اختيار غرناطة، عروس الأندلس الحمراء، لتكون مقر قمة الاتحاد الأوروبي وقمة المجموعة السياسية الأوروبية في منتصف الرئاسة الدورية الإسبانية، كان قراراً شخصياً اتخذه رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانتشيز منذ أكثر من عام، لما تحمله العاصمة القديمة للخلافة الإسلامية في أوروبا من رموز التعايش السلمي بين الديانات والتمازج بين الحضارات والثقافات، في الوقت الذي تهبّ على هذا التعايش رياح الشعبوية والتطرّف، وتهدد بتعكير الصفاء الاجتماعي الذي يسود القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إلى جانب التدابير الأمنية الاستثنائية التي لم تشهد إسبانيا مثلها منذ مؤتمر السلام العربي الإسرائيلي الذي استضافته مدريد خريف عام 1991، والتي تضاعفت بحكم حضور الرئيس الأوكراني فولوديمر زيلينسكي واقتضت نصب صواريخ أرض جو ومنظومات دفاعية ضد المسيرات في محيط المدينة، كرّمت إسبانيا ضيوفها بأشهى الأطعمة وأطايب الحلوى الأندلسية التي يحرص أشهر طهاة الإقليم على استعادة تراثها ويتفننون في تقديمها.

خمسون من القادة الأوروبيين نسوا هموم الحرب ومتاعب الهجرة في سهرة امتدت حتى انتصاف ليل الخميس - الجمعة بين نوافير الحدائق التي كان يتنزّه في رحابها أمراء بني الأحمر، تطربهم الآهات العميقة الطالعة من أغاني الفلامنكو والمواويل الحزينة المسكوبة في الأناشيد الموريسكية التي بقيت تتردد سنوات طويلة في حناجر العرب بعد خروجهم من الأندلس. كل ذلك فيما كانت نسائم الخريف الأولى تلفح أشجار السرو العتيق، التي تلمع تحت ضوء قمر الحمراء الذي كان الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا يردد أنه ملهمه الأول.

برنامج القمة الثقافي شمل أيضا محاضرة عن الإعجازات الهندسية في قصر الحمراء، وجولة على أبراجها المعلّقة على مسافة متوازية بين مياه المتوسط والثلوج التي تكلل قمم سيرّا نيفادا، ثم تسكّع في أزقّة حي البيّازين (البائسين) الذي ما زال إلى اليوم يحافظ على طابعه القديم وتتمازج في أحاديث سكانه لغة الضاد باللغة الإسبانية. مسك ختام البرنامج الثقافي كان زيارة إلى «مدرسة غرناطة»، أول جامعة تـأسست في الأندلس مطالع القرن الرابع عشر واشتهرت بتدريس العلوم والفلسفة والآداب والفنون الموسيقية.
