ماكرون مصرّ على قانون الهجرة الجديد ويرفض استقالة وزير الداخلية

الحكومة الفرنسية في عين العاصفة ومطالبات بتنحي درامانان وحتى حل البرلمان

الرئيس إيمانويل ماكرون (الاثنين) يتحدث بمناسبة زيارة قام بها إلى مدينة تولوز - مركز الصناعات الجوية الفرنسية (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون (الاثنين) يتحدث بمناسبة زيارة قام بها إلى مدينة تولوز - مركز الصناعات الجوية الفرنسية (أ.ب)
TT

ماكرون مصرّ على قانون الهجرة الجديد ويرفض استقالة وزير الداخلية

الرئيس إيمانويل ماكرون (الاثنين) يتحدث بمناسبة زيارة قام بها إلى مدينة تولوز - مركز الصناعات الجوية الفرنسية (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون (الاثنين) يتحدث بمناسبة زيارة قام بها إلى مدينة تولوز - مركز الصناعات الجوية الفرنسية (أ.ب)

عقب اللطمة التي أصابت الحكومة الفرنسية في البرلمان الذي رفض، مساء الاثنين، المباشرة بمناقشة مشروع قانون الهجرات، سارع جيرالد دارمانان، وزير الداخلية، إلى تقديم استقالته للرئيس إيمانويل ماكرون باعتباره صاحب مشروع القرار، وبالتالي المسؤول عن فشله. لكن ماكرون رفض استقالة دارمانان، وطلب من الحكومة مجتمعة الإسراع في تقديم مقترحات جديدة إليه لإكمال مسار القانون الذي يتم التداول به منذ أكثر من عام.

ولم تتوقف تداعيات الفشل الحكومي في البرلمان، للمرة الأولى منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة التي حرمت ماكرون والحكومة من أكثرية مطلقة في الندوة النيابية، عند دارمانان؛ إذ عدها الكثيرون بمثابة فشل لماكرون شخصياً ودليلاً على عجز الحكومة عن تسيير شؤون البلاد، خصوصاً في ملف بالغ الصعوبة، ويحظى باهتمام كبير من قبل الرأي العام الفرنسي. من هنا، سارع جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، إلى المطالبة بإقالة دارمانان من جهة، ومن جهة ثانية إلى حل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة.

حقيقة الأمر أن الفشل الحكومي مرده بالدرجة الأولى إلى سعي دارمانان إلى «مصالحة الأضداد»؛ بمعنى أنه سعى، من جانب، إلى بلورة مشروع قانون يكون متشدداً كفاية إزاء المهاجرين، لجهة تسهيل ترحيل الأشخاص غبر المرغوب فيهم على الأراضي الفرنسية، وتشديد القوانين التي تعاقب الانتهاكات المرتكبة، وإعطاء صلاحيات أوسع للأجهزة الأمنية للتعامل مع المشاكل المترتبة على الهجرات وخفض أعداد طالبي اللجوء وخلاف ذلك. ومن جانب آخر، ومن أجل إرضاء الجناح اليساري في الحكومة وداخل الأكثرية، نص مشروع القانون على تسوية الأوضاع القانونية للأجانب، الذين يمارسون مهناً تحتاج لليد العاملة الأجنبية، وحيث لا تكفي اليد العاملة الفرنسية. وكانت النتيجة أن اليمين هاجم مشروع القانون بسبب تراخيه، فيما هاجمه اليسار بسبب افتقاره «للإنسانية» في التعاطي مع فئة من المقيمين على الأراضي الفرنسية، الذين وصلوا إليها ليس لـ«سرقة» فرص عمل الفرنسيين، بل هرباً من الحروب والجوع والمآسي في بلادهم. وكانت النتيجة الكارثية أن الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان والمشكّلة من اليمين بجناحيه، التقليدي والمتطرف، ومن اليسار بكافة مكوناته بمن فيهم الخضر، تحالفت ظرفياً لإلحاق الهزيمة بالحكومة، وبالتصويت لصالح العريضة المقدمة من حزب الخضر، باسم اليسار بكليته، التي تدعو إلى سحب مشروع القانون ورفض المباشرة بمناقشته.

الوزير جيرالد درامانان (يسار) إلى جانب وزير الصحة أورليان روسو خلال جلسة مناقشة الحكومة في البرلمان الثلاثاء (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أنها المرة الأولى التي تعرف فيها الحكومة مثل هذه النتيجة، التي تعد هزيمة شخصية لدارمانان. وليس سراً أن الأخير يطمح إلى أمرين: الأول، أن يحل محل رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، عندما يقرر ماكرون استبدال شخصية أخرى بها لتقود العمل الحكومي للسنوات الثلاث المتبقية من عمر العهد. والثاني، الترشح لرئاسة الجمهورية في المنافسة التي ستحل في ربيع عام 2027. والحال أن الفشل الذي لحق به، وهو الذي كان يدعي أنه قادر على جمع الأكثرية الضرورية من الأصوات للسير بمشروع القانون، سيصيب منه مقتلاً رغم أن ماكرون حرص على إبقائه داخل الحكومة. ودارمانان، الآتي إلى صفوف الماكرونية من اليمين وتحديداً من حزب «الجمهوريون» يعد من «صقور» الحكومة.

ولأن الرأي العام الفرنسي يميل يميناً، فإن إقرار قانون متشدد للتعامل مع ملف الهجرات وما يرتبط به من تبعات، كان سيشكل ورقة رابحة في جيبه. وهكذا، فإن الصوتين اللذين احتاجت إليهما الحكومة لإطلاق مناقشة مشروعها في البرلمان، بعد أن أقر في مجلس الشيوخ وفي لجنة القوانين التابعة للبرلمان، سيكون لهما دور كبير في تدهور صورة وشعبية وزير الداخلية. ويؤخذ على دارمانان أنه تساهل مع أعضاء مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه اليمين لتعديل النص الأصلي لجهة تشديده، ثم قام بالعكس مع لجنة القوانين التابعة لمجلس النواب، ما يعني أنه لم يثبت على خط واضح، الأمر الذي أدى إلى بلبلة وإلى شيء من الفوضوية. أما الأمر الذي أفضى إلى «قتل» مشروع القانون فعنوانه رفض حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، الذي دأب منذ ربيع العام الماضي على مساندة الحكومة ومشاريعها وتمكينها من تحويلها إلى قوانين، الوقوف هذه المرة إلى جانبها.

رئيسة الحكومة إليزابيث بورن خارجة من اجتماع مجلس الوزراء (الثلاثاء) في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

لا يبدو اليوم أن الحكومة عازمة على التخلي عن مشروعها. ووفق ما ينص عليه القانون، اختارت اتباع المسار الأسهل القائم على تشكيل لجنة مشتركة من 14 عضواً، بالتساوي بين مجلس الشيوخ والنواب، لإعادة درس مشروع القانون والتوصل إلى مقاربة مشتركة بين الطرفين. وعقب ذلك سيتم التصويت عليه في مجلس الشيوخ، وبعدها ينتقل إلى مجلس النواب. ولأن الخلاص سيأتي بلا شك من اليمين ومن حزب «الجمهوريون»، فإن المشروع الجديد سيميل حتماً إلى اليمين. وأكد العديد من قادة حزب «الجمهوريون» أنه لو بقي مشروع القانون بالصيغة المتشددة، التي صوت عليها وأقرها مجلس الشيوخ، لكانوا صوتوا إلى جانبها في مجلس النواب، بحيث إن أصواتهم البالغة 62 كانت كافية لتوفير الأكثرية المطلقة المطلوبة.

خلال اجتماع مجلس الوزراء ظُهر الثلاثاء، أكد ماكرون ضرورة السير بالمشروع، وهاجم المعارضة التي أسقطته مساء الاثنين لاعتبارات سياسية، بينما «فرنسا بحاجة إلى قانون حول المهاجرين وانخراطهم» في المجتمع الفرنسي. ومن جانبه، أكد دارمانان صباح الثلاثاء، أن الحكومة تسعى ليتم التصويت على مشروع القانون بصيغته الجديدة «قبل نهاية العام» الجاري. وقال لدى زيارته أحد مقرات الشرطة إنه يريد سريعاً إقرار القانون، الذي سيحمل اسمه، وذلك «من أجل الشرطة والقضاة والمحافظين؛ ولأنه سيقر تدابير متشددة»، يفترض العمل بها في ملف بالغ التعقيد كملف الهجرات. وأكثر من مرة، أشار وزير الداخلية إلى أن القانون الجديد سيسهل ترحيل الأجانب الذين يشكل بقاؤهم على الأراضي الفرنسية تهديداً للأمن والسلامة العامة، وسيسرع النظر في ملفات اللجوء المتراكمة في الدوائر الرسمية.


مقالات ذات صلة

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية لاتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بفعالية التدابير المتخذة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا يصطف المهاجرون في طوابير للحصول على شهادة النقل العام التي ستسمح لهم بطلب الحصول على تصاريح عمل وإقامة سريعة بالعاصمة الإسبانية مدريد (أ.ب)

عدد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي بلغ ذروة عند 64.2 مليون في 2025

ذكر تقرير أن عدد المهاجرين المقيمين في الاتحاد الأوروبي ارتفع إلى ذروة غير مسبوقة عند 64.2 مليون في 2025، بزيادة تقارب 2.1 مليون مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الشرطة خلال مهمة بمدينة لايبزيغ الألمانية 21 أبريل 2026 (د.ب.أ)

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أطلقت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، عملية واسعة لتفكيك شبكة يُشتبه في استغلالها تصاريح إقامة تعود إلى لاجئين سوريين بهدف إدخال آخرين إلى البلاد بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)
مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف (أ.ف.ب)
TT

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)
مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف (أ.ف.ب)

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة العشرات؛ إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ في وابل من القصف استهدف مدينة دنيبرو جنوب شرق أوكرانيا وعدداً من المناطق الأخرى.

وانهار جزء كبير من مبنى سكني في دنيبرو، بعد أن لحقت به أضرار خلال الهجوم. وقال حاكم المنطقة إنه جرى انتشال أربع جثث من تحت الأنقاض.

وأفادت السلطات بتعرض الموقع لهجوم آخر خلال النهار، بينما كان رجال الإنقاذ يؤدون عملهم هناك، مشيرة إلى أنه أسفر عن مقتل شخص وإصابة سبعة آخرين.

عناصر الشرطة في كييف (رويترز)

وتشن روسيا هجمات بعشرات الطائرات المسيَّرة كل ليلة على أوكرانيا، تتخللها من حين لآخر هجمات واسعة النطاق تُستخدم فيها مئات الطائرات المسيرة وعشرات الصواريخ.

وشوهدت أعمدة كثيفة من الدخان، صباح اليوم، بينما حذرت وسائل إعلام محلية سكان المدينة من تلوُّث الهواء.

وقال مراسل لـ«رويترز» إنه شاهد إسقاط طائرة مسيرة روسية فوق سماء المبنى السكني المدمر بينما كان رجال الإنقاذ يعملون بين الأنقاض. وأفاد مسؤولون بإصابة أكثر من 30 شخصاً في المدينة.

وقالت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو: «تتعمد روسيا إطالة أمد إرهابها ضد شعبنا، وتواصل استهداف البنية التحتية الحيوية والمباني السكنية».

وذكر حاكم منطقة تشيرنيهيف أن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة تسببت في مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين في المنطقة الواقعة بشمال أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: «لا بد أن يُذكّر كل هجوم من هذا القبيل شركاءنا بضرورة اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة، وتعزيز دفاعاتنا الجوية بشكل سريع».

وتكثف أوكرانيا في الآونة الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيرة على الأراضي الروسية. وقالت السلطات في مدينة يكاترينبورج الروسية، اليوم (السبت)، إن طائرة مسيرة أوكرانية سقطت على مبنى سكني بالمدينة، مما أسفر عن تعرض أشخاص لإصابات طفيفة.

وذكر سلاح الجو الأوكراني في بيان نُشر على تطبيق «تيليغرام» أن هجوم روسيا على أوكرانيا اليوم تم باستخدام 619 طائرة مسيرة و47 صاروخاً، مضيفاً أنه تمكن من إسقاط 580 طائرة مسيرة و30 صاروخاً.

وفي سياق متصل، أعلنت رومانيا عن تحطّم طائرة مسيّرة على أراضيها؛ ما اضطرّها لإجلاء أكثر من 200 شخص. وقالت وزارة الدفاع في بيان: «صباح السبت 25 أبريل، استأنفت القوات الروسية هجمات بالطائرات المسيّرة ضدّ أهداف مدنية وبنى تحتية في أوكرانيا قرب النهر الحدودي مع رومانيا في مقاطعة تولتشيا».

من جهتها، أفادت فرق الطوارئ في بيان منفصل بأن «طائرة مسيّرة تحطّمت في منطقة مأهولة بالسكان»، مشيرة إلى وجود «حمولة متفجرة محتملة». ومنذ انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، شهدت رومانيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مراراً انتهاك مجالها الجوي وسقوط حطام طائرات مسيّرة على أراضيها.

ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)

لكن وسائل إعلام محلية قالت إن هذه هي المرّة الأولى التي يتسبّب فيها حطام طائرات مسيّرة روسية بأضرار مادية داخل الأراضي الرومانية. وفي حين لم تُسجَّل إصابات بشرية، تضرر عمود كهرباء ومنزل، وفق السلطات التي قرّرت قطع إمدادات الغاز في المنطقة كإجراء احترازي.

وأفادت وزارة الخارجية في بيان بأن الوزيرة أويانا تسويّو استدعت السفير الروسي. وفي عام 2025، أقرّت رومانيا قانونا يجيز لها إسقاط الطائرات المسيّرة التي تنتهك مجالها الجوي، إلا أنه لم يتم تطبيق هذا الإجراء إلى الآن.


الرئيس الصربي يشبّه أوروبا بالإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)
TT

الرئيس الصربي يشبّه أوروبا بالإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)

وجّه الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، اليوم السبت، من باريس انتقادات لاذعة لأوروبا التي وصفها بأنها «متأخرة» على الصعيد العالمي لكنها تعتقد أنها لا تزال تتمتع «بنوع من التفوق الأخلاقي»، مشبّهاً إياها بالإمبراطورية الرومانية الغربية قبل سقوطها.

وقال خلال مداخلة في المؤتمر الدولي للسياسات الذي ينظمه المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في شانتيي قرب باريس: «نحن نعتقد، عن خطأ، أن لدينا نوعاً من التفوق الأخلاقي والديمقراطي على الآخرين، وهذا أمر خاطئ تماماً. أعتقد أن الأمر يشبه ما حدث مع الإمبراطورية الرومانية الغربية التي لم تكن تفهم ما كان يجري على حدودها، ولم تكن تريد الاعتراف بذلك، وانتهى بها الأمر إلى الانهيار».

وأضاف: «لا أعتقد أن أوروبا ستنهار. هذا لن يحدث أبداً»، لكنه تابع قائلاً: «نحن، كأوروبيين، نخسر جميعاً الكثير من المعارك المهمة، ومع ذلك ما زلنا نعتقد أننا الأذكى... ولدينا ميل دائم إلى الانتقاص من الآخرين والإقلال من شأنهم».

ورأى أن الأوروبيين «متأخرون عن بقية مناطق العالم، ليس فقط عن الولايات المتحدة، في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، بل كذلك عن الصين».

إلا أنه جدّد تأكيد رغبة صربيا التي يبلغ عدد سكانها 6.6 مليون نسمة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.


درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

خريطة مضيق هرمز (رويترز)
خريطة مضيق هرمز (رويترز)
TT

درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

خريطة مضيق هرمز (رويترز)
خريطة مضيق هرمز (رويترز)

يمثل الجدل حول إعادة فتح مضيق هرمز أحد أكثر الملفات الحساسة في السياسة والأمن الدوليين. وبينما تتزايد التساؤلات حول أسباب عدم اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطوات عملية لإزالة العوائق أمام هذا الممر الحيوي، يسلّط هذا الطرح الضوء على طبيعة التحديات العسكرية التي تجعل أي محاولة لفتحه بالقوة شديدة الخطورة، خصوصاً في ظل وجود تهديدات غير تقليدية مثل الألغام البحرية والحرب.

فقبل هجومه على إيران، حذر مستشارو ترمب الرئيس الأميركي من أنه سيكون من المستحيل تأمين ممر عبر حقل ألغام عندما يسيطر «العدو» على الساحل، من دون الاستعداد لتكبّد خسائر فادحة، وفق الصحيفة، التي أشارت إلى أن قصف عدو أقل تقدماً تكنولوجياً من الجو، يختلف تماماً عن الانخراط في قتال حقيقي على مستوى سطح البحر مع خصم خطط لهذا النوع من الحرب غير المتكافئة لفترة طويلة جداً، وفق «إندبندنت».

وفي هذا السياق، يعود تقرير لصحيفة «إندبندنت» بالذاكرة إلى دروس تاريخية بارزة من حروب سابقة، تكشف أن السيطرة على المضايق والممرات البحرية لم تكن يوماً مهمة سهلة، حتى بالنسبة للقوى الكبرى.

درس من التاريخ: محاولة فتح الدردنيل بالقوة (مارس 1915)

كان ذلك في مارس (آذار) 1915، وكانت «المضايق» المعنية هي الدردنيل – الممر الضيق الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود ويمنح الوصول إلى إسطنبول. كان الأتراك هم المدافعين، بينما تولّى البريطانيون والفرنسيون دور المهاجمين.

وكانت المنطقة في قلب حرب مفتوحة. فالممر المائي الحيوي، الذي يُفترض عادة أن يكون مفتوحاً أمام التجارة العالمية، أُغلق نتيجة إجراءات تركيا، القوة المطلة عليه. كما كان الساحل محصناً بشدة، مع احتمال كبير لزرع ألغام بهدف إغلاق الممر.

تُظهر صورة التقطها قمر صناعي أسطولاً من القوارب الصغيرة في البحر شمال مضيق هرمز (رويترز)

خطة إعادة الفتح بالقوة

اتخذ البريطانيون والفرنسيون قراراً بإعادة فتح المضايق بالقوة، وتم حشد قوة بحرية كبيرة لهذا الغرض.

تكوّنت القوة من 14 سفينة «رئيسية» (في ذلك الوقت بوارج وطرادات قتال)، مدعومة بسفن مرافقة وبقوة كبيرة من كاسحات الألغام.

وكانت الخطة تقوم على بقاء السفن الرئيسية في مياه آمنة لقصف التحصينات الساحلية. وبعد إسكات الدفاعات، تتقدم كاسحات الألغام لتمشيط مناطق إضافية.

ثم تتقدم السفن الكبيرة مجدداً إلى المناطق التي تم تطهيرها، وتستأنف القصف، على شكل موجات متتالية تتحرك دائماً في مياه مُؤمّنة من الألغام، بهدف فتح الممر بالكامل وإعادة تشغيله.

بداية الهجوم وتقدم العمليات

بدأ الهجوم الكبير في 18 مارس 1915، وفي البداية سارت العمليات بشكل جيد.

تشكّل خط الهجوم الأول من أربع سفن رئيسية: HMS Queen Elizabeth وHMS Agamemnon وHMS Lord Nelson وHMS Inflexible.

أما الخط الثاني فتكوّن من أربع سفن فرنسية: FS Gaulois وCharlemagne وBouvet وSuffren، على أن تدعمها ست سفن بريطانية أخرى في الخط الثالث.

بدأ القصف عند الساعة 11 صباحاً من قبل سفن البحرية الملكية في الخط الأول. وبحلول 12:20 ظهراً، عبرت السفن الفرنسية في الخط الثاني إلى مواقعها الأمامية متقدمة على الخط الأول.

وبحلول 1:45 ظهراً، خفّت نيران المدفعية الساحلية تحت ضغط القصف البحري، فاعتُبر أن الظروف أصبحت مناسبة لإرسال كاسحات الألغام إلى المرحلة التالية.

تظهر سفينة إيبامينونداس أثناء احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

بداية الانهيار والخسائر الأولى

لكن بعد 15 دقيقة فقط، بدأت الأمور تتدهور. اصطدمت السفينة الفرنسية FS Bouvet بلغم، وفي غضون دقائق انقلبت وغرقت، ولم ينجُ سوى 75 فرداً من طاقمها البالغ 718.

استمر الهجوم رغم ذلك. وكانت HMS Irresistible من الموجة الثالثة تقصف التحصينات عندما اصطدمت هي الأخرى بلغم عند الساعة 3:14 عصراً. ورغم ميلانها الشديد، واصلت القتال حتى اصطدمت بلغم آخر أدى إلى تعطّل محركاتها بالكامل.

تمت محاولة سحبها، لكن الوضع كان ميؤوساً منه، وأُمر بإخلائها، وتم إنقاذ أكثر من 600 رجل.

وفي الوقت نفسه، وبعد الساعة الرابعة مساءً بقليل، اصطدمت HMS Inflexible بلغم. ورغم بقائها قادرة على الإبحار ببطء، أُمرت بالانسحاب، لكنها كانت قد تعرضت لثقب كبير تحت خط الماء، ما استدعى جنوحها على الشاطئ لتفادي الغرق، قبل سحبها لاحقاً إلى مالطا لإصلاحها.

فشل العملية والانسحاب

بعد هذه الخسائر، خلص الأدميرال إلى أن المياه التي اعتُبرت آمنة ومطهّرة من الألغام لم تكن كذلك على الإطلاق.

وبناءً عليه، وفي الساعة 5:50 مساءً، وبعد أقل من سبع ساعات من بدء العملية، تم إرسال إشارة «استدعاء عام» لسحب السفن والعودة إلى المياه الآمنة خارج المضايق.

وبعد 15 دقيقة، اصطدمت HMS Ocean بلغم آخر وغرقت لاحقاً، كما غرقت أيضاً HMS Irresistible وHMS Ocean لاحقاً.

خاتمة العملية

حاولت 14 سفينة حربية كبرى فرض السيطرة على المضايق. وخلال أربع ساعات فقط، غرقت ثلاث سفن وتعرضت واحدة لأضرار بالغة.

وبذلك انتهى ذلك اليوم الكارثي، الذي مثّل نهاية محاولة اقتحام الدردنيل بالقوة البحرية وحدها، ولم تُستأنف هذه المحاولة مرة أخرى.