أول سفينة تستخدم الممر الملاحي لأوكرانيا في البحر الأسود تصل إلى تركيا

تركيا تحذر روسيا بعد إطلاق نار على إحدى سفنها وسط فتور واضح في العلاقات مع موسكو

سفينة الحاويات «جوزيف شولت» في مضيق البوسفور وهي أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود (أ.ف.ب)
سفينة الحاويات «جوزيف شولت» في مضيق البوسفور وهي أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود (أ.ف.ب)
TT

أول سفينة تستخدم الممر الملاحي لأوكرانيا في البحر الأسود تصل إلى تركيا

سفينة الحاويات «جوزيف شولت» في مضيق البوسفور وهي أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود (أ.ف.ب)
سفينة الحاويات «جوزيف شولت» في مضيق البوسفور وهي أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود (أ.ف.ب)

رست سفينة شحن تجارية تحمل علم هونغ كونغ في أحد موانئ إسطنبول بعد عبورها مضيق البوسفور قادمة من ميناء أوديسا في طريقها إلى اليونان عبر الممر الملاحي المؤقت الذي افتتحته أوكرانيا في البحر الأسود. جاء ذلك في الوقت الذي وجهت فيه تركيا تحذيراً لروسيا بعد إطلاق النار، الأحد الماضي، على سفينة تركية تحمل علم دولة بالاو في مياه البحر الأسود بعد رفض قائدها التوقف للتفتيش.

ووصلت سفينة الحاويات «جوزيف شولت»، الجمعة، إلى مضيق البوسفور، وهي أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود، منذ توقف اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود بعد تعليق روسيا مشاركتها فيها في 17 يوليو (تموز) الماضي.

«جوزيف شولت» أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود (أ.ب)

وقالت وزارة النقل والبنية التحية التركية، في بيان، إن السفينة وصلت إلى مضيق البوسفور الساعة 06:10 بالتوقيت المحلي (03:10 بتوقيت غرينتش) قادمة من ميناء أوديسا الأوكراني حيث رافقتها زوارق تابعة للمديرية العامة للسلامة البحرية إلى ميناء «أمبارلي» في إسطنبول.

وأضاف البيان أن سفينة الحاويات العملاقة، التي يبلغ طولها 300 متر وتحمل علم هونغ كونغ ستذهب إلى ميناء بيرايوس اليوناني، مشيراً إلى أنها أبحرت مرتين في المياه الدولية، إلا أنها ظلت داخل المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا، حيث أبحرت 12 ميلًا من الساحل أثناء استمرار رحلتها.

وتستطيع السفينة «جورج شولت» حمل أكثر من 30 ألف طن من البضائع في 2114 حاوية. ووفقاً للخبراء، هي السفينة الأكثر قيمة من بين 60 سفينة تقطعت بها السبل في أوكرانيا.

وأعلنت أوكرانيا الأسبوع الماضي توفير «ممر إنساني» في البحر الأسود للسماح بمغادرة سفن شحن عالقة في موانئها بعد انتهاء العمل باتفاق تصدير الحبوب الشهر الماضي. ولم تفصح موسكو عما إذا كانت ستحترم ممر الشحن وعبرت مصادر في قطاعي الشحن والتأمين عن مخاوف بشأن السلامة. وقالت كييف إن الممر سيستخدم في الأساس للسماح بمغادرة السفن العالقة في الموانئ الأوكرانية.

كانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت في 19 يوليو (تموز) الماضي أنها ستعد جميع السفن التي تبحر في البحر الأسود إلى الموانئ الأوكرانية أهدافاً عسكرية، لأنها ربما تحمل أسلحة ومعدات عسكرية.

ومن شأن التدخل ضد سفينة تجارية في المياه الإقليمية لدولة ثالثة أن يعرض السفن التجارية الروسية لعقوبات جديدة.

سفينة تحمل حبوباً من أوكرانيا وراء سفينة شحن أخرى قرب إسطنبول في نوفمبر 2022 (رويترز)

ووصلت السفينة القادمة من أوكرانيا، بعد ساعات من توجيه تركيا تحذيراً لروسيا على خلفية إطلاق سفينة الدورية الروسية «فاسيلي بيكوف»، الأحد الماضي، أعيرة من أسلحة آلية على السفينة التركية «شكري أوكان»، التي ترفع علم دولة بالاو، لعدم استجابة قائدها لطلب للتوقف من أجل التفتيش في المياه الدولية بالبحر الأسود.

وقالت الرئاسة التركية، في بيان ليل الخميس - الجمعة، إنه «في أعقاب حادثة السفينة، جرى تحذير النظراء في روسيا بالطريقة الملائمة، لتجنّب مثل هذه المحاولات التي ستؤدي إلى تصعيد التوتر في البحر الأسود».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إسطنبول (أ.ف.ب)

وكان أفراد من الجيش الروسي قد صعدوا على ظهر السفينة «شكري أوكان» لإجراء تفتيش، قبل السماح لها بمواصلة الإبحار باتجاه ميناء إسماعيل الأوكراني، وسط تصاعد الهجمات في منطقة البحر الأسود، عقب قرار روسيا عدم تمديد اتفاقية الممر الآمن للحبوب الموقعة في إسطنبول في 22 يوليو (تموز) 2022 مع أوكرانيا بوساطة تركيا ورعاية الأمم المتحدة.

وقالت الرئاسة التركية، تعليقاً على الانتقادات بسبب الصمت تجاه الاستهداف الروسي، إن «الرد على الحادث متروك من الناحية الفنية لبالاو، وحتى لو كان مالك السفينة شكري أوكان تركياً، فإنها لا ترفع العلم التركي». وأضافت: «في القانون الدولي، تعد دولة العلم أهم من اسم السفينة، أو جنسية طاقمها».

وشهدت الفترة الأخيرة مؤشرات على فتور في العلاقات التركية الروسية بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي شهدتها تركيا في مايو (أيار) الماضي، بسبب ما بدا أنه تركيز من أنقرة على تعزيز العلاقات مع الغرب.

وعلى الرغم من تعامل روسيا بهدوء مع موافقة تركيا على التصديق على طلب انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ومن قبلها تسليم 5 قادة عسكريين أوكرانيين من كتيبة «أزوف» إلى بلادهم، بعد أن أسرتهم روسيا وسلمتهم إلى تركيا وفق اتفاق يقضي باستضافة أنقرة لهم إلى حين انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وتصريحات إردوغان المؤيدة لانضمام أوكرانيا إلى «الناتو»، الذي يعد خطاً أحمر بالنسبة لروسيا، ظهرت بوادر على الفتور في العلاقات التي اكتسبت زخماً قوياً في السنوات الخمس الماضية.

زيلينسكي يتوسط قادة «أزوف» (أ.ب)

وانتقدت موسكو تسليم قادة كتيبة «أزوف» التي تعدها جماعة إرهابية، وعلقت أكثر من مرة على تصريحات لإردوغان حول زيارة مرتقبة للرئيس فلاديمير بوتين لتركيا في أغسطس (آب) الحالي بأنه لم يتم تحديد موعد أو جدول للزيارة.

وقبل أسبوعين جرى اتصال بين إردوغان وبوتين تركز بشكل أساسي على تعليق العمل باتفاقية الحبوب، حيث أكد بوتين أن بلاده لن تعود إلى الاتفاقية إلا في حال تنفيذ الشق الخاص بالسماح لها بتصدير الحبوب والمنتجات والأسمدة الزراعية، التي يعرقل الغرب تصديرها. وأعلن إردوغان مجدداً أن بوتين قد يزور تركيا قبل نهاية أغسطس، لكن لم يصدر عن موسكو تأكيد لذلك حتى الآن.

ويؤكد مراقبون أن كلا البلدين لا يرغب في حدوث توتر في العلاقات بينهما، وأن تركيا تعمل، على الرغم من إبداء توجه للتركيز على العلاقات مع الغرب، على تجنب تدهور علاقاتها مع روسيا التي تربطها بها مصالح اقتصادية كبيرة، فضلاً على عدم رغبتها في فقد دورها كوسيط بين روسيا والغرب، وهو الدور الذي يصب في مصلحتها في ظل أزمة اقتصادية حادة تفرض عليها العمل على جذب الاستثمارات من الغرب، حيث يشكل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لها. ومن المنظور ذاته، فإن تدهور العلاقات مع روسيا، التي أصبحت أكبر دولة مستوردة من تركيا العام الماضي فضلاً على كونها المصدر الأكبر للغاز الطبيعي، لا يعد خياراً مطروحاً.


مقالات ذات صلة

أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب) p-circle

أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

سلّط «مؤتمر ميونيخ للأمن» في نسخته الأخيرة الضوء على قضايا أساسية عدة، أبرزها ظهور أميركا على أنّها أكثر حرصاً.

«الشرق الأوسط» (ميونخ)
أوروبا الرئيس البولندي كارول نافروتسكي يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي بالقصر الرئاسي في وارسو (رويترز)

الرئيس البولندي: علينا أن نطور أسلحتنا النووية الخاصة بنا

قال الرئيس البولندي كارول نافروتسكي في حوار مع قناة بولسات التلفزيونية إنه يتعين على بولندا تطوير أسلحتها النووية الخاصة.

«الشرق الأوسط» (وارسو )
أوروبا كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تتحدث خلال ندوة في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ) p-circle

كالاس: دول الاتحاد الأوروبي ليست مستعدة لتحديد موعد لانضمام أوكرانيا

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الأحد، إنها تشعر أن حكومات دول الاتحاد غير مستعدة لتحديد موعد لانضمام أوكرانيا إلى التكتل، رغم طلب زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
أوروبا رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف خلال تفقّد القوات في أوكرانيا (أ.ف.ب) p-circle

روسيا تعلن السيطرة على 12 قرية في شرق أوكرانيا خلال أسبوعين

تفقّد رئيس الأركان الروسي، فاليري غيراسيموف، الأحد، قواته في أوكرانيا حيث أكد السيطرة على 12 قرية في شرق البلاد خلال فبراير.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال جلسة نقاشية في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ف.ب)

زيلينسكي يسخر من «بطن» أوربان في «مؤتمر ميونيخ للأمن»

سخر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، من «بطن» الزعيم المجري فيكتور أوربان، وقال إن نضال أوكرانيا ضد روسيا مكّن أوروبا من العيش بحرية.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)

أول ظهور للمشتبه به في هجوم بونداي نافيد أكرم أمام المحكمة

صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)
صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)
TT

أول ظهور للمشتبه به في هجوم بونداي نافيد أكرم أمام المحكمة

صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)
صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)

مثل المشتبه به في هجوم شاطئ بونداي في سيدني نافيد أكرم، أمام محكمة أسترالية عبر رابط فيديو للمرة الأولى الاثنين، وفق ما ذكرت هيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي».

وأطلق نافيد أكرم ووالده ساجد النار على حشد كان يحتفل بعيد «حانوكا» اليهودي على شاطئ بونداي الشهير في سيدني في ديسمبر (كانون الأول)، في أسوأ حادثة إطلاق نار جماعي تشهدها البلاد منذ ثلاثة عقود.

وقُتل الأب برصاص الشرطة بينما اتُهم نافيد بالإرهاب والقتل.


رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

 رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)
TT

رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

 رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

سيسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى الحصول على صلاحيات أوسع لتنظيم الوصول إلى ​الإنترنت، وهو ما قال اليوم الأحد إنه ضروري لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية سريعة التغير.

وقالت الحكومة البريطانية الشهر الماضي إنها ستجري مشاورات حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي على غرار النموذج الأسترالي للأطفال دون سن ‌16 عاما. ‌ومنذ ذلك الحين، ​أعلنت ‌إسبانيا ⁠واليونان ​وسلوفينيا عزمها فرض ⁠حظر مماثل.

وقال ستارمر في بيان «التكنولوجيا تتطور بسرعة كبيرة، ويتعين أن تواكبها القوانين».

من المرجح أن تؤدي الصلاحيات الجديدة إلى تقليل الرقابة البرلمانية على القيود المستقبلية. وقال مكتب ستارمر ⁠إن هذا ضروري حتى «نتمكن بعد ‌المراجعة من ‌التحرك بسرعة بناء على ​نتائجها في غضون أشهر، ‌بدلا من الانتظار لسنوات حتى ‌صدور تشريع أساسي جديد كلما تطورت التكنولوجيا».

وقالت الحكومة إن المزيد من روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي ستخضع أيضا لحظر إنشاء ‌صور جنسية دون موافقة الشخص المعني، بعد اتخاذ إجراءات ضد ⁠روبوت ⁠الدردشة جروك التابع لإيلون ماسك.

وسيتم إدخال هذه الإجراءات كتعديل على التشريعات الحالية المتعلقة بالجريمة وحماية الأطفال التي ينظر فيها البرلمان.

على الرغم من أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الأطفال، إلا أنها غالبا ما يكون لها آثار غير مباشرة على خصوصية البالغين وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات، وأدت ​إلى توتر ​مع الولايات المتحدة بشأن القيود على حرية التعبير ونطاق التنظيم.


أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
TT

أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)

سلّط «مؤتمر ميونيخ للأمن» في نسخته الأخيرة الضوء على قضايا أساسية عدة، أبرزها ظهور أميركا على أنّها أكثر حرصاً من دون أن تبدّد شكوك حلفائها بشأن مدى التزامها تجاههم، وإبداء أوروبا ميلاً أكبر للاعتماد على نفسها، وخصوصاً على المستوى الدفاعي.

وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، فصّلت راشيل إليهوس المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) هاتين النقطتين، مشيرة أيضاً إلى بروز السعي الصيني للتقرّب من الأوروبيين و«شغل المقعد الذي تخليه واشنطن»، وعدم اقتناع الأوروبيين بإمكان التوصل إلى نهاية وشيكة للحرب في أوكرانيا.

تطمينات أميركية قصيرة الأجل

وفق إليهوس، بعد عام من الخطاب الناري لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أرسلت الولايات المتحدة «الناضجين في إدارة (الرئيس) دونالد ترمب؛ أي وزير الخارجية ماركو روبيو، ومساعد الوزير لشؤون الدفاع إلدريج كولبي» لإلقاء خطابات مدروسة بشكل أكبر أمام مؤتمر ميونيخ.

وقالت إنّ الأميركيين «أوضحوا أنّهم يعتبرون أوروبا بمنزلة شريك، وأنّ الولايات المتحدة تعتبر أنّ (حلف شمال الأطلسي/ ناتو) مفيد بالنسبة إليها، وأنّها تريد إنجاح هذه الشراكة»، في حال أخذ الأوروبيون زمام الأمور بأيديهم.

وأشارت إلى أنّ كولبي أدلى بتصريحات «صريحة للغاية، أكد فيها أنّ الولايات المتحدة لديها الكثير من المسؤوليات، وأن الأوروبيين يتمتعون بثروة كبيرة، وحان الوقت كي تتولى أوروبا زمام المبادرة في عمليات الدفاع التقليدية ضمن (حلف شمال الأطلسي)»، مضيفة أنّه «من المهم التأكيد على أنّهم لم يقولوا إنّ الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن مظلّتها النووية».

مع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات كبيرة لدى العديد من الأوروبيين بشأن مستوى الثقة التي يمكن منحها لواشنطن.

وفي هذا السياق، قالت راشيل إليهوس: «شاركتُ في اجتماعات مع دول الشمال، لا تزال هذه الدول قلقة للغاية بشأن خطر عودة رغبة ترمب في شراء جزيرة غرينلاند، واحتمال حدوث مفاجآت أخرى».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال كلمته في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)

من جهة أخرى، قالت إنّ كولبي «استخدم مصطلح (الواقعية المرنة)»، مضيفة: «لا أفهم تماماً كيف يمكن أن تكون الواقعية مرنة»، ومتسائلة: «هل يعني هذا أنّه يمكننا اختيار متى نريد احترام مبادئ الواقعية؟».

وأعربت عن قلقها من أنّ الولايات المتحدة تميّز «أعضاء (الناتو) الجيدين، الذين بذلوا جهوداً مثل ألمانيا والنرويج، على أنّهم يستحقون الدفاع عنهم أكثر من غيرهم» ممن بذلوا جهداً أقل في إطار زيادة الإنفاق الدفاعي، مثل إسبانيا.

وأشارت المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى «سبب آخر يدعو للقلق، يتمثّل في إشارات روبيو العديدة إلى القيَم المسيحية، والروابط الحضارية بين الولايات المتحدة وأوروبا»، معتبرة أنّ هذه الإشارات تثير مخاوف من تدخل أميركي في الانتخابات الأوروبية لصالح حركات اليمين المتطرّف.

الأوروبيون حسموا أمرهم ظاهرياً

بحسب إليهوس، فقد قدم المستشار الألماني فريدريش ميرتس في خطابه «دفعاً قوياً للغاية باتجاه (ناتو) أكثر أوروبية»، مضيفة أنّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر «أبدى رغبته في علاقات أوثق مع أوروبا القارية والاتحاد الأوروبي، وهو ما وجدته جريئاً للغاية على المستوى السياسي». وأشارت إلى أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن «دفاع أوروبي، وليس عن مجرد دفاع للاتحاد الأوروبي، بل دفاع أكثر شمولاً يضم دولاً مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة».

وأكدت أنّ «كل هذا يشكّل خطوات جيدة إلى الأمام، بحيث تتقارب الدول الأوروبية الكبرى بشكل أوثق لصالح الدفاع الأوروبي، بما في ذلك على الجبهة النووية». ولكنها لفتت النظر إلى عقبات يجب التغلّب عليها، تتمثل في أنّ فرنسا والمملكة المتحدة تواجهان أوضاعاً مالية سيئة تحدّ من قدرتهما الاستثمارية، في حين تستغرق زيادة الإنفاق الدفاعي التي تقرّرت في إطار «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) وقتاً أكبر، إضافة إلى صعوبة تنفيذ مشاريع التعاون الدفاعي، وغيرها من المسائل.

الصين بالمرصاد

اقترح وزير الخارجية الصيني وانغ يي تعزيز العلاقات مع ألمانيا، و«استئناف» العلاقات مع كندا، كما أبدى استعداداً لتقديم «مساعدات إنسانية جديدة» لأوكرانيا، في ظل مواصلة الغزو الروسي.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال كلمته في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

واعتبرت إليهوس أنّ بكين «ستكون سعيدة بشغل المقعد الذي تعمل الولايات المتحدة على إخلائه، وبتقديم نفسها على أنّها حارس للتعددية». وقالت: «لا أحد يصدق ذلك، ولكنّهم (الصينيين) أظهروا وجهاً ودوداً للغاية قد يكون مغرياً للبعض».

وأوردت أنّ الأوروبيين «يدركون المخاطر، ولكنّهم قد ينجذبون إلى الفوائد الاقتصادية لعلاقة أوثق مع الصين، وربما يعتقدون أنّهم قادرون على إدارة الآثار السلبية، ليرتكبوا بذلك الخطأ نفسه الذي ارتكبته الولايات المتحدة قبل سنوات».

مفاوضات بشأن أوكرانيا

لا يعتقد الأوروبيون أنّ وقف إطلاق النار أمر وشيك في أوكرانيا. ورأت إليهوس أنّ «الشعور السائد هو أنّ روسيا لم تكن صادقة بشأن إنهاء الحرب، وأنّ المفاوضات الحالية ليست سوى محاولة من جانبها لكسب الوقت ومواصلة القتال».

غير أنّها لفتت النظر إلى أنّ كثراً منهم «حاولوا دحض السردية القائلة إنّ الروس ينتصرون»، عبر الإشارة إلى الخسائر الفادحة التي تكبّدوها مقابل مكاسب ميدانية ضئيلة وتدهور اقتصادي وضغوط على المجتمع الروسي. وقالت: «هذا ليس انتصاراً بالمعنى الحرفي للكلمة».