قمة فيلنيوس: مساعدات عسكرية ضخمة لأوكرانيا وضمانات أمنية

بايدن: سنساعدهم في بناء قدرات دفاعية قوية في البرّ والجوّ والبحر... زيلينسكي: نتائج القمة جيدة لكنها ليست مثالية

الرئيسان بايدن وزيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي اليوم (أ.ف.ب)
الرئيسان بايدن وزيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي اليوم (أ.ف.ب)
TT

قمة فيلنيوس: مساعدات عسكرية ضخمة لأوكرانيا وضمانات أمنية

الرئيسان بايدن وزيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي اليوم (أ.ف.ب)
الرئيسان بايدن وزيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي اليوم (أ.ف.ب)

انسدل الستار اليوم على القمة الأطلسية التي تنافس الرؤساء في توصيفها بأنها تاريخية ومفصلية، وبأن ما بعدها لن يكون كما قبلها، وعلى مسرحها بطل واحد هو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي استقبلته ليتوانيا كالفاتحين وأعطته منبراً ليشنّ منه هجوماً عنيفاً على كل الدول التي لم تقف بجانب بلاده حتى لا تقع في قبضة روسيا، وخرج منها محمّلاً بحزمة غير مسبوقة من المساعدات العسكرية وبضمانات أمنية لبلاده، وبوعد بأنها ستنضم إلى الأسرة الأطلسية «عندما تسمح الظروف بذلك».

وبالتزامن مع دعم دول «الناتو» لأوكرانيا، أعلنت دول مجموعة السبع (الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا واليابان وكندا وألمانيا)، على هامش قمة فيلنيوس، أنها تعتزم تزويد كييف بمعدات حديثة من أجل قواتها البحرية والجوية لـ«ردع العدوان الروسي». ورحب الرئيس الأوكراني زيلينسكي بالإعلان، وقال إن الالتزامات ستمثل «أهمية كبيرة ونجاحاً خاصاً» لأوكرانيا.

وكان منتظراً أن يستحوذ الملف الأوكراني على أضواء قمة «الناتو» التي عقدت على أبواب روسيا، وهي الرابعة لحلف «الناتو» منذ بداية الحرب مطالع العام الفائت. لكن البيان الختامي الذي أقرّه رؤساء الدول والحكومات مساء الثلاثاء وأعلن الأربعاء يتضمّن عدداً من الاستنتاجات الهامة التي ستحدد الإطار العام لاستراتيجية الدفاع الغربية ومسارها، وتستحق التوقف عندها.

خلال إعلان قادة دولة مجموعة السبع حزمة المساعدات لأوكرانيا على هامش قمة فيلنيوس اليوم (إ.ب.أ)

الخطط الإقليمية

أقرّت القمة «الجيل الجديد من الخطط الإقليمية» التي تحدد آليات الردع والدفاع في مواجهة التهديدات الأمنية التي يمكن أن تتعرض لها الدول الأعضاء في الحلف، والتي وصفها الأمين العام ينس ستولتنبرغ بأنها أكبر عملية لإعادة تشكيل الخطط الدفاعية الأطلسية منذ الحرب الباردة. تتوزع هذه الخطط على ثلاثة محاور جغرافية لمواجهة التهديدات الروسية والأعمال الإرهابية، وتشمل خمسة أنواع من الاعتداءات: الجوية، والبرية، والبحرية، والسيبرانية والفضائية. وتحدد هذه الاستراتيجية التي تقع في 4 آلاف صفحة مصنّفة سرّية المهام لكل من الدول الأعضاء، والمناطق التي يفترض تأمين حمايتها والمعدات اللازمة لذلك.

الإنفاق العسكري

من القرارات الهامة التي اتخذتها القمة أيضاً، إضفاء طابع إلزامي على استثمارات الدول الأعضاء في المجال الدفاعي، بعد أن كانت قمة العام 2014 قد اكتفت ببيان تتعهد فيه الدول التي ما زال إنفاقها العسكري دون 2 في المائة من إجمالي الناتج القومي، ببلوغ هذه النسبة في غضون عشر سنوات. وينصّ القرار الجديد على التزام جميع الدول الأعضاء بأن يكون إنفاقها العسكري 2 في المائة حداً أدنى. وكان ستولتنبرغ قد أفاد بأن الموازنات الدفاعية سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً في معظم الدول الأعضاء، وأن البلدان الأوروبية وكندا من المتوقع أن يزيد إنفاقها العسكري هذه السنة بنسبة 8 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك خلال اجتماع مع الرئيس الأوكراني في العاصمة الليتوانية اليوم (إ.ب.أ)

الصين

بعد إدراج الصين للمرة الأولى ضمن عقيدة الحلف الاستراتيجية التي أقرتها القمة الأطلسية في مدريد العام الماضي، أصبح المارد الصيني أحد الهواجس الأمنية الرئيسية على مائدة الحلف. ويشير البيان الختامي الصادر عن قمة فيلنيوس إلى «ضرورة تضافر جهود الدول الأعضاء لمواجهة التحديات المنهجية التي تشكلها الصين، والدفاع عن القيم المشتركة بينها، وعن نظام عالمي يقوم على القواعد، بما فيها حرية الملاحة البحرية».

لكن الملف الصيني ما زال يثير تبايناً في مواقف الدول الأعضاء، وبخاصة الوازنة منها. إذ تدفع الولايات المتحدة باتجاه توثيق العلاقات الدفاعية مع الديمقراطيات الآسيوية بهدف محاصرة الصين، فيما تتردد ألمانيا وفرنسا، وبنسبة أقل إيطاليا وإسبانيا، في الذهاب بعيداً لوضع بكين في خانة التهديدات الأمنية الكبرى التي تواجه الحلف.

الجبهة الجنوبية

يتضمن البيان الختامي أيضاً إشارات عديدة إلى الجبهة الجنوبية التي تشكّل إحدى أولويات إيطاليا وإسبانيا من حيث تداعيات التطورات فيها على أمن البلدين وتدفقات الهجرة عبر المتوسط. وتشدد هذه الإشارات على هشاشة الاستقرار في مناطق الساحل والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والمحاولات التي تقوم بها روسيا لـ«زعزعة» الأوضاع الأمنية في هذه المناطق. ومن هذا المنطلق، قرر الحلف تكليف المجلس العسكري لشمال الأطلسي وضع دراسة معمقة حول التهديدات والتحديات الناشئة في هذه المناطق، وفرص التحالف مع بعض البلدان فيها لمواجهتها.

أمين حلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ (رويترز)

البنى التحتية الاستراتيجية

يركز البيان أيضاً على هشاشة وضعف بعض البنى التحتية الأساسية لأمن الدول الأعضاء ومقتضياتها الدفاعية، مثل أنابيب نقل الغاز والنفط والكابلات البحرية. ويعتبر الحلف أن هذه البنى تتعرّض لتهديدات حقيقية ومتزايدة، ويؤكد أن كل اعتداء على البنى الحيوية للدول الأعضاء يستدعي رداً موحداً وحازماً. وتقرر إنشاء مركز بحري يسهر على أمن البنى التحتية البحرية الحساسة، وإقامة شبكة تربط الحلف الأطلسي بحلفائه، والقطاع الخاص وجهات أخرى، بهدف تحسين تدفق المعلومات في هذا المضمار.

المشهد الأخير على مسرح القمة كان قصيراً لكن غنياً بالرسائل والرموز: البيان المشترك للدول الوازنة في مجموعة السبع والحلف الأطلسي يعلنه رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيما، ويتلوه الرئيس الأميركي جو بايدن الذي بدا متعباً واستهل كلامه بالقول إن أحداً لم يكن يتوقع أن تهبّ دولة مثل اليابان لمساعدة أوكرانيا مؤكدة على رفض انتهاك المواثيق الدولية وعدم جواز تغيير حدود الدول بالقوة أو التهديد باستخدامها، ليضيف بعد ذلك أن موقع أوكرانيا هو الحلف الأطلسي وأن الدول الموقعة على البيان لن توقف الدعم الذي تقدمه لها، ودعا كل البلدان الراغبة للانضمام إليه وتوقيعه.

وقال بايدن أيضاً إنّه بانتظار أن يفتح حلف شمال الأطلسي باب العضوية أمام كييف، ستساعد مجموعة السبع أوكرانيا على بناء جيش قويّ يمتلك قدرات دفاعية «في البرّ والبحر والجو». وخلال مراسم شارك فيها قادة دول مجموعة السبع والرئيس الأوكراني، قال بايدن «سنساعدهم في بناء قدرات دفاعية قوية في البرّ والجوّ والبحر»، مشدّداً على أنّ «مستقبل أوكرانيا هو في حلف شمال الأطلسي».

وختم المشهد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بكلمة بروتوكولية مقتضبة كانت انعكاساً لتصريح أدلى به قبل ذلك بساعات حيث قال: «جيدة نتائج القمة، لكنها ليست مثالية». وفي تصريحات بجانب بايدن، قال الرئيس الأوكراني إن التعهّدات التي قطعتها مجموعة السبع لبلاده بتوفير دعم طويل الأمد لمساعدتها على إلحاق الهزيمة بروسيا تشكّل «انتصاراً أمنياً كبيراً» لكييف. وأضاف أنّ «الوفد الأوكراني يحمل إلى الديار (في ختام القمة) انتصاراً أمنياً كبيراً لأوكرانيا، لبلادنا، لشعبنا، لأطفالنا».

زيلينسكي مع المستشار الألماني أولاف شولتس اليوم (إ.ب.أ)

إلى ذلك، قال المستشار الألماني أولاف شولتس على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في فيلنيوس إن الهدف من التعهدات الأمنية لأوكرانيا الصادرة عن عدة دول في إطار مجموعة السبع هو أن تصبح هذه التعهدات جزءا من استراتيجية طويلة الأمد لدعم كييف. وأضاف للصحافيين «الأمر يتعلق بشراكة أمنية مطلوبة بشكل عاجل والتي ستمكّن الدول المشاركة من تحديد مساهماتها (لكييف) ودمج هذه المساهمات في استراتيجية طويلة الأجل يمكن لأوكرانيا الاعتماد عليها».

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقال إنه يأمل في أن يصادق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على انضمام السويد لحلف شمال الأطلسي سريعاً.


مقالات ذات صلة

النرويج تعتزم تعزيز دفاعاتها بغواصات وصواريخ لمواجهة روسيا

أوروبا نظام «هيمارس» الأميركي (رويترز)

النرويج تعتزم تعزيز دفاعاتها بغواصات وصواريخ لمواجهة روسيا

تعتزم النرويج شراء غواصتين ألمانيتين إضافيتين وصواريخ بعيدة المدى، مع سعي البلد المحاذي لروسيا إلى تعزيز دفاعاته.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
أوروبا الرئيس بوتين محاطاً بيوري أوشاكوف (على يمينه) وكيريل دميترييف خلال المحادثات مع ويتكوف وكوشنر في موسكو أمس (سبوتنيك - أ.ف.ب)

بعد «تعثر» مفاوضات موسكو... تساؤلات عن قدرة إدارة ترمب على كبح اندفاعة بوتين

ماركو روبيو يواصل ضخ رسائل إيجابية، مجدداً التأكيد على «إحراز تقدم» في البحث عن صيغة مقبولة لجميع الأطراف، لكن الأطراف الأوروبية ترى أن الصورة أكثر قتامة

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحافي قبل الاجتماع الوزاري لوزراء خارجية الحلف بمقر «الناتو» في بروكسل اليوم (أ.ف.ب)

روته: نأمل التوصّل إلى وقف النار في أوكرانيا قبل قمة «الناتو» خلال يوليو

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، اليوم (الثلاثاء)، إنه يأمل في التوصُّل إلى وقف لإطلاق النار بأوكرانيا قبل قمة الحلف المقررة في يوليو.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تحليل إخباري صورة من شريط فيديو لمدفع روسي ذاتي الحركة يطلق قذيفة باتجاه مواقع أوكرانية (أرشيفية - إ.ب.أ)

تحليل إخباري المأزق الأوروبي في حرب مُحتملة مع روسيا

مطلوب اليوم من الدول الأوروبيّة الانتقال من التنافس إلى التعاون لمواجهة احتمال حرب مع روسيا.

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكشف عن خدمة عسكرية وطنية جديدة أثناء حديثه للجيش في القاعدة العسكرية في فارس بجبال الألب الفرنسية يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ب)

ماكرون يكشف عن خدمة عسكرية فرنسية جديدة قائمة على التطوّع

كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، عن خطة جديدة للخدمة العسكرية الوطنية، في إطار مسعى فرنسا لتعزيز قدراتها الدفاعية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

البابا: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام انتهاكات حقوق الإنسان

البابا ليو الرابع عشر يتحدث في الفاتيكان (أ.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في الفاتيكان (أ.ب)
TT

البابا: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام انتهاكات حقوق الإنسان

البابا ليو الرابع عشر يتحدث في الفاتيكان (أ.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في الفاتيكان (أ.ب)

أكد البابا ليو الرابع عشر أمام سفراء جدد، اليوم (السبت)، أن الفاتيكان لن يقف مكتوف الأيدي أمام انتهاكات حقوق الإنسان في أنحاء العالم.

وهذه من أوضح التصريحات التي تكشف حتى الآن عن فلسفة البابا الأميركي، الذي انتُخب على رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم في مايو (أيار) عقب وفاة البابا فرنسيس.

وقال البابا أمام مجموعة السفراء الـ13: «أود أن أؤكد مجدداً أن الكرسي الرسولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام التفاوتات الجسيمة، والظلم وانتهاكات حقوق الإنسان الأساسية في مجتمعنا العالمي الذي يزداد انقساماً وعرضة للصراعات».

و«الكرسي الرسولي» هو الهيئة الحاكمة للكنيسة التي يقودها البابا، ويمتلك سلطة روحية على 1.4 مليار كاثوليكي.

وأكد البابا أن «دبلوماسية الكرسي الرسولي تتجه باستمرار نحو خدمة خير البشرية، لا سيما من خلال مناشدة الضمائر، والإصغاء لأصوات الفقراء، أو الذين يعيشون في أوضاع هشّة، أو الذين يُدفعون إلى هامش المجتمع».

وبتركيزه على عدم المساواة، يبني ليو على أولويات سلفه البابا فرنسيس، الذي دافع عن حقوق المهاجرين وغيرهم من الفئات المستضعفة خلال حبريته.

وانتقد ليو، الذي أمضى قرابة 20 عاماً مبشّراً في البيرو، معاملة المهاجرين «غير المحترمة» في الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب.

والسفراء الجدد المعتمدون الذين استقبلهم الفاتيكان السبت، من أوزبكستان ومولدوفا والبحرين وسريلانكا وباكستان وليبيريا وتايلاند وليسوتو وجنوب أفريقيا وفيجي وميكرونيزيا ولاتفيا وفنلندا.


استراتيجية الأمن القومي الأميركي و«المعجزة» الأوروبية المنشودة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث قبل حفلة لمغني الأوبرا الإيطالي الضرير أندريا بوتشيللي في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث قبل حفلة لمغني الأوبرا الإيطالي الضرير أندريا بوتشيللي في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

استراتيجية الأمن القومي الأميركي و«المعجزة» الأوروبية المنشودة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث قبل حفلة لمغني الأوبرا الإيطالي الضرير أندريا بوتشيللي في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث قبل حفلة لمغني الأوبرا الإيطالي الضرير أندريا بوتشيللي في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن مفاجئاً مضمون استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترمب للأمن القومي الأميركي التي تُصوّر الحلفاء الأوروبيين بوصفهم ضعفاء، وتسعى إلى إعادة تأكيد هيمنة الولايات المتحدة في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

ستثير الوثيقة التي صدرت الجمعة 5 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن البيت الأبيض استياء الحلفاء التقليديين لواشنطن في أوروبا، لما تتضمّنه من انتقادات لاذعة لسياسات قادة «القارة العجوز» في شأنَي الهجرة، وحرية التعبير، إذ تُشير إلى أنهم يواجهون «احتمال امّحاء حضاريّ»، وتشكّك في مدى موثوقيتهم بأنهم شركاء للولايات المتحدة على المدى الطويل.

وتُجدّد الوثيقة، بلغة لا تخلو من البرودة، والنبرة التصادمية، تأكيد فلسفة ترمب القائمة على مبدأ «أميركا أولاً» الذي يعني عملياً عدم التدخل في الخارج، وتُعيد تقييم عقود من الشراكات الاستراتيجية، وتضع المصالح الأميركية فوق كل اعتبار.

هذه أول استراتيجية للأمن القومي -وهي وثيقة يُلزم القانون الإدارة بإصدارها- منذ عودة الرئيس الجمهوري إلى السلطة في 20 يناير (كانون الثاني) 2025. وتمثل سطورها قطيعة واضحة مع النهج الذي اعتمدته إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن، والتي سعت إلى إعادة تنشيط التحالفات بعد أن كانت قد تزعزعت خلال الولاية الأولى لترمب، وإلى كبح جماح روسيا الناهضة اقتصادياً بفضل صادراتها من النفط، والغاز.

*دور متراجع

سعى ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض إلى التوسّط لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية المستمرة منذ نحو أربع سنوات في أوكرانيا، وهو هدف تؤكد الاستراتيجية الجديدة أنه يدخل ضمن المصالح الحيوية لواشنطن الراغبة في تحسين علاقاتها مع موسكو بعد سنوات من التعامل مع روسيا بوصفها دولة منبوذة دولياً، وبالتالي يغدو إنهاء الحرب مصلحة أميركية أساسية من أجل «إعادة إرساء الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا».

إطفائي يتعامل مع نيران أشعلها هجوم جوي روسي على العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

وتنتقد الوثيقة حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين الذين وجدوا أنفسهم هذا العام الذي يطوي أيامه الأخيرة أمام قساوة إصرار ترمب على التخلص من أعباء الحرب الروسية-الأوكرانية، بينما يواجهون تحديات اقتصادية داخلية، إضافة إلى أزمة وجودية، و«حضارية»، وفق واشنطن.

الواقع أنه ليس مستغرباً أن يضمر «حجم» أوروبا في التفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة. فالتاريخ يُظهر أن الاستراتيجية الكبرى الأميركية التي كانت في الغالب تتمحور على أوروبا لا بد أن تعكس تراجع خطر هيمنة قوة واحدة على القارة القديمة منذ مطلع الألفية، وظهور مراكز أخرى للنفوذ الجيوسياسي، والرهانات الجيواقتصادية. وهذا ما دفع الولايات المتحدة إلى إعطاء مناطق أخرى من العالم أهمية متزايدة. فبينما ركّز الرئيس جورج بوش الابن على الشرق الأوسط، أعلن كل رئيس جاء بعده -حتى وإن لم يُنفَّذ الأمر بشكل كامل- سياسات تهدف إلى «التحوّل نحو آسيا». وفي عهد ترمب، أضيفت أميركا اللاتينية إلى آسيا، وما قاله الرجل عن بنما، وما يفعله حيال فنزويلا، وبدرجة أقل نحو كولومبيا خير دليل على ذلك.

*جيل أميركي مختلف

تُظهر التحوّلات الديموغرافية في الولايات المتحدة أنّ «جيل الحرب الباردة»، الذي كان يميل تلقائياً بشيء من الحنين إلى «الأطلسية»، والجسور الثقافية الممتدة إلى الجزر البريطانية، واليابسة الأوروبية، يقترب من «التقاعد»، ويحلّ محلّه جيلٌ أصغر سناً، وأكثر تنوّعاً من الناحية العرقية، ويعيد النظر في الدور الأميركي على مستوى العالم. ونظراً للحذر العميق الذي يعتمل في نفس ترمب حيال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأوروبي، كان طبيعياً أن يعمد في ولايته الثانية إلى إنزال أوروبا درجات في سلّم الأولويات، ومعها «الناتو» الذي أُنشئ عام 1949 للوقوف في وجه الاتحاد السوفياتي، ومنعه من مدّ نفوذه إلى أوروبا الغربية. فالتفاهم مع موسكو بشأن أوروبا ومناطق أخرى من الكوكب أفضل من إنفاق الأموال على حماية أوروبا «الاتكالية».

مبنى بيرلايمونت حيث مقر المفوضية الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)

خالف هذا التوجه تمسّك جميع الرؤساء الذين تولّوا الحكم في واشنطن بعد الحرب الباردة بالموقع الرئيس لأوروبا في الاستراتيجية الأميركية. فقد كانت أوروبا تُعدّ سوقاً رئيسة للبضائع، والخدمات الأميركية (خصوصاً الدفاعية)، وكان يمكن للحلفاء الأوروبيين أن يشكّلوا قوة مضاعِفة للنفوذ الأميركي في مناطق أخرى من العالم. وفي المقابل، كانت روسيا تهديداً لأمن أوروبا، وللنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، بما يشمل منطقة المحيط الهادئ، حيث تعمل موسكو على تعزيز مصالحها الخاصة، وتتماهى في مواقفها مع الصين.

*التحديات الثقيلة

جاء في وثيقة الاستراتيجية الأميركية أن «الركود الاقتصادي في أوروبا يقل أهمية عن الاحتمال الحقيقي والأكثر حدّة لحصول امّحاء حضاريّ».

وترى واشنطن أن أوروبا تضعف بسبب سياسات الهجرة التي تعتمدها، وتراجع معدلات الولادة، و«قمع حرية التعبير، وكبح المعارضة السياسية»، فضلاً عن «فقدان الهويات الوطنية، والثقة بالنفس».

تضيف الوثيقة: «إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن القارّة ستكون مختلفة تماماً في غضون 20 عاماً أو أقل. بالتالي، ليس من الواضح إطلاقاً ما إذا كانت بعض الدول الأوروبية ستملك اقتصادات وجيوشاً قوية بما يكفي لتبقى من الحلفاء الموثوقين (...). نحن نريد لأوروبا أن تبقى أوروبية، وأن تستعيد ثقتها الحضارية بنفسها».

إذا سلمنا بصحة هذا التصوّر، فإننا نستنتج فوراً أن على أوروبا أن تصدّ أو تلطّف تداعيات الخروج الأميركي المرجَّح من معمعة الحرب الروسية–الأوكرانية. فالقارة لا تملك القوة الكافية لرفد كييف بما يمكّنها من مواصلة الحرب، ومجاراة القوة العسكرية الروسية. ولا فائدة من رفع الإنفاق العسكري في دول أوروبية عديدة لإقامة توازن مستحيل مع القوة الروسية، في موازاة استنزاف اقتصادات متعثرة تعاني عجزاً هائلاً بـ«قيادة» ألمانيا التي يبلغ دينها العام 2.55 تريليون يورو، وهو ما يعادل نحو 62.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفرنسا (3.416 تريليون يورو، أي ما يعادل 115.8في المائة من الناتج المحلي).

لا شك في أنه يحق للاتحاد الأوروبي أن يشغل مقعداً إلى طاولة المفاوضات الجارية على قدم وساق بين واشنطن وموسكو لإنهاء الحرب في أوكرانيا التي تكتفي –رغم محاولات التجميل– بدور المتلقي. فالحرب مسرحها أوروبي، و«أهل الدار» معنيون بما يجري على أرضهم.

*التواصل أجدى من القطيعة

لن يتحقق المطلب الأوروبي إلا بإقامة خطوط اتصال بين بروكسل وموسكو، فبغير ذلك لا انخراط لأوروبا في صَوغ القرارات التي ستُتّخذ لإنهاء حرب أوكرانيا مع ما لذلك من انعكاسات على الأمن الأوروبي. وإن لم يحصل هذا الأمر فسيجد الأوروبيون أنفسهم يكتفون بردّ الفعل على تطوّرات تقودها واشنطن وموسكو، وبدرجة أقل كييف.

جنود من المشاة خلال تدريب عسكري فرنسي - بلجيكي مشترك في منطقة مفتوحة قرب بلدة سيسون بشمال شرقي فرنسا (أ.ف.ب)

أوروبا كبيرة، وغنية رغم العثرات الحالية، ومتقدمة تكنولوجياً. وهي تحتاج بالفعل إلى برنامج إعادة تسليح قوي يقنع موسكو -التي لا تريد حرباً مع أوروبا كما قال فلاديمير بوتين لكنها مستعدة لها– بالتفاوض الجدّي.

أما الورقة الثانية للإقناع فتكون بكسر الجمود بشأن الأصول الروسية المجمدة والمحتجَزة بموجب العقوبات التي أقرها الاتحاد الأوروبي على دفعات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. فموسكو ستَنشد حلاً لتحرير أصولها الأوروبية التي تقدَّر قيمتها بـ210 مليارات دولار. أما الرأي الأوروبي القائل بضرورة استخدام هذه الأصول لدعم أوكرانيا، فمؤداه إطالة عمر الحرب، ووضع القارة في حالة مواجهة مع روسيا هي في غنى عنها.

ثمة من يقول إن الكرملين لا يفهم سوى لغة القوة، والبيت الأبيض لا يفهم سوى لغة الأعمال، وعلى أوروبا أن تتقن اللغتين. وثمة من يردّ على ذلك بالقول إن ما ورد عن البيت الأبيض صحيح، في حين أن ما ورد عن الكرملين مضلِّل.

ولعلّ الحقيقة أن كل هذه المعادلة لا ضرورة لها، وليس على أوروبا أن تتقن لغتين، بل عليها أن تُحسن إنجاب قادة حقيقيين يعرفون التاريخ ليضعوا رؤى لمستقبل يقيهم شرّ «الامّحاء الحضاري»، و«تلاشي الهويات»، فهل تتحقق «المعجزة»؟...


«الطاقة الذرية»: الدرع الواقية لمحطة تشرنوبل النووية تضررت

يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية في تشرنوبل (رويترز)
يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية في تشرنوبل (رويترز)
TT

«الطاقة الذرية»: الدرع الواقية لمحطة تشرنوبل النووية تضررت

يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية في تشرنوبل (رويترز)
يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية في تشرنوبل (رويترز)

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة أمس (الجمعة)، أن الدرع الواقية في محطة تشرنوبل النووية بأوكرانيا، التي تم بناؤها لاحتواء المواد المشعة الناجمة عن كارثة 1986، لم تعد بإمكانها أداء وظيفتها الرئيسية للسلامة، بعد تعرضها لأضرار بسبب طائرة مسيرة، وهو ما اتهمت أوكرانيا روسيا بالمسؤولية عنه، بحسب «رويترز».

وقالت الوكالة إن عملية تفتيش الأسبوع الماضي لهيكل العزل الفولاذي الذي اكتمل في عام 2019، وجدت أن تأثير الطائرة المسيرة في فبراير (شباط)، أي بعد 3 سنوات من الصراع الروسي في أوكرانيا، أدى إلى تدهور الهيكل.

وقال رافائيل غروسي المدير العام للوكالة في بيان، إن «بعثة التفتيش أكدت أن (هيكل الحماية) فقد وظائف الأمان الأساسية، بما في ذلك القدرة على الاحتواء، ولكنها خلصت أيضاً إلى أنه لم يكن هناك أي ضرر دائم في هياكله الحاملة أو أنظمة المراقبة».

وأضاف غروسي أنه تم بالفعل إجراء إصلاحات «ولكن لا يزال الترميم الشامل ضرورياً لمنع مزيد من التدهور، وضمان السلامة النووية على المدى الطويل».

وذكرت الأمم المتحدة في 14 فبراير، أن السلطات الأوكرانية قالت إن طائرة مسيرة مزودة برأس حربي شديد الانفجار ضربت المحطة، وتسببت في نشوب حريق، وألحقت أضراراً بالكسوة الواقية حول المفاعل رقم 4 الذي دُمر في كارثة عام 1986.

وقالت السلطات الأوكرانية إن الطائرة المسيرة كانت روسية، ونفت موسكو أن تكون قد هاجمت المحطة.

وقالت الأمم المتحدة في فبراير، إن مستويات الإشعاع ظلت طبيعية ومستقرة، ولم ترد تقارير عن تسرب إشعاعي.

وتسبب انفجار تشرنوبل عام 1986 في انتشار الإشعاع بجميع أنحاء أوروبا، ودفع السلطات السوفياتية إلى حشد أعداد هائلة من الأفراد والمعدات للتعامل مع الحادث. وتم إغلاق آخر مفاعل يعمل بالمحطة في عام 2000.

واحتلت روسيا المحطة والمنطقة المحيطة بها لأكثر من شهر في الأسابيع الأولى من غزوها لأوكرانيا في فبراير 2022، حيث حاولت قواتها في البداية التقدم نحو العاصمة الأوكرانية كييف.

وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أجرت التفتيش في الوقت نفسه الذي أجرت فيه مسحاً على مستوى البلاد للأضرار التي لحقت بمحطات الكهرباء الفرعية، بسبب الحرب التي دامت نحو 4 سنوات بين أوكرانيا وروسيا.