بوتين يكشف جانباً من تفاصيل زيارة الزعيم الكوري... ويستعد لاستقبال حليفه البيلاروسي

كيم يتجول في مصانع السلاح الروسي... وحضور «غير معلن» لشقيقته

كيم وبوتين خلال جولة في منطقة آمور (أ.ف.ب)
كيم وبوتين خلال جولة في منطقة آمور (أ.ف.ب)
TT

بوتين يكشف جانباً من تفاصيل زيارة الزعيم الكوري... ويستعد لاستقبال حليفه البيلاروسي

كيم وبوتين خلال جولة في منطقة آمور (أ.ف.ب)
كيم وبوتين خلال جولة في منطقة آمور (أ.ف.ب)

ما زالت أخبار زيارة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى روسيا، تتصدر تعليقات الصحف الكبرى. خصوصا في الشق المتعلق بالقطاع العسكري. وكشف الرئيس فلاديمير بوتين تفاصيل إضافية عن مجريات الزيارة وبعض نتائجها. وبدا أن الطرفين الروسي والكوري الشمالي أعدا أجندة «مزدحمة للغاية» للزيارة وفقا لتعليق بوتين، الذي أعرب في حديث مع الصحافيين عن ارتياحه لنتائج المحادثات ووصفها بأنها فتحت مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. بدوره أكد كيم استعداده للعمل مع بوتين لبناء «علاقات استراتيجية بين البلدين تسعى لتحقيق العدالة الدولية».

كيم يودع بوتين عند مغادرته مدينة كومسومولسك الواقعة على نهر آمور في منطقة خاباروفسكي حيث يزور مصانع إنتاج معدات الطيران (أ.ب)

شراكة لـ100 عام

وأفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية بأن كيم أعرب خلال المحادثات لنظيره الروسي عن استعداده للعمل على «خطة لـ100 سنة» لبناء علاقات قوية ومستقرة طويلة الأمد وتقوم على المبادئ المشتركة والدفاع عن «عدالة دولية حقيقية».

وعكست تعليقات الوكالة الرسمية مستوى ارتياح القيادة الكورية الشمالية لنتائج المحادثات. ووصفت اللقاء الذي جرى في قاعدة صاروخية روسية في أقصى شرق البلاد بأنه «لحظة تاريخية في إطار تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، والتصدي للإمبريالية العالمية والدفاع عن الاستقلالية». وأشارت إلى أن العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية «اجتازت كل الاختبارات والصعوبات على مدى زمن طويل».

بدوره، علق الرئيس الروسي على نتائج مباحثاته مع كيم. كاشفا جوانب من تفاصيل الأجندة المزدحمة للضيف النادر على روسيا.

الزعيم الكوري الشمالي خلال زيارة لمنطقة آمور (أ.ف.ب)

جدول أعمال مزدحم

وقال في حديث على الهواء مباشرة مع القناة الأولى إن المباحثات تضمنت تبادلا «صريحا» لوجهات النظر بشأن الوضع في المنطقة، كما تطرقت إلى العلاقات الثنائية بين البلدين، والمشاريع المهمة في مجالات النقل والسكك الحديدية والموانئ والزراعة وغيرها. وزاد أن لدى الرئيس الكوري الشمالي برنامج زيارات واسعا على الأراضي الروسية، فهو طار بعد اللقاء الرئاسي إلى مدينة كومسومولسك الواقعة على نهر آمور في منطقة خاباروفسك (الشرق الأقصى)، حيث يزور مصانع إنتاج معدات الطيران، المدني والحربي على حد سواء.

وبعد ذلك، وفقا لبوتين، من المخطط لكيم أن يزور مدينة فلاديفوستوك التي تمت المفاوضات على أطرافها في قاعدة صاروخية. ويشتمل جدول أعمال الزعيم الكوري الشمالي في هذه المدينة على «شق عسكري واسع» للزيارة، فمن جهة يعقد ممثلو وزارتي الدفاع في البلدين جلسات محادثات تفصيلية، لم يتم تحديد موعدها ومجرياتها لكن برزت إشارات إلى أن كيم سيكون حاضرا بشكل شخصي خلال بعض هذه الجلسات. ومن جهة أخرى سيتم بحضور الضيف استعراض قدرات أسطول المحيط الهادي الروسي، بما في ذلك عبر جولات ميدانية لكيم في بعض المواقع.

في الشق المدني، يشتمل برنامج الزيارة على عدد من القضايا المتعلقة بالبيئة والتعليم. ويزور الزعيم الكوري الشمالي الجامعة الفيدرالية الشرقية، وينتظر أن يتجول في بعض المنشآت التابعة للأكاديمية الروسية للعلوم، لا سيما المختبرات التي تتعامل مع علم الأحياء البحرية.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مع الرئيس فلاديمير بوتين (رويترز)

وذكر بوتين خلال المقابلة التلفزيونية أن الطرفين ركزا خلال المحادثات على مشاريع تتعلق بالنقل والخدمات اللوجستية، على مستوى السكك الحديدية، وطرق المركبات، وإعادة إحياء الميناء البحري، وتطرق إلى أنه «يمكن إنشاء (مثلث لوجيستي) جيد جداً، يتكون من خط سكك حديدية، وميناء، ثم طريق إلى الصين، وهو ما يمكن أن يضاعف من حجم النقل بشكل كبير، وهو أمر مهم للغاية بشكل عام».

كما تابع بوتين: «تحدثنا عن تطور الزراعة، وفي هذا الصدد فإن لدينا ما نعرضه على الشركاء. نحن نقدم المساعدات الإنسانية لكوريا الشمالية، ولكن، وإلى جانب ذلك بإمكاننا العمل ببساطة على قدم المساواة، وآفاق التعاون ليست سيئة بالمرة».

فيما يتعلق بالتعاون الصناعي العسكري قال بوتين: «هناك بعض القيود التي تلتزم بها روسيا، لكن هناك أشياء بإمكاننا الحديث بشأنها، وهناك إمكانات. إن روسيا تتمتع بالاكتفاء الذاتي، إلا أنه، وفي إطار القواعد الحالية، هناك فرص نهتم بها ونناقشها».

شقيقة كيم الضيف «غير المعلن»

واحد من العناصر البارزة التي تكشفت الخميس عن مجريات الزيارة أن شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم يو جونغ التي تلعب أدوارا مهمة في قيادة البلاد، رافقت شقيقها في الزيارة رغم أن اسمها لم يرد أصلا ضمن الجدول المعلن للوفد المرافق.

المتحدث باسم الكرملين الروسي دميتري بيسكوف يحضر اجتماعاً بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (رويترز)

وتظهر شقيقة الزعيم التي تشغل رسميا منصب نائب رئيس اللجنة المركزية لحزب العمال الكوري الحاكم في مناسبات عدة، إما برفقة شقيقها أو بالنيابة عنه أحيانا.

لكن اللافت أنها لم ترافقه في رحلة القطار المصفح. وعند مغادرة كيم جونغ أون كوريا الشمالية، شوهدت كيم الشقيقة وهي تقف بجوار المصورين، ولكن بشكل منفصل عن صف المسؤولين المغادرين إلى روسيا. كما أنها لم تظهر في اللقطات التي بثتها الوكالة الرسمية في كوريا الشمالية، وكذلك وسائل الإعلام الحكومية الروسية التي نقلت صور وصول قطار كيم المدرع إلى محطة خاسان الحدودية في روسيا. ولم يتضح ما إذا كانت قد وصلت إلى روسيا بعد شقيقها، أم اتخذت مسارا مختلفا. لكن المسؤولة البارزة ظهرت فجأة في حفل العشاء الذي أقامه الرئيس الروسي على شرف ضيفه الكوري الشمالي، ورافقت شقيقها عندما زار مبنى الاختبارات ووقع في سجل الزوار في قاعدة «فوستوشني» الفضائية، في حين أنها تغيبت عن الشق الرسمي من المفاوضات.

بوتين يستقبل حليفاً آخر

لم تكد تنتهي التفاصيل الكثيرة المتعلقة بزيارة الزعيم الكوري الشمالي، حتى تم الإعلان عن زيارة حليف آخر للكرملين يعلن مثل كيم التزامه بدعم ومساعدة روسيا في مواجهتها الكبرى مع الغرب.

ومع أن المعطيات لم تؤكد في البداية ما إذا كان رئيس بيلاروسيا أليكساندر لوكاشينكو سوف يتوجه إلى أقصى الشرق الروسي حيث يوجد بوتين مع ضيفه الكوري الشمالي، واكتفى بيان رسمي روسي مقتضب بتأكيد أن «الطائرة البيلاروسية رقم واحد وصلت بالفعل في روسيا»، لكن تصريحات لاحقة للناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف أوضحت أن اللقاء الذي يجمع بوتين ولوكاشينكو سوف يعقد في سوتشي.

ينتظر وفقا لتسريبات وسائل الإعلام أن يعقد الرئيسان جلسة عمل تركز على مناقشة «المشكلات الإقليمية وجدول الأعمال الدولي»، فضلا عن المهام المشتركة في الملف الاقتصادي.

صورة أرشيفية لرئيس بيلاروسيا أليكساندر لوكاشينكو مع حليفه الرئيس بوتين (إ.ب.أ)

وأضاف الناطق الرئاسي أن بيلاروسيا هي «الحليف الأقرب» لروسيا وأن رئيسي البلدين «على اتصال دائم».

وفقا لبيسكوف فإن الطرفين يعملان على «ضبط متواصل للساعات» في مجال التحركات المشتركة لمواجهة التحديات الجديدة، وفي هذا الإطار فإن الأولوية تتجه نحو «الفحص المنتظم للوضع بشكل مشترك، والتنسيق بين الحليفين المقربين، وتبادل الآراء، في المسائل المختلفة».


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.