البابا فرنسيس من مرسيليا: اللاجئون إلى أوروبا ليسوا غزاة

رئيس الكنيسة الكاثوليكية حثّ الدول الأوروبية على انتهاج سياسات إنسانية

الرئيس ماكرون وعقيلته في استقبال البابا فرنسيس السبت على مدخل قصر فارو في مرسيليا
الرئيس ماكرون وعقيلته في استقبال البابا فرنسيس السبت على مدخل قصر فارو في مرسيليا
TT

البابا فرنسيس من مرسيليا: اللاجئون إلى أوروبا ليسوا غزاة

الرئيس ماكرون وعقيلته في استقبال البابا فرنسيس السبت على مدخل قصر فارو في مرسيليا
الرئيس ماكرون وعقيلته في استقبال البابا فرنسيس السبت على مدخل قصر فارو في مرسيليا

لم ينتظر البابا فرنسيس طويلاً قبل أن يكشف عن مضمون الرسالة، التي جاء إلى مرسيليا، المدينة الفرنسية المتوسطية الكبرى، المعروفة بانفتاحها التاريخي وتعدد الجنسيات والشعوب التي تسكنها، ليُبلّغها للعالم. ومضمونها الدفاع عن اللاجئين الواصلين إلى أوروبا، والدعوة لمدّ يد المساعدة لهم، وفتح الحدود والأبواب أمامهم. واستفاد البابا الذي حطت طائرته عصر الجمعة، وكانت رئيسة الحكومة الفرنسية إليزابيث بورن، ووزير الداخلية جيرالد دارمانان، في استقباله عند سلم الطائرة، من أول مناسبة لإيصال رسالته، ومختصرها أن مساعدة اللاجئين والمهاجرين «واجب حضاري».

صورة جامعة للبابا فرنسيس يلقي كلمته بقصر فارو في مرسيليا، السبت (رويترز)

وقال البابا فرنسيس، البالغ من العمر 86 عاماً، في أول كلمة ألقاها خلال مراسم مشتركة، شارك فيها أتباع الديانات المختلفة، وتضمنت صلوات أمام نصب تذكاري تكريماً لضحايا المتوسط من بحارة ولاجئين، إن «البحر مصدر حياة، ولكنه أيضاً سبب لمآسي الغرق». وأضاف رئيس الكنسية الكاثوليكية، الذي جعل من الدفاع عن اللاجئين والمهاجرين قضيته الرئيسية، ودأب على التنديد بالسياسات الأوروبية المتشددة بحق اللاجئين: «لنبتعد عن اعتبار الغرقى أحداثاً عابرة وأرقاماً. إنها حيوات تكسرت، وأحلام قضي عليها، وفي ذهني (صور) إخوة وأخوات غرقوا وغرقت معهم الآمال التي كانوا يحملونها في قلوبهم. وأمام مآسٍ من هذا النوع لا فائدة من الكلام، بل نحن بحاجة إلى أعمال. ولكن قبل ذلك كله، نحتاج (لتذكر) إنسانيتنا، نحتاج إلى الصمت والدموع، نحتاج للرأفة والصلاة». وأضاف البابا: «كثير من الأشخاص يهربون من النزاعات والفقر والمصائب البيئية، لكن أمواج المتوسط قضت على سعيهم للعثور على مستقبل أفضل، وهذا البحر المهيب تحوّل إلى مقبرة كبرى حيث تدفن الكرامة (الإنسانية)». ولأنه كان يعي قوة الرسالة التي يحملها، فقد نقل عنه قوله في الطائرة التي نقلته إلى مرسيليا: «آمل أن تتوفر لي الشجاعة لأقول ما أريد قوله».

تحذير من التعصب

جاءت الصرخة التي أطلقها البابا مدوية: «لا يمكننا أن نقبل أن تُعامل كائنات إنسانية كسلعة للتبادل، أن تسجن وتعذب بشكل فظيع، كما لا يُمكننا أن نقف متفرجين على مآسي الغرق التي يتسبب بها مهربو البشر أو معتنقو التعصب واللامبالاة». وبرأيه، فإن «عدم الاكتراث يتحول إلى تعصب، ويتعين علينا إنقاذ الأشخاص المعرضين للغرق، لأن هذا يعد واجباً إنسانياً وحضارياً». ولأصحاب النظريات التي تعدّ الهجرات القادمة من آسيا وأفريقيا «غزواً» لأوروبا ومحاولة لمسح حضارتها، شدد في كلمة له اختتم بها منتدى «لقاءات المتوسط» على أن الذين «يخاطرون بحياتهم في البحر ليسوا غزاة، بل هم يبحثون عن الترحيب بهم». مضيفاً أن الهجرات لا تستهدف أوروبا وحدها، بل هي «واقع في هذا الزمن، وهي عملية تشمل 3 قارات حول البحر المتوسط، وتجب إدارتها ببصيرة حكيمة تتضمن استجابة أوروبية».

جمهور غفير ينتظر البابا في ملعب مرسيليا الكبير «فيلدروم» قبل القداس السبت (أ.ف.ب)

وحذّر البابا الحكومات الأوروبية التي لا تجرؤ على انتهاج سياسة منفتحة على استقبال المهاجرين من «شلل الخوف»، وحثّ المؤمنين على أن يكونوا «مثالاً في الاستقبال المتبادل والأخوي»، بحيث لا يبقى البحر المتوسط «مقبرة كبرى تدفن فيها الكرامة الإنسانية». كذلك، شجّعها على تحمل «مسؤوليتها الجماعية» من أجل مواجهة «الصعوبات الموضوعية». وفيما يشكو كثير من المنظمات الإنسانية، العاملة على إنقاذ اللاجئين من الغرق في مياه المتوسط، من العوائق التي تضعها الحكومات بوجهها، حرص البابا على تقديم الشكر لها وعلى تشجيعها على المثابرة في عملها.

وفي كلمته، دعا البابا إلى السماح «بعدد كبير من عمليات الدخول القانونية والنظامية» للمهاجرين، مع التركيز على قبول الفارين من الحروب والجوع والفقر بدلاً من الحفاظ على رفاهية الفرد».

الرئيس ماكرون وعقيلته يحضران اختتام «ملتقيات المتوسط» في مدينة مرسيليا، السبت (رويترز)

هذه الرسالة كررها البابا كثيراً من المرات خلال زيارته القصيرة لمرسيليا، وهي الأولى التي يقوم بها بابا الفاتيكان منذ 500 عام. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن فرنسوا توماس، رئيس منظمة «إس أو إس ميديتيرانيه»، إعجابه الشديد برسائل البابا القوية، بقوله: «كنا نعوّل على كلمات قوية، لكن هذا الأمر تخطى ما كنا نأمله».

أزمة متفاقمة

بيد أن كلام البابا في وادٍ، والسياسات المتبعة في الدول الأوروبية في وادٍ آخر. وتفيد أرقام المنظمة الدولية للهجرات أن أعداد الغرقى في مياه المتوسط في السنوات العشر الأخيرة وصلت إلى 33700 شخص، وأن الوفيات الناجمة عن الغرق قد ضربت أرقاماً قياسية في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، خصوصاً في الطريق البحرية الرئيسية بين الشواطئ الأفريقية والشواطئ الأوروبية (مالطا، واليونان، وإيطاليا خصوصاً)، التي تشهد ارتفاعاً غير مسبوق لأعداد الساعين للوصول إلى أوروبا، ومعها ارتفاع أعداد الضحايا. وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، وصل نحو 178500 مهاجر إلى أوروبا عبر البحر المتوسط هذا العام، بينما توفي أو فقد حوالي 2500 شخص.

حقائق

33700

عدد المهاجرين الذي غرقوا في مياه المتوسط في السنوات العشر الأخيرة

وتأتي زيارة البابا بعد الصور الصادمة الآتية من جزيرة لامبدوسا الإيطالية الصغيرة، وهي الأقرب إلى الشاطئين التونسي والليبي، حيث وصل أكثر من 4 آلاف لاجئ، ما بين الثلاثاء والأربعاء في الأسبوع الماضي. وحتى يوم السبت، لم تتأكد معلومات حول ما إذا كان البابا سيقوم بزيارة إلى الجزيرة الإيطالية، مثلما فعل في عام 2021 حيث زار جزيرة ليسبوس اليونانية، التي كانت تشهد موجة لجوء غير مسبوقة إليها. واعترف البابا خلال الرحلة الجوية من روما إلى مرسيليا بأن القيام برحلات خارجية أصبح بالنسبة إليه أمراً معقداً. ومنذ انتخابه في عام 2013، قام بـ44 زيارة دولة إلى القارات جميعاً. لكن أكثرها كان خارج أوروبا. وبدا أن البابا يعاني من صعوبة في التنقل. وعندما لا يكون في كرسيه المتحرك، فإنه يستعين بعصا ويتكئ على ذراع أحد معاونيه.    

خطة أوروبية طارئة

جاء الردّ الأوروبي على لامبدوسا بإطلاق رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، خطة من 10 نقاط، تركز بالدرجة الأولى على أمرين؛ تشديد الرقابة على الحدود الخارجية لأوروبا من خلال تعزيز الوكالة الأوروبية المسماة «فرونتيكس» والتعاون مع بلدان الممر، وهي بشكل خاص ليبيا وتونس، وتوقيع اتفاقيات إضافية مع مصر والمغرب تقوم على تقديم مساعدات مادية مقابل التشدد في منع انطلاق الهجرات من شواطئهما. 

وكان ملف الهجرات والحاجة إلى تحسين استقبال اللاجئين، وفق المصادر الفرنسية، رئيسياً في الاجتماع الذي عقد صباح السبت بين البابا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في «قصر فارو» المطل على ميناء مرسيليا القديم، وهو الرابع بينهما؛ 3 اجتماعات منها في الحاضرة الفاتيكانية. وسبق للإليزيه أن أفاد بأن الاجتماع سيتطرق إلى النزاعات القائمة في العالم، وعلى رأسها أوكرانيا وملف الهجرات، والملف اللبناني أيضاً.

صعود اليمين المتشدد

ومع صعود أسهم اليمين المتشدد والمتطرف ووصوله إلى الحكم في بلدان أوروبية كثيرة (إيطاليا، النمسا، الدنمارك، فنلندا)، وتراجع التساهل في التعاطي مع اللاجئين في دول مثل السويد وألمانيا، فإن خطاب البابا لم يعد يلقى آذاناً صاغية. وفي فرنسا خصوصاً حيث تحضّر الحكومة مشروع قانون جديد للتعامل مع اللجوء والهجرات، أكد وزير الداخلية جيرالد دارمانان أن باريس «لن تقبل أي لاجئ نزل إلى شاطئ لامبدوسا»، ضارباً بذلك عرض الحائط بالاتفاق المبرم على المستوى الأوروبي، الذي ينص على تقاسم أعباء اللاجئين الواصلين إلى ثغور ما يسمى «حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية». وانتقد اليمين الفرنسي وممثلوه من الكاثوليك والمحافظين، ما يعدّنه «تدخّلات البابا السياسية» في ملف حساس كملف اللاجئين، واتهموه بالقيام بالكثير لصالح المهاجرين. ولا يمكن فصل هذا التيار عن ذيوع الآيديولوجيا المتطرفة التي تروج لها أحزاب مثل «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن، أو اليمين التقليدي، حيث تجد الحكومة نفسها في وضع يدفعها بدورها إلى إظهار التشدد. والدليل على ذلك ما صدر عن وزير الداخلية. ولم يتردد البابا، بحضور مجموعة من المسؤولين، بينهم دارمانان، في انتقاد التشدد الفرنسي في موضوع الهجرات، والنموذج الفرنسي الداعي إلى «صهر» الوافدين، بدل تسهيل انخراطهم في المجتمع. 

قام البابا بجولة في مارسيليا قبل إلقائه عظة أمام الآلاف، السبت (رويترز)

ووسط إجراءات أمنية استثنائية، وتعبئة 6000 رجل أمن رسمي، ومسيرات، وحوالي 1000 من الأمن الخاص، حيّى البابا من سيارته الخاصة الحشود التي اصطفت على «كورنيش باردو» للترحيب به. وتوقعت المصادر الأمنية ما لا يقل عن 100 ألف شخص لهذا الغرض. ومن هناك، توجه البابا إلى ملعب مرسيليا الكبير المسمى «فيلودروم» لإحياء قداس، بحضور الرئيس ماكرون وعقيلته. ويستوعب المكان 67 ألف شخص. ونصبت في محيطه الشاشات الكبيرة لتمكين السكان الذين لم يتمكنوا من الدخول، من متابعة القداس من الخارج.    


مقالات ذات صلة

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لأحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» خلال مسيرة بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

استقالة المسؤول عن ترحيل المهاجرين في إدارة ترمب

استقال القائم بأعمال مدير دائرة الهجرة والجمارك «آيس»، تود ليونز، متخلياً بذلك عن قيادة حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لترحيل المهاجرين جماعياً.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
آسيا آلاف الروهينغا يخاطرون بحياتهم كل عام فراراً من القمع والحرب الأهلية عبر البحر (أرشيفية - رويترز)

مخاوف من فقدان نحو 250 شخصاً إثر انقلاب قارب في بحر أندامان

أعربت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، عن خشيتها من فقدان نحو 250 شخصاً، بينهم أطفال، جراء انقلاب قارب كان يقل لاجئين من أقلية الروهينغا وبنغلادشيين.

«الشرق الأوسط» (دكا - نايبيداو)
أوروبا وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)

إسبانيا تقرّ قانون عفو يشمل مئات الآلاف من المهاجرين

أعلنت وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز، الثلاثاء، أن كل من يستوفي الشروط المطلوبة يمكنه الآن التقدم بطلب للحصول على تصريح إقامة، وعمل لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.


40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
TT

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة، يشارك فيها رئيس البرازيل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، إلى جانب رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيث، وهو منتقد آخر للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، وينتمي إلى التيار اليساري ‌مثل لولا.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني لارس كلينغبايل، الذي يشارك هو الآخر في هذا اللقاء إن هذا «أول اجتماع عالمي من نوعه ولحظة تاريخية».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال خطابه المُتَلفز (إ.ب.أ)

وينتمي كلينغبايل إلى هيئة رئاسة «التحالف التقدمي» الذي أُسس عام 2013 في مدينة لايبزيغ الألمانية، وتضم أكثر من 130 حزباً ديمقراطياً اجتماعياً واشتراكياً.

دعا كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً منصبي نائب المستشار الألماني ووزير المالية، إلى إقامة شبكة عالمية للقوى التقدمية كقوة موازنة لما وصفه بـ«اليمين العالمي». وقال في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في برلين: «اليمين العالمي بات منذ مدة طويلة مترابطاً بشكل جيد على مستوى العالم... لذلك من المهم الآن أن نجتمع نحن كقوى تقدمية، بما يتجاوز أوروبا بكثير.

الرئيس البرازيلي ناقش وضع نيمار مع مدرب المنتخب كارلو أنشيلوتي (رويترز)

وقال كلينغبايل: «للأسف انحرفت المعايير لدى الرئيس ترمب»، مضيفاً أن سياساته أصبحت نموذجاً لعالم يفرض فيه الأكثر استعراضاً للقوة نفسه، مؤكداً أن المطلوب الآن هو بناء الجسور، وتعزيز مؤسسات قوية مثل الأمم المتحدة، وأضاف: «لا نريد مجتمعات منقسمة ومستمرة في الاستقطاب»، مشيراً إلى أن ما حدث في المجر يمنح بعض الأمل، حيث تم إقصاء فيكتور أوربان - أحد أبرز ممثلي الأحزاب الشعبوية اليمينية - من السلطة.

وأضاف: «الأمر لا يتعلق فقط بالتبادل، بل أكثر من ذلك، بجعل هذا الترابط السياسي فعالاً»، موضحاً أن الهدف هو تقديم نموذج مقابل «لبوتين وترمب ومن هم على شاكلتهما» يقوم على قواعد واضحة، وقانون دولي قوي.

وقال الرئيس البرازيلي: «لا يحق لأحد أن يخيف الآخرين. يجب ⁠أن ⁠يتحمل أصحاب النفوذ مسؤولية أكبر في الحفاظ على السلام»، واصفاً نفسه بأنه زعيم يفضل الاحترام على الخوف.

ووجّه لولا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب في مقابلة مع صحيفة «ألباييس» الإسبانية نُشرت، الخميس، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب. وأضاف: «لم يُنتخب من أجل ذلك، ودستوره لا يسمح بذلك». ووصف لولا نهج الرئيس الأميركي في ⁠السياسة الخارجية بأنه «لعبة مغلوطة للغاية» ‌يقودها افتراض ‌أن القوة العسكرية والاقتصادية لواشنطن ​تخولها بوضع ‌القواعد.

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال اجتماع في كراكاس بفنزويلا 13 مارس 2026 (رويترز)

وتأتي تصريحات لولا بعدما حذّر ترمب، هذا الشهر، من أن «حضارة بكاملها ستموت» في إيران ما لم تفتح طهران مضيق هرمز. وقال لولا للصحيفة: «لا يحق لترمب أن يستيقظ صباحاً، ويهدد دولة»، لافتاً إلى أن الدستور الأميركي يقسّم السلطة في ما يتعلّق بالحرب والسياسة الخارجية بين الكونغرس والرئيس. وأضاف الرئيس اليساري البالغ 80 عاماً أن «من الضروري أن يتولى قادة الدول القوية مسؤولية أكبر في المحافظة على السلام».

أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

ودعا إلى إجراء انتخابات حرة في فنزويلا دون تدخل من واشنطن، وذلك عقب العملية المفاجئة التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية في الثالث من يناير (كانون الثاني)، ​وألقت فيها ​القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس.

ويفترض رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أن تصدر عن المؤتمر رسالة مفادها أن «التعاون يجعلنا أقوى لا أضعف». وفي إشارة إلى الرئيس الأميركي، قال كلينجبايل: «هذا التحالف ليس موجهاً في المقام الأول كحركة مضادة لترمب»، موضحاً في المقابل أن النظام العالمي يشهد تحولاً عميقاً، ويعمل باستمرار بصورة أقل وفق قوة القانون، وبصورة أكثر وفق قانون الأقوى، وأضاف: «هذا بالتحديد ما نتصدى له».

وما زالت العلاقة بين واشنطن وبرازيليا متوترة رغم عقد اجتماع بين ترمب ولولا، العام الماضي، أسهم في تخفيف حدّة التوتر، وأدى إلى خفض الرسوم التجارية. وجدد لولا دعوته لإصلاح مجلس الأمن الدولي بحيث يشمل إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتّع به الدول الخمس دائمة العضوية، وضم مزيد من البلدان الأفريقية ومن أميركا اللاتينية. وأضاف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «حان الوقت لإعادة تشكيل الأمم المتحدة ومنحها مصداقية، وإلا فإن ترمب سيكون محقّاً»، في إشارة إلى انتقادات الرئيس الأميركي للهيئة الدولية، وقوله إنها فقدت فاعليتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب)

وأشار كلينغبايل إلى أنه من المتوقع أيضاً حضور قوى تقدمية من الولايات المتحدة، وقال: «نحن في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نحافظ تقليدياً على علاقات وثيقة جداً مع الديمقراطيين في الولايات المتحدة، ونعمل حالياً على توسيع هذه الاتصالات»، موضحاً أن ذلك يشمل حكام الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، وأضاف: «يجب أن نظل في حوار يتجاوز الإدارات». وقد تسفر انتخابات التجديد النصفي في الخريف المقبل عن تغيير في المشهد السياسي الأميركي».

وقال: «أنا لست مع الابتعاد عن الولايات المتحدة، لكن يجب أن نوضح أن العلاقات عبر الأطلسي تعرضت لضرر حقيقي»، مضيفاً أن «هذا قد يتغير مجدداً، لكننا في المرحلة الحالية نمرُّ بمرحلة انفصال للإدارة تحت قيادة ترمب»، مشدداً على أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على سلوك طريقها الخاص، وقال: «هذا غير موجَّه ضد الولايات المتحدة، إنما هو التزام واضح بأوروبا مستقلة».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

وأشار كلينغبايل إلى أنه سبق أن قال بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إن العالم سينظم نفسه في مراكز متعددة، مضيفاً أن أوروبا يجب أن تكون مركزاً جاذباً، مثل أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وقال: «على أوروبا أن تدافع عن دورها بثقة أكبر، فالعالم لا ينتظرنا». وفي المقابل، أشار كلينجبايل إلى وجود دول «يجب أن نسعى بنشاط لكسبها».

وبالإشارة إلى زعيم المعارضة في الهند راهول غاندي، أوضح كلينغبايل أن الهدف هو بناء تحالفات، بما في ذلك العمل على ألا تواصل دولة كبيرة مثل الهند التقارب مع روسيا.

ويرافق كلينغبايل في برشلونة وفد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يضم أيضاً وزيرة التنمية ريم العبلي رادوفان، والأمين العام تيم كلوسندورف.