جولة مفاوضات «صعبة» تدشّن مرحلة جديدة في علاقات أرمن كاراباخ بأذربيجان

باكو سلّمت الجانب الأرميني «مسودة اتفاق سلام»... وبوتين مرتاح لتجاوز المرحلة الحادة من النزاع

صورة من شريط فيديو لمدنيين أجلتهم القوات الروسية في كاراباخ (رويترز)
صورة من شريط فيديو لمدنيين أجلتهم القوات الروسية في كاراباخ (رويترز)
TT

جولة مفاوضات «صعبة» تدشّن مرحلة جديدة في علاقات أرمن كاراباخ بأذربيجان

صورة من شريط فيديو لمدنيين أجلتهم القوات الروسية في كاراباخ (رويترز)
صورة من شريط فيديو لمدنيين أجلتهم القوات الروسية في كاراباخ (رويترز)

انتهت الخميس أولى جولات التفاوض بين سلطات إقليم كاراباخ وممثلي الحكومة الأذرية من دون تحقيق تقدم ملموس. لكن «المفاوضات الصعبة»، كما وصفتها مصادر أرمنية، دشنت للانتقال إلى مرحلة جديدة في العلاقات بين السكان الأرمن في الإقليم والسلطات الأذرية. وناقش الطرفان، برعاية روسية، ترتيبات المرحلة المقبلة وآليات ضمان حقوق السكان الأرمن في كاراباخ. وجرت المناقشات وسط أجواء مشحونة، خصوصا مع ورود معطيات عن وقوع انتهاكات لاتفاق وقف النار في عاصمة الإقليم، وهو أمر نفت أذربيجان صحته، وأكدت أن قواتها ملتزمة باتفاق وقف النار.

ممثلو أذربيجان وأرمن كاراباخ روسيا حول طاولة المفاوضات الخميس (أ.ف. ب)

وكان وفد يمثل السلطات الأرمينية الانفصالية في إقليم كاراباخ وصل إلى مدينة يفلاخ الأذرية صباح الخميس، للقاء ممثلي حكومة أذربيجان، بعد مرور يوم واحد على توصل الطرفين إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في الإقليم. ونشرت وسائل إعلام أذرية صور وصول الممثلين الأرمن إلى يفلاخ برفقة ضباط من قوات حفظ السلام الروسية في المنطقة. وعلى الرغم من امتناع الطرفين عن إعلان نتائج الحوار، فإن الجانب الأذري كان قد استبق الجولة بإعلان أجندته للحوار. وقال الرئيس الأذري إلهام علييف إن باكو مستعدة لمنح ضمانات كافية تكفل احترام حقوق جميع الأرمن القاطنين في كاراباخ، بالاستناد إلى مواد الدستور الأذري. بدوره، استبق حكمت حاجييف، مساعد الرئيس الأذري لشؤون السياسة الخارجية، جولة المفاوضات بالتأكيد على أن باكو أعدت خطة لإعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي لسكان المنطقة، وقال إنها ستكون مطروحة للنقاش في لقاء يفلاخ. وبدا أن التركيز انصب خلال اللقاء على هذه المحاور.

وأعلنت باكو في وقت لاحق، الخميس، أن وفدها المفاوض سلم الجانب الآخر مسودة اتفاق لمناقشتها على مستوى الأرمن في كاراباخ، وكذلك لنقلها إلى يريفان من أجل دراستها على مستوى الحكومة الأرمنية.

مدنيون خائفون لدى سماعهم إطلاق نار في محيط عاصمة إقليم كراباخ الخميس (أ. ب)

وقال ديفيد بابايان، رئيس وفد أرمن كاراباخ، عقب الاجتماع في يفلاخ: «لا يوجد اتفاق نهائي مع باكو، وعلينا الاتفاق على كثير من التفاصيل». وأشار بابايان إلى أن السكان الأرمن في كاراباخ وافقوا على وقف إطلاق النار مع باكو، لكن الشروط لا تزال بحاجة إلى العمل. وأشار إلى أنه «لدينا اتفاق لوقف الأعمال العدائية، ولكننا في انتظار اتفاق نهائي. والمفاوضات مستمرة». وقال إلتشين أميربيكوف، ممثل الرئيس الأذري للمهام الخاصة: «من الصعب توقع حل جميع المشكلات بين أرمن كاراباخ وأذربيجان في اجتماع واحد». وأعرب عن قناعة بأن الجولة الأولى من المفاوضات «وضعت أساسا يمهد للعديد من الاجتماعات. ولا ينبغي للمرء أن يتوقع أن يتم حل جميع المشكلات بين أرمن كاراباخ وأذربيجان في أول لقاء». وترى الحكومة الأذرية أن مسار تسوية ملفات العلاقة مع أرمن كاراباخ «لا عودة عنه» بعد التطورات الميدانية التي أسفرت عن فرض سيطرة أذرية شبه كاملة على الإقليم.

وأعلنت سلطات جمهورية كاراباخ المعلنة من طرف واحد عن توصل الطرفين إلى وقف كامل للأعمال العدائية بوساطة من قوات حفظ السلام الروسية. وتضمن الاتفاق حل جيش كاراباخ ونزع سلاحه، وانسحاب الوحدات المتبقية من القوات المسلحة الأرمينية من منطقة انتشار قوات حفظ السلام الروسية. لكن يريفان اعترضت على البند الأخير وأكدت عدم وجود قوات نظامية أرمينية في الإقليم. كما اتفق الطرفان على مناقشة قضايا إعادة الاندماج وضمان حقوق وأمن السكان الأرمن في كاراباخ. ومع أن هذه العناصر تشكل أولويات لمناقشة ترتيبات المرحلة اللاحقة في كاراباخ بعد توسيع سيطرة أذربيجان على الإقليم، لكنها لا تعد كافية لإنهاء الصراع التاريخي بين أرمينيا وأذربيجان، إذ تجري المفاوضات مع ممثلي سكان الإقليم من دون حضور الطرف الأرميني، كما أن الملفات العالقة بين يريفان وباكو وعلى رأسها مسألة ترسيم الحدود وفتح الممرات التجارية وآليات التوصل إلى معاهدة سلام نهائية لن تكون مطروحة خلال الجولة الحالية. وشكلت هذه النقطة أبرز محاور البحث خلال اتصال هاتفي الخميس أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأذري إلهام علييف. وأعلن الكرملين بعده أن الطرفين اتفقا على «تكثيف العمل على مسار المفاوضات بما يتماشى مع الاتفاقيات الثلاثية (مع أرمينيا) المبرمة في الفترة بين 2020-2022».

جنود روس يقومون بإجلاء مدنيين في كاراباخ الخميس (رويترز)

ووفقا للديوان الرئاسي الروسي، فقد حضَّ بوتين نظيره الأذري على احترام حقوق وأمن أرمن كاراباخ في ترتيبات المرحلة المقبلة. وقدم علييف خلال المكالمة اعتذاراً رسميا لبوتين على حادثة مقتل جنود من قوات حفظ السلام الروسية بالرصاص خلال العملية العسكرية التي شنّتها باكو في الإقليم. وأعرب علييف خلال الاتصال عن «تعازيه العميقة على الوفاة المأساوية لجنود الكتيبة الروسية»، متعهداً إجراء «تحقيق معمّق في هذا الحادث ومعاقبة كل المسؤولين عنه». كما عرض تقديم تعويضات لأسر الضحايا. وفي إطار النقاشات حول مستقبل التسوية السياسية النهائية في المنطقة، قال الناطق الرئاسي الروسي دميتري بيسكوف إن «هناك العديد من القضايا الفنية المتبقية قبل الانتهاء من العمل على معاهدة السلام بين أذربيجان وأرمينيا بشأن كاراباخ، ولكن جميع المتطلبات الأساسية موجودة». ولاحظ الناطق أنه «من غير المرجح أن يتعهد أي شخص بالإشارة إلى إطار زمني، ولكن بالنظر إلى أن القضية الرئيسية المتعلقة بملكية كاراباخ في حد ذاتها قد تم حلها الآن، فقد تم حلها وتسويتها بقرار أرمينيا الاعتراف بسيادة أذربيجان على كاراباخ، يمكننا القول إنه تم تحقيق تقدم كبير... مع توفر حسن النية، سيكون من الممكن الوصول إلى آليات للتسوية النهائية (...) إذا أضفنا إلى النقاشات الجارية حاليا، الجهود المطلوبة بشأن التعاون في مجال لوجيستيات النقل والعبور وما إلى ذلك، كما تمت مناقشته سابقا في الوثائق الثلاثية، فسنصل هنا إلى ديناميكيات التنمية المستدامة إلى حد ما في المنطقة». أضاف: «بعد كل شيء، هذه معاهدة سلام بين أرمينيا وأذربيجان. لذلك، لا يمكن لروسيا أن تشارك بشكل مباشر. ولكن بما أن أساس التوصل إلى هذا الاتفاق تم إنشاؤه من خلال الوثائق الثلاثية، فبالطبع، لدى روسيا دور معين هنا. لأنها لا تزال تعمل بطريقة أو بأخرى كضامن». وكان بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مماثلاً في وقت سابق الخميس، مع رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان أعرب خلاله عن ارتياحه لانحسار موجة العنف الجديدة في كاراباخ وتحدث عن آفاق جيدة لتسوية النزاع بين الأرمن وأذربيجان في المنطقة. وأفاد بيان أصدره الكرملين بأن بوتين «أشار بارتياح إلى أنه تسنى تجاوز المرحلة الحادة من النزاع ورحب بالاتفاق حول وقف العمليات القتالية بشكل كامل وإجراء جولة المفاوضات بين ممثلي باكو وستيباناكرت، والذي تم التوصل إليه بوساطة فعالة من قوات حفظ السلام الروسية». وأعلنت وزارة الدفاع الروسية الخميس أن قوات حفظ السلام الروسية قامت بإجلاء 5 آلاف شخص من 3 مناطق في إقليم كاراباخ بعد اندلاع الأعمال القتالية هناك.



تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...