موسكو تتوقع تصعيداً في العمق الروسي وتجدد رفض «صيغة السلام» الأوكرانية

بوتين يتفقد المجمع الصناعي العسكري... ويشيد بمضاعفة الإنتاج

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث في «الدوما» (أ.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث في «الدوما» (أ.ب)
TT

موسكو تتوقع تصعيداً في العمق الروسي وتجدد رفض «صيغة السلام» الأوكرانية

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث في «الدوما» (أ.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث في «الدوما» (أ.ب)

مع اقتراب الحرب الأوكرانية من دخول عامها الثالث بعد أسبوع، أحيت روسيا الجمعة الذكرى العاشرة لأحداث «الميدان الأوكراني» التي وقعت قبل 10 سنوات وكانت الفتيل الذي أشعل المواجهات في المناطق الانفصالية في إقليم دونباس، وقادت إلى إعلان قرار ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، ومهّدت الظروف للمواجهة الكبرى التي تشهدها أوكرانيا منذ سنتين.

مجلس النواب الروسي (الدوما) خلال استماعه لكلمة لافروف (أ.ب)

بهذه المناسبة نظّمت موسكو مؤتمراً حمل عنوان «الميدان الأوكراني... عقد أوكرانيا الضائع» حضره وزير الخارجية سيرغي لافروف وعدد من المسؤولين الآخرين. وطرح خلاله الوزير الروسي رؤية بلاده لأسباب المواجهة والواقع العسكري والسياسي الحالي.

اندلعت أحداث «الثورة الأوكرانية» وفقاً للتسمية المتداولة في كييف في فبراير (شباط) 2014 احتجاجاً على تراجع الرئيس الأوكراني فيكتور يانكوفيتش الذي كان مقرباً من موسكو في حينها عن توقيع اتفاقية الشراكة مع أوروبا التي تم إعدادها لسنوات قبل ذلك. لذلك، حملت الأحداث أيضاً تسمية «الميدان الأوروبي». وأسفرت أعمال الاحتجاج الواسعة عن سلسلة من الأحداث العنيفة التي شارك فيها متظاهرون وشرطة مكافحة الشغب ومسلحون مجهولون في العاصمة كييف، وانتهت بفرار الرئيس الأوكراني ليلة 16 فبراير إلى الأراضي الروسية، فيما أعلنت المعارضة تكليف حكومة مؤقتة بإدارة البلاد، وهو الأمر الذي رأت فيه موسكو «انقلاباً على الشرعية».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)

وقادت تلك الأحداث إلى اشتعال المواجهات بين القوات الحكومية ومجموعات الانفصاليين في إقليمي دونيتسك ولوغانسك بدعم مباشر من موسكو، كما أسفرت بعد مرور أقل من شهر عن إعلان ضم القرم رسمياً إلى روسيا وطرد القوات الأوكرانية التي كانت تتمركز في هذه المنطقة.

وأقدمت الحكومة المؤقتة، بقيادة أرسيني ياتسينيوك، على توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وأصبح بترو بوروشنكو رئيساً لأوكرانيا بعد نصر ساحق في الانتخابات الرئاسية المبكرة غير المقررة لعام 2014. وأسفرت هذه التطورات عن تعميق المطالب الانفصالية في شرق أوكرانيا، وهيأت الظروف تدريجياً للتدخل العسكري المباشر في المنطقة بعد مرور 8 سنوات على تلك الأحداث بسبب ما وصفته موسكو بأنه «فشل المحاولات السياسية لتسوية الأزمة المتفاقمة».

وبهذه المناسبة جدد لافروف تأكيد موقف بلاده على أن «الغرب استخدم أوكرانيا لاحتواء روسيا وإلحاق هزيمة استراتيجية بها ومنع موسكو من لعب الدور الذي تستحقه بحق على المسرح العالمي».

وزاد أن أوكرانيا تحولت بسبب أحداث الميدان من «بلد مستقر تلقى أغنى الإمكانات الصناعية من الاتحاد السوفياتي والإمبراطورية الروسية، إلى أفقر دولة في أوروبا، ومنطقة معرضة للخطر (...) وباتت سلطات كييف متسولاً دولياً معترفاً به عالمياً».

وأعاد لافروف التذكير بأن روسيا «لم تبدأ الحرب، بل وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن سكان دونباس الذين واجهوا عملية إبادة جماعية».

وأشار الوزير إلى أنه في مسألة الحوار مع أوكرانيا، فإن «الكرة حالياً ليست في ملعب موسكو، ويجب على فلاديمير زيلينسكي أولاً إلغاء المرسوم الذي يحظر إجراء المفاوضات». وأكد أن القيادة الروسية أبلغت الغرب مراراً بموقفها.

وحمل بشدة على «السياسيين الغربيين الذين مارسوا الخداع والاحتيال لمحاولة جرّ ممثلي جنوب وشرق العالم إلى ما يسمى بـ(صيغة السلام) التي طرحها زيلينسكي». وأوضح في الوقت نفسه أن «هذه الخطة طريق مسدودة وتمثل في الواقع استسلام روسيا».

وشدّد على بلاده لن تقدم تنازلات جديدة، و«لقد قدمنا كثيراً من التنازلات، ومبادرات حسن النية تجاه الغرب ، والحد الأقصى لهذه المبادرات قد استنفد بالفعل».

وبرغم أن إشارة لافروف حملت تشدداً حيال إمكانية فتح قنوات الحوار مجدداً مع الغرب، فإنه أضاف أن بلاده «أكدت مراراً أنها مستعدة للمفاوضات، لأن روسيا لا تسعى إلى تدوير دولاب الموازنة في الصراع الأوكراني، بل تسعى إلى إنهائه. فيما تعلن الدول الغربية باستمرار الحاجة إلى مواصلة الأعمال العدائية، وتواصل تزويد سلطات كييف بالأسلحة، وتقوم بتدريب مقاتلي القوات المسلحة الأوكرانية على أراضيها».

وكشف الوزير الروسي عن معطى جديد في ملف تسليح أوكرانيا، وقال إن المعطيات الروسية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يعمل على إقناع كييف بتصعيد استهداف العمق الروسي باستخدام أسلحة بعيدة المدى.

مشيراً إلى أن الهدف الغربي هو «تعزيز حال الارتباك والذعر لدى الروس، ومحاولة تقويض ثقة الشعب الروسي بالنصر».

بوتين يزور أحد أكبر مصانع روسيا والعالم للدبابات والعربات المدرعة (أ.ف.ب)

وكما قال لافروف، وفقاً للبيانات الروسية، فإن الأوروبيين «قدّموا مثل هذه التوصيات، وتوصلوا إلى نتيجة، مفادها أن الأساليب التي تقاتل بها أوكرانيا الآن لن تكون قادرة على تحقيق الفوز». وحمل لافروف بقوة على وجه التحديد على موقف بريطانيا إزاء الصراع. وقال إن «الخط الذي تنتهجه لندن أكثر عدوانية من التصرفات الأميركية».

وفي الملفات المرتبطة ، قال الوزير الروسي إن الغرب حاول حرمان روسيا من حق النقض في مجلس الأمن، ملاحظاً أن أي جهد في هذا الاتجاه سوف يبوء بالفشل.

وقال الوزير: «من غير الواقعي التخلي عن حق النقض. عندها ستتحول (الأمم المتحدة)، تماماً مثل (عصبة الأمم)، إلى هيكل عديم الفائدة، ولن يؤدي إلا إلى تصعيد المواجهة». واعتبر أن «حق النقض ليس امتيازاً، بل أداة لضمان القرارات التي يمكن التحقق منها».

وأشار لافروف أيضاً إلى المناقشات داخل «الأمم المتحدة» حول إصلاح مجلس الأمن التابع للمنظمة. وشدّد على أن التغييرات المحتملة يجب أن «تعكس فهماً للتغيرات التكتونية التي تحدث في العالم في سياق عمليات التعددية القطبية». وفي هذا الشأن، عارض لافروف فكرة ضم اليابان إلى مجلس الأمن، وقال إنه «لا يمكن إضافة أعضاء جدد إلى مجلس الأمن من قبل الغرب. يحاولون ضم اليابان، التي تمارس سياسة غربية بالكامل».

وانتقد لافروف مجدداً ما وصفه ازدواج المعايير لدى الولايات المتحدة، وقال إن واشنطن «تفسر قوانين (الأمم المتحدة) كما يحلو لها، فحينما أرادوا إعلان استقلال كوسوفو عادوا إلى مبدأ تقرير المصير، وحينما حدث استفتاء القرم، قالوا إن هذا يتعارض مع مبدأ وحدة الأراضي».

المجمع الصناعي العسكري

على صعيد آخر، أشاد الرئيس فلاديمير بوتين خلال جولة تفقدية في المجمع الصناعي العسكري الروسي بمستويات زيادة إنتاج الأسلحة والمعدات القتالية لتلبية حاجات الجيش.

وخلال وجوده في مصنع «أورال فاغونزافود»، أحد أكبر مصانع روسيا والعالم للدبابات والعربات المدرعة وآليات شق الطرق والبناء، اطّلع الرئيس الروسي على نماذج من الآلات الحديثة وعينات من المنتجات النهائية، وبينها ناقلات حركة جديدة للآليات الثقيلة والدبابات.

كما استمع لشرح من مهندسي المصنع عن سير تطوير الدبابات والعربات المدرعة تماشياً مع متطلبات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، واحتياجات الجيش المستقبلية.

وقال الرئيس الروسي إن «نتائج عمل المجمع، والزيادة الكبيرة في إنتاج مختلف المعدات العسكرية، أظهرت نتائج جيدة للغاية خلال العام ونصف العام الماضيين».

وأوضح أنه «بالنسبة لإنتاج الدروع الفردية، فقد نما 10 مرات، و(إنتاج) المركبات من مختلف الفئات نما 7 مرات، ونما إنتاج الدبابات 5 مرات، أي بزيادة 5 أضعاف، وإنتاج المركبات المدرعة من مختلف الفئات 3.5 مرة».

وفي وقت سابق، أعلنت مؤسسة «روستيخ» الروسية أنها زادت من إنتاج المدرعات والمحركات المخصصة للآليات العسكرية.

وقالت إنها تمكنت من زيادة الإنتاج بشكل كبير من خلال توسيع عمليات الإنتاج وتزويد المصنع بالمعدات الجديدة، وزيادة عدد العاملين فيه من 1400 إلى 2500 شخص.

الصناعات الحربية الروسية تمكنت من مضاعفة إنتاج الذخيرة للجيش بمقدار 17.5 مرة منذ بدء العمليات العسكرية (أ.ف.ب)

وفي السياق نفسه، أفادت وزارة الدفاع الروسية، في تقريرها السنوي، بأن الصناعات الحربية الروسية تمكنت من مضاعفة إنتاج الذخيرة للجيش بمقدار 17.5 مرة منذ بدء العمليات العسكرية.


مقالات ذات صلة

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.