اعتبر أن الوضع في رفح والخسائر الإنسانية «أمر لا يمكن قبوله»، والأمر نفسه ينطبق على رفض إسرائيل فتح جميع المعابر «أمام تدفّق المساعدات الإنسانية».

الرئيس الأميركي جو بايدن يحضر احتفالاً في قوس النصر بباريس (إ.ب.أ)

ودعا ماكرون مجلس الأمن للتحرك، ولأن يلعب دوره للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وبالتوازي، شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة «مضاعفة الجهود من أجل منع حصول انفجار إقليمي، خصوصاً مع لبنان، حيث نتشارك «مع الولايات المتحدة الأميركية» ضرورة التوصل إلى محددات من أجل خفض التصعيد على الخط الأزرق، وبخصوص الملف المؤسساتي «العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية». وأهمّ ما ورد في كلام ماكرون تأكيده أن البلدين أعربا عن «تصميمهما على وجود تنسيق وثيق في المحادثات مع إسرائيل من جانب، ومع لبنان وجميع الأطراف المعنية».

سياسة إيران التصعيدية

ومن ملف غزة، وصل ماكرون منطقياً إلى ملف إيران، حيث عبر عن أن باريس وواشنطن متفقتان على اعتبار أن طهران تعتمد «سياسة تصعيدية بلا تحفظ»، أكان ذلك بالنسبة لهجمات «حماس» غير المسبوقة على إسرائيل، أو محاولاتها لضرب الاستقرار الإقليمي، أو بالنسبة لبرنامجها النووي. وأكّد ماكرون أن فرنسا والولايات المتحدة عازمتان على «ممارسة الضغوط الضرورية»، وأنهما أظهرتا هذا العزم من خلال القرار الصادر مؤخراً عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة النووية.

منفعة متبادلة

تقول مصادر فرنسية إن زيارة الدولة بالغة الأهمية للرئيسين ولأسباب متقاربة: بايدن بحاجة لإظهار أنه زعيم العالم الحر والداعم الأول لأوكرانيا في مواجهتها للعدوان الروسي، وأن قدراته كاملة للتعاطي مع قادة العالم، وكل ذلك سيكون مفيداً في إطار سعيه للفوز بولاية ثانية. كذلك، فإن ماكرون الذي يخوض حزبه وحلفاؤه معركة الانتخابات الأوروبية من موقع ضعيف، يرى في الجمع الغربي الذي توافد إلى فرنسا، وعلى رأسه الرئيس بايدن مثالاً على الموقع الذي يحتله على الخريطة الأوروبية والعالمية.

بايدن وماكرون بعد انتهاء المؤتمر الصحافي في باريس السبت (أ.ف.ب)

كذلك، تعتبر باريس أن الأيام الخمسة لزيارة بايدن لفرنسا تبين أهمية هذا البلد في أعين الإدارة الأميركية. وفي هذا السياق، تفهم جملة إشادة ماكرون بالرئيس الأميركي ليس فقط كقائد لقوة عالمية، بل أيضاً لأنه يجلب «الوضوح والولاء لشريك يحب الأوروبيين ويحترمهم».

كان لافتاً إصرار بايدن على التذكير بأهمية الصداقة الأميركية - الفرنسية، وإصرار ماكرون على العلاقة الخاصة التي تربطه بنظيره الأميركي وبالإنجازات المتبادلة الاقتصادية والاستثمارية، من غير تناسي القلق الذي يصيب الأوروبيين مما يعتبرونه إجراءات أميركية تنسف التنافس الحر، وتُوفّر ميزات للشركات الأميركية على الشركات الأوروبية.

وأكثر من مرة، أشاد بايدن بالعلاقات التي تربط بلاده بفرنسا، وهو شخصياً، مُؤكداً أن فرنسا «كانت أول صديق لنا»، في إشارة إلى الدعم الذي قدمته باريس للثورة الأميركية على الإنجليز، مضيفاً أنها «لا تزال من أفضل أصدقائنا». وبذلك يكون بايدن قد قلب صفحة الخلافات التي برزت في الكثير من المرات بين الطرفين، وكان آخرها نسف «صفقة القرن» التي كانت باريس قد وقعتها مع كانبيرا لبيعها مجموعة من الغواصات. وعمدت بعد ذلك إلى نقض الاتفاق، واستبدال به عقد أميركي ــ بريطاني.

وليلاً، وفي إطار زيارة الدولة، يحلّ بايدن وفريقه ضيوفاً على الإليزيه للعشاء الرسمي، الذي سيكون آخر عناصر الزيارة. وسيعود بايدن إلى الولايات المتحدة، بعد أن يمر مجدداً في منطقة شمال فرنسا لتكريم الجنود الأميركيين الذين سقطوا في الحرب العالمية الأولى في الدفاع عن فرنسا.



5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».


لندن وباريس تبديان تفاؤلاً بإحراز «تقدم حقيقي» في «خطة هرمز»

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
TT

لندن وباريس تبديان تفاؤلاً بإحراز «تقدم حقيقي» في «خطة هرمز»

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)

أعربت بريطانيا وفرنسا، الخميس، عن أملهما في قرب تبلور خطة عسكرية لحماية مضيق «هرمز»، وفي أن تنجح في إعادة تدفقات التجارة عبر هذا الممر الحيوي. وخلال اجتماع استمرَّ يومين في لندن، قدَّم فريق مخصص للتخطيط العملياتي، الأربعاء، عرضاً إلى مُخطِّطي العمليات العسكرية، بشأن مهمة متعددة الجنسيات تقودها المملكة المتحدة وفرنسا لحماية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤولين دفاعيين كبار.

فرص «تقدم حقيقي»

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، ونظيرته الفرنسية وزيرة القوات المسلحة كاثرين فوتران، في بيان مشترك، الخميس: «نحن واثقون من إمكانية تحقيق تقدم حقيقي». وأضافاً أنه «من خلال البناء على هدفنا المشترك، وتعزيز التنسيق متعدد الجنسيات، وتهيئة الظروف لعمل جماعي فعّال، يمكننا المساعدة في إعادة فتح المضيق، واستقرار الاقتصاد العالمي، وحماية شعوبنا».

وعُقد المؤتمر في مقر القيادة المشتركة الدائمة شمال غربي لندن، وهي مركز القيادة البريطاني للإشراف على العمليات العسكرية المشتركة وإدارتها. وأكد الوزيران ضرورة «تحويل الزخم الدبلوماسي إلى عمل يتطلب تخطيطاً دقيقاً، ونقاشاً صريحاً، والتزامات واضحة من الدول الحليفة والشريكة». وأشارا إلى «العواقب الاقتصادية الخطيرة» لإغلاق المضيق خارج منطقة الخليج، مُحذَّرين من أنَّه «يضرب العاملين، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً في مجتمعاتنا».

غواصون وكاسحات ألغام

وفي سياق الاستعدادات الميدانية، أفادت وزارة الدفاع البريطانية بأنَّ غواصين عسكريين يستعدون لإجراء عمليات إزالة ألغام في حال دعت الحاجة في مضيق «هرمز»، بينما يتم تجهيز خبراء البحرية الملكية المُدرَّبين على تحييد الألغام وتفكيكها لتوفير خيارات إضافية إلى جانب الأنظمة غير المأهولة، وفق ما أورد موقع «بوليتيكو».

ومع مشاركة المخططين العسكريين في اليوم الثاني من المحادثات في لندن، أكّدت بريطانيا أيضاً أنها ستعرض نشر كاسحات ألغام ذاتية التشغيل ضمن مهمة متعددة الجنسيات مقترحة لحماية المضيق، بحسب المصدر نفسه.

وكانت إيران قد تعهَّدت، الأربعاء، بعدم إعادة فتح مضيق «هرمز» ما دامت الولايات المتحدة تواصل فرض حصار على موانئها. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد ترأسا، الأسبوع الماضي، محادثات دولية في باريس حول المضيق الاستراتيجي، بمشاركة أكثر من 50 دولة.

وقال ستارمر إنَّ أكثر من 12 دولة وافقت على المشارَكة في المهمة الرامية إلى تحرير الملاحة في «هرمز». وقد هيمن التوتر في هذا الممر المائي على وقف إطلاق النار في حرب الشرق الأوسط.

ومع اقتراب انتهاء الهدنة في وقت سابق هذا الأسبوع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اللحظة الأخيرة تمديدها إلى أجل غير مسمى، لإتاحة مزيد من الوقت لمحادثات السلام التي تتوسط فيها باكستان.

وقالت إيران إنها ترحِّب بجهود باكستان، لكنها لم تعلّق على إعلان ترمب. ورغم أنَّ الضربات في أنحاء المنطقة توقفت إلى حد كبير منذ بدء الهدنة، فإنَّ الضغوط لم تتراجع حول هذا المسار التجاري الحيوي، إذ يستخدم الطرفان أدواتهما الاقتصادية في محاولة من كل طرف لإجبار الآخر على التراجع. وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس النفط العالمي يُنقَل عبر مضيق «هرمز».