فرنسا تسعى لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الهند... ولمزيد من التعاون في «النووي المدني»

الرئيس ماكرون ضيف الشرف في العيد الوطني الهندي الـ75

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تسعى لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الهند... ولمزيد من التعاون في «النووي المدني»

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)

تحتفل الهند كل عام بـ«يوم الجمهورية»، في 26 يناير (كانون الثاني)، الذي يمجّد البدء بالعمل بالدستور الهندي، الذي أُقرّ في اليوم نفسه من عام 1950، أي بعد عامين من استقلال الهند عن بريطانيا.

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال مؤتمره الصحافي مساء الثلاثاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

ودرج القادة الهنود، بهذه المناسبة، على دعوة أحد كبار قادة العالم ليكون «ضيف الشرف» إلى جانب المسؤولين الهنود، بما يعكس متانة وقوة العلاقة بين الهند والبلد المدعو. وبمناسبة قمة العشرين التي استضافتها الهند في العاصمة نيودلهي، في 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، اقترح رئيس الوزراء ناريندرا مودي، على الرئيس الأميركي جو بايدن، أن يكون ضيف الشرف لعام 2024. ولكن بعد انتظار طويل، جاء الرد الأميركي أن «أجندة الرئيس بايدن لا تسمح له بتلبية الدعوة»، الأمر الذي دفع نيودلهي إلى استبدال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنظيره الأميركي. وكان باراك أوباما آخر رئيس أميركي يلبي الدعوة الهندية في عام 2015. ولم يترك الرئيس الأسبق وراءه ذكرى جميلة للهنود؛ بسبب إثارته ملف حقوق الإنسان في الهند.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال تدشين إنشاءات أقامتها شركة «بوينغ» في الهند يوم 19 يناير (إ.ب.أ)

وبعد الرفض الأميركي، قبلت باريس الدعوة الرسمية، وعدّت أوساط الإليزيه وقتها أنها «تشريف قوي لفرنسا، وأنها ستساعد على توفير دعم للعلاقات الثنائية القوية» القائمة بين البلدين. وستكون الزيارة إلى الهند الثالثة من نوعها التي يقوم بها ماكرون، بعد زيارة أولى في عام 2018 وثانية في سبتمبر الماضي؛ للمشاركة في قمة العشرين.

وسبق للرؤساء فاليري جيسكار ديسستان، وجاك شيراك، ونيكولا ساركوزي، وفرنسوا هولاند، أن حظوا بدعوات مماثلة خلال رئاساتهم المتلاحقة. وكان الرئيس ماكرون قد دعا مودي ليكون ضيف الشرف في «احتفالات العيد الوطني» في يوليو (تموز) الماضي. وليس سراً أن باريس تسعى لأوثق علاقات مع نيودلهي لأسباب سياسية واستراتيجية واقتصادية بالنظر للدور المتعاظم لنيودلهي على الصعيد العالمي، وعلى الصُّعد كافة.

الرئيس الفرنسي ماكرون مستعرضاً جنوداً فرنسيين بمناسبة زيارته القاعدة البحرية في مدينة شيربورغ شمال غربي فرنسا يوم 19 الحالي (أ.ف.ب)

وفي معرض تقديمها للزيارة، التي ستكون على مدار يومي 25 و26 يناير، قالت مصادر الإليزيه إنها «ستعزز الشراكة الاستراتيجية» بين الطرفين التي قامت، بشكل رئيسي، على أساس التعاون الدفاعي المكثف الذي تبرزه العقود المبرمة بين الطرفين، خصوصاً في المجال الجوي والغواصات.

وفي هذا السياق، أشارت المصادر الرئاسية إلى أن وحدات فرنسية ستشارك في العرض العسكري الكبير المرتقب، إلى جانب طائرات عدة من طراز «رافال»، التي اشترت الهند عشرات منها من شركة «داسو» الفرنسية للطيران. وتشدد هذه المصادر على أن العلاقة بين الجانبين تدور حول 3 محاور رئيسية: الأول، يتناول المسائل الأمنية والسيادية بالنظر للوضع الراهن في منطقة الهندي ــ الهادئ التي يعد الاستقرار والأمن فيها «إحدى أولويات الرئيس ماكرون»، وبوصف الهند «شريكاً رئيسياً» فيها وقد بنت معها باريس علاقات قوية.

وتسعى فرنسا لمساعدة نيودلهي على «تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية»، الأمر الذي يعد «عنصراً أساسياً» في العلاقة معها. يضاف إلى ذلك أن الطرفين يسعيان لتعاون أوثق في مجالَي الفضاء والسيبرانية.

وأشارت المصادر الفرنسية إلى أن حضور رائد الفضاء الفرنسي، توماس باسكيه، ضمن البعثة الرسمية التي سترافق ماكرون؛ للتدليل على أهمية التعاون في هذا القطاع ثلاثي الأبعاد (الرحلات المأهولة، واكتشاف الفضاء، والصواريخ الحاملة للمركبات الفضائية). كذلك يعمل الطرفان على تعزيز التعاون في مجال توفير الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب. يشار أيضاً إلى أهمية مواصلة العمل بين الطرفين حول بلورة مشروعات عدة للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية بالنظر لأهميتها؛ لتخلص الهند من الطاقة الملوثة والتوصل إلى الاقتصاد عديم الكربون.

أما المحور الثاني فعنوانه مواجهة «التحديات الشاملة» التي يعمل الطرفان بشأنها منذ زيارة ماكرون الأولى للهند في عام 2018، حيث تم إطلاق ما سُمي «التحالف الشمسي العالمي» الهادف إلى استخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء في الهند وأماكن أخرى من العالم، بينما يدور المحور الثالث حول «تعاون المجتمع المدني بين الطرفين»، الفرنسي والهندي، حيث تطمح فرنسا لاستضافة 30 ألف طالب هندي في معاهدها الجامعية حتى عام 2030، وتعزيز البحوث العلمية المشتركة، والقيام ببرامج ثقافية مشتركة.

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة التي اشترت منها الهند أسراباً عدة (أ.ف.ب)

وأُعدَّ للرئيس ماكرون برنامج مكثف يبدأ في مدينة جايبور، عاصمة رجستان، أكبر الولايات الهندية، حيث يزور مواقع تاريخية، ويلتقي فنانين ومثقفين هنوداً وفرنسيين قبل اجتماع أول مع رئيس الوزراء الهندي، يلي ذلك في اليوم التالي اجتماع في نيودلهي بعد العرض العسكري. ويلتقي ماكرون ووفده الرئيسة الهندية بحضور الشخصيات الرئيسية السياسية والاقتصادية، ومن المجتمع المدني.

وإلى جانب اللقاء التقليدي للرؤساء الفرنسيين مع الجاليات الفرنسية خلال زياراتهم الرسمية، وهي القاعدة التي لن يشذ عنها ماكرون، فإن الرئيس الفرنسي سيلتقي رجال الأعمال وقادة كبريات الشركات الهندية؛ لحثهم على الاستثمار في الاقتصاد الفرنسي، وشرح التدابير والإصلاحات التي اتخذتها فرنسا لتشجيع الاستثمار الخارجي والمشروعات الإصلاحية المقبلة لتعزيز قدرة البلاد التنافسية.

وينتظر أن يشارك في اللقاء مع ماكرون كبار ممثلي الاقتصاد الهندي من قطاعات الطاقة، والفضاء، وصناعة السيارات، والصناعات الكيماوية. وأفادت مصادر الرئاسة بأن الهند ستكون ضيف الشرف في النسخة المقبلة لمبادرة «اختر فرنسا» التي أطلقها ماكرون لاجتذاب الاستثمارات الخارجية، التي ستعقد في شهر مايو (أيار) المقبل.

وتريد باريس الاستفادة من الأحداث الأساسية المرتقبة في عام 2024، وأبرزها استضافة الألعاب الأولمبية الصيف المقبل، والقمة الفرنكوفونية، وإعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام بعد تأهيلها عقب الحريق التي التهم أجزاء منها في عام 2019 والاحتفالات الخاصة بذكرى إنزال الحلفاء في منطقة النورماندي لإخراج الجيش الألماني من فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. ولا يتوقع أن تشهد الزيارة توقيع عقود إضافية بين الطرفين، خصوصاً في مجال الطيران المدني أو العسكري. وبحسب باريس، فإن شركة «إيرباص» تقتطع حصة 70 في المائة من الطيران التجاري الهندي.

أما على المستوى السياسي، فإن الوضع في البحر الأحمر وما يشكّله من تهديد للملاحة، والحرب الروسية على أوكرانيا وتبعاتها سيكونان على رأس الموضوعات المطروحة للتباحث بين الجانبين. وتنظر باريس باهتمام إلى ازدياد التأثير الهندي في المسائل العالمية. أما بالنسبة للوضع الداخلي في الهند، حيث بيّن تقرير لـ«هيومان رايتس ووتش» انتهاكات حقوق الإنسان واضطهاد الأقليات المسلمة والمسيحية وتصاعد الشعور القومي الهندوسي من جانب حزب مودي. فإن المصادر الرئاسية تعدّ أنه «ليس لفرنسا أن تُقيّم التحولات في السمار الديمقراطي للهند منذ اللحظة التي تحترم فيها التزاماتها الدولية».


مقالات ذات صلة

غوتيريش يحذر من تسارع وتيرة انتشار الأسلحة النووية

العالم  الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

غوتيريش يحذر من تسارع وتيرة انتشار الأسلحة النووية

حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الاثنين، من تسارع وتيرة انتشار الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
آسيا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (الوسط) وابنته كيم جو آي (اليسار) وهما يتفقدان تجربة إطلاق صاروخ باليستي في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب) p-circle

محللون: كوريا الشمالية تستغل انشغال واشنطن بإيران لتعزيز قدراتها النووية

تستغل كوريا الشمالية انشغال الولايات المتحدة بإيران لتسريع برنامجها العسكري وتعزيز قدراتها النووية، وفق ما يرى محللون.

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
أوروبا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

وزير الخارجية الألماني: الردع ضروري في ظل التهديدات النووية

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الاثنين، إن الردع ضروري في ظل التهديدات النووية، رغم تأكيده دعم منع انتشار الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا A U.S. experimental nuclear detonation in the Nevada desert (A.P.)

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل

تسلط «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» الضوء على مؤسسات مالية تعمل على تحديث ترسانات الدول التسع النووية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا شاشة بمحطة قطارات في سيول تعرض نشرةً إخباريةً تتضمَّن لقطات أرشيفية لتجربة صاروخية كورية شمالية (أ.ف.ب) p-circle

كوريا الشمالية تطلق صواريخ باليستية عدة باتجاه بحر اليابان

أعلن الجيش الكوري الجنوبي، فجر اليوم (الأحد)، أنَّ كوريا الشمالية اختبرت إطلاق صواريخ باليستية عدة، في أحدث عمليات الإطلاق التي تجريها الدولة النووية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
TT

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن باريس ستستضيف اجتماعاً دولياً في 12 يونيو (حزيران) مخصصاً لحل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال بارو، في رسالة مصورة بُثت خلال تجمع من أجل السلام في تل أبيب، إن باريس ستستضيف «مؤتمراً دولياً حتى تتمكن منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية والفلسطينية من إيصال أصواتها»، عقب قرار فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر (أيلول).

والاجتماع من تنظيم ائتلاف «حان الوقت» الذي يقدّم نفسه على أنه تحالف يضم 80 منظمة تعمل معاً لإنهاء النزاع من خلال اتفاق سياسي يضمن لكلا الشعبين الحق في تقرير المصير والحياة الآمنة.

وشارك مئات الأشخاص في المسيرة التي نُظمت، بعد ظهر الخميس، في تل أبيب، بحسب صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعارض حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إحدى أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل، قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة تماماً في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتعمل هذه الحكومة على أرض الواقع على جعل حل الدولتين مستحيلاً، مع توسيعها نطاق الأنشطة الاستيطانية.


الادعاء العام الفرنسي يشتبه في ضلوع مراهق بهجوم سيبراني ضخم

خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
TT

الادعاء العام الفرنسي يشتبه في ضلوع مراهق بهجوم سيبراني ضخم

خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)

أعلن مكتب المدعي العام في باريس، الخميس، عن اشتباه السلطات الفرنسية في وقوف مراهق (15 عاماً) وراء هجوم سيبراني واسع النطاق استهدف المنصة الوطنية للوثائق وأوراق الهوية وتسجيل المركبات، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

ويعتقد المحققون أن الفتى هو «المخترق» الذي قام بعرض ما بين 12 إلى 18 مليون سجل بيانات مسروق من موقع الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة للبيع.

وذكرت وزارة الداخلية الفرنسية أن الهجوم طال نحو 11.7 مليون حساب، مؤكدة في الوقت ذاته أن البيانات الحيوية (البيومترية) والمستندات المرفقة لم يتم الوصول إليها.

وقد تم احتجاز المراهق على ذمة التحقيقات.

ويتيح موقع الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة للمستخدمين تقديم الطلبات وحجز المواعيد، من بين خدمات أخرى.

وخلال الهجوم الذي وقع منتصف الشهر الجاري، تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية، والأسماء الكاملة، وعناوين البريد الإلكتروني، وتواريخ الميلاد، وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف.


تشارلز الثالث يعلن «تضامنه الدائم» مع الأميركيين في «نصب 11 سبتمبر»

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

تشارلز الثالث يعلن «تضامنه الدائم» مع الأميركيين في «نصب 11 سبتمبر»

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

يختتم العاهل البريطاني الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، الخميس، زيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام، بمراسم وداع رسمية في واشنطن يحضرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب، في ختام زيارة طغت عليها أبعاد رمزية ودبلوماسية في ظل توترات سياسية بين البلدين.

ومن المقرر أن يضع الملك إكليلاً من الزهور في «مقبرة أرلينغتون الوطنية» في ولاية فرجينيا، حيث يرقد عشرات الآلاف من قتلى الحروب الأميركية، إضافة إلى عدد من الرؤساء وقضاة المحكمة العليا السابقين، قبل أن يتوجه مع الملكة إلى برمودا.

تخفيف التوتر

وجاءت الزيارة التي تزامنت مع الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، في وقت تشهد فيه العلاقات بين لندن وواشنطن توتراً على خلفية حرب إيران، وانتقادات الرئيس الأميركي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب عدم انضمام بلاده إلى العمليات العسكرية.

وشكّل خطاب الملك أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي أبرز محطات الزيارة، أعقبه عشاء رسمي في البيت الأبيض، حيث شدد تشارلز على عمق الروابط العسكرية والثقافية بين البلدين، وعلى أهمية «حلف شمال الأطلسي»، في وقت يواصل فيه ترمب انتقاد أداء الحلف.

وفي نيويورك، أكد الملك «تضامنه الدائم مع الشعب الأميركي»، خلال زيارته النصب التذكاري لضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، حيث وضع برفقة الملكة باقة من الورود البيضاء ورسالة بخط اليد عند موقع برجَي مركز التجارة العالمي. وجاء في الرسالة: «نكرم ذكرى الأشخاص الذين فقدوا حياتهم بشكل مأساوي... ونقف متضامنين بشكل دائم مع الشعب الأميركي في مواجهة خسارتهم الفادحة»، وذلك بمناسبة مرور 25 عاماً على الهجمات التي أودت بحياة نحو 3 آلاف شخص.

والتقى تشارلز وكاميلا خلال الزيارة عائلات الضحايا والمسعفين الأوائل ومسؤولين محليين، كما رافقهما رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ، الذي يرأس مؤسسة النصب التذكاري والمتحف.

علاقات متجذّرة

كما شارك الملك في فعالية أقيمت في دار «كريستيز» للمزادات، ركزت على الروابط الثقافية بين ضفتَي الأطلسي ودعم مؤسسة «كينغز تراست» للشباب، بحضور شخصيات بارزة، من بينها آنا وينتور وليونيل ريتشي ودوناتيلا فيرساتشي وستيلا مكارتني.

وأكّد تشارلز خلال المناسبة أن العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة «متجذرة في الإبداع المشترك والقيم»، مضيفاً: «معاً نكون أقوى». كما ناقش فرص الاستثمار في المملكة المتحدة مع قادة أعمال، بينهم مسؤولو شركات كبرى مثل «ألفابت» و«بلاكستون».

وفي إطار برنامج الزيارة، قام الملك أيضاً بزيارة مشروع للزراعة المستدامة في حي هارلم، في حين شاركت الملكة كاميلا في فعالية ثقافية في مكتبة نيويورك العامة احتفاءً بمرور مائة عام على شخصية «ويني ذي بوه»، بحضور الممثلة سارة جيسيكا باركر والكاتب هارلان كوبن.

وشهدت الزيارة إجراءات أمنية مشددة، جاءت بعد أيام من محاولة اغتيال استهدفت ترمب في واشنطن، في حين وصف مسؤولون بريطانيون الاستقبال الأميركي بأنه «حافل»، تضمن مراسم رسمية، وإطلاق 21 طلقة تحية، وعشاء دولة.

ورغم الأجواء الاحتفالية، ألقت الخلافات السياسية بظلالها على الزيارة، إلا أن تشارلز سعى في خطابه أمام الكونغرس إلى تهدئة التوتر، قائلاً: «مهما كانت خلافاتنا... فإننا نقف صفاً واحداً في تصميمنا على دعم الديمقراطية»، مؤكداً أن شراكة البلدين «وُلدت من رحم الخلاف، لكنها لم تكن أقل قوة بسببه».