رست سفينة شحن تجارية تحمل علم هونغ كونغ في أحد موانئ إسطنبول بعد عبورها مضيق البوسفور قادمة من ميناء أوديسا في طريقها إلى اليونان عبر الممر الملاحي المؤقت الذي افتتحته أوكرانيا في البحر الأسود. جاء ذلك في الوقت الذي وجهت فيه تركيا تحذيراً لروسيا بعد إطلاق النار، الأحد الماضي، على سفينة تركية تحمل علم دولة بالاو في مياه البحر الأسود بعد رفض قائدها التوقف للتفتيش.
ووصلت سفينة الحاويات «جوزيف شولت»، الجمعة، إلى مضيق البوسفور، وهي أول سفينة شحن تستخدم الممر الملاحي المؤقت للإبحار من وإلى الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود، منذ توقف اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود بعد تعليق روسيا مشاركتها فيها في 17 يوليو (تموز) الماضي.

وقالت وزارة النقل والبنية التحية التركية، في بيان، إن السفينة وصلت إلى مضيق البوسفور الساعة 06:10 بالتوقيت المحلي (03:10 بتوقيت غرينتش) قادمة من ميناء أوديسا الأوكراني حيث رافقتها زوارق تابعة للمديرية العامة للسلامة البحرية إلى ميناء «أمبارلي» في إسطنبول.
وأضاف البيان أن سفينة الحاويات العملاقة، التي يبلغ طولها 300 متر وتحمل علم هونغ كونغ ستذهب إلى ميناء بيرايوس اليوناني، مشيراً إلى أنها أبحرت مرتين في المياه الدولية، إلا أنها ظلت داخل المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا، حيث أبحرت 12 ميلًا من الساحل أثناء استمرار رحلتها.
وتستطيع السفينة «جورج شولت» حمل أكثر من 30 ألف طن من البضائع في 2114 حاوية. ووفقاً للخبراء، هي السفينة الأكثر قيمة من بين 60 سفينة تقطعت بها السبل في أوكرانيا.
وأعلنت أوكرانيا الأسبوع الماضي توفير «ممر إنساني» في البحر الأسود للسماح بمغادرة سفن شحن عالقة في موانئها بعد انتهاء العمل باتفاق تصدير الحبوب الشهر الماضي. ولم تفصح موسكو عما إذا كانت ستحترم ممر الشحن وعبرت مصادر في قطاعي الشحن والتأمين عن مخاوف بشأن السلامة. وقالت كييف إن الممر سيستخدم في الأساس للسماح بمغادرة السفن العالقة في الموانئ الأوكرانية.
كانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت في 19 يوليو (تموز) الماضي أنها ستعد جميع السفن التي تبحر في البحر الأسود إلى الموانئ الأوكرانية أهدافاً عسكرية، لأنها ربما تحمل أسلحة ومعدات عسكرية.
ومن شأن التدخل ضد سفينة تجارية في المياه الإقليمية لدولة ثالثة أن يعرض السفن التجارية الروسية لعقوبات جديدة.

ووصلت السفينة القادمة من أوكرانيا، بعد ساعات من توجيه تركيا تحذيراً لروسيا على خلفية إطلاق سفينة الدورية الروسية «فاسيلي بيكوف»، الأحد الماضي، أعيرة من أسلحة آلية على السفينة التركية «شكري أوكان»، التي ترفع علم دولة بالاو، لعدم استجابة قائدها لطلب للتوقف من أجل التفتيش في المياه الدولية بالبحر الأسود.
وقالت الرئاسة التركية، في بيان ليل الخميس - الجمعة، إنه «في أعقاب حادثة السفينة، جرى تحذير النظراء في روسيا بالطريقة الملائمة، لتجنّب مثل هذه المحاولات التي ستؤدي إلى تصعيد التوتر في البحر الأسود».

وكان أفراد من الجيش الروسي قد صعدوا على ظهر السفينة «شكري أوكان» لإجراء تفتيش، قبل السماح لها بمواصلة الإبحار باتجاه ميناء إسماعيل الأوكراني، وسط تصاعد الهجمات في منطقة البحر الأسود، عقب قرار روسيا عدم تمديد اتفاقية الممر الآمن للحبوب الموقعة في إسطنبول في 22 يوليو (تموز) 2022 مع أوكرانيا بوساطة تركيا ورعاية الأمم المتحدة.
وقالت الرئاسة التركية، تعليقاً على الانتقادات بسبب الصمت تجاه الاستهداف الروسي، إن «الرد على الحادث متروك من الناحية الفنية لبالاو، وحتى لو كان مالك السفينة شكري أوكان تركياً، فإنها لا ترفع العلم التركي». وأضافت: «في القانون الدولي، تعد دولة العلم أهم من اسم السفينة، أو جنسية طاقمها».
وشهدت الفترة الأخيرة مؤشرات على فتور في العلاقات التركية الروسية بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي شهدتها تركيا في مايو (أيار) الماضي، بسبب ما بدا أنه تركيز من أنقرة على تعزيز العلاقات مع الغرب.
وعلى الرغم من تعامل روسيا بهدوء مع موافقة تركيا على التصديق على طلب انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ومن قبلها تسليم 5 قادة عسكريين أوكرانيين من كتيبة «أزوف» إلى بلادهم، بعد أن أسرتهم روسيا وسلمتهم إلى تركيا وفق اتفاق يقضي باستضافة أنقرة لهم إلى حين انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وتصريحات إردوغان المؤيدة لانضمام أوكرانيا إلى «الناتو»، الذي يعد خطاً أحمر بالنسبة لروسيا، ظهرت بوادر على الفتور في العلاقات التي اكتسبت زخماً قوياً في السنوات الخمس الماضية.

وانتقدت موسكو تسليم قادة كتيبة «أزوف» التي تعدها جماعة إرهابية، وعلقت أكثر من مرة على تصريحات لإردوغان حول زيارة مرتقبة للرئيس فلاديمير بوتين لتركيا في أغسطس (آب) الحالي بأنه لم يتم تحديد موعد أو جدول للزيارة.
وقبل أسبوعين جرى اتصال بين إردوغان وبوتين تركز بشكل أساسي على تعليق العمل باتفاقية الحبوب، حيث أكد بوتين أن بلاده لن تعود إلى الاتفاقية إلا في حال تنفيذ الشق الخاص بالسماح لها بتصدير الحبوب والمنتجات والأسمدة الزراعية، التي يعرقل الغرب تصديرها. وأعلن إردوغان مجدداً أن بوتين قد يزور تركيا قبل نهاية أغسطس، لكن لم يصدر عن موسكو تأكيد لذلك حتى الآن.
ويؤكد مراقبون أن كلا البلدين لا يرغب في حدوث توتر في العلاقات بينهما، وأن تركيا تعمل، على الرغم من إبداء توجه للتركيز على العلاقات مع الغرب، على تجنب تدهور علاقاتها مع روسيا التي تربطها بها مصالح اقتصادية كبيرة، فضلاً على عدم رغبتها في فقد دورها كوسيط بين روسيا والغرب، وهو الدور الذي يصب في مصلحتها في ظل أزمة اقتصادية حادة تفرض عليها العمل على جذب الاستثمارات من الغرب، حيث يشكل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لها. ومن المنظور ذاته، فإن تدهور العلاقات مع روسيا، التي أصبحت أكبر دولة مستوردة من تركيا العام الماضي فضلاً على كونها المصدر الأكبر للغاز الطبيعي، لا يعد خياراً مطروحاً.


