لا يزال مقتل يفغيني بريغوجين، زعيم مرتزقة «فاغنر» الروسية، في تحطم طائرته الخاصة، يوم الأربعاء، يثير عدداً من التساؤلات والتحليلات حول انعكاساته المستقبلية، سواء على «فاغنر» نفسها أم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك الحرب الأوكرانية المستمرة. ويقول حلفاء أوكرانيا إنه، في الغالب، يبدو أن الرئيس الروسي هو الأقوى على المدى القصير، لكن مستقبله قد يكون قاتماً، وفقاً لتصريحات مسؤولين أميركيين وغربيين. ويضيف هؤلاء أن الرئيس بوتين من المرجح أن يعزز قبضته على المدى القصير على روسيا، لكنه يُضعف مكانته بمرور الوقت، وخصوصاً لدى المواطنين الروس العاديين، الذين كانوا ينظرون إلى بريغوجين بوصفه وطنياً ملتزماً لم يتوان، حتى عن انتقاد «الكرملين» علناً، في الحرب الأوكرانية المتعثرة.

سجل بوتين معروف
وفي حين تحاول واشنطن والحكومات الغربية التأكد بالضبط من سبب تحطم طائرة بريغوجين، بعد شهرين من قيادته تمرداً قصيراً، واشتباكه مع القوات الروسية بسبب شكاوى بشأن نهج «الكرملين» في الحرب بأوكرانيا، قال مسؤول أميركي، مطّلع على السياسة الروسية: «لدى بوتين سجل واضح جداً في العمل على الأقل داخل بلاده مع الإفلات من العقاب». «لا أشعر بوجود أية آلية سيجري بموجبها محاسبته... فقط لأن الناس يكرهونك، لا يعني بالضرورة أنك ستكون خارج السلطة». مسؤول أميركي آخر مطّلع على السياسة الروسية قال، في تصريحات مماثلة، لموقع «بوليتيكو»، عن بوتين: «هو أقوى على المدى القصير، وأضعف على المدى الطويل».
وكتب وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور، في رسالة نصية، أن الزعيم الروسي، من خلال القضاء على معارضيه «واحداً تلو الآخر»، يُجبر كبار مسؤوليه على «السير على الخط» الذي يحدده. وأضاف: «مجتمع الخوف ينمو بسرعة في روسيا، والناس يخشون، أكثر من أي وقت مضى، الخروج للتظاهر أو أي شيء مماثل». «ومن ثم فإن الدكتاتورية في دولة المافيا آخذة في النمو».
وكانت هناك تقارير متضاربة حول سبب تدمير الطائرة. وقالت إدارة بايدن إنه لا يوجد دليل على تورط صاروخ، لكنها تركت احتمال وجود قنبلة على متن الطائرة مفتوحاً. وقال المتحدث باسم «البنتاغون» الجنرال باتريك رايدر، خلال إفادة صحفية، مساء الخميس، إن بريغوجين قُتل، «على الأرجح»، في حادث تحطم الطائرة، وفقاً لتقييم أميركي أولي. وأضاف أن التقارير التي تفيد بأن الطائرة أُسقطت بصاروخ، تبدو «غير دقيقة».
ورصدت لقطات فيديو عدة، وقوع انفجار قبل تهاوي الطائرة، لكن لم تكن هناك علامات على إطلاق صاروخ، وفقاً لمسؤولين أميركيين. ومن شأن عدم اليقين من الأسباب التي أدت إلى سقوط الطائرة، أن يبقى الباب مفتوحاً أمام احتمال أن تكون الطائرة قد تعرضت للتخريب بطريقة أو بأخرى، ولكن ما حدث بالضبط للطائرة «الخاصة» لا يزال غير واضح. على أية حال، قليلون هم الذين يشككون في أن بوتين كان وراء ما يعتقد المسؤولون الأميركيون أنها عملية اغتيال. وقال أحد الأشخاص: «تقييمنا الأوليّ هو أنه من المحتمل أن يكون بريغوجين قد قُتل».
وفي حين تجاهلت إدارة بايدن لساعات تداعيات مقتل بريغوجين، غير أن عدداً من المسؤولين الأميركيين قالوا، منذ فترة طويلة، «إنه كان رجلاً ميتاً يمشي». ويشتبه الرئيس بايدن في أن بوتين كان وراء إسقاط الطائرة، في حين أشارت المتحدثة باسم «مجلس الأمن القومي» أدريان واتسون، إلى أن «الحرب الكارثية في أوكرانيا أدت إلى زحف جيش خاص نحو موسكو، والآن، على ما يبدو، حصل هذا الأمر».

وأجرى الرئيس الأميركي جو بايدن اتصالاً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في عيد استقلال أوكرانيا، أكد فيه «التزام الولايات المتحدة بدعم دفاع أوكرانيا ضد العدوان الروسي، مهما استغرق الأمر». وقال «البيت الأبيض» إنهما اتفقا على بدء تدريب الطيارين المقاتلين الأوكرانيين على طائرات مقاتلة من طراز «إف-16»؛ «لزيادة القدرات الدفاعية لأوكرانيا». وفي وقت سابق، أكد زيلينسكي مجدداً أن أوكرانيا ليس لها دور في تحطم الطائرة الروسية ومقتل بريغوجين.
كيف سيرد أتباع «فاغنر»؟
ومن بين الأمور المجهولة على المدى الطويل، هو كيف سيردّ أتباع بريغوجين في مجموعة «فاغنر» المرتزقة، على مقتله، وما إذا كان بإمكانهم، مع مرور الوقت، أن يشكلوا تهديداً جديداً لزعيم «الكرملين». وفي حين أمضى بوتين الشهرين الماضيين في محاولة استيعاب عدد من قوات «فاغنر» في جيشه، فضلاً عن السعي لتولّي زمام بعض عمليات المجموعة في أفريقيا وخارجها، فإن اختفاء بريغوجين من المشهد سيؤدي، على المدى القصير، إلى تعزيز موقف بوتين داخل النظام. وقال دبلوماسي أوروبي كبير: «دعونا نرَ ما إذا كان بقية أعضاء فاغنر سيوافقون على ما حصل».
ونقلت وسائل إعلام أميركية عن محللين غربيين، قولهم إنه من المرجح أن يعيِّن «الكرملين» شخصية أقل شهرة لقيادة عمليات «فاغنر» في أفريقيا، مما يضمن أن رئيس المرتزقة الجديد لن يتحدى بوتين. وتفضِّل موسكو تشغيل مرتزقة مأجورة في غرب أفريقيا، بما يمكّنها من إنكار أية صلة بتأمين مصالح روسيا الإقليمية.
ومنذ تمرد بريغوجين، في يونيو (حزيران)، توقّع المسؤولون الأميركيون أن بوتين سيقضي عليه. وخلال منتدى «أسبين» الأمني، في يوليو (تموز)، تحدّث وزير الخارجية أنتوني بلينكن عن سياسة «الشبابيك المفتوحة» التي تنتهجها روسيا؛ في إشارة إلى عدد الروس البارزين الذين يبدو أنهم يموتون بسبب السقوط منها. وقال مدير وكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه»، ويليام بيرنز، في المؤتمر: «لو كنت مكان بريغوجين، لَما طردت متذوق الطعام الخاص بي»؛ في إشارة إلى تفضيل «الكرملين» المزعوم تسميم المنشقّين. ورغم ذلك، أكدا أيضاً أن مجرد قيام بريغوجين بتنظيم تمرد «يُظهر أن نظام بوتين لا يتمتع بحصانة». وهذا يشير إلى متاعب، بالنسبة له، على المدى الطويل، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا بلا نهاية في الأفق، وظلت الأسئلة والانتقادات التي أثارها بريغوجين عنها، تطفو على السطح في أذهان المحيطين ببوتين. وقال بيرنز: «أعتقد أن ذلك كشف بطرق عدة عن بعض نقاط الضعف الكبيرة في النظام الذي بناه بوتين». وأضاف: «النخبة الروسية بدت قلقة من قراراته».
جماعة روسية مؤيدة لأوكرانيا تدعو «فاغنر» للثأر
ودعت جماعة من المسلَّحين الروس، تُقاتل إلى جانب أوكرانيا، مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة، إلى تغيير ولائها والانضمام لها، للثأر لمقتل قائد المجموعة ومؤسسها يفغيني بريغوجين، ونائبه دميتري أوتكين. وقالت السلطات الجوية الروسية إن بريغوجين وأوتكين و8 آخرين كانوا على متن طائرة خاصة تحطمت شمال موسكو، يوم الأربعاء، مما تسبَّب في مصرعهم جميعاً. وقال دنيس كابوستين، قائد فيلق المتطوعين الروس، في خطاب مصوَّر نُشر في وقت متأخر، الخميس: «أنتم الآن أمام خيار مصيري، يمكنكم الوقوف في حظيرة وزارة الدفاع الروسية والعمل كلاب حراسة لقتلة قادتكم، أو الثأر لهم». وأضاف: «إذا أردتم الثأر، فعليكم الانتقال إلى جانب أوكرانيا».
وبعد 24 ساعة من الصمت، قدَّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «خالص تعازيه» لأُسَر جميع القتلى العشرة، الذين قضوا نحبهم في تحطم الطائرة، وأشاد ببريغوجين، ووصفه بأنه «رجل أعمال موهوب». وكابوستين روسيّ ينتمي لليمين المتطرف وأسَّس الجماعة المسلَّحة قبل عام. ويقاتل فيلق المتطوعين الروس إلى جانب أوكرانيا، وأعلن مسؤوليته عن عدة هجمات عسكرية على مناطق حدودية روسية. وقال، في خطابه الموجَّه لمقاتلي «فاغنر»، كما نقلت عنه «رويترز»: «دعونا نُنهِ مفرمة اللحم الدموية للعملية العسكرية الخاصة»، مستخدماً الوصف الذي تطلقه موسكو على غزوها أوكرانيا. وتابع: «وبعدها سنزحف إلى موسكو، وهذه المرة لن نتوقف على بُعد 200 كيلومتر من الطريق الدائري لموسكو، وإنما سنواصل حتى النهاية».




