هل الدعم العسكري الأميركي يمكن أن يقلب موازين المعركة لصالح أوكرانيا؟

المحلل سولتيس: فشل الهجوم المضاد بسبب الافتقار إلى الصواريخ طويلة المدى ومقاتلات «إف 16»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع القائد الجديد لقواته (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع القائد الجديد لقواته (أ.ب)
TT

هل الدعم العسكري الأميركي يمكن أن يقلب موازين المعركة لصالح أوكرانيا؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع القائد الجديد لقواته (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع القائد الجديد لقواته (أ.ب)

من الأفضل لأعضاء الكونغرس الأميركي الذين يؤخرون حاليا حزمة مساعدات عسكرية لأوكرانيا أن يدرسوا حدثين وقعا مؤخرا. كما يتعين عليهم النظر أيضا في حقيقة أن لدى الجهد الدفاعي لأوكرانيا فرصة جيدة لتحقيق النصر في نهاية الأمر شريطة أن يزودها شركاؤها الغربيون بالأسلحة المناسبة.

زيلينسكي خلال زيارته الأخيرة إلى الكونغرس مع زعيمي الديمقراطيين والجمهوريين في «الشيوخ» في 12 ديسمبر 2023 (أ.ب)

وقال دينيس سولتيس، أستاذ السياسة المقارنة الكندي المتقاعد والمتخصص في منطقة الاتحاد السوفياتي السابق، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنترست» الأميركية إن الحدث الأول هو الوفاة المُسبَّبَة لزعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني في سجن صارم تابع للنظام شمال الدائرة القطبية الشمالية.

وفي السابق، كان الكرملين ينفى المسؤولية عن جرائم القتل السياسي أو الشروع في القتل التي ترتكب في الخارج، مثل تسميم أليكسندر ليتفينينكو وسيرجي سكريبال في بريطانيا.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماعه مع القائد الجديد للجيش ووزير الدفاع في كييف (د.ب.أ)

داخل روسيا نفسها، تم إطلاق تحقيقات صورية بعد جريمتي اغتيال آنا بوليتكوفسكايا وبوريس نيتمسوف. إلا أن قضية نافالني توضح الطبيعة الجريئة لآخر جريمة قتل لنظام بوتين. وسيكون للرمزية المنذرة بالشر للسجن الذي يرجع إلى عصر ستالين، والمصمم لكسر وتحطيم السجناء السياسيين تأثير كبير على الشعب الروسي. في الوقت نفسه، شعر نظام بوتين بالثقة الكافية للاستهانة بتجاهله للمبادئ الإنسانية الأساسية أمام الجمهور الدولي.

أما الحدث الثاني فقد كان تهديد الكرملين باستخدام أسلحة نووية في الفضاء الخارجي ومهاجمة الأقمار الاصطناعية الغربية الخاصة بالاتصالات. ويمثل التسليح النووي للفضاء من جانب نظام يرغب في قتل المعارضين بشكل تعسفي وشن حرب إبادة جماعية خطرا واضحا.

مزج زيلينسكي في كلمته بين الامتنان للدعم وحث الحلفاء على المزيد (أ.ف.ب)

إن الحدثين معا يظهران بوضوح التهديدات الروسية المستمرة للنظام القانوني الدولي وعدم جدوى أي نوع من التسوية السياسية. وأفضل طريقة مؤكدة لإزالة التهديدات هي مساعدة أوكرانيا على الانتصار في حربها التي تشنها للدفاع عن النفس.

وقال سولتيس، كما نقلت عنه «وكالة الأنباء الألمانية»، إنه على أساس التطورات على الجبهة الأوكرانية أكدت شخصيات غربية أنه تم الوصول إلى حالة جمود عسكري. وبدلا من تزويد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة، عدّت هذه الشخصيات أنه يتعين على كييف والغرب أن يعترفا بـ«حقيقة» واستمرار المكاسب التي حققتها روسيا على الأرض في أوكرانيا. وكان المنطق الرئيسي في هذا الرأي هو فشل الجيش الأوكراني في تحقيق اختراق في هجومه الذي شنه في صيف عام 2023.

المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد توقيع الاتفاق الأمني (أ.ف.ب)

إلا أن فشل الهجوم لم يكن ناجما عن ضعف أداء الجيش الأوكراني، لكنه نجم ببساطة عن الافتقار إلى الأسلحة الكافية والمناسبة، مثل الصواريخ طويلة المدى ومقاتلات إف16، وذلك بسبب التراخي والمماطلة السياسية في الغرب. وقد كانت الأسلحة التي تم تسليمها مجرد جزء صغير من الكميات التي تم التعهد بها.

وعد سولتيس أن الرافضين مخطئون أيضا في التفكير في أن الاستيلاء على الأراضي هو أفضل معيار لتقييم النجاح في القتال. في الواقع، لا تؤكد الاستراتيجية الأوكرانية على إعادة الاستيلاء على الأراضي وإنما تدمير جنود العدو وقدراته اللوجيستية والصناعية. ومن خلال خوض معركة دفاعية طويلة في مدينة باخموت التي عرفت باسم «مفرمة اللحم» على الجبهة الشرقية، دمر الأوكرانيون مجموعة التعبئة الروسية التي تمت في الشتاء الماضي.

وقد تكررت مفرمة اللحم هذه على مستوى أكبر في مدينة أفدييفكا القريبة، حيث قال الرئيس الأوكراني إن نسبة القتلى فيها كانت جنديا أوكرانيا إلى سبعة جنود روس، إلا أنه لا يمكن التحقق من هذا الإعلان بشكل مستقل. وفي ضوء هذه الخسائر، ليس من المؤكد أن تتمكن روسيا من تعبئة «الملايين» المزعومين من الذكور الذين هم في سن التجنيد.

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك خلال اجتماعه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

وفي الوقت نفسه، يحقق الأوكرانيون نجاحات واضحة في القرم والمناطق المجاورة لها، حيث تعرضت الدفاعات الجوية الروسية لتهديدات خطيرة وتم إغراق أو تعطيل ثلث أسطول البحر الأسود الروسي. وقد تم تحقيق هذه النجاحات بدرجة كبيرة بالمسيرات المنتجة محليا وصواريخ كروز قليلة من طراز «نيبتون»، بمساعدة عدد محدود من صواريخ أرض جو قصيرة المدى فقط من طراز «ستورم شادو» البريطانية و«سكالب» الفرنسية.

وكما هو معروف، أجبر الأوكرانيون أسطول البحر الأسود الروسي على الخروج من قاعدته الرئيسية في شبه جزيرة القرم في سيفاستوبول ليعود إلى الساحل الروسي. كما تم استئناف شحنات حبوب كبيرة إلى الدول الفقيرة من ميناء أوديسا.

إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يتصافحان بحرارة بعد التوقيع على الاتفاقية الأمنية المشتركة (أ.ف.ب)

وقد تحققت هذه النجاحات البحرية جزئيا بمسيرة بحرية مراوغة تحمل اسم «ماجورا في 5» والتي لم يتمكن أسطول البحر الأسود الروسي من وقفها. كما طور الأوكرانيون نماذج أولية لثلاث مسيرات بحرية تعمل تحت المياه، وستكون أكبر هذه المسيرات قادرة على الوصول إلى أي نقطة في البحر الأسود.

كما أظهرت الضربات الأخيرة التي شنتها مسيرات أوكرانية على البنية التحتية الاقتصادية حتى مدينة سان بطرسبورغ في الشمال ومدينة توابسي في الجنوب على ساحل البحر الأسود أن هذه المسيرات لديها المدى الذي يمكنها من ضرب 18 مصفاة نفط كبيرة، ومنشآت طاقة في الجزء الأوروبي من الاتحاد الروسي، حيث يوجد العدد الأكبر من مصافي النفط الروسية.

وأضاف سولتيس أن نسبة تتراوح بين 15 في المائة و20 في المائة من النفط والصادرات الروسية تمر عبر البحر الأسود. وإذا حدث منع جزئي لصادرات النفط فإنه سيقلص الميزانية العسكرية الروسية، كما أن تعطيل كثير من مصافي النفط الروسية يمكن أن يؤدي إلى أزمة للاقتصاد المحلي الروسي. وفي ضوء هذه العوامل، فإن قدرة روسيا على الحفاظ على صناعة الأسلحة في مستوى مرتفع على المدى الطويل ستكون موضع شك.

ومع ذلك، فإن المسيرات الأوكرانية لا تستطيع حمل حمولة ثقيلة وعددها قليل للغاية لكي تتسبب في ضرر شامل لأهداف روسية بعيدة، باستثناء ضربات قليلة ناجحة.

وبعد أربعة أشهر من الهجمات الروسية المكثفة، اضطر الجيش الأوكراني إلى إخلاء موقعه المحصن بقوة والمناسب جغرافيا في أفدييفكا. ومنح النقص في ذخيرة المدفعية والافتقار إلى الغطاء الجوي روسيا انتصارا تكتيكيا ودعائيا.

صورة عامة لمصنع أفدييفكا للكيماويات وفحم الكوك (أ.ف.ب)

وبكلمات أخرى، رأى سولتيس أن انسحاب الجيش الأوكراني يظهر بوضوح أن أوكرانيا تحتاج إلى صواريخ بعيدة المدى وطائرات. وبالإضافة إلى ذلك، من الصعب فهم السياسة الغربية في حرمان أوكرانيا من الصواريخ طويلة المدى التي تستطيع ضرب أهداف عسكرية مهمة في روسيا وحتى داخل الأجزاء المحتلة من أوكرانيا نفسها، خاصة أن هذه السياسة تترك روسيا حرة لقصف الأهداف الأوكرانية من دون رد. هذه الاستراتيجية ستفشل بالتأكيد.

في غضون ذلك، تضطر أوكرانيا إلى التخلي عن مواقع استولت عليها بصعوبة في أرض المعركة وتدفع ثمنا باهظا غير ضروري من الخسائر البشرية بين المدنيين وقوات الجيش.

واختتم سولتيس تقريره بالقول إن الجنود الأوكرانيين يمكن أن يتعرضوا للقتل مرة واحدة. وفي ظل المعدل الحالي للإمدادات، تواجه أوكرانيا خطر تلقي الأسلحة الكافية عندما لا تكون هناك قوات متبقية لاستخدامها. لذلك يتعين على الكونغرس الأميركي التحرك سريعا لتصحيح الأخطاء السياسية والاستراتيجية التي ارتكبها في الماضي. وفضلا عن ذلك، يجب على الناخبين الأميركيين أن يفهموا أن التهديدات التي تواجه المصالح الأمنية والاقتصادية الأميركية يمكن تجنبها بتقديم مساعدات ملائمة في الوقت المناسب إلى أوكرانيا، التي أظهرت أنها تستطيع أن تستخدمها لتحقق نتيجة.


مقالات ذات صلة

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.