صعود أحزاب اليمين المتطرف في أرجاء أوروبا... هل إسبانيا التالية؟

TT

صعود أحزاب اليمين المتطرف في أرجاء أوروبا... هل إسبانيا التالية؟

ملصق ضخم في أحد شوارع مدريد ضد «تحالف الكراهية» المشكل من الحزب الشعبي وحزب فوكس (أ.ب)
ملصق ضخم في أحد شوارع مدريد ضد «تحالف الكراهية» المشكل من الحزب الشعبي وحزب فوكس (أ.ب)

الشهر الماضي، بعد نجاح الأحزاب الإسبانية المحافظة واليمينية المتشددة في سحق اليسار في الانتخابات المحلية، وقع الفائزون في إلش، وهي بلدة صغيرة بجنوب شرق البلاد تشتهر بالنحت وصادرات الأحذية، اتفاقية ستمس عواقبها مستقبل إسبانيا بأسرها، بل وباقي أرجاء أوروبا.

من جهته، نال مرشح الحزب الشعبي المحافظ فرصة للحكم، لكنه كان بحاجة إلى حزب «فوكس» اليميني المتشدد، الذي حصل، مقابل دعمه خلال تصويت المجلس، على منصب نائب رئيس البلدية، وهيئة إدارية جديدة للدفاع عن الأسرة التقليدية. ووقع الطرفان صفقتهما تحت صليب الكنيسة المحلية.

عن ذلك، قال بابلو روز فيلانويفا، عمدة إلش الجديد: «ربما يصبح هذا التحالف نموذجاً جيداً لإسبانيا كلها»، في إشارة إلى الانتخابات الوطنية المقررة في 23 يوليو (تموز)، التي تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أنها ستطيح برئيس الوزراء الليبرالي، بيدرو سانشيز، المنتمي إلى حزب العمال الاشتراكي. وشدد النائب الجديد لرئيس البلدية من حزب «فوكس»، أورورا روديل مارتينيز، على أن «حزبي سيبذل كل ما هو ضروري لإنجاز هذا الأمر».

ملصق يحضّ الإسبان على عدم التصويت لليمين المتطرف (أ.ب)

وحال تحقق رغبة روديل، مع انضمام «فوكس» إلى ائتلاف يضم عناصر محافظة أكثر اعتدالاً، فإن الأخير سيصبح أول حزب يميني منذ سقوط النظام الديكتاتوري لفرانشيسكو فرانكو ينضم إلى الحكومة الوطنية.

ويشكل صعود «فوكس» جزءاً من تيار متنامٍ يتمثل في صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة من حيث الشعبية، وحصولها على السلطة ببعض الأحيان من خلال الانضمام إلى حكومات بوصفها حلفاء صغاراً داخل ائتلافات حاكمة.

ثمة خلافات قائمة بين هذه الأحزاب، لكنها بوجه عام تخشى جميعها التداعيات الاقتصادية للعولمة، وترى أن بلدانها ستفقد هوياتها الوطنية جراء الهجرة، الواردة غالباً من بلاد غير مسيحية أو تسودها أغلبية غير بيضاء. وتخشى هذه الأحزاب أيضاً اتحاداً أوروبياً متمكناً يعتقدون أنه لا يهتم إلا بالنخب.

وزاد الصعود المستمر لهذه الأحزاب من الحاجة الملحة إلى عقد نقاش الآن بين الليبراليين حول كيفية التغلب على يمين ازداد نفوذه فجأة.

يرى البعض أن اليمين المتشدد بحاجة إلى التهميش، مثلما كانت الحال لأكثر من نصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية. في الوقت ذاته، يخشى آخرون أن اليمين المتشدد أصبح أكبر من أن يجري تجاهله، وأن الخيار الوحيد دمجهم في هيكل الحكم على أمل تطبيعهم.

رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز (أ.ف.ب)

في السويد، تعتمد الحكومة الآن على الأصوات البرلمانية لحزب ذي جذور نازية جديدة، ومنحته بعض النفوذ على صعيد صنع السياسة. في فنلندا؛ حيث صعد اليمين إلى الائتلاف الحاكم، خاطر حزب «الفنلنديون الحقيقيون» القومي بزعزعة استقراره، مع استقالة وزير رئيسي من هذا الحزب اليميني المتطرف، الشهر الماضي، بعدما تبين أنه ألقى نكات تتعلق بتمجيد هتلر.

الجمعة، انهارت الحكومة الهولندية بقيادة مارك روته، المحافظ وصاحب أطول فترة في منصب رئيس الوزراء في هولندا، لأن المزيد من أحزاب الوسط في ائتلافه عدّت جهوده للحد من الهجرة قاسية للغاية. وكان على روته أن يحرس جناحه الأيمن ضد صعود الشعبويين وحزب يميني متشدد.

في إيطاليا، تولى اليمين المتطرف السلطة بمفرده، لكن حتى الآن، حكمت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي ترعرعت سياسياً في أحزاب ولدت من رماد الفاشية وتعد حليفاً مقرباً من حزب فوكس الإسباني، بشكل أكثر اعتدالاً مما توقعه الكثيرون في أوروبا، الأمر الذي عزز حجة بعض المحللين بأن واقع الحكم يمكن أن يكون قوة دافعة نحو الاعتدال.

ماكرون وميلوني في مؤتمر صحافي مشترك في الإليزيه (إ.ب.أ)

في دول أخرى، تصعد أحزاب اليمين المتشدد في مناطق بدت فيها خاضعة للاحتواء حتى وقت قريب.

في فرنسا، أصبح الحزب الذي كان هامشياً بوقت مضى بقيادة الزعيمة اليمينية المتطرفة مارين لوبان، قوة راسخة مع تفجر الغضب ضد الرئيس إيمانويل ماكرون، بسبب قضايا مثل تغيير قانون التقاعد، وسياسات دمج الأقليات في البلاد والتعامل الشرطي معها.

المقرر أن ماكرون لن يرشح نفسه مرة أخرى، والانتخابات تفصلنا عنها سنوات، ومع ذلك ارتعدت فرائص الليبراليين في جميع أنحاء أوروبا عندما تفوقت عليه لوبان في بعض استطلاعات الرأي الأخيرة.

مارين لوبن (أرشيفية - رويترز)

وفي ألمانيا؛ حيث لطالما كان اليمين من المحرمات، ساعدت حالة الغموض التي تشوب الاقتصاد، والارتفاع الجديد في أعداد طالبي اللجوء الوافدين على البلاد، على إحياء حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف. ويعد الآن الحزب الرائد في الولايات الشرقية الشيوعية سابقاً، تبعاً لما كشفت عنه استطلاعات الرأي. في الوقت ذاته، تزداد شعبية الحزب في غرب البلاد الأكثر ثراءً وليبرالية.

وفي حين أن الأحزاب اليمينية في مختلف الدول، ليست لديها مقترحات متطابقة، فإنها ترغب بوجه عام في إغلاق الأبواب وقطع المزايا عن المهاجرين، والتراجع عن الخطوات التي جرى اتخاذها على صعيد التعامل مع المثليين، علاوة على أنها تبدي شكوكها إزاء قضية التغيرات المناخية وجدوى إرسال أسلحة لأوكرانيا.

رئيس الوزراء الهولندي المستقيل مارك روته (أ.ف.ب)

جدير بالذكر في هذا الصدد، وفي اعتراف واضح بأن اللون السياسي للقارة آخذ في التغيير، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في إسبانيا، الأسبوع الماضي، أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تحقيق نتائج ملموسة من أجل مواجهة القوى «المتطرفة».

وفي إسبانيا، التي يحظى الحزب «الشعبي» المحافظ فيها بفرصة جيدة للحصول على المركز الأول في الانتخابات المقبلة، يقول إستيبان غونزاليز بونس، وهو مسؤول بارز في الحزب، إن إدخال أحزاب يمينية متشددة مثل حزب «فوكس» في الحكومة، كان مجرد وسيلة لتحييدهم.

وأقر المسؤول بأن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر أيضاً، موضحاً: «أولاً، السيناريو السيئ هو أننا يمكن أن نضفي الشرعية على (فوكس)، ثم هناك فرصة ثانية تتمثل في إمكانية تطبيع وجوده، وفي حال حكم البلاد بشكل جيد فإنه سيكون حزباً آخر، حزباً محافظاً داخل النظام».

وفي الوقت الحالي، فإن الوضع يبدو مائعاً، كما أن هناك مؤشرات على أن سانشيز وحلفاءه اليساريين يكتسبون الدعم، كما يبدو أن «فوكس» يفقد قوته؛ حيث ركزت حملة سانشيز والفنانين المعروفين والليبراليين في جميع أنحاء إسبانيا، على التهديد الذي يمثله إدخال المحافظين لـ«فوكس» في الحكومة.

وكانت إسبانيا قد بدت في السنوات الأخيرة نقطة مضيئة لليبراليين، إذ حافظت مدريد، تحت حكم سانشيز، على معدل تضخم منخفض، وخففت التوترات مع الانفصاليين في كتالونيا وزادت معدل النمو الاقتصادي، والمعاشات التقاعدية والحد الأدنى للأجور، كما يتمتع سانشيز بشعبية في الاتحاد الأوروبي، ولكن التحالف بينه وبين الانفصاليين المستقطبين بشدة وقوى اليسار المتطرف غذى الشعور بالاستياء بين العديد من الناخبين.

ولا يعتقد بونس، المسؤول البارز في الحزب الشعبي، أن المخاوف بشأن احتمالية انضمام «فوكس» للحكومة مع المحافظين التابعين له غير صحيحة بشكل كامل، قائلاً: «نحن مؤيدون لأوروبا، ولكن (فوكس) ليس كذلك»، مضيفاً أن «(فوكس) قد يفضل شيئاً مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأن تستعيد جميع الدول سيادتها، كما أن الحزب لديه آراء حول حقوق المثليين والعنف ضد المرأة، تعد خطوطاً حمراء بالنسبة لنا».

وقد بدأت هذه الأفكار في الظهور عندما جلس قادة إلش الجدد في مكتب العمدة الشهر الماضي، وسعوا إلى تشكيل جبهة موحدة؛ حيث تناوب روز، وهو عمدة المدينة الذي ينتمي للحزب الشعبي المحافظ، ونائبته روديل وهي تنتمي لـ«فوكس»، على توجيه الانتقادات القاسية إلى رئيس الوزراء.

علم الاتحاد الأوروبي (رويترز)

وبعد ممارسة الضغوط عليه، أقر العمدة بأن حزبه يعترف بزواج المثليين، وأنه يشعر بالقلق بشكل أكبر بشأن الأحزاب اليمينية المتشددة مثل «البديل من أجل ألمانيا» من شريكه (فوكس)، ولكنه مع ذلك قال إن ناخبي الحزب «الشعبي» و«فوكس» متشابهون، لكن هناك مقاربات مختلفة لكيفية التنفيذ.

وحينها تساءلت روديل، وعلى وجهها ابتسامة خجولة: «هل يمكنني أن أقول شيئاً بخصوص ذلك؟ لدينا موقف ربما يكون أكثر حزماً قليلاً، إذ يؤمن (فوكس) بسيادة الدول ويرغب في زيادة صعوبة إجراء عمليات الإجهاض على النساء، وهي مواقف لا يدافع عنها بعض الأشخاص في حزب العمدة». وأضافت أن المواقف الغامضة لألبرتو نونيز فيغو، زعيم الحزب الشعبي، «تبدو مقلقة».

ولكنّ هناك كثيرين يشعرون بالقلق بشأن «فوكس»، إذ يقول كارلوس غونزاليس سيرنا، وهو عمدة إلش الاشتراكي السابق، الذي خسر الانتخابات: «لقد رأينا الشعبوية تنمو في البلدات الصغيرة بدعم من يمين الوسط، وبدلاً من تطويق اليمين المتطرف، فقد منحه التيار المحافظ فرصة للحصول على الشرعية».

وكان زعيم «فوكس» سانتياغو أباسكال قد انفصل عن الحزب «الشعبي» وسط فضيحة رشوة في عام 2013، ونمت شعبية الحزب في عام 2018 مع وصول المزيد من المهاجرين عن طريق البحر إلى إسبانيا أكثر من أي دولة أوروبية أخرى، وكان «فوكس» القومي أيضاً في وضع جيد لاستغلال رد الفعل العنيف على حركة الاستقلال الكتالونية.

كما وجد «فوكس» دعماً بين الإسبان غير الراضين عن التحول التقدمي في بلادهم بشأن تغير المناخ والقضايا الاجتماعية، بما في ذلك حقوق المثليين والنسوية؛ حيث تضمنت اللوحات الإعلانية لحملة الحزب مرشحين يرمون المثليين ورموزاً نسوية ورموزاً أخرى في سلة المهملات، وفي بلدة ناكويرا الواقعة بالقرب من إلش، أمر العمدة المُنتخَب حديثاً من حزب «فوكس» بإزالة أعلام المثليين من المباني البلدية.

ويقول أحد السكان، وهو سائق شاحنة يبلغ من العمر 45 عاماً ويدعى ماكسيمو إيبانيز، إنه صوَّت لصالح «فوكس»، لأن الحزب تحدث بوضوح، وكذلك لأنه «يشعر بأن قوانين إسبانيا الرائدة لحماية النساء صراحة من العنف القائم على الجنس، التي يتم استخدامها في محاكم خاصة ويتم بموجبها إصدار أحكام أكثر صرامة، تمارس تمييزاً ضد الرجال».

ويقول أحد قادة «فوكس» الإقليميين مازحاً، إن بعض النساء «غير جذابات للغاية بحيث لا يمكن اغتصابهن بشكل جماعي»، في حين قال آخر إن «النساء أكثر عدوانية لأنهن لسن رجالاً».

ملصق انتخابي آخر في أحد شوارع مدريد (أ.ب)

وتقول روديل، وهي نائبة عمدة إلش الجديدة، التي تنتمي إلى «فوكس»، إنه لا توجد خلافات بين حزبها والنساء، باستثناء فكرة أن العنف المنزلي يجب أن يُنظر إليه من خلال الآيديولوجية القائمة على الجنس، فضلاً عن فكرة أن «الرجل سيئ لمجرد كونه رجلاً، وذلك لأن لديه جيناً يجعله عنيفاً».

وأضافت أن حكومة سانشيز، عرّضت النساء للخطر بتشريعات فاشلة كان من الممكن أن تسمح لمرتكبي الجرائم الجنسية بالخروج من السجن.

وكان سانشيز قد اعتذر عن الآثار غير المقصودة لما يسمى قانون «نعم تعني نعم»، الذي كان يهدف إلى تصنيف جميع أنواع الجنس غير الرضائي بأنها اغتصاب، ولكنه خاطر، من خلال إجراء تغييرات في متطلبات إصدار الأحكام، بتقليل فترة السجن أو إطلاق سراح المئات من مرتكبي الجرائم الجنسية.

وكما يقول الكثيرون في أوروبا، إن الوقت قد حان لبدء التعامل مع الأحزاب اليمينية بجدية أكبر؛ حيث أعرب بعض الناخبين في إلش عن ندمهم لعدم تعاملهم مع حزب «فوكس» بجدية كافية.

وتقول إيزابيل شينشيلا (67 عاماً): «لم أكن أعتقد أنهم سيشكلون حكومة، ولقد فاجأوني بشكل حقيقي، ولكني سأشارك بالتصويت في الانتخابات الوطنية المقبلة حتى لا يتكرر هذا الأمر مرة أخرى، وذلك لأنهم رجعيون للغاية في رؤيتهم للمجتمع».

 

(خدمة نيويورك تايمز)


مقالات ذات صلة

هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تقبض على متظاهرة ضد قانون «إعدام الأسرى» أمام البرلمان الإسرائيلي في القدس 30 مارس الاثنين الماضي (أ.ف.ب) p-circle 00:57

«تفجير لمكانتنا المتدهورة أصلاً»....أصوات إسرائيلية رسمية تعارض «إعدام الأسرى»

الاعتراضات في تل أبيب ضد إقرار الكنيست «قانوناً» يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين لم تقتصر على المجتمع الحقوقي، بل باتت مسموعة في أوساط رسمية.

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية بن غفير خلال زيارته منطقة تعرضت لهجوم إيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)

نتنياهو يتحدى القضاء: بن غفير سيبقى في منصبه

طلبت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا، من المحكمة العليا إصدار أمر يُلزم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإقالة وزير الأمن القومي.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

فرنسا تطلب من السفير الأميركي توضيح سبب تغيبه عن الاستدعاء

قال وزير الخارجية الفرنسي إن السفير الأميركي سيستعيد صلاحياته في التعامل المباشر مع الحكومة الفرنسية بعد أن يوضح أسباب امتناعه عن الحضور إثر استدعائه أمس.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».